Полный текст (136 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(١) قلت: هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق في (المصنف) (رقم ٧٤٥ - ٧٧٣ - ٧٧٩ - ٧٨١ - ٧٨٢) وابن أبي شيبة أيضا في (المصنف (١ / ١٨٨) والبيهقي (١ / ٢٨٥) وكثير من أسانيدها صحيح عنهم. وبعضهم له أكثر من طريق واحد ومن ذلك طريق قتادة عن أنس أنه كان يمسح على الجوربين مثل الخفين وسنده صحيح. رواه عبد الرزاق (٧٧٩) وهو عند ابن أبي شيبة (١ / ١٨٨) مختصرا. وعندهما من طريق يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. وتلقى نافع ذلك عنه فقال: هما بمنزلة الخفين. أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه. وكذلك قال إبراهيم النخعي. أخرجه بسند صحيح عنه
قلت: فبعد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة رضي الله عن هم: أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغب عنه ما قاله إبراهيم هذا في مسحهم على الخفين:
(فمن ترك ذلك رغبة عنه فإنما هو من الشيطان)
رواه ابن أبي شيبة (١ / ١٨٠) بإسناد صحيح عنه
[٥٨]
стр. 72
ما روي عن أعلام الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم
من جواز المسح على الجوربين وإن كان رقيقين
قال الإمام النووي في شرح المهذب: وحكى أصحابنا (الشافعية) عن عمر وعلي رضي الله عن هما جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقا. وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود ثم قال النووي: واحتج من أباحه - وإن كان رقيقا - بحديث المغيرة أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه. وعن أبي موسى مثله مرفوعا
انتهى كلامه وفيه من الزيادة عن ما قبله التصريح بالجواز عنهم ولو كان رقيقا وإن كان يفهم ذلك من إطلاق المأثور قبل لأن الأصل في المطلق حمله على مطلقه حتى يرد ما يقيده كما أن العام له حكمه حتى يخصصه دليل. وسيأتي إيضاح ذلك مما قاله الإمام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان
بيان أن أقوال الصحابة وفتاويهم أولى بالأخذ من غيرها
والرد على من زعم رفع ثقته بالمأثور عنهم
هذا بحث عظيم يجب على كل من شدا طرفا من العلم
[٥٩]
стр. 73
أن يلقي اسمع إليه ذلك لأن كثيرا من الناس إذا ذكر له مذهب صحابي في مسألة ما تراه لا يرفع له رأسا اتكاء على أنه ليس ممن لقن العمل به وربما تطاول فقال: إنه ليس ممن دون مذهبه. ولما كان هذا مما لا يستهان به في الدين إذ مثل هذا القول منكر عند الراسخين. وجب إزاحة اللبس فيه إرشادا للمتقين وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم في المقام الأسنى والمحل الأعلى في كل علم وعمل وفضل ونبل
قال الإمام ابن القيم ﵀ في (أعلام الموقعين) :
كما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ . ونقل ﵀ عن الشافعي أنه قال في الصحابة: هم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا. . . إلخ
إذا علمت هذا تبين لك أن ما جاء في (جمع الجوامع) للسبكي من أن في تقليد الصحابي قولين أحدهما المنع لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدون وعزو شارحه ذلك لإمام الحرمين الجويني والمحققين (يعني مقلدة الجويني وأتباعه) كلام مجمل لا يغتر بظاهره ويؤخذ من كلام غير واحد من الأئمة رده. بل السبكي نفسه رد ذلك وقال: - كما نقله عنه الزركشي وتراه في حواشيه: إن تحقق
[٦٠]
стр. 74
ثبوت مذهبه (أي الصحابي) جاز تقليده اتفاقا
وقد سئل العز بن عبد السلام (١) عمن صح عنده مذهب أي بكر أو غيره من علماء الصحابة في شيء فهل يعدل إلى غيره أم لا؟ فأجاب بأنه إذا صح عن أحد الصحابة مذهب في حكم من الأحكام فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل أوضح من دليله. قال: ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف بل لا يحل ذلك في وضوح أدلتهم على أدلة الصحابة. اه
وقال ابن تيمية في بعض فتاويه: وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوله اه
والنصوص في العناية بأقوال الصحابة أوفر من أن تحصر نقول هذا تمهيدا للأقوال المأثورة في المسح على الجوربين في كتاب السنن لأبي داود وغيره فإنها حجة
стр. 75
(١) شرح خليل للحطاب جزء (١) ص ٣١
[٦١]
стр. 76
في هذا الباب على كل من خالف كيفما كان حالها لأنها - على ما فصله ابن تيمية وقرره الأصوليون - إما منتشرة غير منكورة وما كان كذلك فهو حجة باتفاق وإما أنها قال بها بعضهم ولم ينتشر ما يخافه والجمهور يحتجون بذلك. وقد علم أنه ليس ثم مخالف فينتشر قوله إذ لم يرد عنهم فيه إلا رفعه إلى النبي ﷺ أو عملهم به على ما عرفت من روايات متعددة. ومن الجلي في باب الأحكام أن حكما بلغ عدد رواته والقائلين به والعاملين به ستة عشر لو كانوا من طبقة غير الصحابة لما توقف في قبوله فكيف وكلهم من طبقة الصحابة عليهم رحمة الله ورضوانه
هذا كله على فرض أنه لم يرو في الباب - أي باب المسح على الجوربين - إلا قولهم فقط وإلا فقد قدمنا ما روي فيه من الأحاديث التي هي الحجة في هذا الباب والمرد عند التنازع (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل)
وإنما هذه الجملة ينبغي أن ينتبه لها الذين يأبون إلا التقليد ليعلموا أن من آثر التقليد فالأحرى به تقليد الصحابة لأنهم الأعلم وأجمع الأصوليون على أنه يقدم - في باب التقليد - الأعلم. قال ابن القيم في أعلام الموقعين: فلا يدري ما عذر المقلد في ترجيح أقوال غير الصحابة على أقوالهم فكيف إذا منع الأخذ بقول الصحابة
[٦٢]
стр. 77
فكيف إذا صار يرمى بالابتداع من عمل بها؟ لا جرم أنه أخذ بالمثل المشهور: رمتني بدائها وانسلت اه
وأما شبهة عدم الوثوق بما يؤثر مذهبا للصحابة إذ لم يدون مذهبهم فأوهى من بيت العنكبوت لأن كلامنا فيما نقل عنهم في الكتب الموثوق بها المتداولة في الأيدي من كتب السنة والفقه لا سيما الصحيحان وكتب السنن فقد حفظت من الزيادة والنقص بقوة العناية بها شرحا وضبطا ووفرة النسخ المخطوطة المعلم عليها بسماعات الحفاظ في معظم المكتبات مما لا يوجد نظيره في كتب أئمة الفقه المشهورة مذاهبهم. ولا ريب أن ذلك من معجزات الرسول ﷺ إذ قيض الله لسنته من حفظها كما فعل ذلك بتنزيله الكريم وله الحمد والمنة
على أن المعول عليه منذ انتشر التأليف والتصنيف هو النقل عن الموجود الذي تثق به النفس - سواء كان مقابلا كله على أصله أو لا - ما دام يغلب على الظن صحته ويطمئن له القلب هو المسمى بالوجادة. ولذا اعترض الإمام المقبلي في (العلم الشامخ) على تصريحهم بعدم اعتماد الوجادة بأن هذا يناقضه إذ هو - أي قولهم المذكور - وجادة ليس إلا. قال: وأما الوثوق فهو شرط في كل طريق اه
بل على الوجادة المذكورة اعتماد القضاة والمفتين
[٦٣]
стр. 78
والمستنبطين إذ يتعذر إسناد كل كتاب إلى مؤلفه وضبطه عنه بالسماع والقراءة في كل الطبقات على أن كتب الحديث وجد فيها من الضبط والتلقي والشرح لها وتعداد نسخها المصححة تفاخرا بقراءتها وتشرفا بسماعها وتلقيها والإجازة لها ما لم يوجد عشر عشره في مؤلفات الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولو أريد نسخ كتاب من مؤلفات الأئمة أو طبعه يحول دون الظفر بنسخ كاملة منه ما يحول (١) ولا يرى غالبا بعد التنقيب أجزاء متفرقة أو نسخة مخرومة مع أن حق مقلدة أئمتها أن ينسخوا منها في كل قرن الألوف وأن يخدموها بالقراءة والإقراء والنشر والشروح. ولقد حرصت مرة على أن أظفر بنسخة مخطوطة من رسالة الإمام الشافعي أو بشرح لها لأقابل بها المطبوعة وأنسخ الشرح فلم أجد لها من أثر في مكتبة من مكاتب القطر الشامي أين هذا من نسخ كتب الصحيحين والسنن المخطوطة التي امتلأت منها مكاتب الدنيا ولا يعيى الظفر بجيداتها على طالب ما. أفليس الوثوق إذن بكتب السنة وما فيها من المرفوع والموقوف (وهو أقوال الصحب وفتاويهم) أقوى في النفس من غيرها؟ اللهم فبلى
стр. 79
(١) وهذا ما وقع عند طبع كتاب (الأم) للشافعي فقد احتاجوا إلى جمع أجزائها من مختلف البلدان. وقس على كتاب الأم أمثاله من مؤلفات الأئمة
[٦٤]
стр. 80
ومما يؤيد ما قدمناه في الوجادة ما في تدريب الراوي للسيوطي شرح تقريب النواوي في أواخر بحث الصحيح وعبارته (١) : عن الإمام ابن برهان في الأوسط: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها وإن لم يسمع
وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة وأنه لا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها. وقال إلكيا الطبري في تعليقه: من وجد حديثا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال: وأما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها والاستناد إليها لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم لحصول الثقة بها وبعد التدليس اه
فتأمل تظاهر أقوال الأئمة على اعتماد ما في كتب
стр. 81
(١) ص ٤٩
[٦٥]
стр. 82
الفقه وغيرها تعلم أنه إذا وجد فيها نقل عن صحابي أو حكاية مذهب له أنه يوثق به ويعمل بلا ارتياب ويكون أولى من غره في باب التقليد لمن شاءه فافهم ولا تكن أسير التقليد
من روي عنه المسح على الجوربين من التابعين
لا يخفى أنه إذا لم يوجد في مسألة ما أثر مرفوع ولا موقوف ووجد للتابعين قول أو فتوى في شأنها كان ذلك مما يعتبر أو يؤثر لا سيما في باب تقليد الأعلم والأفضل عن المقلدة وقد روى محمد بن سعد (١) أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس أشيء سمعته أم رأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه ولكن رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم. اه. (٢)
وقد روي عن التابعين في المسح على الجوربين عدة آثار: أخرج الإمام ابن حزم رضي الله عن هـ في كتاب المحلى عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: الجوربان بمنزلة الخفين في المسح. وعن ابن جريج قلت لعطاء: أيمسح على الجوربين؟ قال: نعم امسحوا عليهما مثل
стр. 83
(١) يعني صاحب (الطبقات الكبرى)
(٢) أعلام الموقعين جزء ١ صفحة ٧٥
[٦٦]
стр. 84
الخفين وعن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا. وعن الفضل بن دكبن قال: سمعت الأعمش - وسئل عن الجوربين: أيمسح عليهما من بات فيهما؟ قال: نعم. وعن قتادة عن الحسن وخلاس ابن عمرو أنهما كانا يريان الجوربين في المسح بمنزلة الخفين ثم عد من التابعين سعيد بن جبير ونافعا (١)
(ثم قال ابن حزم) : وهو قول سفيان الثوري والحسن ابن حي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي (الظاهري) وغيرهم اه
بيان أقوال الفقهاء المشهورين في المسح على الجورين
(مذهب المالكية في المسح على الجوربين)
قال الإمام ابن القاسم في المدونة: كان مالك يقول في الجوربين يكونان على الرجل وأسفلهما جلد مخروز
стр. 85
(١) قلت: أخرجه ابن أبي شيبة (١ / ١٨٩) عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ونافع وإبراهيم وتقدم لفظهما قريبا وعن عطاء قال: (المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفين) . وسنده صحيح
[٦٧]
стр. 86
وظاهرهما جلد مخروز: إنه يمسح عليهما. ثم رجع فقال: لا يمسح عليهما
قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إلي إذا كان عليهما جلد كما وصفت لك. ا. هـ قال ابن يونس: وهو - أي قول مالك الأول - الصواب لأنه إذا كان عليه جلد مخروز يبلغ الكعبين فهذا كالخف (نقله المواق في التاج والإكليل) . وفي اختيار ابن القاسم القول الذي رجع عنه إمامه مالك وتصريحه بأنه أحب إليه. وقول ابن يونس إنه الصواب أكبر اعتبار في أن أصحاب الأئمة كانوا يتجافون التقليد البحت ولا يعولون إلا على الدليل ويصبح ذلك مذهبا لهم في الحقيقة. وهكذا كان أمر صاحبي أبي حنيفة معه. وهكذا أصحاب الشافعي فإن المزني كثيرا ما ينفرد بقول عن أستاذه الشافعي. وقد نقل النووي في آخر شرح خطبة المهذب عن إمام الحرمين أن المزني إذا انفرد برأي فهو صاحب مذهب. وقد اختار كثير من أصحاب الشافعي بعض مسائله التي رجع عنها وأفتوا بها بعده. قال إمام الحرمين: المرجوع عنه ليس مذهبا للراجع فإذا علمت الحال القديم ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله وهم مجتهدون فأفتوا به اه. فتأمل قوله: (وهم مجتهدون) تعلم غلط ما
[٦٨]
стр. 87
يهرف به البعض من أنهم مجتهدون في المذهب لا مطلقا فإنهم مجتهدون على الإطلاق وليس كل مجتهد ذا أتباع ومذهب مدون على أنه لو خرج على قواعد الإمام لم يكن مذهبا له. قال الإمام النووي: وقد سبق اختلافهم في أن المخرج هل ينسب إلى الشافعي؟ والأصح أنه لا ينسب اه
стр. 88
١ - ما روي عن الإمام الشافعي وأصحابه في المسح على الجوربين
قال الإمام الترمذي في سننه (في باب المسح على الجوربين والنعلين) ما مثاله: وهو (أي المسح على الجوربين) قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكونا منعلين إذا كان ثخينين اه. ومعلوم أن الإمام الترمذي روى عن أصحاب الإمام الشافعي ولذا قال في آخر كتابه (السنن) : وما كان فيه من قول الشافعي فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي وما كان من الوضوء والصلاة فحدثنا به أبو الوليد المكي عن الشافعي ومنه ما حدثنا أبو إسماعيل قال: حدثنا
[٦٩]
стр. 89
يوسف بن يحيى القرشي البويطي عن الشافعي وذكر فيه أشياء عن الربيع عن الشافعي وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا اه
وقال الإمام الشيرازي في المهذب: وإن لبس جوربا جاز المسح عليه بشرطين: أحدهما أن يكون صفيقا لا يشف والثاني أن يكون منعلا قال شارحه النووي: وهكذا قطع به جماعة منهم الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وغيرهم. ونقل المزني أنه لا يمسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدي القدمين. ثم قال النووي: والصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين أنه إن أمكن متابعة المشي جاز كيف كان وإلا فلا. اه
стр. 90
٢ - مذهب الحنفية في الجوربين
قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع: وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين (١) يجزيه بلا خلاف عن أصحابنا وإن لم يكونا مجلدين ولا منعلين فإن كانا رقيقين يشفان (٢) الماء لا يجوز المسح عليهما
стр. 91
(١) المجلد هو أن يضع الجلد على أعلاه وأسفله والمنعل هو الذي يوضع على أسفله جلده كالنعل للقدم. اه
(٢) - أي يرى ما تحتهما - من بشرة الرجل - من خلالهما
[٧٠]
стр. 92
بالإجماع (١) وإن كانا ثخينين (٢) لا يجوز عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يجوز. وروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس منه. فاستدلوا به على رجوعه. ثم قال: احتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين ولأن الجواز في الخف لرفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع وهذا المعنى موجود في الجورب اه
стр. 93
٣ - مذهب الحنابلة في الجوربين
في الإقناع وشرحه: ويصح المسح على جورب صفيق من صوف أو غيره وإن كان غير مجلد أو منعل أو
стр. 94
(١) إن كان أراد إجماع أئمة السلف والخلف فباطل فقد نقل الإمام النووي في شرح المذهب جواز المسح على الجوربين وإن كانا رقيقين عن أميري المؤمنين عمر وعلي رضي الله عن هـ عنهما وإسحاق وداود بل نقل حكايته أيضا عن أبي يوسف ومحمد كما رأيت قبل. ثم هو مذهب الإمام ابن حزم كما سيأتي فكيف يصح دعوى الإجماع؟ وإن كان أراد إجماع الحنفية فقد يسلم لكن حكاية النووي عن الصاحبين يدفعه أيضا فقد أتضح أن لا إجماع في الباب فاحتفظ بهذا
стр. 95
٢ - حد الثخانة أن يربط على الساق من غير أن يقوم بشيء. اه حدادي
[٧١]
стр. 96
كان من خرق وأمكنت متابعة المشي عليه. ثم قال: وحديث المغيرة (مسح ﷺ على الجوربين والنعلين) يدل على أنهما كانا غير منعولين لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين لأنه لا يقال: مسح على الخف ونعله (١) اه
стр. 97
٤ - ما قاله الإمام ابن رشد المالكي ﵀ في المسح على الجوربين
قال ﵀ في كتابه (بداية المجتهد) : واختلفوا في المسح على الجوربين. وسبب اختلافهم اختلافهم في صحة الآثار الواردة عنه ﵊ أنه مسح على الجوربين والنعلين واختلافهم أيضا هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها. فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه ومن صح عنده الأثر وجواز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين اه
عادة ابن رشد في كتابه المذكور إيضاح مدارك المجتهدين إلا أن كل مسألة تعددت فيها المدارك وتشعبت
стр. 98
(١) وقد أفتى أستاذنا الشيخ جميل الشطي وهو آخر من تولى الإفتاء من الحنابلة في بلاد الشام. بجواز المسح على الجوارب المستعملة الآن. وقد نشرها في المجلات والجرائد (زهير)
[٧٢]
стр. 99
عنها الأقوال فالحق في واحد منها قطعا وهو ما صح برهانه وقوي مدركه. وقد صح البرهان هنا في المسح على الجوربين وقوي مدركه بما نقلناه قبل وننقله بعد ولذا قال الإمام النووي في حديث صوم ست من شوال في مسلم في رده على الإمام مالك في كراهتها ما مثاله: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها. اه. وهكذا يقال في المسح على الجوربين لا يترك بعد ثبوته لخلاف من خالف ولقياس من قاس لأنه لا اجتهاد في مقابلة نص ونبرأ إلى الله من دفع النصوص بالأقيسة والآراء
قال الإمام ابن القيم (١) من لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول: هذا قياس ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه أو يقول هذا خلاف القياس أو خلاف الأصول. ثم قال: ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية
стр. 100
(١) أعلام الموقعين جزء ١ صفحة ٢٩٩
[٧٣]
стр. 101
على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها لها الاسم ولغيرها الحكم وإلا فلماذا ترك حديث المسح على الجوربين (إلى آخر ما قاله وعدده. فانظره) أي مع أنه ثبت في السنة بل اقتضاه القياس أيضا كما ستراه في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
مذهب الظاهرية في المسح على الجوربين
قال الإمام ابن حزم نور الله مرقده في كتابه (المحلى) :
اشتراط التجليد لا معنى له لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس ولا قول صاحب. والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وخلاف الآثار ولم يخص ﵇ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما. اه. (١) . يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعا إلى النبي ﷺ ليس فيه قيد ولا شرط ولا يفهم ذلك لا من منطوقه ولا من مفهومه ولا من إشارته وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر. هذا (أولا) . و (ثانيا) قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقا غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة
стр. 102
(١) كذا في المحلى (٢ / ٨٧)
[٧٤]
стр. 103
والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفا في عصورهم التي هي خير القرون. و (ثالثا) الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة والفقه ولم يشرط أحد في مفهومه ومسماه نعلا ولا ثخانة. وإذا كان موضوعه في الفقه واللغة مطلقا فيصدق بالجورب الرقيق والغليظ والمنعل وغيره. والله أعلم
ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في المسح على الجوربين
قال ﵀ في فتاويه: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء. ففي السنن أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود. ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلودا أو قطنا أو كتانا أو صوفا كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قويا بل يجوز المسح
[٧٥]
стр. 104
على ما يبقى وما لا يبقى
وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقا بين المتماثلين وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة وما أنزل الله به من كتبه وأرسل به رسله
ومن فرق بكون هذا ينفد الماء منه وهذا لا ينفذ منه فقد ذكر فرقا طرديا عديم التأثير ولو قال قائل يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد فيكون المسح عليه أولى للصوق الطهور به أكثر كان هذا الوصف أولى بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى الأوصاف المؤثرة وذلك أقرب إلى الأوصاف الطردية وكلاهما باطل
وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ولو لم تستر الجوارب إلا بالشد جاز المسح عيها وكذلك الزربول الطويل الذي لا يثبت بنفسه ولا يستر إلا بالشد اه
قال ﵀ في فتوى أخرى: يجوز المسح على الزربول الذي يغطي الكعبين إذا ثبت بنفسه بلا شراع وإن كان لا يثبت إلا بالتزرير أو السيور يجوز المسح عليه أيضا فإنه يستر محل الفرض بنفسه وهكذا الجورب الذي لا يثبت إلا بالخيوط ولو ثبت بشيء منفصل عنه
[٧٦]
стр. 105
كالجورب الذي لا يثبت إلا بالنعل فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من لبد أو صوف أو قطن أو كتان أو جلود. ولا حاجة إلى اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع ويعود على مقصود الرخصة بالإبطال) اه
وقال نور الله ضريحه أيضا في فتوى أخرى: يجوز المسح على اللفائف (١) وهو أن يلف على الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بها ونحو ذلك وهي بالمسح أولى من الخف والجورب فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة وفي نزعها ضرر إما بإصابة البرد أو التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى اه
وقال نفع الله الأمة بعلومه في خلال فتوى له: معلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب - وهي العمائم - ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز. ثم قال: فإن منعوا من المسح
стр. 106
(١) أقول: اللفائف يشملها عموم حديث ثوبان المتقدم أنه ﵇ أمرهم بالمسح على التساخين وقد أسلفنا أن التساخين لغة كل ما يسخن به القدم فتذكر. اه جمال الدين
[٧٧]
стр. 107
عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا. اه. كلامه عليه رحمة الله ورضوانه
الخاتمة
لا يخفى أن الرخص المأثورة عن النبي ﷺ هي نعمة عظمى في كل حال وعلى أي حال وإنما يظهر تمام نعمة تشريعها في بعض الأحوال مثل رخصة المسح على الجوربين في أيام البرد وأوقات السفر وحالات المرض أو تشقق القدم أو قشف الرجلين أو تورمهما مما يعرض كما أمر النبي ﷺ السرية الذين شكوا إليه ما أصابهم من البرد أن يمسحوا على العصائب والتساخين كما قدمنا وقال من صحب عكرمة رضي الله عن هـ إلى واسط (١) : ما رأيته غسل رجليه إنما يمسح عليهما حتى خرج منها: رواه ابن جرير في تفسيره
وتقدم عن البدائع للقاساني أن أبا حنيفة رضي الله عن هـ رجع إلى قول أبي يوسف ومحمد في المسح على الجوربين في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه
стр. 108
(١) أي في سفره إليها. فتأمل ترخصه هذا في سفره. والسفر محل الرخص وأعجب من فقهه وعلمه رضي الله عن هـ
[٧٨]
стр. 109
ثم قال لعواده: (فعلت ما كنت أنهى الناس عنه) فاستدلوا به على رجوعه اه. ورجوع أبي حنيفة رضي الله عن هـ من فضله وإنصافه. وللمجتهدين من تغير الاجتهاد والرجوع إلى ما فيه قوة وسداد ما عرف عنهم أجمعين وعد من مناقبهم. ومن أكبر العبر - في هذه القصة - قصة رجوع الإمام أبي حنيفة - أن يرجع إمام ويصرح برجوعه ويأبى ألد الخصوم الرجوع للحق ولو تلي عليه من البراهين ما يلين له الحديد ويصدع الجلاميد ولا غرو فالأئمة المجتهدون لهم من اللطف والكمال ومحاسن الأخلاق والإنصاف والاعتراف بالحق ما سارت به الركبان
وليعتبر أيضا بالإمام الشافعي لما رحل من العراق إلى مصر وأعاد البحث في مذهبه القديم كيف رجع عن كثير من مسائله وعد ذلك من أسمى فضائله وسبب ذلك التقوى وإيثار الأخرى فإنها تزع المتقي عن إيثار الهوى والدنيا. وهكذا فعل الإمام أبو حنيفة في رجوعه إلى القول بالمسح على الجوربين
وقد يظن قوم أن التشدد في العزائم ومجافاة الرخص من التقوى وحاشا لله كيف وقد قال النبي ﷺ :
(لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في
[٧٩]
стр. 110
الصوامع والديار ﴿رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ :
(صحيح) (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (٢) وعنه ﷺ :
(ضعيف الإسناد) (إن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه) (٣) وقال ﷺ :
(ضعيف) (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) (٤) وقال ﷺ :
(هلك المتنطعون) (٥)
نعم يوجد من خيار العباد ذوي الجد والاجتهاد من لا يأخذون إلا بالعزائم لا زهدا في المأثور ولا رغبة عن المرخص فيها المبرور بل تربية للنفس على الأفضل وأخذا بها إلى الأمثل والأكمل وهو ما يسميه الفقهاء بالاحتياط والخروج من الخلاف إيثارا لما يكون فيه إجماع وائتلاف وأصله ما صح في السنة أن النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى ترم قدماه فقيل له: أتتكلف هذا
следующие страницы →