← Фикх общий

Фикх общий · id 3485

حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة

صديق حسن خان

Полный текст (575 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة]ـ المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧هـ) المحقق: د مصطفى الخن - ومحي الدين ستو الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

مُقَدّمَة الْمُؤلف لَا يخفى عَلَيْك أَن النِّسَاء نصف هَذِه الْأمة بل أَكْثَرهَا وَهن شقائق الرِّجَال فِي جَمِيع مَا ورد من الشَّرِيعَة الحقة إِلَّا أَشْيَاء خصهن الله تَعَالَى وَرَسُوله بهَا من دون الرِّجَال وَقد تفضل عَلَيْهِنَّ كَمَا تفضل عَلَيْهِم بأنواع من الإفضال فَلَهُنَّ مَا لَهُم وعليهن مَا عَلَيْهِم فِي جملَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَهِي أَبْوَاب كَثِيرَة طيبَة جدا لَا يَتَّسِع لذكرها الْمقَام كَيفَ وَمَا من خِصَال حَسَنَة نزل بهَا الْقُرْآن والْحَدِيث إِلَّا وَهِي مَطْلُوب مِنْهُنَّ فعلهَا وَمَا من شيم سَيِّئَة نطق بهَا الْكتاب وَالسّنة إِلَّا وَهِي مَقْصُود مِنْهُنَّ تَركهَا لكني خصصت هَذَا الْكتاب بِبَيَان مَا ورد فِي ذكرهن على الْخُصُوص وَهَذَا شطر علم من عُلُوم الدَّين وشطره الْبَاقِي مُشْتَرك بَينهم وبينهن بِالْيَقِينِ وَكم من تفاسير للآيات الْبَينَات وَرِوَايَات الْأَحَادِيث والدرايات جاءتنا من قبل نسَاء الْأَنْصَار والمهاجرات حَتَّى إِن نصف هَذَا الْعلم نقل إِلَيْنَا من عالمتهن عَائِشَة الصديقة ﵂ وَكَانَت أعلمهن بأيام الله وأشعار الْعَرَب وَأَسْبَاب نزُول الْآي وأرواهن لأحاديثه ﷺ وَآله من أَبْوَاب كَثِيرَة من الشَّرَائِع وَكَانَ لَهَا قُوَّة الِاجْتِهَاد فِي عُلُوم الْملَّة الصادقة فَمن أتاح الله لَهُ علم هَذَا الْكتاب وَكَانَ قد رزق سائره الْمُشْتَرك

стр. 3

بَينهمَا من قبل فقد فَازَ بالقدح الْمُعَلَّى فِي مجَالِس أولي الْعلم والألباب وَإِيَّاك أَن تمر بِمَا فِي هَذَا السّفر من نفائس الْأَخْبَار والْآثَار ومحاسن آيَات الله الْوَاحِد الْغفار على غَفلَة مِنْك غير مبال بهَا بل عَلَيْك أَن تستفيد بِتِلْكَ الدَّلَائِل وتستفيد بتيك المخايل وتشيعها فِيهِنَّ وتحملهن على تعلمه وتعليمه لغيرهن مَا استطعن فان الله شَاكر لمن شكر ذَاكر لمن ذكر غَافِر لمن تَابَ وأناب إِلَيْهِ واستغفر والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وتحلى بِعلم كل أَمر مِنْهُنَّ شَره وخيره وَإِذا عسر عَلَيْك فهم شَيْء من مباني الْآي وَالسّنَن ومعانيها فَارْجِع إِلَى تفاسير الْكتاب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي هَذَا الْبَاب وشروح كتب الصِّحَاح وَالسّنَن من جمَاعَة من أهل الْأَلْبَاب كفتح الْبَيَان وَفتح الْبَارِي وَالرَّوْضَة الندية والنيل والسيل وَأَخَوَاتهَا فَإِن فِيهَا مَا يرشدك إِلَى الْحق بِالْقبُولِ والاتباع ويغنيك عَن الْميل إِلَى كتب الْفُرُوع الَّتِي لفقها أهل الرَّأْي وأرباب الابتداع وَلَو لم أكن فِي شغل شاغل وفكر هائل لأتيتك بذلك كُله ونبأتك بكثيره وقله وَحَيْثُ إِن آيَات الْكتاب متصفة بِالْبَيِّنَاتِ وَأَحَادِيث النَّبِي ﷺ مَوْصُوفَة بِأَن لَيْلهَا كنهارها فِي الوضوح واللمعات لَا يحْتَاج الْعَالم بهما وعارفهما إِلَى غَيرهمَا فِي هَذِه الشَّرَائِع والأبواب إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَهَذَا الْكتاب مَعَ اختصاره واقتصاره فِي جمع آيَاته وآثاره بَين لَا يتقنع وجلي لَا يتبرقع وَفِيه كِفَايَة ومقنع وبلاغ لمن لَهُ هِدَايَة فاصبر عَلَيْهِ صبرا جميلا فَخير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة وَمن أصدق من الله وَرَسُوله قيلا وَبِأَيِّ حَدِيث بعده يُؤمنُونَ وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون

стр. 4

الْكتاب الأول فِي آيَات الْكتاب الْعَزِيز

стр. 5

١ - بَاب مَا نزل فِي إسكان الْأَبَوَيْنِ آدم وحواء فِي الْجنَّة وإزلال الشَّيْطَان لَهما عَنْهَا ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَي اتخذ الْجنَّة مأوى ومنزلا وَهُوَ مَحل السّكُون وَالزَّوْج هِيَ حَوَّاء بِالْمدِّ وَالزَّوْج فِي اللُّغَة الفصيحة بِغَيْر هَاء وَقد جَاءَ بهاء قَلِيلا كَمَا فِي صَحِيح مُسلم قَالَ يَا فلَان هَذِه زَوْجَتي فُلَانُهُ الحَدِيث وَكَانَ خلق حَوَّاء من ضلعه الْيُسْرَى فَلِذَا كَانَ كل إِنْسَان نَاقِصا ضلعا

стр. 6

من الْجَانِب الْأَيْسَر فجهة الْيَمين أضلاعها ثَمَانِي عشرَة وجهة الْيَسَار أضلاعها سبع عشرَة وقصة خلقهَا مبسوطة فِي كتب السّنة وَاخْتلفُوا فِي الْجنَّة الَّتِي أَمر آدم وزوجه بسكناها فَقيل إِنَّهَا كَانَت فِي الأَرْض وَقيل هِيَ دَار الْجَزَاء وَالثَّوَاب وَقد استوعب الْعَلامَة ابْن الْقيم فِي كِتَابه حادي الْأَرْوَاح الى بِلَاد الأفراح أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ وَلكُل وجهة هُوَ موليها وَصحح بَعضهم القَوْل الأول وَمِنْهُم من صحّح القَوْل الثَّانِي وَقيل كِلَاهُمَا مُمكن فَلَا وَجه للْقطع وَالْأولَى الْوَقْف وَالله تَعَالَى أعلم وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأزلهما﴾ أَي استزل آدم وحواء الشَّيْطَان عَنْهَا أَي الْجنَّة ودعاهما إِلَى الزلة وَهِي الْخَطِيئَة وَقيل نحاهما قيل إِنَّه كَانَ ذَلِك بمشافهة مِنْهُ لَهما وَإِلَيْهِ ذهب الْجُمْهُور مستدلين بقوله تَعَالَى ﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ والمقاسمة ظَاهرهَا المشافهة وَقيل لم يصدر مِنْهُ إِلَّا مُجَرّد الوسوسة والمفاعلة لَيست على بَابهَا بل للْمُبَالَغَة وَقيل غير ذَلِك ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أَي صرفهما عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ من الطَّاعَة إِلَى الْمعْصِيَة وَقيل الضَّمِير إِلَى الْجنَّة وعَلى هَذَا فالفعل مضمن معنى أبعدهُمَا وَإِنَّمَا نسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تولى إغواء آدم حَتَّى أكل من الشَّجَرَة وَبِالْجُمْلَةِ فهبط آدم على سرنديب من أَرض الْهِنْد على جبل يُقَال لَهُ نود وأهبطت حَوَّاء على جدة وهما أصل هَذَا النَّوْع الانساني وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا سكن آدم الْجنَّة إِلَّا مَا بَين صَلَاة الْعَصْر

стр. 7

إِلَى غرُوب الشَّمْس أخرجه عبد بن حميد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَعنهُ مَا غَابَتْ الشَّمْس من ذَلِك الْيَوْم حَتَّى أهبط من الْجنَّة وَعَن الْحسن قَالَ لبث آدم فِي الْجنَّة سَاعَة من نَهَار وَتلك السَّاعَة مائَة وَثَلَاثُونَ سنة من أَيَّام الدُّنْيَا وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَوْلَا لم تخن أُنْثَى زَوجهَا أخرجه البُخَارِيّ وَالْحَاكِم وَقد روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ حكايات فِي صفة هبوط آدم وزوجه من الْجنَّة وَمَا أهبط مَعَهُمَا وَمَا صنعا عِنْد وصولهما إِلَى الأَرْض فَلَا حَاجَة لنا ببسط جَمِيع ذَلِك فِي هَذَا الْكتاب وَذكر طرفا مِنْهَا ابْن الْقيم فِي الْحَادِي فَرَاجعه ٢ - بَاب مَا نزل فِي ذبح الْأَبْنَاء واستحياء النِّسَاء ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ الذّبْح فِي الأَصْل الشق وَهُوَ فري أوداج الْمَذْبُوح وَهل نسَاء جمع نسْوَة أَو جمع امْرَأَة من حَيْثُ الْمَعْنى قَولَانِ وَالْمرَاد يتركون نساءكم أَحيَاء ليستخدموهن ويمتهنوهن عبر عَن الْبَنَات باسم النِّسَاء لِأَنَّهُ جنس يصدق عَلَيْهِنَّ وَلَا يخفى مَا فِي قتل الْأَبْنَاء واستحياء الْبَنَات للْخدمَة وَنَحْوهَا من إِنْزَال الذل بهم وإلصاق الإهانة الشَّدِيدَة بجميعهم لما فِي ذَلِك من الْعَار وَيُشِير إِلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾

стр. 8

٣ - بَاب مَا نزل فِي الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا﴾ قَالَ مكي هَذَا الْمِيثَاق أَخذه الله عَلَيْهِم فِي حياتهم على ألسن أَنْبِيَائهمْ وَالْجُمْلَة خبر بِمَعْنى النَّهْي وَهُوَ أبلغ من صَرِيح النَّهْي لما فِيهِ من الاعتناء بشأن الْمنْهِي عَنهُ وتأكد طلب امتثاله حَتَّى كَأَنَّهُ امتثل وَأخْبر عَنهُ وَعبادَة الله إِثْبَات توحيده وتصديق رسله وَالْعَمَل بِمَا أنزل الله فِي كتبه وَالْمرَاد بِالْإِحْسَانِ معاشرة الْأَبَوَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ والتواضع لَهما وامتثال أَمرهمَا وَسَائِر مَا أوجبه الله على الْوَلَد لوَالِديهِ من الْحُقُوق وَمِنْه الْبر بهما وَالرَّحْمَة لَهما وَالنُّزُول عِنْد أَمرهمَا فِيمَا لَا يُخَالف أَمر الله وَأمر رَسُوله ﷺ ويوصل إِلَيْهِمَا مَا يحتاجان إِلَيْهِ وَلَا يؤذيهما وَإِن كَانَا كَافِرين وَأَن يدعوهما إِلَى الْإِيمَان بالرفق واللين وَكَذَا إِن كَانَا فاسقين يأمرهما بِالْمَعْرُوفِ من غير عنف وَلَا يَقُول لَهما أُفٍّ ٤ - بَاب مَا نزل فِي ابْن مَرْيَم ﵉ ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ أَي الدلالات الواضحات الْمَذْكُورَة فِي سُورَة آل عمرَان والمائدة وَقيل هِيَ الْإِنْجِيل وَاسم عِيسَى بالسُّرْيَانيَّة يسوع وَمَرْيَم بِمَعْنى الْخَادِم وَقيل هُوَ اسْم علم لَهَا كزيد من الرِّجَال

стр. 9

٥ - بَاب مَا نزل فِي التَّفْرِيق بَين الْمَرْء وزوجه ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا﴾ أَي من الْملكَيْنِ ﴿مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه﴾ أَي سحرًا يكون سَببا فِي التَّفْرِيق بَينهمَا كالنفث فِي العقد وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يحدث الله تَعَالَى عِنْده الْبغضَاء وَالْخلاف بَين الزَّوْجَيْنِ على حسب الْعَادة الإلهية من خلق المسببات عقب الْأَسْبَاب العادية ابتلاء من الله تَعَالَى وَفِي الْآيَة دلَالَة على أَن للسحر تَأْثِيرا فِي نَفسه وَحَقِيقَة ثَابِتَة وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا الْمُعْتَزلَة وَأَبُو حنيفَة ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ يَعْنِي السحر لأَنهم يقصدون بِهِ الْعَمَل أَو لِأَن الْعلم يجر إِلَى الْعَمَل غَالِبا قَالَ أَبُو السُّعُود فِيهِ إِن الاجتناب عَمَّا لَا تؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة الَّتِي لَا يُؤمن أَن تجر إِلَى الغواية انْتهى ٦ - بَاب مَا نزل فِي قصاص الْأُنْثَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أستدل بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الذّكر لَا يقتل

стр. 10

بِالْأُنْثَى إِلَّا إِذا سلم أَوْلِيَاء الْمَرْأَة الزِّيَادَة على دِيَتهَا من دِيَة الرجل وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه يقتل الرجل بِالْمَرْأَةِ وَلَا زِيَادَة وَهُوَ الْحق وَقد بسط الشَّوْكَانِيّ ﵀ الْبَحْث فِي نيل الأوطار فَرَاجعه ٧ - مَا نزل فِي وَصِيَّة الْوَالِدين ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين بِالْمَعْرُوفِ﴾ الْوَصِيَّة هُنَا عبارَة عَن الْأَمر بالشَّيْء بعد الْمَوْت وَقد اتّفق أهل الْعلم على وُجُوبهَا على من عَلَيْهِ دين أَو عِنْده وَدِيعَة أَو نَحْوهَا وَأما إِن لم يكن كَذَلِك فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنَّهَا غير وَاجِبَة عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ فَقِيرا أَو غَنِيا وَقَالَت طَائِفَة إِنَّهَا وَاجِبَة وَذَهَبت جمَاعَة إِلَى أَن الْآيَة محكمَة وَالْمرَاد بهَا من الْوَالِدين من لَا يَرث كالأبوين الْكَافرين وَمن هُوَ فِي الرّقّ قَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على أَن الْوَصِيَّة لَهما جَائِزَة وَقَالَ كثير من أهل الْعلم إِنَّهَا مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَوَارِيث وَقيل نسخ الْوُجُوب وَبَقِي النّدب

стр. 11

٨ - بَاب مَا نزل فِي حل الرَّفَث إِلَى النِّسَاء ومباشرتهن فِي ليَالِي الصَّوْم ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم هن لِبَاس لكم وَأَنْتُم لِبَاس لَهُنَّ﴾ ﴿فَالْآن باشروهن وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ الرَّفَث كِنَايَة عَن الْجِمَاع قَالَ الزّجاج هُوَ كلمة جَامِعَة لكل مَا يُرِيد الرجل من امْرَأَته وَكَذَا قَالَ الْأَزْهَرِي وَقيل أَصله الْفُحْش وَلَيْسَ هُوَ المُرَاد هُنَا وعدي بإلى لتَضَمّنه معنى الْإِفْضَاء ﴿هن لِبَاس لكم وَأَنْتُم لِبَاس لَهُنَّ﴾ جعل النِّسَاء لباسا للرِّجَال وَالرِّجَال لباسا لَهُنَّ لامتزاج كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ عِنْد الْجِمَاع كالامتزاج الَّذِي يكون بَين الثَّوْب ولابسه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره يُقَال للْمَرْأَة لِبَاس وفراش وَإِزَار وَقيل إِنَّمَا جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا لباسا للْآخر لِأَنَّهُ يستره عِنْد الْجِمَاع عَن أعين النَّاس وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ هن سكن لكم وَأَنْتُم سكن لَهُنَّ قيل لَا يسكن شَيْء إِلَى شَيْء كسكون إِحْدَى الزَّوْجَيْنِ إِلَى الآخر وَقَالَ الدُّخُول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس هِيَ الْجِمَاع فَإِن الله حييّ كريم يكني بِمَا شَاءَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَالْآن باشروهن﴾ أَي جامعوهن فَهُوَ حَلَال لكم فِي ليَالِي الصَّوْم وَسميت المجامعة مُبَاشرَة لتلاصق بشرة كل وَاحِد بِصَاحِبِهِ ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ أَي ابْتَغوا بِمُبَاشَرَة نِسَائِكُم حُصُول مَا هُوَ مُعظم الْمَقْصُود من النِّكَاح وَهُوَ حُصُول النَّسْل وَالْولد وَقيل ابْتَغوا مَا كتب الله لكم من الْإِمَاء والزوجات

стр. 12

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ قيل المُرَاد الْجِمَاع وَقيل يَشْمَل التَّقْبِيل واللمس إِذا كَانَا بِشَهْوَة لَا إِذا كَانَا بغَيْرهَا فهما جائزان قَالَه عَطاء وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم ٩ - بَاب مَا نزل فِي أجر النَّفَقَة للْوَالِدين ﴿مَا أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أنفقتم من خير فللوالدين﴾ قدمهما لوُجُوب حَقّهمَا على الْوَلَد لِأَنَّهُمَا السَّبَب فِي وجوده ﴿والأقربين واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ انْظُر إِلَى هَذَا التَّرْتِيب الْحسن العجيب فِي كَيْفيَّة الْإِنْفَاق كَيفَ فَصله ١٠ - بَاب مَا نزل فِي نِكَاح المشركات ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ أَي لَا تتزوجوا وَالْمرَاد بِالنِّكَاحِ العقد لَا الْوَطْء وَفِي هَذِه الْآيَة النَّهْي عَن نِكَاح المشركات قيل المُرَاد بهَا الوثنيات وَقيل تعم الكتابيات لما أخرج البُخَارِيّ عَن ابْن عمر قَالَ حرم الله نِكَاح المشركات على الْمُسلمين وَلَا أعرف

стр. 13

شَيْئا من الْإِشْرَاك أعظم من أَن تَقول الْمَرْأَة إِن رَبهَا عِيسَى وَهُوَ عبد من عباد الله قَالَت طَائِفَة جَاءَت آيَة الْمَائِدَة فخصصت الكتابيات من هَذَا الْعُمُوم وَهُوَ القَوْل الراسخ عَن مقَاتل بن حَيَّان قَالَ نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي مرْثَد الغنوي وَكَانَ قد اسْتَأْذن النَّبِي ﷺ فِي عنَاق أَن يَتَزَوَّجهَا وَكَانَت ذَات حَظّ من الْجمال وَهِي مُشركَة وَأَبُو مرْثَد يَوْمئِذٍ مُسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّهَا تعجبني فَأنْزل الله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ الْآيَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة﴾ أَي رقيقَة مُؤمنَة أَنْفَع وَأصْلح وَأفضل من حرَّة مُشركَة وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَفْضِيل الْحرَّة المؤمنة على الْحرَّة المشركة بِالْأولَى قَالَ ابْن عَرَفَة يَجِيء التَّفْضِيل فِي كَلَامهم إِيجَابا للْأولِ ونفيا عَن الثَّانِي فعلى هَذَا يلْزم عدم الْخَيْر فِي المشركة مُطلقًا ﴿وَلَو أَعجبتكُم﴾ أَي المشركة من جِهَة كَونهَا ذَات جمال أَو مَال أَو نسب أَو شرف قَالَ السُّيُوطِيّ وَهَذَا مَخْصُوص بِغَيْر الكتابيات بِآيَة ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ ﴿وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين﴾ أَي لَا تزوجوا الْكفَّار بالمؤمنات خطاب للأولياء ﴿حَتَّى يُؤمنُوا﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَجمعت الْأمة على أَن الْمُشرك لَا يطَأ المؤمنة بِوَجْه لما فِي ذَلِك من الغضاضة على الْإِسْلَام ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم﴾ أَي بحسنه وجماله وَنسبه وَمَاله

стр. 14

١١ - بَاب مَا نزل فِي عدم قرب النِّسَاء حَتَّى يطهرن ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ وَهُوَ اسْم الْحيض أَي الْحَدث وأصل الْكَلِمَة من السيلان والانفجار ﴿قل هُوَ أَذَى﴾ أَي شَيْء يتَأَذَّى بِهِ أَي برائحته والأذى كِنَايَة عَن القذر أَو مَحَله ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ أَي اجتنبوهن واتركوا وطأهن فِي زمَان الْمَحِيض إِن حمل الْمَحِيض على الْمصدر أَو فِي مَحل الْحيض إِن حمل على الِاسْم وَالْمرَاد مِنْهُ ترك المجامعة لَا ترك المجالسة أَو الملابسة فَإِن ذَلِك جَائِز بل يجوز الِاسْتِمْتَاع بِهن مَا عدا الْفرج أَو مَا دون الْإِزَار على خلاف فِي ذَلِك وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم فِي تَحْرِيم وَطْء الْحَائِض وَهُوَ مَعْلُوم من ضَرُورَة الدَّين ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ قريء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَالطُّهْر انْقِطَاع الْحيض والتطهر الِاغْتِسَال وبسبب اخْتِلَاف الْقُرَّاء اخْتلف أهل الْعلم فَذهب الْجُمْهُور إِلَى منع الْجِمَاع حَتَّى تتطهر بِالْمَاءِ وَقَالَ

стр. 15

آخَرُونَ حلت لزَوجهَا وَإِن لم تَغْتَسِل وَرجح الطَّبَرِيّ قِرَاءَة التَّشْدِيد وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى جعل للْحلّ غايتين كَمَا تَقْتَضِيه القراءتان إِحْدَاهمَا انْقِطَاع الدَّم وَالْأُخْرَى التطهر مِنْهُ والغاية الْأُخْرَى مُشْتَمِلَة على زِيَادَة على الْغَايَة الأولى فَيجب الْمصير إِلَيْهَا وَقد دلّ على أَن الْغَايَة الْأُخْرَى هِيَ الْمُعْتَبرَة وَقَوله سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك ﴿فَإِذا تطهرن﴾ فَإِن ذَلِك يُفِيد أَن الْمُعْتَبر التطهر لَا مُجَرّد انْقِطَاع الدَّم وَقد تقرر أَن الْقِرَاءَتَيْن بِمَنْزِلَة الْآيَتَيْنِ فَكَمَا أَنه يجب الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ الْمُشْتَملَة إِحْدَاهمَا على زِيَادَة بِالْعَمَلِ بِتِلْكَ الزِّيَادَة كَذَلِك يجب الْجمع بَين الْقِرَاءَتَيْن ﴿فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله﴾ أَي فجامعوهن وكنى عَنهُ بالإتيان وَالْمرَاد أَنهم يجامعونهن فِي المأتى الَّذِي أَبَاحَهُ الله وَهُوَ الْقبل وَقيل من قبل الْحَلَال لَا من قبل الزِّنَى ﴿إِن الله يحب التوابين﴾ من إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَو فِي الْمَحِيض ﴿وَيُحب المتطهرين﴾ من الْجَنَابَة والأحداث والعموم أولى ١٢ - بَاب مَا نزل فِي مَوضِع إتْيَان النِّسَاء ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ قَالَ تَعَالَى (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم) لفظ الْحَرْث يُفِيد أَن الْإِبَاحَة لم تقع إِلَّا فِي الْفرج الَّذِي هُوَ الْقبل خَاصَّة إِذْ هُوَ مزدرع الذُّرِّيَّة كَمَا أَن الْحَرْث مزدرع النَّبَات فقد شبه مَا يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بِمَا يلقى فِي الأَرْض من البزور الَّتِي مِنْهَا النَّبَات بِجَامِع أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَادَّة لما يحصل مِنْهُ ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ﴾ أَي مَحل زرعكم واستنباتكم الْوَلَد وَهُوَ الْقبل وَهَذَا على سَبِيل التَّشْبِيه جعل فرج الْمَرْأَة كالأرض

стр. 16

والنطفة كالبزر وَالْولد كالزرع ﴿أَنى شِئْتُم﴾ أَي أَي من أَي جِهَة شِئْتُم من خلف وَقُدَّام وباركة ومستلقية ومضطجعة وقائمة وَقَاعِدَة ومقبلة ومدبرة إِذا كَانَ فِي مَوضِع الْحَرْث وَقد ذهب السّلف وَالْخلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين إِلَى أَن إتْيَان الزَّوْجَة فِي دبرهَا حرَام وروى عَن مَالك من طرق مَا يَقْتَضِي إِبَاحَة ذَلِك وَفِي أسانيدها ضعف وَأخرج الشَّيْخَانِ وَأهل السّنَن وَغَيرهم عَن جَابر قَالَ كَانَت الْيَهُود تَقول إِذا أَتَى الرجل امْرَأَة من خلفهَا فِي قبلهَا ثمَّ حملت جَاءَ الْوَلَد أَحول فَنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ أَي إِن شَاءَ مجبية وَإِن شَاءَ غير مجبية بِحَيْثُ يكون ذَلِك فِي صمام وَاحِد وَقد رُوِيَ هَذَا عَن جمَاعَة من السّلف وصرحوا أَنه السَّبَب والصمام السَّبِيل وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَ عمر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت قَالَ وَمَا أهْلكك قَالَ حولت رحلي اللَّيْلَة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا فَأوحى الله إِلَى رَسُوله هَذِه الْآيَة ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ يَقُول أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة أخرجه أَحْمد وَعبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ والضياء فِي المختارة وَغَيرهم وَأخرج الشَّافِعِي فِي الْأُم وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق خُزَيْمَة بن ثَابت أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن فَقَالَ حَلَال أَو لَا بَأْس فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ كَيفَ قلت أَمن دبرهَا فِي قبلهَا فَنعم أم من دبرهَا فَلَا إِن الله لَا يستحي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن

стр. 17

وَقد ورد النَّهْي عَن ذَلِك من طرق وَقد ثَبت نَحْو ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَرْفُوعا وموقوفا وَقد روى القَوْل بحله عَن بَعضهم وَلَيْسَ فِي أَقْوَال هَؤُلَاءِ حجَّة الْبَتَّةَ وَلَا يجوز لأحد أَن يعْمل بأقوالهم فَإِنَّهُم لم يَأْتُوا بِدَلِيل يدل على الْجَوَاز فَمن زعم مِنْهُم أَنه فهم ذَلِك من الْآيَة فقد أَخطَأ فِي فهمه فقد فَسرهَا لنا رَسُول الله ﷺ وأكابر أَصْحَابه بِخِلَاف مَا قَالَه هَذَا المخطيء فِي فهمه كَائِنا من كَانَ وأينما كَانَ وَمن زعم مِنْهُم أَن سَبَب نزُول الْآيَة أَن رجلا أَتَى امْرَأَته فِي دبرهَا فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يدل على أَن الْآيَة أحلّت ذَلِك وَمن زعم ذَلِك فقد أَخطَأ بل الَّذِي تدل عَلَيْهِ الْآيَة أَن ذَلِك حرَام فكون ذَلِك هُوَ السَّبَب لَا يسْتَلْزم أَن تكون الْآيَة نازلة فِي تَحْلِيله فَإِن الْآيَات النَّازِلَة على أَسبَاب تَأتي تَارَة بتحليل هَذَا وَتارَة بِتَحْرِيمِهِ ١٣ - بَاب مَا نزل فِي الْإِيلَاء من النِّسَاء ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر فَإِن فاؤوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم وَإِن عزموا الطَّلَاق فَإِن الله سميع عليم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ الْإِيلَاء أَن يحلف أَن لَا يطَأ امْرَأَته أَكثر من أَرْبَعَة أشهر فَمَا دونهَا فَإِن حلف على أَرْبَعَة أشهر فَمَا دونهَا لم يكن مؤليا وَكَانَت يَمِينا مَحْضَة وَبِهَذَا قَالَ

стр. 18

مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ الثَّوْريّ وَأهل الْكُوفَة الْإِيلَاء أَن يحلف على أَرْبَعَة أشهر فَصَاعِدا وَقَالَ أبن عَبَّاس لَا يكون مؤليا حَتَّى يحلف أَن لَا يَمَسهَا أبدا وَلَفظ من نِسَائِهِم يَشْمَل الْحَرَائِر وَالْإِمَاء إِذا كن زَوْجَات وَكَذَلِكَ يدْخل تَحت قَوْله يؤلون العَبْد إِذا حلف من زَوجته قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إيلاؤه كَالْحرِّ وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة إِن أَجله شَهْرَان وَقَالَ الشّعبِيّ إِيلَاء الْأمة نصف إِيلَاء الْحرَّة والتربص التأني والتأخر وَإِنَّمَا وَقت الله بِهَذِهِ الْمدَّة دفعا للضرار عَن الزَّوْجَة وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يؤلون السّنة والسنتين وَأكْثر من ذَلِك يقصدون بذلك ضرار النِّسَاء وَقد قيل إِن الْأَرْبَعَة الْأَشْهر هِيَ الَّتِي لَا تطِيق الْمَرْأَة الصَّبْر عَن زَوجهَا زِيَادَة عَلَيْهَا ﴿فَإِن فاؤوا﴾ أَي رجعُوا فِيهَا أَو بعْدهَا عَن الْيَمين إِلَى الْوَطْء وللسلف فِي الْفَيْء أَقْوَال هَذَا أولاها لُغَة وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الرُّجُوع إِلَيْهِ ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ﴿وَإِن عزموا الطَّلَاق﴾ فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا لَا تطلق بِمُضِيِّ أَرْبَعَة أشهر كَمَا قَالَ مَالك مَا لم يَقع إنْشَاء تطليق بعد الْمدَّة ﴿فَإِن الله سميع عليم﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَهُم بعد تربص مَا ذكر إِلَّا الْفَيْء أَو الطَّلَاق وَلَا يخفى عَلَيْك أَن أهل كل مَذْهَب قد فسروا هَذِه الأية بِمَا يُطَابق مَذْهَبهم وتكلفوا بِمَا لم يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَلَا دَلِيل آخر وَمَعْنَاهَا ظَاهر وَاضح وَهُوَ أَن الله جعل الْأَجَل لمن يؤلي أَي يحلف من امْرَأَته أَرْبَعَة أشهر ثمَّ قَالَ فَإِن فاؤوا أَي رجعُوا إِلَى بَقَاء الزَّوْجَة واستدامة النِّكَاح فَإِن الله لَا يؤاخذهم بِتِلْكَ الْيَمين بل يغْفر لَهُم ويرحمهم وَإِن وَقع الْعَزْم مِنْهُم على الطَّلَاق وَالْقَصْد لَهُ فَإِن الله سميع لذَلِك عليم بِهِ فَهَذَا معنى الْآيَة الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَلَا شُبْهَة فَمن حلف أَن لَا يطَأ امْرَأَته وَلم يُقيد بِمدَّة أَو قيد بِزِيَادَة على أَرْبَعَة أشهر كَانَ علينا إمهاله أَرْبَعَة أشهر فَإِذا مَضَت فَهُوَ بِالْخِيَارِ

стр. 19

إِمَّا أَن يرجع إِلَى نِكَاح امْرَأَته وَكَانَت زَوجته بعد مُضِيّ الْمدَّة كَمَا كَانَت زَوجته قبلهَا أَو يطلقهَا وَكَانَ لَهُ حكم الْمُطلق لامْرَأَته ابْتِدَاء وَأما إِذا وَقت بِدُونِ أَرْبَعَة أشهر فَإِن أَرَادَ أَن يبر فِي يَمِينه اعتزل امْرَأَته الَّتِي حلف مِنْهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْمدَّة كَمَا فعل رَسُول الله ﷺ حِين إِلَى من نِسَائِهِ شهرا فَإِنَّهُ اعتزلهن حَتَّى مضى الشَّهْر وَإِن أَرَادَ أَن يطَأ امْرَأَته قبل تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي هِيَ دون أَرْبَعَة أشهر فِي يَمِينه وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة وَكَانَ ممتثلا لما صَحَّ عَنهُ ﷺ من قَوْله من حلف على يَمِين فَرَأى غَيره خيرا مِنْهُ فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه وَالله أعلم ١٤ - بَاب مَا نزل فِي عدَّة المطلقات ودرجة الرِّجَال عَلَيْهِنَّ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن إِن كن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك إِن أَرَادوا إصلاحا ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿والمطلقات﴾ أَي المخليات من حبال أَزوَاجهنَّ والمطلقة هِيَ الَّتِي أوقع الزَّوْج عَلَيْهَا الطَّلَاق ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ تمْضِي من حِين الطَّلَاق فَتدخل تَحت عُمُومه الْمُطلقَة قبل الدُّخُول ثمَّ خصصت بقوله تَعَالَى ﴿فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾ سُورَة الْأَحْزَاب فَوَجَبَ بِنَاء الْعَام على الْخَاص وَخرجت من هَذَا الْعُمُوم الْمُطلقَة قبل الدُّخُول وَكَذَلِكَ خرجت الْحَامِل بقوله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ الطَّلَاق ٤ وَكَذَلِكَ خرجت الْآيَة بقوله تَعَالَى ﴿فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ سُورَة الطَّلَاق

стр. 20

والتربص الِانْتِظَار قيل هُوَ خبر فِي معنى الْأَمر أَن ليتربصن قصد بِإِخْرَاجِهِ مخرج الْخَبَر تَأْكِيد وُقُوعه وزاده تَأْكِيدًا وُقُوعه خَبرا للمبتدأ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهَذَا بَاطِل وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَن حكم الشَّرْع فَإِن وجدت مُطلقَة لَا تَتَرَبَّص فَلَيْسَ ذَلِك من الشَّرْع وَلَا يلْزم من ذَلِك وُقُوع خبر الله سُبْحَانَهُ على خلاف مخبره والقروء جمع قرء وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْحيض قرءا وَمِنْهُم من يُسَمِّي الطُّهْر قرءا وَمِنْهُم من جَمعهمَا جَمِيعًا فيسمي الْحيض مَعَ الطُّهْر قرءا وَالْحَاصِل أَن الْقُرْء فِي لُغَة الْعَرَب مُشْتَرك بَين الْحيض وَالطُّهْر وَلأَجل ذَلِك الِاشْتِرَاك اخْتلف أهل الْعلم فِي تعْيين مَا هُوَ المُرَاد بالقروء الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة فَقَالَ أهل الْكُوفَة هِيَ الْحيض وَقَالَ أهل الْحجاز هِيَ الْأَطْهَار وَاسْتدلَّ كل وَاحِد بأدلة على قَوْله وَعِنْدِي أَنه لَا حجَّة فِي بعض مَا احْتج بِهِ أهل الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْعدة تَنْقَضِي بِثَلَاثَة أطهار أَو بِثَلَاث حيض وَلَا مَانع من ذَلِك فقد جوز جمع من أهل الْعلم حمل الْمُشْتَرك على معنييه وَبِذَلِك يجمع بَين الْأَدِلَّة ويرتفع الْخلاف ويندفع النزاع ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ قيل المُرَاد بِهِ الْحيض وَقيل الْحمل وَقيل كِلَاهُمَا وَوجه النَّهْي عَن الكتمان مَا فِيهِ فِي بعض الْأَحْوَال من الْإِضْرَار بِالزَّوْجِ وإذهاب حَقه فَإِذا قَالَت الْمَرْأَة إِنَّهَا حَاضَت وَهِي لم تَحض ذهبت بِحقِّهِ من الارتجاع وَإِذا قَالَت إِنَّهَا لم تَحض وَهِي قد حَاضَت ألزمته من النَّفَقَة مَا لم يلْزمه فأضرت بِهِ وَكَذَلِكَ الْحمل رُبمَا تكتمه لتقطع حَقه من الارتجاع وَرُبمَا تدعيه لتوجب عَلَيْهِ النَّفَقَة وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد المستلزمة للإضرار بِالزَّوْجِ وَقد اخْتلفت الْأَقْوَال فِي الْمدَّة الَّتِي تصدق فِيهَا الْمَرْأَة إِذا ادَّعَت انْقِضَاء عدتهَا وَفِيه دَلِيل على قبُول قولهن فِي ذَلِك نفيا وإثباتا

стр. 21

﴿إِن كن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فِيهِ وَعِيد شَدِيد للكاتمات وَبَيَان أَن من كتمت ذَلِك مِنْهُنَّ لم تسْتَحقّ اسْم الْإِيمَان وَهَذَا الشَّرْط لَيْسَ للتَّقْيِيد بل للتغليظ حَتَّى لَو لم يكن مؤمنات كَانَ عَلَيْهِنَّ الْعدة أَيْضا ﴿وبعولتهن﴾ جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج وَهُوَ أَيْضا مصدر من بعل الرجل إِذا صَار بعلا فَهُوَ لفظ مُشْتَرك بَين الْمصدر وَالْجمع ﴿أَحَق بردهن﴾ أَي برجعتهن وَذَلِكَ يخْتَص بِمن كَانَ يجوز للزَّوْج مراجعتها فَيكون فِي حكم التَّخْصِيص لعُمُوم قَوْله ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ لِأَنَّهُ يعم المثلثات وغيرهن وَصِيغَة التَّفْضِيل لإِرَادَة أَن الرجل إِذا أَرَادَ الرّجْعَة وَالْمَرْأَة تأباها وَجب إِيثَار قَوْله على قَوْلهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن لَهَا حَقًا فِي الرّجْعَة قَالَه أَبُو السُّعُود ﴿فِي ذَلِك﴾ يَعْنِي فِي مُدَّة التَّرَبُّص فَإِن انْقَضتْ مُدَّة التَّرَبُّص فَهِيَ أَحَق بِنَفسِهَا وَلَا تحل لَهُ إِلَّا بِنِكَاح مُسْتَأْنف بولِي وشهود وَمهر جَدِيد وَلَا خلاف فِي ذَلِك وَالرَّجْعَة تكون بِاللَّفْظِ وَتَكون بِالْوَطْءِ وَلَا يلْزم المراجع شَيْء من أَحْكَام النِّكَاح بِلَا خلاف ﴿إِن أَرَادوا إصلاحا﴾ أَي بالمراجعة أَي إصْلَاح حَاله مَعهَا وحالها مَعَه فَإِن قصد الْإِضْرَار بهَا فَهِيَ مُحرمَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا﴾ وَقيل إِذا قصد بالرجعة الضرار فَهِيَ صَحِيحَة وَإِن ارْتكب بِهِ محرما وظلم نَفسه وعَلى هَذَا فَيكون الشَّرْط الْمَذْكُور فِي الْآيَة لحث الْأزْوَاج على قصد الصّلاح والزجر لَهُم عَن قصد الضرار وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ جعل قصد الصّلاح شرطا لصِحَّة الرّجْعَة ﴿ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي من حُقُوق الزَّوْجَات على الرِّجَال مثل مَا للرِّجَال عَلَيْهِنَّ فَيحسن عشرتها بِمَا هُوَ مَعْرُوف من عَادَة النَّاس أَنهم يَفْعَلُونَهُ لنسائهم وَهِي كَذَلِك تحسن عشرَة زَوجهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوف من عَادَة النِّسَاء أَنَّهُنَّ يفعلنه لِأَزْوَاجِهِنَّ من طَاعَة وتزين وتحبب وَنَحْو ذَلِك قَالَ أبن عَبَّاس فِي الْآيَة إِنِّي أحب أَن أتزين لامرأتي كَمَا أحب أَن

стр. 22

تتزين لي لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ قَالَ الْكَرْخِي أَي فِي الْوُجُوب لَا فِي الْجِنْس فَلَو غسلت ثِيَابه أَو خبزت لَهُ لم يلْزمه أَن يفعل ذَلِك وَقيل فِي مُطلق الْوُجُوب لَا فِي عدد الْأَفْرَاد وَلَا فِي صفة الْوَاجِب ﴿وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ أَي منزلَة لَيست لَهُنَّ وَهِي قِيَامه عَلَيْهَا فِي الْإِنْفَاق وَكَونه من أهل الْجِهَاد وَالْعقل وَالْقُوَّة وَله من الْمِيرَاث أَكثر مِمَّا لَهَا وَكَونه يجب عَلَيْهَا امْتِثَال أمره وَالْوُقُوف عِنْد رِضَاهُ وَالشَّهَادَة وَالدية وصلاحية الْإِمَامَة وَالْقَضَاء وَله أَن يتَزَوَّج عَلَيْهَا ويتسرى وَلَيْسَ لَهَا ذَلِك وَبِيَدِهِ الطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك بِيَدِهَا وَلَو لم يكن من فَضِيلَة الرِّجَال على النِّسَاء إِلَّا كونهن خُلِقْنَ من الرِّجَال لما ثَبت أَن حَوَّاء خلقت من ضلع آدم لكفي وَقد أخرج أهل السّنَن عَن عمر بن الْأَحْوَص أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَلا إِن لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا أما حقكم على نِسَائِكُم أَن لَا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ أَلا وحقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَأَصله عِنْد مُسلم فِي الصَّحِيح وَأخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَالْحَاكِم وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فِيمَا دبر خلقه وَعَن أبي ظبْيَان أَن معَاذ بن جبل خرج فِي غزَاة بَعثه رَسُول الله ﷺ فِيهَا ثمَّ رَجَعَ فَرَأى رجَالًا يسْجد بَعضهم لبَعض فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا

стр. 23

١٥ - بَاب مَا نزل فِي مدارج الطَّلَاق وَالْخلْع ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان وَلَا يحل لكم أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئا إِلَّا أَن يخافا أَلا يُقِيمَا حُدُود الله فَإِن خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُود الله فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ أَي عدد الطَّلَاق الَّذِي تثبت فِيهِ الرّجْعَة للأزواج هُوَ مَرَّتَانِ فَالْمُرَاد بِالطَّلَاق الْمَذْكُور هُوَ الرَّجْعِيّ إِذْ لَا رَجْعَة بعد الثَّالِثَة وَإِنَّمَا قَالَ سُبْحَانَهُ مَرَّتَانِ وَلم يقل طَلْقَتَانِ إِشَارَة إِلَى أَنه يَنْبَغِي أَن يكون الطَّلَاق مرّة بعد أُخْرَى لَا طَلْقَتَانِ دفْعَة وَاحِدَة كَذَا قَالَ جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَلما لم يكن بعد الطَّلقَة الثَّانِيَة إِلَّا أحد أَمريْن إِمَّا إِيقَاع الثَّالِثَة الَّتِي تبين بهَا الزَّوْجَة أَو الْإِمْسَاك لَهَا واستدامة نِكَاحهَا وَعدم إِيقَاع الثَّالِثَة عَلَيْهَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فإمساك﴾ أَي بعد الرّجْعَة لمن طَلقهَا زَوجهَا طَلْقَتَيْنِ ﴿بِمَعْرُوف﴾ عِنْد النَّاس من حسن الْعشْرَة وَحُقُوق النِّكَاح ﴿أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ أَي بإيقاع طَلْقَة ثَالِثَة من دون ضرار لَهَا وَقيل المُرَاد بالإمساك رَجْعَة بعد الطَّلقَة الثَّانِيَة وبالتسريح ترك الرّجْعَة بعد الثَّانِيَة حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا وَالْأول أظهر قَالَ أَبُو عَمْرو أجمع الْعلمَاء على أَن التسريح هِيَ الطَّلقَة الثَّالِثَة بعد الطلقتين وَإِيَّاهَا عني بقوله ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي إرْسَال الثَّلَاث دفْعَة وَاحِدَة هَل تقع ثَلَاث أَو وَاحِدَة فَقَط فَذهب إِلَى الأول الْجُمْهُور وَذهب إِلَى الثَّانِي من عداهم وَهُوَ الْحق وَقد قَرَّرَهُ الْعَلامَة الشَّوْكَانِيّ فِي مؤلفاته تقريرا بَالغا وأفرده برسالة مُسْتَقلَّة وَكَذَا الْحَافِظ ابْن الْقيم فِي إغاثة اللهفان وإِعْلَام الموقعين

стр. 24

﴿وَلَا يحل لكم أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئا﴾ الْخطاب للأزواج أَي لَا يحل لَهُم أَن يَأْخُذُوا فِي مُقَابلَة الطَّلَاق مِمَّا دفعوه إِلَى نِسَائِهِم من الْمهْر شَيْئا على وَجه المضارة لَهُنَّ وتنكير شَيْء للتحقير أَي شَيْئا نزرا فضلا عَن الْكثير وَخص مَا دفعوه إلَيْهِنَّ بِعَدَمِ حل الْأَخْذ مِنْهُ مَعَ كَونه لَا يحل للأزواج أَن يَأْخُذُوا من أَمْوَالهم الَّتِي يملكنها من غير الْمهْر لكَون ذَلِك هُوَ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ نفس الزَّوْج ويتطلع لأَخذه دون مَا عداهُ مِمَّا هُوَ فِي ملكهَا على أَنه إِذا كَانَ أَخذ مَا دَفعه إِلَيْهَا فِي مُقَابلَة الْبضْع عِنْد خُرُوجه عَن ملكه لَا يحل لَهُ كَانَ مَا عداهُ مَمْنُوعًا مِنْهُ بِالْأولَى وَقيل الْخطاب للأئمة والحكام ليطابق قَوْله ﴿فَإِن خِفْتُمْ﴾ فَإِن الْخطاب فِيهِ لَهُم وعَلى هَذَا يكون إِسْنَاد الْأَخْذ إِلَيْهِم لكَوْنهم الآمرين بذلك وَالْأول أولى لقَوْله ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فَإِن إِسْنَاده إِلَى غير الْأزْوَاج بعيد جدا لِأَن إيتَاء الْأزْوَاج لم يكن عَن أَمرهم وَقيل إِن الثَّانِي أولى لِئَلَّا يشوش النّظم ﴿إِلَّا أَن يخافا﴾ أَي يعلمَا أَي الزَّوْجَانِ من أَنفسهمَا فِيهِ الْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة ﴿أَلا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ أَي تخَاف الْمَرْأَة أَن تَعْصِي الله فِي أُمُور زَوجهَا وَيخَاف الزَّوْج أَنه إِذا لم تطعه أَن يعتدي عَلَيْهَا ﴿فَإِن خِفْتُمْ﴾ أَي خشيتم وأشفقتم وَقيل ظننتم ﴿أَلا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ يَعْنِي مَا أوجب الله على كل وَاحِد مِنْهُمَا من طَاعَته فِيمَا أَمر بِهِ من حسن الصُّحْبَة والمعاشرة بِالْمَعْرُوفِ وَقيل هُوَ يرجع إِلَى الْمَرْأَة وَهُوَ سوء خلقهَا واستخفافها بِحَق زَوجهَا ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ أَي لَا جنَاح على الرجل فِي الْأَخْذ وَلَا على الْمَرْأَة فِي الْإِعْطَاء بِأَن تَفْتَدِي نَفسهَا من ذَلِك النِّكَاح ببذل شَيْء من المَال يرضى بِهِ الزَّوْج فيطلقها لأَجله وَهَذَا هُوَ الْخلْع وَقد ذهب الْجُمْهُور إِلَى ذَلِك للزَّوْج وَأَنه يحل لَهُ الْأَخْذ مَعَ ذَلِك الْخَوْف وَهُوَ الَّذِي صرح بِهِ الْقُرْآن وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن بعض أهل الْعلم أَنه لَا يحل لَهُ مَا أَخذ وَيجْبر على رده وَهَذَا فِي الْغَايَة السُّقُوط وَقد ورد فِي ذمّ المختلعات أَحَادِيث مِنْهَا عَن ابْن عَبَّاس عِنْد ابْن

стр. 25

مَاجَه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تسْأَل الْمَرْأَة زَوجهَا الطَّلَاق فِي غير كنهه فتجد ريح الْجنَّة وَإِن رِيحهَا لتوجد فِي مَسَافَة أَرْبَعِينَ عَاما وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي عدَّة المختلعة وَالرَّاجِح أَنَّهَا تَعْتَد بِحَيْضَة لما أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ أَمر امْرَأَة ثَابت بن قيس أَن تَعْتَد بِحَيْضَة وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء أَنَّهَا اخْتلعت على عهد رَسُول الله ﷺ فَأمر النَّبِي ﷺ أَن تَعْتَد بِحَيْضَة قَالَ التِّرْمِذِيّ الصَّحِيح أَنَّهَا أمرت أَن تَعْتَد بِحَيْضَة وَفِي الْبَاب أَحَادِيث وَلم يرد مَا يُعَارض هَذَا من الْمَرْفُوع بل ورد عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَن عدَّة المختلعة كعدة الطَّلَاق وَبِه قَالَ الْجُمْهُور قَالَ التِّرْمِذِيّ وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَغَيرهم وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِأَن المختلعة من جملَة المطلقات فَهِيَ دَاخله تَحت عُمُوم الْقُرْآن وَالْحق مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن مَا ورد عَن النَّبِي ﷺ يخصص عُمُوم الْقُرْآن وَقد اخْتلف أهل الْعلم إِذا طلب الزَّوْج من الْمَرْأَة زِيَادَة على مَا دَفعه إِلَيْهَا من الْمهْر وَمَا يتبعهُ ورضيت بذلك هَل يجوز أم لَا ظَاهر الْقُرْآن الْجَوَاز لعدم تَقْيِيده بِمِقْدَار معِين وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن جمَاعَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ أَحْمد وَغَيره لَا يجوز لما ورد فِي ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 26

١٦ - بَاب مَا نزل فِي التَّحْلِيل ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح زوجا غَيره فَإِن طَلقهَا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا إِن ظنا أَن يُقِيمَا حُدُود الله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن طَلقهَا﴾ أَي الطَّلقَة الثَّالِثَة الَّتِي ذكرهَا سُبْحَانَهُ بقوله ﴿أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ فَإِن وَقع مِنْهُ ذَلِك فقد حرمت عَلَيْهِ بالتثليث سَوَاء كَانَ قد رَاجعهَا أم لَا وَسَوَاء انْقَضتْ عدتهَا فِي صُورَة عدم الرّجْعَة أم لَا ﴿فَلَا تحل لَهُ من بعد﴾ وَالْحكمَة فِي شرع هَذَا الحكم الردع عَن المسارعة إِلَى الطَّلَاق وَعَن الْعود إِلَى الْمُطلقَة الثَّالِثَة وَالرَّغْبَة فِيهَا ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ أَي حَتَّى تتَزَوَّج زوجا آخر غير الْمُطلق بعد انْقِضَاء عدتهَا من الأول فيجامعها وَالنِّكَاح يتَنَاوَل العقد وَالْوَطْء جَمِيعًا وَالْمرَاد هُنَا الْوَطْء وَقد أَخذ بِظَاهِر الْآيَة سعيد بن الْمسيب وَمن وَافقه فَقَالُوا يَكْفِي مُجَرّد العقد لِأَنَّهُ المُرَاد وَذهب الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف إِلَى أَنه لَا بُد مَعَ العقد من الْوَطْء لما ثَبت عَن النَّبِي ﷺ من اعْتِبَار ذَلِك وَهُوَ زِيَادَة يتَعَيَّن قبُولهَا وَلَعَلَّه لم يبلغ ابْن الْمسيب وَمن تَابعه وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَنه لَا بُد أَن يكون ذَلِك نِكَاحا شَرْعِيًّا مَقْصُودا لذاته لَا نِكَاحا غير مَقْصُود لذاته بل حِيلَة للتحليل وذريعة إِلَى ردهَا إِلَى الزَّوْج الأول فَإِن ذَلِك حرَام للأدلة الْوَارِدَة فِي ذمه وذم فَاعله وَإِن التيس الْمُسْتَعَار الَّذِي لَعنه الشَّارِع وَلعن من اتَّخذهُ لذَلِك أخرج الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة قَالَت جَاءَت امْرَأَة رِفَاعَة الْقرظِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت إِنِّي كنت عِنْد رِفَاعَة فطلقني فَبت طَلَاقي فتزوجني

стр. 27

عبد الرَّحْمَن بن الزبير وَمَا مَعَه إِلَّا مثل هدبة الثَّوْب فَتَبَسَّمَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك وَقد رُوِيَ نَحْو هَذَا عَنْهَا من طرق وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن الغميصاء أَو الرميصاء أَتَت النَّبِي ﷺ وَفِي آخِره فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ ذَلِك لَك حَتَّى يَذُوق عسالتك رجل غَيره والعسيلة والعسالة مجَاز عَن قَلِيل الْجِمَاع أَو يَكْفِي قَلِيل الانتشار شبهت تِلْكَ اللَّذَّة بالعسل وصغرت بِالْهَاءِ لِأَن الْغَالِب على الْعَسَل التَّأْنِيث قَالَه الْجَوْهَرِي وَقد ثَبت لعن الْمُحَلّل والمحلل لَهُ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا عَن ابْن مَسْعُود عِنْد أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ صَححهُ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه قَالَ لعن النَّبِي ﷺ الْمُحَلّل والمحلل لَهُ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث فِي ذمّ التَّحْلِيل وفاعله أَطَالَ بذكرها ابْن الْقيم فِي إغاثة اللهفان وإعلام الموقعين وَهُوَ بحث نَفِيس جدا فَرَاجعه ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا﴾ أَي إِن طَلقهَا الزَّوْج الثَّانِي فَلَا جنَاح على الزَّوْج الأول وَالْمَرْأَة أَن يرجع كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه يَعْنِي بِنِكَاح جَدِيد قَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع أهل الْعلم على أَن الْحر إِذا طلق زَوجته ثَلَاثًا ثمَّ انْقَضتْ عدتهَا ونكحت زوجا دخل بهَا ثمَّ فَارقهَا وَانْقَضَت عدتهَا ثمَّ نَكَحَهَا الزَّوْج الأول أَنَّهَا تكون عِنْده على ثَلَاث تَطْلِيقَات ﴿إِن ظنا﴾ أَي علما وأيقنا وَقيل إِن رجوا إِذْ لَا يعلم مَا هُوَ كَائِن إِلَّا الله تَعَالَى ﴿أَن يُقِيمَا حُدُود الله﴾ أَي حُقُوق الزَّوْجِيَّة الْوَاجِبَة لكل مِنْهُمَا على الآخر وَأما إِذا لم يحصل ظن ذَلِك بِأَن يعلمَا أَو أَحدهمَا عدم الْإِقَامَة لحدود الله أَو ترددا أَو أَحدهمَا وَلم يحصل لَهما الظَّن فَلَا يجوز الدُّخُول فِي هَذَا النِّكَاح لِأَنَّهُ مَظَنَّة لمعصية الله والوقوع فِيمَا حرمه على الزَّوْجَيْنِ

стр. 28

١٧ - بَاب مَا نزل فِي بُلُوغ أجل الْعدة وَعدم الضرار بِهن ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو سرحوهن بِمَعْرُوف وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ﴾ أَي قاربن انْقِضَاء عدتهن وشارفن مُنْتَهَاهَا وَلم يرد انْقِضَاء الْعدة فَهَذَا من بَاب الْمجَاز الَّذِي يُطلق فِيهِ اسْم الْكل على الْأَكْثَر وَقيل إِن الْأَجَل اسْم للزمان فَيحمل على الزَّمَان الَّذِي هُوَ آخر زمَان يُمكن إِيقَاع رَجْعَة فِيهِ بِحَيْثُ إِذا فَاتَ لَا يبْقى بعده مكنة إِلَى الرّجْعَة وعَلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى الْمجَاز ﴿فأمسكوهن بِمَعْرُوف﴾ أَي راجعوهن بِمَعْرُوف وَهُوَ أَن يشْهد على رَجعتهَا وَأَن يُرَاجِعهَا بالْقَوْل لَا بِالْوَطْءِ وَقيل هُوَ الْقيام بِحُقُوق الزَّوْجِيَّة وَهُوَ الظَّاهِر ﴿أَو سرحوهن بِمَعْرُوف﴾ أَي اتركوهن حَتَّى تَنْقَضِي عدتهن فيملكن أَنْفسهنَّ وَالْمعْنَى إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فقاربن آخر الْعدة فَلَا تضاروهن بالمراجعة من غير قصد لاستمرار الزَّوْجِيَّة واستدامتها بل اخْتَارُوا أحد الْأَمريْنِ إِمَّا الْإِمْسَاك أَو التسريح ﴿وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا﴾ كَمَا كَانَت تفعل الْجَاهِلِيَّة من طَلَاق الْمَرْأَة حَتَّى يقرب انْقِضَاء عدتهَا ثمَّ مراجعتها لَا عَن حَاجَة وَلَا لمحبة وَلَكِن لقصد تَطْوِيل الْعدة وتوسيع مُدَّة الِانْتِظَار ضِرَارًا ﴿لتعتدوا﴾ أَي لقصد الاعتداء مِنْكُم عَلَيْهِنَّ وَالظُّلم بِهن وَمن يفعل ذَلِك فقد ظلم نَفسه

стр. 29

١٨ - بَاب مَا نزل فِي عضل النِّسَاء عَن النِّكَاح ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ إِذا تراضوا بَينهم بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾ الْخطاب إِمَّا للأزواج وَيكون معنى العضل مِنْهُم أَن يمنعوهن من أَن يتزوجن من أردن من الْأزْوَاج بعد انْقِضَاء عدتهن لحمية الْجَاهِلِيَّة كَمَا يَقع كثيرا من الْخُلَفَاء والسلاطين غيرَة على من كن تَحْتهم من النِّسَاء أَن يصرن تَحت غَيرهم لأَنهم لما نالوه من رئاسة الدُّنْيَا وَمَا صَارُوا فِيهِ من النخوة والكبرياء يتخيلون أَنهم قد خَرجُوا من جنس بني آدم إِلَّا من عصمه الله مِنْهُم بالورع والتواضع وَإِمَّا أَن يكون الْخطاب للأولياء وَيكون معنى إِسْنَاد الطَّلَاق إِلَيْهِم أَنهم سَبَب لَهُ لكَوْنهم المزوجين للنِّسَاء المطلقات من الْأزْوَاج المطلقين لَهُنَّ وَالْمرَاد ببلوغ الْأَجَل نهايته لَا كَمَا سبق فِي الْآيَة الأولى وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على افْتِرَاق البلوغين والعضل الْحَبْس وَقيل التَّضْيِيق وَالْمَنْع وَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْحَبْس وَقَوله أَزوَاجهنَّ إِن أُرِيد بِهِ المطلقون لَهُنَّ فَهُوَ مجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ وَإِن أُرِيد من يردن أَن يتزوجنه فَهُوَ مجَاز أَيْضا بِاعْتِبَار مَا سَيكون ﴿إِذا تراضوا بَينهم بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي إِذا تراضى الْخطاب وَالنِّسَاء وَالْمَعْرُوف هُنَا مَا وَافق الشَّرْع من عقد حَلَال وَمهر جَائِز وَقيل هُوَ أَن يرضى كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا الْتَزمهُ لصَاحبه بِحَق العقد حَتَّى تحصل الصُّحْبَة الْحَسَنَة وَالْعشرَة الجميلة والعيشة الرضية قيل سَبَب نُزُولهَا أَن أُخْت معقل بن يسَار طَلقهَا زَوجهَا فَأَرَادَ

стр. 30

أَن يُرَاجِعهَا فَمنعهَا معقل كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَاسْمهَا جميلَة وَاسم زَوجهَا عَاصِم بن عدي فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة كفر عَن يَمِينه وأنكحها إِيَّاه وَتَمام الْقِصَّة فِي البُخَارِيّ ١٩ - بَاب مَا نزل فِي إِرْضَاع الوالدة الْوَلَد والفصال ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُود لَهُ بولده وعَلى الْوَارِث مثل ذَلِك فَإِن أَرَادَا فصالا عَن ترَاض مِنْهُمَا وتشاور فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا وَإِن أردتم أَن تسترضعوا أَوْلَادكُم فَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِذا سلمتم مَا آتيتم بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ تَأْكِيد للدلالة على أَن هَذَا التَّقْدِير تحقيقي لَا تقريبي وَفِيه رد على أبي حنيفَة فِي قَوْله إِن مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا وعَلى زفر فِي قَوْله إِنَّهَا ثَلَاث سِنِين ذَلِك ﴿لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن إِرْضَاع الْحَوْلَيْنِ لَيْسَ حتما بل هُوَ التَّمام وَيجوز الِاقْتِصَار على مَا دونه وَلَيْسَ لَهُ حد مَحْدُود وَإِنَّمَا هُوَ على مِقْدَار إصْلَاح الطِّفْل وَمَا يعِيش بِهِ وَالْآيَة تدل على وجوب الرَّضَاع على الْأُم لولدها وَقد حمل ذَلِك على مَا إِذا لم يقبل الرَّضِيع غَيرهَا ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ﴾ أَي على الْأَب الَّذِي يُولد لَهُ وآثر هَذَا اللَّفْظ دون قَوْله وعَلى الْوَالِد للدلالة على أَن الْأَوْلَاد للآباء لَا للأمهات وَلِهَذَا ينسبون إِلَيْهِم دونهن كَأَنَّهُمْ ولدن لَهُم فَقَط ذكر مَعْنَاهُ فِي الْكَشَّاف

стр. 31

﴿رزقهن﴾ أَي الطَّعَام الْكَافِي الْمُتَعَارف بِهِ بَين النَّاس ﴿وكسوتهن﴾ أَي مَا يَتَعَارَفُونَ بِهِ أَيْضا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي على قدر الميسرة وَفِي ذَلِك دَلِيل على وجوب ذَلِك على الْآبَاء للأمهات المرضعات وَهَذَا فِي المطلقات طَلَاقا بَائِنا وَأما غير المطلقات فنفقتهن وكسوتهن وَاجِبَة على الْأزْوَاج من غير إرضاعهن لأولادهن وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْأَظْهر أَن الْآيَة فِي الزَّوْجَات فِي حَال بَقَاء النِّكَاح لِأَنَّهُنَّ المستحقات للنَّفَقَة وَالْكِسْوَة أرضعن أَو لم يرضعن وهما فِي مُقَابلَة التَّمْكِين لَكِن إِذا اشتغلت الزَّوْجَة بالإرضاع لم يكمل التَّمْكِين وَلَا التَّمَتُّع بهَا فقد يتَوَهَّم أَن هَذِه النَّفَقَة تسْقط حَالَة الْإِرْضَاع فَدفع هَذَا التَّوَهُّم بقوله ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ﴾ ثمَّ قَالَ فِي مَحل آخر وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على وجوب نَفَقَة الْوَلَد على الْوَالِد لعَجزه وَضَعفه وَنسبه تَعَالَى للْأُم لِأَن الْغذَاء يصل إِلَيْهِ بواسطتها فِي الرَّضَاع وَأجْمع الْعلمَاء على أَنه يجب على الْأَب نَفَقَة أَوْلَاده الْأَطْفَال الَّذين لَا مَال لَهُم انْتهى ﴿لَا تكلّف نفس﴾ أَي من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة ﴿إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا﴾ أَي لَا تضار من زَوجهَا بِأَن يقصر عَلَيْهَا فِي شَيْء مِمَّا يجب عَلَيْهِ أَو ينْزع وَلَدهَا مِنْهَا بِلَا سَبَب ﴿وَلَا مَوْلُود لَهُ بولده﴾ أَي لَا يضار الْأَب بِسَبَب الْوَلَد بِأَن تطلب مِنْهُ مَا لَا يقدر عَلَيْهِ من الرزق وَالْكِسْوَة هَذَا إِذا قريء على الْبناء للْمَفْعُول وَأما إِذا قريء على الْبناء للْفَاعِل فَالْمَعْنى لَا تضر وَالِدَة بوالدها فتسيء تَرْبِيَته أَو تقصر فِي غذائه وَلَا وَالِد بِأَن يفرط فِي حفظ الْوَلَد وَالْقِيَام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وقدمها لفرط شفقتها وأضيف الْوَلَد تَارَة إِلَى الْأَب وَتارَة إِلَى الْأُم للاستعطاف لَا لبَيَان النّسَب

стр. 32

إِذْ لَو كَانَت لَهُ لم تصح إِلَّا للوالد لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْوَلَد ﴿وعَلى الْوَارِث مثل ذَلِك﴾ قيل هُوَ وَارِث الصَّبِي إِذا مَاتَ أَبوهُ كَانَ عَلَيْهِ إرضاعه قَالَه أَحْمد وَأَبُو حنيفَة على خلاف بَينهمَا هَل يكون الْوُجُوب على من يَأْخُذ نَصِيبا من الْمِيرَاث أَو على الذُّكُور فَقَط أَو على كل ذِي رحم لَهُ وَإِن لم يكن وَارِثا وَقيل وَارِث الْأَب تجب عَلَيْهِ نَفَقَة الْمُرضعَة وكسوتها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لم يكن للصَّبِيّ مَال فَإِن كَانَت أخذت أُجْرَة رضاعه من مَاله وَقيل هُوَ الصَّبِي نَفسه أَي عَلَيْهِ من مَاله إِرْضَاع نَفسه إِذا مَاتَ أَبوهُ وَورث من مَاله وَقيل هُوَ الْبَاقِي من وَالِدي الْمَوْلُود بعد موت الآخر مِنْهُمَا فَإِذا مَاتَ الْأَب كَانَ على الْأُم كِفَايَة الطِّفْل إِذا لم يكن لَهُ مَال وَقيل وَارِث الْمُرضعَة يجب عَلَيْهِ أَن يضع بالمولود كَمَا كَانَت الْأُم تَصنعهُ بِهِ من الرَّضَاع والخدمة والتربية ﴿فَإِن أَرَادَا فصالا﴾ أَي فطاما عَن الرَّضَاع والتفريق بَين الصَّبِي والثدي ﴿عَن ترَاض مِنْهُمَا﴾ أَي على اتِّفَاق من الْوَالِدين إِذا كَانَ قبل الْحَوْلَيْنِ (وتشاور) يشاورون أهل الْعلم فِي ذَلِك حَتَّى يخبروا أَن الْفِطَام قبل الْحَوْلَيْنِ لَا يضر بِالْوَلَدِ ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ فِي ذَلِك الفصال ﴿وَإِن أردتم﴾ خطاب للآباء لَا للأمهات ﴿أَن تسترضعوا أَوْلَادكُم﴾ غير الوالدة فَلَا جنَاح ﴿إِذا سلمتم﴾ إِلَى الْأُمَّهَات ﴿مَا آتيتم﴾ من أجرهن بِحِسَاب مَا قد أرضعن لكم وَقيل إِذا سلمتم مَا أردتم إعطاءه إِلَى المرضعات ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ مستبشري الْوُجُوه ناطقين بالْقَوْل الْجَمِيل مطيبين لأنفس المراضع بِمَا أمكن

стр. 33

٢٠ - بَاب مَا نزل فِي عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وتعرضها للخطاب وَغير ذَلِك ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ أَي الَّذين يموتون ويتركون النِّسَاء ينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ قدر هَذِه الْمدَّة وَوجه الْحِكْمَة أَن الْجَنِين الذّكر يَتَحَرَّك فِي الْغَالِب لثَلَاثَة أشهر وَالْأُنْثَى لأربعة أشهر فَزَاد سُبْحَانَهُ عشرا لِأَن الْجَنِين رُبمَا يضعف عَن الْحَرَكَة فتتأخر حركته قَلِيلا وَلَا يتَأَخَّر عَن هَذَا الْأَجَل وَظَاهر هَذِه الْآيَة الْعُمُوم وَأَن كل من مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا تكون عدتهَا هَذِه الْمدَّة وَلكنه قد خصص هَذَا الْعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَإِلَى هَذَا ذهب الْجُمْهُور وَهُوَ الْحق وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه أذن لسبيعة الأسْلَمِيَّة أَن تتَزَوَّج بعد الْوَضع وَظَاهر الْآيَة عدم الْفرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة والحرة وَالْأمة وَذَات الْحيض والايسة وَقيل عدَّة الْأمة نصف عدَّة الْحرَّة شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام وَالْأول أولى وَفِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا ﷺ عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه أَحْمد وَأَبُو عبيد وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّوَاب أَنه مَوْقُوف قَالَ أَبُو حنيفَة تَعْتَد بِثَلَاث حيض وَقَالَ أَحْمد بِالْأولِ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ عدتهَا

стр. 34

حَيْضَة وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن هَذِه الْآيَة ناسخة لما بعد من الِاعْتِدَاد بالحول وَإِن كَانَت هَذِه الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي انْقِضَاء الْعدة ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ الْخطاب للأولياء وَقيل جَمِيع الْمُسلمين ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ﴾ من التزيين والتعرض للخطاب والنقلة من الْمسكن الَّذِي كَانَت مُعْتَدَّة فِيهِ (بِالْمَعْرُوفِ) الَّذِي لَا يُخَالف شرعا وَلَا عَادَة مستحسنة وَقد اسْتدلَّ بذلك على وجوب الْإِحْدَاد على الْمُعْتَدَّة عدَّة الْوَفَاة وَقد ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من غير وَجه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَذَلِكَ ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا النَّهْي عَن الْكحل فِي عدَّة الْوَفَاة والإحداد ترك الزِّينَة من الطّيب وَترك لبس الثِّيَاب الجيدة والحلي وَغير ذَلِك وَلَا خلاف فِي وجوب ذَلِك فِي عدَّة الْوَفَاة وَلَا خلاف فِي عدَّة الرَّجْعِيَّة وَاخْتلفُوا فِي عدَّة البائنة على قَوْلَيْنِ وَمحل ذَلِك كتب علم الْفُرُوع وَاحْتج أَصْحَاب أبي حنيفَة على جَوَاز النِّكَاح بِغَيْر ولي بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل مَحْمُول على الْمُبَاشرَة وَأجِيب بِأَنَّهُ خطاب للأولياء وَلَو صَحَّ العقد بِغَيْر ولي لما كَانَ مُخَاطبا وَالله أعلم

стр. 35

٢١ - بَاب مَا نزل فِي التَّعْرِيض بِخطْبَة النِّسَاء ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء أَو أكننتم فِي أَنفسكُم علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء﴾ المتوفي عَنْهُن أَزوَاجهنَّ فِي الْعدة وَكَذَا المطلقات طَلَاقا بَائِنا وَأما الرجعيات فَيحرم التَّعْرِيض وَالتَّصْرِيح بخطبتهن فَفِي الْمَفْهُوم تَفْصِيل ﴿أَو أكننتم﴾ أَي سترتم وأضمرتم من التَّزْوِيج بعد انْقِضَاء الْعدة وأَو هُنَا للْإِبَاحَة أَو التَّخْيِير أَو التَّفْصِيل أَو الْإِبْهَام على الْمُخَاطب ﴿فِي أَنفسكُم﴾ من قصد نِكَاحهنَّ وَقيل هُوَ أَن يدْخل وَيسلم وَيهْدِي إِن شَاءَ وَلَا يتَكَلَّم بِشَيْء ﴿علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن﴾ وَلَا تصبرون عَن النُّطْق لَهُنَّ برغبتكم فِيهِنَّ فَرخص لكم فِي التَّعْرِيض دون التَّصْرِيح ﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا﴾ أَي لَا يقل الرجل لهَذِهِ الْمُعْتَدَّة تزوجيني بل يعرض تعريضا وَإِلَى هَذَا ذهب جُمْهُور الْعلمَاء وَقيل السِّرّ الزِّنَى أَي لَا يكن مِنْكُم مواعدة على الزِّنَا فِي الْعدة ثمَّ التَّزْوِيج بعْدهَا وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيره وَقيل السِّرّ الْجِمَاع أَي لَا تصفوا أَنفسكُم لَهُنَّ بِكَثْرَة الْجِمَاع ترغيبا لَهُنَّ فِي النِّكَاح وَإِلَى هَذَا ذهب الشَّافِعِي قَالَ ابْن عَطِيَّة أَجمعت الْأمة على أَن الْكَلَام مَعَ الْمُعْتَدَّة بِمَا هُوَ رفث من ذكر الْجِمَاع أَو تحريض عَلَيْهِ لَا يجوز وَقَالَ أَيْضا أَجمعت الْأمة على كَرَاهَة المواعدة فِي الْعدة للْمَرْأَة فِي نَفسهَا وَللْأَب فِي ابْنَته الْبكر وَللسَّيِّد فِي أمته وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس المواعدة سرا أَن يَقُول لَهَا إِنِّي عاشق وعاهديني أَن

стр. 36

لَا تتزوجي غَيْرِي وَنَحْو هَذَا ﴿إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ أَي تعريضا قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ قَوْله إِن رَأَيْت أَن لَا تسبقيني بِنَفْسِك أَو يَقُول إِنَّك لجميلة وَأَنَّك إِلَيّ خير وَإِن النِّسَاء من حَاجَتي وَإِنِّي أُرِيد التَّزْوِيج وَإِنِّي لأحب الْمَرْأَة من أمرهَا كَذَا وَكَذَا وَإِن من شأني النِّسَاء ولوددت أَن الله يسر لي امْرَأَة صَالِحَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَجَمَاعَة ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ أَي فِي الْعدة ﴿حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ أَي تَنْقَضِي الْعدة وَهَذَا الحكم مجمع عَلَيْهِ وَالْمرَاد بالأجل آخر مُدَّة الْعدة ٢٢ بَاب مَا نزل فِي طَلَاق مَا لم يمسوهن أَو لم يفرضوا لَهُنَّ ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَأَن تعفوا أقرب للتقوى وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي مُدَّة عدم مسيسكم أَو غير ماسين لَهُنَّ أَو اللَّاتِي لم تمَسُّوهُنَّ أَي مَا لم تجامعوهن ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ أَي أَلا تفرضوا وَقيل حَتَّى تفرضوا وَقيل وتفرضوا وَلست أرى لهَذَا التَّطْوِيل وَجها وَمعنى الْآيَة أوضح من أَن يلتبس فَإِن الله سُبْحَانَهُ رفع الْجنَاح عَن المطلقين مَا لم يَقع أحد الْأَمريْنِ أَي مُدَّة انتقاء ذَلِك الْأَحَد وَلَا يَنْتَفِي الْأَحَد الْمُبْهم إِلَّا بِانْتِفَاء الْأَمريْنِ

стр. 37

مَعًا فَإِن وجد الْمَسِيس وَجب الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَإِن وجد الْفَرْض وَجب نصفه مَعَ عدم الْمَسِيس وكل وَاحِد مِنْهُمَا جنَاح أَي الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل أَو نصفه فَائِدَة اعْلَم أَن المطلقات أَربع مُطلقَة مَدْخُول بهَا مَفْرُوض لَهَا وَهِي الَّتِي تقدم ذكرهَا قبل هَذِه الْآيَة وفيهَا نهي الْأزْوَاج عَن أَن يَأْخُذُوا مِمَّا آتوهن شَيْئا وَأَن عدتهن ثَلَاثَة قُرُوء ومطلقة غير مَفْرُوض لَهَا وَلَا مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة هُنَا فَلَا مهر لَهَا بل الْمُتْعَة وَبَين فِي سُورَة الْأَحْزَاب أَن غير الْمَدْخُول بهَا إِذا طلقت فَلَا عدَّة عَلَيْهَا ومطلقة مَفْرُوض لَهَا غير مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِيمَا سَيَأْتِي بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ الْآيَة ومطلقة مَدْخُول بهَا غير مَفْرُوض لَهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ وفريضة فِيهَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهَا مفعول بِهِ وَالتَّقْدِير شَيْئا مَفْرُوضًا وَالثَّانِي أَن تكون مصدرا أَي تفرضوا لَهُنَّ فرضا واستجود أَبُو الْبَقَاء الْوَجْه الأول ﴿ومتعوهن﴾ أَي أعطوهن شَيْئا يكون مَتَاعا لَهُنَّ وَظَاهر الْأَمر الْوُجُوب وَبِه قَالَ جمَاعَة وَمن أَدِلَّة الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ وَقَالَ مَالك وَغَيره إِنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى ﴿حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَو كَانَت وَاجِبَة لأطلقها على الْخلق أَجْمَعِينَ وَيُجَاب عَنهُ بِأَن ذَلِك لَا يُنَافِي الْوُجُوب بل هُوَ تَأْكِيد لَهُ كَمَا فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ وكل مُسلم يجب عَلَيْهِ أَن يحسن وَيَتَّقِي ثمَّ اخْتلف فَقيل أَنَّهَا مَشْرُوعَة لكل مُطلقَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَاخْتلفُوا هَل هِيَ وَاجِبَة أم مَنْدُوبَة فَقَط ثمَّ قَالُوا إِنَّهَا مُخْتَصَّة بالمطلقة

стр. 38

قبل الْبناء وَالْفَرْض لِأَن الْمَدْخُول بهَا تسْتَحقّ جَمِيع الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَغير الْمَدْخُول بهَا الَّتِي قد فرض لَهَا تسْتَحقّ نصف الْمُسَمّى وَقد وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُطلقَة قبل الدُّخُول وَالْفَرْض لَا تسْتَحقّ إِلَّا الْمُتْعَة إِذا كَانَت حرَّة وَأما إِذا كَانَت أمة فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن لَهَا الْمُتْعَة وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري لَا مُتْعَة لَهَا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا حد لَهَا مَعْرُوف بل مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمُتْعَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا تنَازع الزَّوْجَانِ فِي قدر الْمُتْعَة يجب لَهَا نصف مهر مثلهَا وَلَا ينقص من خَمْسَة دَرَاهِم وللسلف فِيهَا أَقْوَال (على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره) هَذَا يدل على أَن الِاعْتِبَار فِي ذَلِك بِحَال الزَّوْج فالمتعة من الْغَنِيّ فَوق الْمُتْعَة من الْفَقِير والموسع من اتسعت حَاله والمقتر الْمقل قَالَ ابْن عَبَّاس الْمس النِّكَاح وَالْفَرِيضَة الصَدَاق وَأمر الله أَن يمتعها على قدر عسره ويسره فَإِن كَانَ مُوسِرًا مَتعهَا بخادم وَإِن كَانَ مُعسرا مَتعهَا بِثَلَاثَة أَثوَاب أَو نَحْو ذَلِك وَعنهُ قَالَ مُتْعَة الطَّلَاق أَعْلَاهَا الْخَادِم وَدون ذَلِك الْوَرق وَدون ذَلِك الْكسْوَة وَعَن ابْن عمر أدنى مَا يكون من الْمُتْعَة ثَلَاثُونَ درهما ومتع الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا بِعشْرين ألفا وزقاق من عسل وَعَن شُرَيْح أَنه متع بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم وَعَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ يمتع بالخادم وَالنَّفقَة وَالْكِسْوَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُتْعَة لَا تجب لهَذِهِ الْمُطلقَة لوقوعها فِي مُقَابلَة الْمُطلقَة قبل الْبناء وَالْفَرْض الَّتِي تسْتَحقّ الْمُتْعَة أَي فَالْوَاجِب عَلَيْكُم نصف مَا سميتم لَهُنَّ من الْمهْر وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَقد وَقع الِاتِّفَاق أَيْضا على أَن الْمَرْأَة الَّتِي لم يدْخل بهَا زَوجهَا وَمَات وَقد فرض لَهَا مهْرا تستحقه كَامِلا بِالْمَوْتِ وَله الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعدة وَاخْتلفُوا فِي الْخلْوَة هَل تقوم مقَام الدُّخُول وتستحق بهَا الْمَرْأَة كَامِل الْمهْر كَمَا تستحقه بِالدُّخُولِ أم لَا

стр. 39

فَذهب إِلَى الأول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأهل الْكُوفَة وَالْخُلَفَاء الراشدون وَجُمْهُور أهل الْعلم وَتجب أَيْضا عِنْدهم الْعدة وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لَا يجب إِلَّا نصف الْمهْر وَهُوَ ظَاهر الْآيَة لما تقدم من أَن الْمَسِيس هُوَ الْجِمَاع وَلَا تجب عِنْده الْعدة وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من السّلف ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ أَي المطلقات ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ قيل هُوَ الزَّوْج وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَأَبُو حنيفَة وَجَمَاعَة من السّلف وَرجحه ابْن جرير وَفِيه قُوَّة وَضعف وَقيل هُوَ الْوَالِي وَبِه قَالَ مَالك وَفِيه أَيْضا ضعف وَقُوَّة وَالرَّاجِح هُوَ القَوْل الأول ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ قيل خطاب للرِّجَال وَالنِّسَاء تَغْلِيبًا ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ وَمن جملَة ذَلِك أَن تتفضل الْمَرْأَة بِالْعَفو عَن النّصْف ويتفضل الرجل عَلَيْهَا بإكمال الْمهْر ٢٣ - بَاب مَا نزل فِي وَصِيَّة الْمُتَوفَّى للزَّوْج ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج فَإِن خرجن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ أَي يقربون من الْوَفَاة قَالَ الْجُمْهُور إِنَّهَا مَنْسُوخَة بالأربعة الْأَشْهر وَالْعشر وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ محكمَة وَحكى ابْن عَطِيَّة وعياض أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْحول مَنْسُوخ وَأَن عدتهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشر ﴿وَصِيَّة لأزواجهم﴾ بِثَلَاثَة أَشْيَاء

стр. 40

النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالسُّكْنَى وَهَذِه الثَّلَاثَة تستمر سنة وَحِينَئِذٍ يجب على الزَّوْجَة مُلَازمَة الْمسكن وَترك التزيين والإحداد ﴿مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ وَهُوَ نَفَقَة السّنة وَالسُّكْنَى من تَركتهم ﴿غير إِخْرَاج﴾ أَي لَا يخْرجن من مساكنهن ﴿فَإِن خرجن﴾ باختيارهن قبل الْحول ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ أَي على الْوَلِيّ وَالْحَاكِم ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ﴾ من التَّعْرِيض للخطاب ﴿من مَعْرُوف﴾ فِي الشَّرْع غير مُنكر فِيهِ وَفِيه دَلِيل على أَن النِّسَاء كن مخيرات فِي سُكْنى الْحول وَلَيْسَ ذَلِك بحتم عَلَيْهِنَّ ٢٤ - بَاب مَا نزل فِي مُتْعَة المطلقات ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ قيل هِيَ الْمُتْعَة وَأَنَّهَا وَاجِبَة لكل مُطلقَة وَقيل الْآيَة خَاصَّة باللواتي قد جومعن وَقيل عَامَّة تَشْمَل الْمُتْعَة الْوَاجِبَة وَغَيرهَا وَهِي مُتْعَة سَائِر المطلقات فَإِنَّهَا مُسْتَحبَّة فَقَط وَقيل المُرَاد بِالْمُتْعَةِ النَّفَقَة ٢٥ - بَاب مَا نزل فِي شَهَادَة النِّسَاء ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء أَن تضل إِحْدَاهمَا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ هَذِه قِطْعَة من آيَة
следующие страницы →