← Фикх общий

Фикх общий · id 3485

حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة

صديق حسن خان

Полный текст (575 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لَا تتزوجي غَيْرِي وَنَحْو هَذَا ﴿إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ أَي تعريضا قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ قَوْله إِن رَأَيْت أَن لَا تسبقيني بِنَفْسِك أَو يَقُول إِنَّك لجميلة وَأَنَّك إِلَيّ خير وَإِن النِّسَاء من حَاجَتي وَإِنِّي أُرِيد التَّزْوِيج وَإِنِّي لأحب الْمَرْأَة من أمرهَا كَذَا وَكَذَا وَإِن من شأني النِّسَاء ولوددت أَن الله يسر لي امْرَأَة صَالِحَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَجَمَاعَة ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ أَي فِي الْعدة ﴿حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ أَي تَنْقَضِي الْعدة وَهَذَا الحكم مجمع عَلَيْهِ وَالْمرَاد بالأجل آخر مُدَّة الْعدة ٢٢ بَاب مَا نزل فِي طَلَاق مَا لم يمسوهن أَو لم يفرضوا لَهُنَّ ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَأَن تعفوا أقرب للتقوى وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي مُدَّة عدم مسيسكم أَو غير ماسين لَهُنَّ أَو اللَّاتِي لم تمَسُّوهُنَّ أَي مَا لم تجامعوهن ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ أَي أَلا تفرضوا وَقيل حَتَّى تفرضوا وَقيل وتفرضوا وَلست أرى لهَذَا التَّطْوِيل وَجها وَمعنى الْآيَة أوضح من أَن يلتبس فَإِن الله سُبْحَانَهُ رفع الْجنَاح عَن المطلقين مَا لم يَقع أحد الْأَمريْنِ أَي مُدَّة انتقاء ذَلِك الْأَحَد وَلَا يَنْتَفِي الْأَحَد الْمُبْهم إِلَّا بِانْتِفَاء الْأَمريْنِ

стр. 37

مَعًا فَإِن وجد الْمَسِيس وَجب الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَإِن وجد الْفَرْض وَجب نصفه مَعَ عدم الْمَسِيس وكل وَاحِد مِنْهُمَا جنَاح أَي الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل أَو نصفه فَائِدَة اعْلَم أَن المطلقات أَربع مُطلقَة مَدْخُول بهَا مَفْرُوض لَهَا وَهِي الَّتِي تقدم ذكرهَا قبل هَذِه الْآيَة وفيهَا نهي الْأزْوَاج عَن أَن يَأْخُذُوا مِمَّا آتوهن شَيْئا وَأَن عدتهن ثَلَاثَة قُرُوء ومطلقة غير مَفْرُوض لَهَا وَلَا مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة هُنَا فَلَا مهر لَهَا بل الْمُتْعَة وَبَين فِي سُورَة الْأَحْزَاب أَن غير الْمَدْخُول بهَا إِذا طلقت فَلَا عدَّة عَلَيْهَا ومطلقة مَفْرُوض لَهَا غير مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِيمَا سَيَأْتِي بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ الْآيَة ومطلقة مَدْخُول بهَا غير مَفْرُوض لَهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ وفريضة فِيهَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهَا مفعول بِهِ وَالتَّقْدِير شَيْئا مَفْرُوضًا وَالثَّانِي أَن تكون مصدرا أَي تفرضوا لَهُنَّ فرضا واستجود أَبُو الْبَقَاء الْوَجْه الأول ﴿ومتعوهن﴾ أَي أعطوهن شَيْئا يكون مَتَاعا لَهُنَّ وَظَاهر الْأَمر الْوُجُوب وَبِه قَالَ جمَاعَة وَمن أَدِلَّة الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ وَقَالَ مَالك وَغَيره إِنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى ﴿حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَو كَانَت وَاجِبَة لأطلقها على الْخلق أَجْمَعِينَ وَيُجَاب عَنهُ بِأَن ذَلِك لَا يُنَافِي الْوُجُوب بل هُوَ تَأْكِيد لَهُ كَمَا فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ وكل مُسلم يجب عَلَيْهِ أَن يحسن وَيَتَّقِي ثمَّ اخْتلف فَقيل أَنَّهَا مَشْرُوعَة لكل مُطلقَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَاخْتلفُوا هَل هِيَ وَاجِبَة أم مَنْدُوبَة فَقَط ثمَّ قَالُوا إِنَّهَا مُخْتَصَّة بالمطلقة

стр. 38

قبل الْبناء وَالْفَرْض لِأَن الْمَدْخُول بهَا تسْتَحقّ جَمِيع الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَغير الْمَدْخُول بهَا الَّتِي قد فرض لَهَا تسْتَحقّ نصف الْمُسَمّى وَقد وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُطلقَة قبل الدُّخُول وَالْفَرْض لَا تسْتَحقّ إِلَّا الْمُتْعَة إِذا كَانَت حرَّة وَأما إِذا كَانَت أمة فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن لَهَا الْمُتْعَة وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري لَا مُتْعَة لَهَا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا حد لَهَا مَعْرُوف بل مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمُتْعَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا تنَازع الزَّوْجَانِ فِي قدر الْمُتْعَة يجب لَهَا نصف مهر مثلهَا وَلَا ينقص من خَمْسَة دَرَاهِم وللسلف فِيهَا أَقْوَال (على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره) هَذَا يدل على أَن الِاعْتِبَار فِي ذَلِك بِحَال الزَّوْج فالمتعة من الْغَنِيّ فَوق الْمُتْعَة من الْفَقِير والموسع من اتسعت حَاله والمقتر الْمقل قَالَ ابْن عَبَّاس الْمس النِّكَاح وَالْفَرِيضَة الصَدَاق وَأمر الله أَن يمتعها على قدر عسره ويسره فَإِن كَانَ مُوسِرًا مَتعهَا بخادم وَإِن كَانَ مُعسرا مَتعهَا بِثَلَاثَة أَثوَاب أَو نَحْو ذَلِك وَعنهُ قَالَ مُتْعَة الطَّلَاق أَعْلَاهَا الْخَادِم وَدون ذَلِك الْوَرق وَدون ذَلِك الْكسْوَة وَعَن ابْن عمر أدنى مَا يكون من الْمُتْعَة ثَلَاثُونَ درهما ومتع الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا بِعشْرين ألفا وزقاق من عسل وَعَن شُرَيْح أَنه متع بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم وَعَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ يمتع بالخادم وَالنَّفقَة وَالْكِسْوَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُتْعَة لَا تجب لهَذِهِ الْمُطلقَة لوقوعها فِي مُقَابلَة الْمُطلقَة قبل الْبناء وَالْفَرْض الَّتِي تسْتَحقّ الْمُتْعَة أَي فَالْوَاجِب عَلَيْكُم نصف مَا سميتم لَهُنَّ من الْمهْر وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَقد وَقع الِاتِّفَاق أَيْضا على أَن الْمَرْأَة الَّتِي لم يدْخل بهَا زَوجهَا وَمَات وَقد فرض لَهَا مهْرا تستحقه كَامِلا بِالْمَوْتِ وَله الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعدة وَاخْتلفُوا فِي الْخلْوَة هَل تقوم مقَام الدُّخُول وتستحق بهَا الْمَرْأَة كَامِل الْمهْر كَمَا تستحقه بِالدُّخُولِ أم لَا

стр. 39

فَذهب إِلَى الأول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأهل الْكُوفَة وَالْخُلَفَاء الراشدون وَجُمْهُور أهل الْعلم وَتجب أَيْضا عِنْدهم الْعدة وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لَا يجب إِلَّا نصف الْمهْر وَهُوَ ظَاهر الْآيَة لما تقدم من أَن الْمَسِيس هُوَ الْجِمَاع وَلَا تجب عِنْده الْعدة وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من السّلف ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ أَي المطلقات ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ قيل هُوَ الزَّوْج وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَأَبُو حنيفَة وَجَمَاعَة من السّلف وَرجحه ابْن جرير وَفِيه قُوَّة وَضعف وَقيل هُوَ الْوَالِي وَبِه قَالَ مَالك وَفِيه أَيْضا ضعف وَقُوَّة وَالرَّاجِح هُوَ القَوْل الأول ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ قيل خطاب للرِّجَال وَالنِّسَاء تَغْلِيبًا ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ وَمن جملَة ذَلِك أَن تتفضل الْمَرْأَة بِالْعَفو عَن النّصْف ويتفضل الرجل عَلَيْهَا بإكمال الْمهْر ٢٣ - بَاب مَا نزل فِي وَصِيَّة الْمُتَوفَّى للزَّوْج ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج فَإِن خرجن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ أَي يقربون من الْوَفَاة قَالَ الْجُمْهُور إِنَّهَا مَنْسُوخَة بالأربعة الْأَشْهر وَالْعشر وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ محكمَة وَحكى ابْن عَطِيَّة وعياض أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْحول مَنْسُوخ وَأَن عدتهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشر ﴿وَصِيَّة لأزواجهم﴾ بِثَلَاثَة أَشْيَاء

стр. 40

النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالسُّكْنَى وَهَذِه الثَّلَاثَة تستمر سنة وَحِينَئِذٍ يجب على الزَّوْجَة مُلَازمَة الْمسكن وَترك التزيين والإحداد ﴿مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ وَهُوَ نَفَقَة السّنة وَالسُّكْنَى من تَركتهم ﴿غير إِخْرَاج﴾ أَي لَا يخْرجن من مساكنهن ﴿فَإِن خرجن﴾ باختيارهن قبل الْحول ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ أَي على الْوَلِيّ وَالْحَاكِم ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ﴾ من التَّعْرِيض للخطاب ﴿من مَعْرُوف﴾ فِي الشَّرْع غير مُنكر فِيهِ وَفِيه دَلِيل على أَن النِّسَاء كن مخيرات فِي سُكْنى الْحول وَلَيْسَ ذَلِك بحتم عَلَيْهِنَّ ٢٤ - بَاب مَا نزل فِي مُتْعَة المطلقات ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ قيل هِيَ الْمُتْعَة وَأَنَّهَا وَاجِبَة لكل مُطلقَة وَقيل الْآيَة خَاصَّة باللواتي قد جومعن وَقيل عَامَّة تَشْمَل الْمُتْعَة الْوَاجِبَة وَغَيرهَا وَهِي مُتْعَة سَائِر المطلقات فَإِنَّهَا مُسْتَحبَّة فَقَط وَقيل المُرَاد بِالْمُتْعَةِ النَّفَقَة ٢٥ - بَاب مَا نزل فِي شَهَادَة النِّسَاء ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء أَن تضل إِحْدَاهمَا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ هَذِه قِطْعَة من آيَة

стр. 41

الدَّين الطولي ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ فِيهِ أَن الْمَرْأَتَيْنِ فِي الشَّهَادَة بِرَجُل وَأَنَّهَا لَا تجوز شَهَادَة النِّسَاء إِلَّا مَعَ الرجل لَا وحدهن إِلَّا فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ للضَّرُورَة وَاخْتلفُوا هَل يجوز الحكم بِشَهَادَة امْرَأتَيْنِ مَعَ يَمِين الْمُدَّعِي كَمَا جَازَ الحكم بِشَهَادَة رجل مَعَ يَمِين الْمُدَّعِي فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه يجوز ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى قد جعل الْمَرْأَتَيْنِ كَالرّجلِ فِي هَذِه الْآيَة وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِلَى أَنه لَا يجوز وَهَذَا يرجع إِلَى الْخلاف فِي الحكم بِشَاهِد مَعَ يَمِين الْمُدَّعِي وَالْحق أَنه جَائِز لوُرُود الدَّلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ زِيَادَة لم تخَالف مَا فِي الْكتاب الْعَزِيز فَيتَعَيَّن قبُولهَا كَمَا أوضح ذَلِك فِي شرح الْمُنْتَقى وَمَعْلُوم عِنْد كل من يفهم أَنه لَيْسَ فِي هَذِه الْآيَة مَا يرد بِهِ رَسُول الله ﷺ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين وَلم يدفعوا هَذَا إِلَّا بقاعدة مَبْنِيَّة على شفا جرف هار وَهِي قَوْلهم إِن الزِّيَادَة على النَّص نسخ وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة بل الزِّيَادَة على النَّص شَرِيعَة ثَابِتَة جَاءَنَا بهَا ﷺ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدّم عَلَيْهَا وَأَيْضًا كَانَ يلْزمهُم أَن لَا يحكموا بنكول الْمَطْلُوب وَلَا بِيَمِين الرَّد على الطَّالِب وَقد حكمُوا بهَا الْجَواب الْجَواب ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا﴾ أَي تنسى فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى أَي الذاكرة الناسية وَهَذِه الْآيَة تَعْلِيل لاعْتِبَار الْعدَد فِي النِّسَاء أَي فليشهد رجل ولتشهد امْرَأَتَانِ عوضا عَن الرجل الآخر لأجل تذكير إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى إِذا ضلت وَإِنَّمَا اعْتبر فيهمَا التَّذْكِير لما يلحقهما من ضعف النِّسَاء بِخِلَاف الرِّجَال

стр. 42

٢٦ - بَاب مَا نزل فِي حب الشَّهْوَة من النِّسَاء ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة آل عمرَان ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ المُرَاد بِالنَّاسِ الْجِنْس والشهوات جمع شَهْوَة وَهِي نزوع النَّفس إِلَى مَا تريده وتوقانها إِلَى الشَّيْء المشتهي وَالْمرَاد هُنَا المشتهيات عبر عَنْهَا بالشهوات مُبَالغَة فِي كَونهَا مرغوبا فِيهَا أَو تحقيرا لَهَا ﴿من النِّسَاء﴾ بَدَأَ بِهن لِكَثْرَة تشوق النُّفُوس إلَيْهِنَّ والاستئناس والالتذاذ بِهن لِأَنَّهُنَّ حبائل الشَّيْطَان وَأقرب إِلَى الافتتان (إِن النِّسَاء شياطين خُلِقْنَ لنا ... نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ الشَّيَاطِين)

стр. 43

٢٧ - بَاب مَا نزل فِي نذر امْرَأَة عمرَان وَفِي مَرْيَم ﵉ ﴿إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا فَتقبل مني إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى وَإِنِّي سميتها مَرْيَم وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زَكَرِيَّا كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان﴾ اسْمهَا حنة بنت فاقوذ أم مَرْيَم فَهِيَ جدة عِيسَى وَعمْرَان هُوَ ابْن باشم جد عِيسَى ﵇ وَلَيْسَ نَبيا ﴿رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا﴾ هَذَا النّذر كَانَ جَائِزا فِي شريعتهم وَالْمرَاد بِالْحُرِّيَّةِ هُنَا ضد الْعُبُودِيَّة وَقيل الْمُحَرر الْخَالِص لله لَا يشوبه شَيْء من أَمر الدُّنْيَا وَهلك عمرَان وَهِي حَامِل ﴿فَتقبل مني﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس نذرت أَن تَجْعَلهُ فِي الْكَنِيسَة يتعبد بهَا وَقَالَ مُجَاهِد خَادِمًا لِلْبيعَةِ ﴿إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت ﴿رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى﴾ أَي أَمر هَذِه الْأُنْثَى عَظِيم وشأنها فخم فَهِيَ خير مِنْهُ وَإِن لم تصلح للسدانة فَإِن فِيهَا مزايا أخر لَا تُوجد فِي الذّكر وعَلى هَذَا فَالْكَلَام على ظَاهره وَلَا قلب وَقيل لَيْسَ الذّكر الَّذِي أردْت أَن يكون خَادِمًا وَيصْلح للنذر كالأنثى الَّتِي لَا تصلح لذَلِك بل هُوَ خير مِنْهَا وَكَأَنَّهَا اعتذرت إِلَى رَبهَا وعَلى هَذَا فَفِي الْكَلَام قلب وَكَانَت مَرْيَم من اجمل النِّسَاء وأفضلهن فِي وَقتهَا

стр. 44

﴿وَإِنِّي سميتها مَرْيَم﴾ أَي العابدة ومقصودها من هَذَا الْإِخْبَار بِالتَّسْمِيَةِ التَّقَرُّب إِلَى الله فَإِن معنى مَرْيَم خَادِم الرب بلغتهم ﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من بني آدم من مَوْلُود إِلَّا نخسه الشَّيْطَان حِين يُولد فَيَسْتَهِل صَارِخًا من نخسه إِيَّاه إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظ عَنهُ ﴿فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن﴾ أَي رَضِي بهَا فِي النّذر وسلك بهَا مَسْلَك السُّعَدَاء ﴿وأنبتها نباتا حسنا﴾ أَي سوى خلقهَا من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان ﴿وكفلها زَكَرِيَّا﴾ أَي ضمهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ لَا بِالْوَحْي وَكَانَ من ذُرِّيَّة سُلَيْمَان وَعَن ابْن عَبَّاس وناس من الصَّحَابَة أَن مَرْيَم كَانَت ابْنة سيدهم وإمامهم فتشاح عَلَيْهَا أَحْبَارهم فاقترعوا فِيهَا بسهامهم أَيهمْ يكفلها وَكَانَ زَكَرِيَّا زوج أُخْتهَا فكفلها وَجعلهَا مَعَه فِي محرابه وَكَانَت عِنْده وحضنها ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا﴾ قيل فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء وَقَالَ ابْن عَبَّاس عنبا فِي مكتل فِي غير حِينه (قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق م يَشَاء بِغَيْر حِسَاب) وَهَذَا يدل على جَوَاز الْكَرَامَة لأولياء الله تَعَالَى ٢٨ - بَاب مَا نزل فِي ولادَة العاقر وَزوجهَا شيخ كَبِير ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَقد بَلغنِي الْكبر وامرأتي عَاقِر قَالَ كَذَلِك الله يفعل مَا يَشَاء﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَقد بَلغنِي الْكبر وامرأتي عَاقِر﴾

стр. 45

استبعد حُصُول الْوَلَد مِنْهُمَا مَعَ كَون الْعَادة قاضية بِأَنَّهُ لَا يحدث من مثلهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَوْم التبشير ابْن تسعين سنة وَقيل ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَت امْرَأَته فِي ثَمَان وَتِسْعين سنة والعاقر الَّتِي لَا تَلد وَقيل إِنَّه قد مر بعد دُعَائِهِ إِلَى وَقت بشارتها أَرْبَعُونَ سنة وَقيل عشرُون سنة فَكَانَ الاستبعاد من هَذِه الْحَيْثِيَّة ﴿قَالَ كَذَلِك الله يفعل مَا يَشَاء﴾ من الْأَفْعَال العجيبة مثل ذَلِك الْفِعْل وَهُوَ إِيجَاد الْوَلَد من الشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة العاقر ٢٩ - بَاب مَا نزل فِي اصطفاء مَرْيَم وأمرها بِالْعبَادَة ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نسَاء الْعَالمين يَا مَرْيَم اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك وطهرك﴾ من مَسِيس الرِّجَال أَو الْكفْر أَو الذُّنُوب أَو من الأدناس على عمومها وَكَانَت لَا تحيض وَقيل إِنَّهَا حَاضَت قبل حملهَا بِعِيسَى مرَّتَيْنِ ﴿واصطفاك على نسَاء الْعَالمين﴾ قيل هن نسَاء عَالم زمانها وَهُوَ الْحق وَقيل نسَاء جَمِيع الْعَالم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَاخْتَارَهُ الزّجاج ﴿يَا مَرْيَم اقنتي لِرَبِّك﴾ أَي أطيلي الْقيام فِي الصَّلَاة أَو ادعيه ودومي على طَاعَته بأنواع الطَّاعَات ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ أَي صلي مَعَ الْمُصَلِّين فِيهِ دلَالَة على مَشْرُوعِيَّة الْجَمَاعَة قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لما قَالَت الْمَلَائِكَة لَهَا ذَلِك شفاها قَامَت حَتَّى تورمت قدماها وسالت دَمًا وقيحا وَحكي عَن مُجَاهِد نَحوه

стр. 46

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَليّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول خير نسائها مَرْيَم بنت عمرَان وَخير نسائها خَدِيجَة بنت خويلد وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا أفضل نسَاء الْعَالمين خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَمَرْيَم وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي مُوسَى يرفعهُ كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا مَرْيَم بنت عمرَان وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن وَفضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام وَفِي الْمَعْنى أَحَادِيث كَثِيرَة تفِيد أَن مَرْيَم ﵍ سيدة نسَاء عالمها فَقَط وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع نسْوَة سيدات نسَاء عالمهن مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم وَخَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وأفضلهن عَالما فَاطِمَة ﵂ ٣٠ - بَاب مَا نزل فِي تبشير مَرْيَم بِالْوَلَدِ ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ ﴿قَالَت رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ﴾ أَي كائنة من عِنْده وناشئة مِنْهُ من غير وَاسِطَة الْأَسْبَاب العادية وَهِي ولد يُولد لَك من غير بعل وَلَا فَحل وَفِي تَفْسِير أبي السُّعُود مفتي الْحَنَفِيَّة فِي ديار الرّوم فِي سُورَة النِّسَاء يحْكى أَن طَبِيبا حاذقا نَصْرَانِيّا جَاءَ

стр. 47

[@ ٦١ @ الرشيد فناظر عَليّ بن الْحُسَيْن الْوَاقِدِيّ ذَات يَوْم فَقَالَ لَهُ إِن فِي كتابكُمْ مَا يدل على أَن عِيسَى جُزْء من الله وتلا هَذِه الْآيَة أَي قَوْله ﴿وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ فَقَرَأَ لَهُ الْوَاقِدِيّ ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وَقَالَ إِذن يلْزم أَن يكون جَمِيع تِلْكَ الْأَشْيَاء جُزْءا مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَانْقَطع النَّصْرَانِي وَأسلم وَفَرح الرشيد فَرحا شَدِيدا وَأعْطى الْوَاقِدِيّ صلَة فاخرة وَذَلِكَ الْوَلَد اسْمه ﴿الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ قَالَ أَبُو عبيد هُوَ بالعبرانية مشيحا فعرب كَمَا عرب موشى بمُوسَى قَالَ فِي الْكَشَّاف هُوَ لقب من الألقاب المشرفة وَمَعْنَاهُ باللغة العبرانية الْمُبَارك إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿قَالَت رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء﴾ مِنْك من غير أَن يمسك بشر وَعبر هُنَا بالخلق وَفِي قصَّة يحيى بِالْفِعْلِ لما أَن ولادَة الْعَذْرَاء من غير أَن يَمَسهَا بشر أبدع وَأغْرب من ولادَة عَجُوز عَاقِر من شيخ كَبِير ٣١ - بَاب مَا نزل فِي المباهلة بدعوة النِّسَاء فِيهَا ﴿فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ نزلت فِي قصَّة مباهلة نَصَارَى نَجْرَان والبهل اللَّعْنَة والمباهلة الْمُلَاعنَة وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب فَيدل على جَوَاز المباهلة مِنْهُ ﷺ لكل من حَاجَة فِي عِيسَى وَأمته أسوته

стр. 48

وَالْآيَة دَلِيل على فضل أَصْحَاب الكساء وَفضل من أَتَى مِنْهُم من أهل بَيته وهم عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة ﵃ وفيهَا أَن أَبنَاء الْبَنَات يسمون أَبنَاء وَإِنَّمَا خص الْأَبْنَاء وَالنِّسَاء لأَنهم أعز الْأَهْل وَعَن سعد ﵁ لما نزلت هَذِه الْآيَة دَعَا النَّبِي ﷺ فَاطِمَة وحسنا وَحسَيْنا فَقَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهلِي رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ والمباهلة جَائِزَة بعد النَّبِي ﷺ فِي أَمر مُهِمّ شرعا وَقع فِيهِ اشْتِبَاه وعناد لَا يَتَيَسَّر دَفعه إِلَّا بهَا وَقد بَاهل بعض السّلف كالحافظ ابْن الْقيم فِي مَسْأَلَة صِفَات الْبَارِي والحافظ ابْن حجر وَغَيرهمَا جمَاعَة من المقلدة فَلم يقومُوا بهَا وانهزموا وَللَّه الْحَمد وَمن منع مِنْهَا الْأمة بعد رَسُول الله ﷺ فَلم يصب وَلم يَأْتِ بِدَلِيل وَكَأَنَّهُ جَاهِل بمسائل الدَّين ٣٢ - بَاب مَا نزل فِي عدم ضيَاع عمل الْأُنْثَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى بَعْضكُم من بعض﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم﴾ أَي لَا أحبطه بل أثيبكم عَلَيْهِ ﴿من ذكر أَو أُنْثَى﴾ من بَيَانِيَّة مُؤَكدَة لما تَقْتَضِيه النكرَة الْوَاقِعَة فِي سِيَاق النَّفْي من الْعُمُوم ﴿بَعْضكُم من بعض﴾ أَي رجالكم مثل نِسَائِكُم فِي ثَوَاب الطَّاعَة وَالْعِقَاب وَنِسَاؤُكُمْ مثل رجالكم فيهمَا وَقيل فِي الدَّين والفطرة والموالاة وَالْأول أولى

стр. 49

٣٣ - بَاب مَا نزل فِي خلق حَوَّاء من آدم ﵉ ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة السناء ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ آدم ﵇ ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ حَوَّاء قيل خلقت قبل دُخُوله الْجنَّة وَقيل بعد دُخُوله إِيَّاهَا ﴿وَبث مِنْهُمَا﴾ أَي فرق وَنشر من آدم وحواء الْمعبر عَنْهَا بِالنَّفسِ وَالزَّوْج ﴿رجَالًا كثيرا وَنسَاء﴾ أَي نسَاء كَثِيرَة وَترك التَّصْرِيح بِهِ اسْتغْنَاء أَو اكْتِفَاء بِالْوَصْفِ الأول ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام﴾ كَانُوا يقرنون بَينهمَا فِي السُّؤَال والمناشدة فَيَقُولُونَ أَسأَلك بِاللَّه وَالرحم وأنشدك الله وَالرحم قيل التَّقْدِير وَاتَّقوا قطع مَوَدَّة الْأَرْحَام فَإِن قطع الرَّحِم من أكبر الْكَبَائِر وصلَة الْأَرْحَام بَاب لكل خير فتزيد فِي الْعُمر وتبارك فِي الرزق وقطعها سَبَب لكل شَرّ وَلذَا وصل تقوى الرَّحِم بتقوى الله وصلَة الرَّحِم تخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فَتَارَة تكون عَادَته مَعَ رَحمَه الصِّلَة بِالْإِحْسَانِ وَتارَة بِالْخدمَةِ وَقَضَاء الْحَاجة وَتارَة بالمكاتبة وَتارَة بِحسن الْعبارَة وَغير ذَلِك والأرحام اسْم لجَمِيع الْأَقَارِب من غير فرق بَين الْمحرم وَغَيره لَا خلاف فِي هَذَا بَين أهل الشَّرْع واللغة وَقد خصص أَبُو حنيفَة ﵀ الرَّحِم بالمحرم فِي منع الرُّجُوع فِي الْهِبَة مَعَ مُوَافَقَته على أَن مَعْنَاهَا أَعم وَلَا وَجه لهَذَا التَّخْصِيص

стр. 50

٤٣ - بَاب مَا نزل فِي تعدد الْأَنْكِحَة ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ من بَيَانِيَّة أَو تبعيضية ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ أَي اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وأربعا وأربعا وَقد اسْتدلَّ بِالْآيَةِ على تَحْرِيم مَا زَاد على الْأَرْبَع وَالْآيَة على خلاف مَا استدلوا بِهِ فَالْأولى أَن يسْتَدلّ على تَحْرِيم الزِّيَادَة على الْأَرْبَع بِالسنةِ لَا بِالْقُرْآنِ كَمَا فِي حَدِيث ابْن عمر فِي قصَّة غيلَان الثَّقَفِيّ عِنْد أَحْمد وَغَيره وَكَانَت تَحْتَهُ عشر نسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ اختر مِنْهُنَّ وَفِي لفظ أمسك مِنْهُنَّ أَرْبعا وَفَارق سائرهن وَله أَلْفَاظ وطرق وَفِي الْبَاب حَدِيث نَوْفَل الديلمي وَكَانَت عِنْده خمس نسْوَة فَقَالَ لَهُ ﷺ أمسك أَرْبعا وَفَارق الْأُخْرَى أخرجه الشَّافِعِي وَحَدِيث

стр. 51

قيس الْأَسدي وَكَانَت تَحْتَهُ ثَمَان نسْوَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اختر مِنْهُنَّ أَرْبعا وخل سائرهن أخرجه إِبْنِ مَاجَه لَوْلَا أَن فِي هَذِه السّنَن مقَالا ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا﴾ بَين الزَّوْجَات فِي الْقسم وَالنَّفقَة وَنَحْوهمَا ﴿فَوَاحِدَة﴾ أَي فانكحوا وَاحِدَة وَفِيه الْمَنْع من الزِّيَادَة على الْوَاحِدَة لمن خَافَ ذَلِك ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي اقتصروا على السراري وَإِن كثر عددهن كَمَا يفِيدهُ الْمَوْصُول إِذْ لَيْسَ لَهُنَّ من الْحُقُوق مَا لِلزَّوْجَاتِ وَالْمرَاد نِكَاحهنَّ بطرِيق الْملك لَا بطرِيق النِّكَاح وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا حق للمملوكات فِي الْقسم كَمَا يدل على ذَلِك جعله قسيما للواحدة فِي الْأَمْن من عدم الْعدْل ﴿ذَلِك﴾ أَي نِكَاح الْأَرْبَعَة فَقَط أَو الْوَاحِدَة أَو التَّسَرِّي ﴿أدنى﴾ أَي أقرب ﴿أَلا تعولُوا﴾ تَجُورُوا وَقيل تميلوا وَقيل تفتقروا ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ أَي عَطاء وَقيل تدينا وَقيل طيبَة النَّفس وَقيل الْمهْر وَمعنى الْآيَة على كَون الْخطاب للأزواج أعطوهن مهورهن عَطِيَّة أَو ديانَة أَو فَرِيضَة وعَلى كَون الْخطاب للأولياء أعطوهن تِلْكَ المهور الَّتِي قبضتم من أَزوَاجهنَّ وَالْأول أولى وَهُوَ الْأَشْبَه بِظَاهِر الْآيَة وَعَلِيهِ الْأَكْثَر وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الصَدَاق وَاجِب على الْأزْوَاج للنِّسَاء وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على أَنه لَا حد لكثيره وَاخْتلفُوا فِي قَلِيله ﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا كَانَ من غير إِضْرَار وَلَا خديعة فَهُوَ هنيء مريء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾ وَفِي طبن دَلِيل على أَن الْمُعْتَبر فِي تَحْلِيل ذَلِك مِنْهُنَّ لَهُم إِنَّمَا هُوَ طيبَة النَّفس لَا مُجَرّد مَا يصدر مِنْهَا من الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا يتَحَقَّق مَعهَا طيبَة النَّفس فَإِذا ظهر مِنْهَا مَا يدل على عدم طيبَة نَفسهَا لم يحل للزَّوْج

стр. 52

وَلَا للْوَلِيّ وَإِن كَانَت تلفظت بِالْهبةِ أَو النّذر أَو نَحْوهمَا وَمَا أقوى دلَالَة هَذِه الْآيَة على عدم اعْتِبَار مَا يصدر من النِّسَاء من الْأَلْفَاظ المفيدة للتَّمْلِيك بمجردها لنُقْصَان عقولهن وَضعف إدراكهن وَسُرْعَة إنخداعهن وانجذابهن إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُنَّ بأيسر ترغيب أَو ترهيب ٣٥ - بَاب مَا نزل فِي نصيب النِّسَاء مِمَّا ترك الْوَالِدَان ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وللنساء نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قل مِنْهُ أَو كثر نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المتوفون من الْمِيرَاث ﴿وللنساء نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ من المَال المخلف عَن الْمَيِّت ﴿مِمَّا قل مِنْهُ أَو كثر نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ فَرْضه الله وَهُوَ آكِد من الْوَاجِب فَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الْوَارِث لَو أعرض عَن نصِيبه لم يسْقط حَقه بِالْإِعْرَاضِ قَالَه الْبَيْضَاوِيّ أجمل سُبْحَانَهُ فِي الْموضع قدر النَّصِيب الْمَفْرُوض ثمَّ أنزل قَوْله ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ فَبين مِيرَاث كل فَرد وَسَيَأْتِي

стр. 53

٣٦ - بَاب مَا نزل فِي سِهَام النِّسَاء من الْمِيرَاث ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف ولأبويه لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك إِن كَانَ لَهُ ولد فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ هَذَا تَفْصِيل لما أجمل فِي الْآيَة الأولى من أَحْكَام الْمَوَارِيث وَقد اسْتدلَّ بهَا على جَوَاز الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَهَذِه الْآيَة بِطُولِهَا ركن من أَرْكَان الدَّين وعمدة من عمد الْأَحْكَام وَأم من أُمَّهَات الْآيَات لاشتمالها على مَا يهم من علم الْفَرَائِض وَقد كَانَ هَذَا الْعلم من أجل عُلُوم الصَّحَابَة ﵃ وَأكْثر مناظراتهم فِيهِ وَهَذِه الْآيَة ناسخة لما كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام من الموارثة بِالْحلف وَالْهجْرَة وَالْمُعَاقَدَة ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ المُرَاد حَال اجْتِمَاع الذُّكُور وَالْإِنَاث أما حَال الإنفراد فللذكر جَمِيع الْمِيرَاث وللأنثى النّصْف وللأنثيين فَصَاعِدا الثُّلُثَانِ ﴿فَإِن كن﴾ الْأَوْلَاد المتروكات ﴿نسَاء﴾ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذكر ﴿فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثلثا مَا ترك﴾ أَي الْمَيِّت وَظَاهر النّظم القرآني أَن الثُّلثَيْنِ فَرِيضَة الثَّلَاث من الْبَنَات فَصَاعِدا وَلم يسم للاثنتين فَرِيضَة وَلِهَذَا اخْتلف فِي فريضتهما فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن لَهما إِذا انفردتا عَن الْبَنِينَ الثُّلثَيْنِ وَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى أَن فريضتهما النّصْف وأوضح مَا يحْتَج بِهِ الْجُمْهُور حَدِيث جَابر قَالَ جَاءَت امْرَأَة سعد بن

стр. 54

الرّبيع إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله هَاتَانِ ابنتا سعد بن الرّبيع قتل أَبوهُمَا مَعَك فِي أحد شَهِيدا وَإِن عَمهمَا أَخذ مَالهمَا فَلم يدع لَهما مَالا وَلَا تنكحان إِلَّا وَلَهُمَا مَال فَقَالَ يقْضِي الله فِي ذَلِك فَنزلت آيَة الْمِيرَاث فَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَى عَمهمَا فَقَالَ أعْط ابْنَتي سعد الثُّلثَيْنِ وأمهما الثّمن وَمَا بَقِي فَهُوَ لَك أخرجه ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو يعلي وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وأخرجوه من طرق عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن جَابر قَالَ التِّرْمِذِيّ وَلَا يعرف إِلَّا من حَدِيثه ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة﴾ بِالرَّفْع أَي فَإِن وجدت بنت وَاحِدَة على أَن كَانَ تَامَّة وَقُرِئَ بِالنّصب أَي وَإِن كَانَت المتروكة أَو المولودة وَاحِدَة وَهَذِه قِرَاءَة حَسَنَة ﴿فلهَا النّصْف﴾ يَعْنِي فرضا لَهَا ﴿ولأبويه﴾ أَي الْمَيِّت وَالْمرَاد بهما الْأَب وَالأُم وَهَذَا شُرُوع فِي إِرْث الْأُصُول ﴿لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك﴾ وَاخْتلف فِي الْجد هَل هُوَ بِمَنْزِلَة الْأَب فَيسْقط بِهِ الْإِخْوَة أم لَا فَذهب أَبُو بكر الصّديق ﵁ إِلَى الأولى وَلم يُخَالِفهُ أحد من الصَّحَابَة أَيَّام خِلَافَته وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك بعد وَفَاته وَبِقَوْلِهِ قَالَ أَبُو حنيفَة وَذهب عَليّ وَزيد بن ثَابت إِلَى تَوْرِيث الْجد مَعَ الْإِخْوَة لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب وَلَا ينقص مَعَهم من الثُّلُث وَلَا ينقص مَعَ ذَوي الْفُرُوض من السُّدس فِي قَول مَالك وَأبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْجد يسْقط بني الْإِخْوَة وَأجْمع الْعلمَاء على أَن للجدة السُّدس إِذا لم يكن للْمَيت أم وَأَجْمعُوا على أَنَّهَا سَاقِطَة مَعَ وجود الْأُم وعَلى أَن الْأَب لَا يسْقط الْجدّة أم الْأُم وَاخْتلفُوا فِي تَوْرِيث الْجدّة وإبنها حَيّ فَقيل إِنَّهَا لَا تَرث وَبِه قَالَ مَالك وَأَصْحَاب الرَّأْي وَقيل تَرث وَبِه قَالَ أَحْمد ﴿إِن كَانَ لَهُ ولد﴾ الْوَلَد يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى لكنه إِذا كَانَ الْمَوْجُود

стр. 55

الذّكر من الْأَوْلَاد وَحده أَو مَعَ الْأُنْثَى مِنْهُم فَلَيْسَ للْجدّ إِلَّا السُّدس وَإِن كَانَ الْمَوْجُود أُنْثَى كَانَ للْجدّ السُّدس بِالْفَرْضِ وَهُوَ عصبَة فِيمَا عدا السُّدس وَأَوْلَاد إِبْنِ الْمَيِّت كأولاد الْمَيِّت ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد﴾ وَلَا ولد ابْن لما تقدم من الْإِجْمَاع ﴿وَورثه أَبَوَاهُ﴾ مفردين عَن سَائِر الْوَرَثَة أَو مَعَ زوج ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ أَي ثلث المَال كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من أَن الْأُم لَا تَأْخُذ ثلث التَّرِكَة إِلَّا إِذا لم يكن للْمَيت وَارِث غير الْأَبَوَيْنِ أما لَو كَانَ مَعَهُمَا أحد الزَّوْجَيْنِ فَلَيْسَ للْأُم إِلَّا الثُّلُث الْبَاقِي بعد الْمَوْجُودين من الزَّوْجَيْنِ ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة﴾ يَعْنِي ذُكُورا أَو إِنَاثًا اثْنَيْنِ فَصَاعِدا ﴿فلأمه السُّدس﴾ يَعْنِي لأم الْمَيِّت سدس التَّرِكَة إِذا كَانَ مَعهَا إخْوَة وَإِطْلَاق الْإِخْوَة يدل على أَنه لَا فرق بَين الْإِخْوَة لِأَبَوَيْنِ أَو لأَحَدهمَا وَقد أجمع أهل الْعلم على أَن الِاثْنَيْنِ من الْإِخْوَة يقومان مقَام الثَّلَاثَة فَصَاعِدا فِي حجب الْأُم إِلَى السُّدس وَأَجْمعُوا أَيْضا على أَن الْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدا كالأخوين فِي حجب الْأُم ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ يَعْنِي أَن هَذِه الأنصبة والسهام إِنَّمَا تقسم بعد قَضَاء الدَّين وإنفاذ وَصِيَّة الْمَيِّت فِي ثلثه وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَغَيرهم عَن عَليّ ﵁ قَالَ إِنَّكُم تقرأون هَذِه الْآيَة ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ وَإِن رَسُول الله ﷺ قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة وَإِن أَعْيَان بني الْأُم يتوارثون دون بني العلات

стр. 56

٣٧ - بَاب مَا نزل فِي سهم الْأزْوَاج من الزَّوْجَات ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد فَإِن كَانَ لَهُنَّ ولد فلكم الرّبع مِمَّا تركن من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد﴾ مِنْكُم أَو غَيْركُمْ الْخطاب هُنَا للرِّجَال وَالْمرَاد بِالْوَلَدِ ولد الصلب أَو ولد الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى لما قدمنَا من الْإِجْمَاع ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ ولد فلكم الرّبع مِمَّا تركن﴾ وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ لم يخْتَلف أهل الْعلم فِي أَن للزَّوْج مَعَ عدم الْوَلَد النّصْف وَمَعَ وجوده وَإِن سفل الرّبع ﴿من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين﴾ أَي حَالَة كونهن غير مضارات فِي الْوَصِيَّة وَألْحق بِالْوَلَدِ فِي ذَلِك ولد الإبن بِالْإِجْمَاع وَهَذَا مِيرَاث الْأزْوَاج من الزَّوْجَات ٣٨ - بَاب مَا نزل فِي سهم الزَّوْجَات من الْأزْوَاج ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم إِن لم يكن لكم ولد فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا تركْتُم من بعد وَصِيَّة توصون بهَا أَو دين وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة وَله أَخ أَو أُخْت فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار وَصِيَّة من الله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿ولهن﴾ أَي الزَّوْجَات تعددن أَولا ﴿الرّبع مِمَّا تركْتُم﴾ هَذَا

стр. 57

بَيَان مِيرَاث الزَّوْجَات من الْأزْوَاج ﴿إِن لم يكن لكم ولد فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا تركْتُم﴾ هَذَا النَّصِيب مَعَ الْوَلَد والنصيب مَعَ عَدمه تنفرد بِهِ الْوَاحِدَة من الزَّوْجَات ويشترك فِيهِ الْأَكْثَر من الْوَاحِدَة لَا خلاف فِي ذَلِك يَعْنِي أَن الْوَاحِدَة من النِّسَاء لَهَا الرّبع أَو الثّمن وَكَذَلِكَ لَو كن أَربع زَوْجَات فَإِنَّهُنَّ يشتركن فِي الرّبع أَو الثّمن وَلَا فرق بَين الْوَلَد وَولد الإبن وَولد الْبِنْت فِي ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الْوَلَد للرجل من الزَّوْجَة أَو من غَيرهَا ﴿من بعد وَصِيَّة توصون بهَا أَو دين﴾ أَي من بعد أحد هذَيْن مُنْفَردا أَو مَضْمُونا إِلَى الآخر ﴿وَإِن كَانَ رجل﴾ ميت ﴿يُورث﴾ من ورث لَا من أورث ﴿كَلَالَة﴾ وَهُوَ الْمَيِّت الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد قَالَه جُمْهُور أهل الْعلم وَقد قيل إِنَّهَا إِجْمَاع وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَورد فِيهِ حَدِيث مَرْفُوع ﴿أَو امْرَأَة﴾ أَي كَانَت الْمَرْأَة الموروثة خَالِيَة من الْوَالِد وَالْولد ﴿وَله أَخ أَو أُخْت﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيّ أجمع الْعلمَاء على أَن الْإِخْوَة هَا هُنَا هم الْإِخْوَة للْأُم قَالَ وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم أَو للْأَب لَيْسَ ميراثهم هَكَذَا وأفرد الضَّمِير فِي قَوْله ﴿وَله﴾ لِأَن المُرَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا ﴿فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس﴾ مِمَّا ترك الْمُورث ﴿فَإِن كَانُوا أَكثر من ذَلِك﴾ بِأَن يكون الْمَوْجُود إثنين فَصَاعِدا ذكرين أَو انثيين أَو ذكرا وَأُنْثَى قيل وَهَذَا إِجْمَاع ودلت الْآيَة على أَن الْإِخْوَة لأم إِذا استكملت بهم الْمَسْأَلَة كَانُوا أقدم من الْإِخْوَة لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب وَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَة الْمُسَمَّاة بالحمارية وَإِذا تركت الْميتَة زوجا وَأما وأخوين لأم وإخوة لِأَبَوَيْنِ فَإِن للزَّوْج النّصْف وَللْأُمّ السُّدس وللأخوين لأم الثُّلُث وَلَا شَيْء للإخوة لِأَبَوَيْنِ وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَلأولى رجل ذكر وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَقد قرر الشَّوْكَانِيّ ﵀ دلَالَة الْآيَة والْحَدِيث على ذَلِك فِي رسَالَته

стр. 58

المباحث الدرية فِي الْمسَائِل الحمارية وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف بَين الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ مَعْرُوف ﴿فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ يَسْتَوِي فِيهِ ذكرهم وأنثاهم ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ ظَاهر الْآيَة تدل على جَوَاز الْوَصِيَّة بِكُل المَال وببعضه لَكِن ورد فِي السّنة مَا يدل على تَقْيِيد هَذَا الْمُطلق وتخصصه وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي حَدِيث سعد بن أبي وَقاص الثُّلُث وَالثلث كثير أخرجه الشَّيْخَانِ فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْوَصِيَّة لَا تجوز بِأَكْثَرَ من الثُّلُث وَأَن النُّقْصَان عَن الثُّلُث جَائِز ﴿غير مضار﴾ لوَرثَته بِوَجْه من وُجُوه الْإِضْرَار ﴿وَصِيَّة من الله﴾ وَفِي كَون هَذِه الْوَصِيَّة من الله سُبْحَانَهُ دَلِيل على أَنه قد وصّى عباده بِهَذِهِ التفاصيل الْمَذْكُورَة فِي الْفَرَائِض وَأَن كل وَصِيَّة من عباده تخالفها فَهِيَ مسبوقة بِوَصِيَّة الله كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الْوَرَثَة على بعض والمشتملة على الضرار بِوَجْه من الْوُجُوه ٣٩ - بَاب مَا نزل فِي الآتيات بالفاحشة ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة﴾ أَي الفعلة القبيحة وَالْمرَاد بهَا هُنَا الزِّنَى خَاصَّة وإتيانها فعلهَا ومباشرتها ﴿من نِسَائِكُم﴾ هن المسلمات ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة﴾ خطاب للأزواج أَو للحكام قَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّمَا جعل الله الشُّهُود أَرْبَعَة سترا يستركم بِهِ دون فواحشكم ﴿مِنْكُم﴾ المُرَاد بِهِ الرِّجَال الْمُسلمُونَ ﴿فَإِن شهدُوا﴾ بهَا ﴿فأمسكوهن﴾ أَي احبسونهم ﴿فِي الْبيُوت﴾ وامنعوهن من مُخَالطَة النَّاس ﴿حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت﴾

стр. 59

أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا) ذَلِك السَّبِيل كَانَ مُجملا فَلَمَّا قَالَ النَّبِي ﷺ خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبَادَة صَار هَذَا الحَدِيث بَيَانا لتِلْك الْآيَة لَا نسخا لَهَا ٤٠ - بَاب مَا نزل فِي إيراث النِّسَاء والعضل وَعدم أَخذ الْمهْر مِنْهُنَّ وَإِن زَاد ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ أَي مكرهين على ذَلِك وَمعنى الْآيَة يَتَّضِح بِمَعْرِِفَة سَبَب نُزُولهَا وَهُوَ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانُوا إِذا مَاتَ الرجل كَانَ أولياؤه أَحَق بامرأته إِن شَاءَ بَعضهم تزَوجهَا وَإِن شاؤوا زوجوها وَإِن شاؤوا لم يزوجوها فهم أَحَق بهَا من أَهلهَا فَنزلت الْآيَة وَفِي لفظ لأبي دَاوُد عَنهُ كَانَ الرجل يَرث امْرَأَة ذَات قرَابَة فيعضلها حَتَّى تَمُوت أَو ترد إِلَيْهِ صَدَاقهَا وَفِي لفظ لِابْنِ جرير وَابْن أبي حَاتِم عَنهُ فَإِن كَانَت جميلَة تزَوجهَا وَإِن كَانَت دَمِيمَة حَبسهَا حَتَّى تَمُوت فيرثها وَقد رُوِيَ هَذَا السَّبَب

стр. 60

بِأَلْفَاظ فمعناها لَا يحل لكم أَو تأخذوهن بطرِيق الارث فتزعموا أَنكُمْ أَحَق بِهن من غَيْركُمْ وتحبسوهن لأنفسكم ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن﴾ عَن أَن يتزوجن غَيْركُمْ ضِرَارًا ﴿لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَي لِتَأْخُذُوا ميراثهن إِذا متن أَو ليدفعن إِلَيْكُم صداقهن إِذا أذنتم لَهُنَّ فِي النِّكَاح وَقيل الْخطاب لِأَزْوَاج النِّسَاء إِذا حبسوهن مَعَ سوء الْعشْرَة طَمَعا فِي إرثهن أَو يفتدين بِبَعْض مهورهن وَاخْتَارَهُ ابْن عَطِيَّة وأصل العضل الْمَنْع أَي لَا تمنعوهن من الْأزْوَاج وَدَلِيل ذَلِك قَوْله ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ فَإِنَّهَا إِذا أَتَت بِفَاحِشَة فَلَيْسَ للْوَلِيّ حَبسهَا حَتَّى يذهب بمالها إِجْمَاعًا من الْأمة وَإِنَّمَا ذَلِك للزَّوْج قَالَ الْحسن إِذا زنت الْبكر تجلد مائَة وتنفى وَيرد إِلَى زَوجهَا مَا أخذت مِنْهُ وَقَالَ أَبُو قلَابَة إِذا زنت امْرَأَة الرجل فَلَا بَأْس أَن يضارها ويشق عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ وَقَالَ السّديّ إِذا فعلن ذَلِك فَخُذُوا مهورهن وَقَالَ قوم الْفَاحِشَة الْبذاء بِاللِّسَانِ وَسُوء الْعشْرَة قولا وفعلا وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة من أهل الْعلم للزَّوْج أَن يَأْخُذ من الناشزه جَمِيع مَا تملك وَهَذَا كُله على أَن الْخطاب فِي قَوْله ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ للأزواج وَقد عرفت فِي سَبَب النُّزُول أَن الْخطاب لمن خُوطِبَ بقوله ﴿لَا يحل لكم﴾ فَيكون الْمَعْنى إِن يَأْتِين بِفَاحِشَة جَازَ لكم حبسهن عَن الْأزْوَاج وَلَا يخفي مَا فِي هَذَا من التعسف مَعَ عدم جَوَاز حبس من أَتَت بِفَاحِشَة عَن أَن تتَزَوَّج وتستعف من الزِّنَى وكما أَن فِي جعل قَوْله ﴿وَلَا تعضلوهن﴾ خطابا للأولياء فِيهِ التعسف كَذَلِك جعل قَوْله ﴿وَلَا يحل لكم﴾ خطابا للأزواج فِيهِ تعسف ظَاهر مَعَ مُخَالفَته لسَبَب نزُول الْآيَة وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الْخطاب فِي قَوْله ﴿وَلَا يحل لكم﴾ للْمُسلمين أَي لَا تَفعلُوا كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة وَلَا تحبسوهن عنْدكُمْ مَعَ عدم رغبتكم فِيهِنَّ بل لقصد أَن تذْهبُوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ

стр. 61

من المهور يفتدين بِهِ من الْحَبْس والبقاء تحتكم وَفِي عقدتكم مَعَ كراهتكم لَهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة جَازَ لكم مخالعتهن بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ خطاب للأزواج أَو أَعم وَذَلِكَ مُخْتَلف باخْتلَاف الْأزْوَاج فِي الْغنى والفقر والرفعة والضعة قَالَ السّديّ أَي خالطوهن وَقيل خالقوهن قَالَ عِكْرِمَة حَقّهَا عَلَيْك الصُّحْبَة الْحَسَنَة وَالْكِسْوَة والرزق بِالْمَعْرُوفِ ﴿فَإِن كرهتموهن﴾ بِسَبَب من الْأَسْبَاب من غير ارْتِكَاب فَاحِشَة وَلَا نشوز فَعَسَى أَن يؤول الْأَمر إِلَى مَا تحبونه من ذهَاب الْكَرَاهَة وتبدلها بالمحبة فَيكون فِي ذَلِك خير كثير من اسْتِدَامَة الصُّحْبَة وَحُصُول الْأَوْلَاد فَيكون الْجَزَاء على هَذَا محذوفا مدلولا عَلَيْهِ بعلته أَي فَإِن كرهتموهن فَاصْبِرُوا وَلَا تفارقوهن بِمُجَرَّد هَذِه النفرة ﴿فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس الْخَيْر الْكثير أَن يعْطف عَلَيْهَا فيرزق مِنْهَا ولدا وَيجْعَل الله فِي وَلَدهَا خيرا كثيرا وَعَن السّديّ نَحوه وَقَالَ مقَاتل يطلقهَا فتتزوج من بعده رجلا فَيجْعَل الله لَهُ مِنْهَا ولدا وَيجْعَل فِي تَزْوِيجهَا خيرا كثيرا وَعَن الْحسن نَحوه وَقيل فِي الْآيَة ندب إِلَى إمْسَاك الْمَرْأَة مَعَ الْكَرَاهَة لَهَا لِأَنَّهُ إِذا كره صحبتهَا وَتحمل ذَلِك الْمَكْرُوه طلبا للثَّواب وَأنْفق عَلَيْهَا وَأحسن صحبتهَا اسْتحق الثَّنَاء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب الجزيل فِي الْآخِرَة ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج﴾ الْخطاب للرِّجَال وَالْمرَاد بِالزَّوْجِ الزَّوْجَة ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ﴾ وَهِي المرغوب عَنْهَا ﴿قِنْطَارًا﴾ أَي مَالا كثيرا وَفِي الْآيَة دَلِيل على جَوَاز المغالاة فِي المهور ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ وَالْمرَاد هُنَا غير المختلعة قَالَ ابْن عَبَّاس إِن كرهت امْرَأَتك وَأَعْجَبَك غَيرهَا فَطلقت هَذِه وَتَزَوَّجت تِلْكَ فأعط هَذِه مهرهَا وَإِن كَانَ قِنْطَارًا فَائِدَة أخرج سعيد بن مَنْصُور وَأَبُو يعلى قَالَ السُّيُوطِيّ بِسَنَد

стр. 62

جيد أَن عمر نهى النَّاس أَن يزِيدُوا النِّسَاء فِي صدقاتهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فاعترضت لَهُ امْرَأَة من قُرَيْش فَقَالَت أما سَمِعت مَا أنزل الله يَقُول ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فَقَالَ اللَّهُمَّ غفرا كل النَّاس أفقه من عمر فَركب الْمِنْبَر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ أَن تَزِيدُوا النِّسَاء فِي صدقاتهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فَمن شَاءَ أَن يُعْطي من مَاله مَا أحب قَالَ أَبُو يعلي وَأَظنهُ قَالَ فَمن طابت نَفسه فَلْيفْعَل قَالَ ابْن كثير إِسْنَاده جيد قوي وَقد رويت هَذِه الْقِصَّة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة هَذَا أَحدهَا وَقيل الْمَعْنى لَو جعلتم ذَلِك الْقدر لَهُنَّ صَدَاقا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا وَذَلِكَ أَن سوء الْعشْرَة إِمَّا أَن يكون من قبل الزَّوْج أَو من قبل الزَّوْجَة فَإِن كَانَ من قبل الزَّوْج وَأَرَادَ طَلَاق الْمَرْأَة فَلَا يحل لَهُ أَن يَأْخُذ شَيْئا من صَدَاقهَا وَإِن كَانَ النُّشُوز من قبل الْمَرْأَة جَازَ لَهُ ذَلِك ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ قَالَ الْهَرَوِيّ والكلبي هُوَ إِذا كَانَا فِي لِحَاف وَاحِد جَامع أَو لم يُجَامع وبنحوه قَالَ الْفراء وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَاخْتَارَهُ الزّجاج هُوَ فِي هَذِه الْآيَة الْجِمَاع وَلَكِن الله يكنى بِهِ ﴿وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾ هُوَ عقد النِّكَاح وَقيل هُوَ الْإِمْسَاك والتسريح وَقيل هُوَ الْأَوْلَاد وَكَانَ ابْن عمر إِذا نكح قَالَ نكحتك على مَا أَمر الله بِهِ إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان ٤١ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن نِكَاح نسَاء الْآبَاء ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قد سلف إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا وساء سَبِيلا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ نهى عَمَّا كَانَت

стр. 63

عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من نِكَاح نسَاء آبَائِهِم وَالْمرَاد آباؤكم من نسب أَو رضَاع ﴿إِلَّا مَا قد سلف﴾ فِي الْجَاهِلِيَّة فَاجْتَنبُوهُ وَدعوهُ فَإِنَّهُ مغْفُور ﴿إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا﴾ وَقد كَانَت الْجَاهِلِيَّة تسميه نِكَاح المقت وَهَذِه الْجُمْلَة دلّت على أَنه من أَشد الْمُحرمَات وأقبحها قَالَ ثَعْلَب سَأَلت ابْن الْأَعرَابِي عَن نِكَاح المقت فَقَالَ هُوَ أَن يتَزَوَّج رجل امْرَأَة أَبِيه إِذا طَلقهَا أَو مَاتَ عَنْهَا وَيُقَال لهَذَا الضيزن وَيُسمى الْوَلَد من امْرَأَة أَبِيه مقيتا وَكَانَ مِنْهُم الْأَشْعَث بن قيس وَأَبُو معيط وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ لقِيت خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَة قلت أَيْن تُرِيدُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى رجل تزوج امْرَأَة أَبِيه من بعده فَأمرنِي أَن اضْرِب عُنُقه وَآخذه مَاله رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ﴿وساء سَبِيلا﴾ أَي ذَلِك النِّكَاح لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مقت الله وَقيل مقولا فِي حَقه سَاءَ سَبِيلا فَإِن أَلْسِنَة الْأُمَم كَافَّة لم تزل ناطقة بذلك فِي الْأَمْصَار والأعصار قيل مَرَاتِب الْقبْح ثَلَاث وَقد وصف الله هَذَا النِّكَاح بِكُل ذَلِك فَقَوله فَاحِشَة مرتبَة قبحه الْعقلِيّ وَقَوله مقتا مرتبَة قبحه الشَّرْعِيّ وَقَوله سَاءَ سَبِيلا مرتبَة قبحه العادي وَمَا اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْمَرَاتِب فقد بلغ أقْصَى مَرَاتِب الْقبْح أعاذنا الله مِنْهُ

стр. 64

٤٢ - بَاب مَا نزل فِي النِّسَاء الْمُحرمَات على الرِّجَال ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ بَين الله سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْآيَة مَا يحل وَمَا يحرم من النِّسَاء فَحرم سبعا من النّسَب وستا من الرَّضَاع والصهر وألحقت السّنة المتواترة تَحْرِيم الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَبَين الْمَرْأَة وخالتها وَوَقع عَلَيْهِ الْإِجْمَاع والسبع الْمُحرمَات من النّسَب الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات والعمات والخالات وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت والمحرمات بالصهر وَالرّضَاع الْأُمَّهَات من الرضَاعَة وَالْأَخَوَات من الرضَاعَة وَأُمَّهَات النِّسَاء والربائب وحلائل الْأَبْنَاء وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فَهَؤُلَاءِ سِتّ وَالسَّابِعَة منكوحات الْآبَاء وَالثَّامِنَة الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها قَالَ الطَّحَاوِيّ وكل هَذَا من الْمُحكم الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَغير جَائِز نِكَاح

стр. 65

وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِالْإِجْمَاع إِلَّا أُمَّهَات النِّسَاء اللواتي لم يدْخل بِهن أَزوَاجهنَّ قلت وَيدخل فِي لفظ الْأُمَّهَات أمهاتهن وجداتهن وَأم الْأَب وجداته وَإِن علون لِأَن كُلهنَّ أُمَّهَات لمن ولد من ولدنه وَإِن سفل وَيدخل فِي لفظ الْبَنَات بَنَات الْأَوْلَاد وَإِن سفلن وَالْأَخَوَات يصدقن على الْأُخْت لِأَبَوَيْنِ أَو لأَحَدهمَا والعمة إسم لكل أُنْثَى شاركت أَبَاك أَو جدك فِي أصليه أَو أَحدهمَا وَقد تكون الْعمة من جِهَة الْأُم وَهِي أُخْت أبي الْأُم وَالْحَالة اسْم لكل أُنْثَى شاركت أمك أَو جدتك فِي أصليها أَو أَحدهمَا وَقد تكون الْخَالَة من جِهَة الْأَب وَهِي أُخْت أم أَبِيك وَبنت الْأَخ إسم لكل أُنْثَى لأخيك عَلَيْهَا ولادَة بِوَاسِطَة ومباشرة وَإِن بَعدت وَكَذَلِكَ بنت الْأُخْت وَأُمَّهَات الرضَاعَة مُطلق مُقَيّد بِمَا ورد فِي السّنة من كَون الرَّضَاع فِي الْحَوْلَيْنِ إِلَّا فِي مثل قصَّة إِرْضَاع سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَظَاهر النّظم القرآني أَنه يثبت حكم الرَّضَاع بِمَا يصدق عَلَيْهِ الرَّضَاع لُغَة وَشرعا وَلكنه ورد تَقْيِيده بِخمْس رضاعات فِي أَحَادِيث صَحِيحَة عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَتَقْرِير ذَلِك وتحقيقه يطول جدا وَالْأُخْت من الرَّضَاع هِيَ الَّتِي أرضعتها أمك بلبان أَبِيك سَوَاء أرضعتها مَعَك أَو مَعَ من قبلك أَو بعْدك من الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَيلْحق بذلك

стр. 66

بِالسنةِ الْبَنَات مِنْهَا وَمن أرضعتهن موطوءته والعمات والخالات وَبَنَات الْأُخْت مِنْهَا لحَدِيث يحرم الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْأُخْت من الْأُم هِيَ الَّتِي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر وَأُمَّهَات النِّسَاء من نسب أَو رضَاع والربيبة بنت امْرَأَة الرجل من غَيره سميت بذلك لِأَنَّهُ يُرَبِّيهَا فِي حجره قَالَ الْقُرْطُبِيّ اتّفق الْفُقَهَاء على أَن الربيبة تحرم على زوج أمهَا إِذا دخل بِالْأُمِّ وَإِن لم تكن الربيبة فِي حجره وَاخْتلف أهل الْعلم فِي معنى الدُّخُول الْمُوجب لتَحْرِيم الربائب فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره أَنه الْجِمَاع وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة إِذا لمس بِشَهْوَة حرمت عَلَيْهِ ابْنَتهَا وَالَّذِي يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا الْخلاف هُوَ النّظر فِي معنى الدُّخُول شرعا أَو لُغَة فَإِن كَانَ خَاصّا بِالْجِمَاعِ فَلَا وَجه لإلحاق غَيره بِهِ من لمس أَو نظر أَو غَيرهمَا وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ أوسع من الْجِمَاع بِحَيْثُ يصدق على مَا حصل فِيهِ نوع استمتاع كَانَ منَاط التَّحْرِيم هُوَ ذَلِك وَحكم الربيبة فِي ملك الْيَمين هُوَ حكم الربيبة الْمَذْكُورَة وَأجْمع الْعلمَاء على تَحْرِيم مَا عقد عَلَيْهِ الْآبَاء على الْأَبْنَاء وَمَا عقد عَلَيْهِ الْأَبْنَاء على الْآبَاء سَوَاء كَانَ مَعَ العقد وَطْء أم لم يكن لعُمُوم هَذِه الْآيَة قَالَ ابْن الْمُنْذر أجمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم من عُلَمَاء الْأَمْصَار أَن الرجل إِذا وطىء امْرَأَة بِنِكَاح فَاسد تحرم على أَبِيه وإبنه وعَلى أجداده وَكَذَا إِذا اشْترى جَارِيَة فلمس أَو قبل حرمت على أَبِيه وإبنه وَلَا أعلمهم يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَأما زَوْجَة الابْن من الرَّضَاع فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهَا تحرم على أَبِيه وَقد قيل إِنَّه إِجْمَاع وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي وَطْء الزِّنَى هَل يَقْتَضِي التَّحْرِيم أم لَا فَقَالَ أَكثر أهل الْعلم إِذا أصَاب رجل امْرَأَة بزنى لم يحرم عَلَيْهِ نِكَاحهَا بذلك وَكَذَلِكَ لَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته إِذا زنى بأمها وابنتها فحسبه أَن يُقَام عَلَيْهِ الْحَد وَكَذَلِكَ يجوز لَهُ عِنْدهم أَن يتَزَوَّج بِأم من زنى بهَا وبابنتها وَقَالَت طَائِفَة

стр. 67

إِن الزِّنَى يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَقد أخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن رجل زنى بِامْرَأَة فَأَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا أَو ابْنَتهَا فَقَالَ لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال وَاحْتج المحرمون بِقصَّة جريج فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ يَا غُلَام من أَبوك فَقَالَ فلَان الرَّاعِي فنسب الابْن نَفسه إِلَى أَبِيه من الزِّنَى وَهَذَا احتجاج سَاقِط ثمَّ اخْتلفُوا فِي اللواط هَل يَقْتَضِي التَّحْرِيم أم لَا فَقَالَ الثَّوْريّ إِذا لَاطَ بِالصَّبِيِّ حرمت عَلَيْهِ أمه وَهُوَ قَول ضَعِيف وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ يَشْمَل الْجمع بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْء بِملك الْيَمين وَذهب الْعلمَاء كَافَّة إِلَى أَنه لَا يجوز الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين فِي الْوَطْء بِالْملكِ وَجوزهُ الظَّاهِرِيَّة وَأَجْمعُوا على أَنه يجوز الْجمع بَينهمَا فِي الْملك فَقَط وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز عقد النِّكَاح على أُخْت الْجَارِيَة الَّتِي تُوطأ بِملك الْيَمين فَمَنعه الْأَوْزَاعِيّ وَجوزهُ الشَّافِعِي وَهل التَّحْرِيم فِي قَوْله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ تَحْرِيم العقد عَلَيْهِنَّ أَو تَحْرِيم الْوَطْء فِيهِ خلاف وإشكال وَلَا يَصح الْحمل على العقد وَالْوَطْء جَمِيعًا لِأَنَّهُ من بَاب الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ مَمْنُوع أَو من بَاب الْجمع بَين معنيي الْمُشْتَرك وَفِيه الْخلاف الْمَعْرُوف فِي الْأُصُول فَتدبر

стр. 68

٤٣ - بَاب مَا نزل فِي تَحْرِيم ذَوَات الْأزْوَاج ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم كتاب الله عَلَيْكُم وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ عطف على مَا تقدم أَي وَحرمت عَلَيْكُم ذَوَات الْأزْوَاج ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ بِالسَّبْيِ من أَرض الْحَرْب فَإِن هَؤُلَاءِ حَلَال لكم وطؤهن وَإِن كَانَ لَهَا زوج فِي دَار الْحَرْب بعد الِاسْتِبْرَاء وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَالْمعْنَى تحرم عَلَيْكُم المزوجات مسلمات كن أَو كافرات إِلَّا مَا ملكتموهن إِمَّا بسبي أَو بشرَاء ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ أَي فَرْضه فرضا ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ وَهَذَا عَام مَخْصُوص بِمَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ من تَحْرِيم الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَبَين الْمَرْأَة وخالتها وَمن ذَلِك نِكَاح الْمُعْتَدَّة وَمن ذَلِك أَن من كَانَ تَحْتَهُ حرَّة بِالنِّكَاحِ لَا يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة وَمن ذَلِك أَن الْقَادِر على الْحرَّة لَا يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة وَمن ذَلِك أَن من عِنْده أَربع زَوْجَات لَا يجوز لَهُ نِكَاح خَامِسَة وَمن ذَلِك الْمُلَاعنَة فَإِنَّهَا مُحرمَة على الْملَاعن أبدا ﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ النِّسَاء اللَّاتِي أحلهن الله لكم وَلَا تَبْتَغُوا بهَا الْحَرَام وَالْمرَاد بالأموال هُنَا مَا يدفعونه فِي مُهُور الْحَرَائِر وأثمان الْإِمَاء ﴿محصنين غير مسافحين﴾ أَي متزوجين غير زانين والسفاح الزِّنَى

стр. 69

٤٤ - بَاب مَا نزر فِي حل الْمُتْعَة بِالنسَاء وتحريمها وإيتاء الْأجر لَهُنَّ ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ فَرِيضَة وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ من بعد الْفَرِيضَة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قيل مَعْنَاهُ أَن الزَّوْج مَتى وَطئهَا فِي النِّكَاح الصَّحِيح وَلَو مرّة وَجب عَلَيْهِ مهرهَا الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَقَالَ الْجُمْهُور المُرَاد نِكَاح الْمُتْعَة ينْكح وقتا مَعْلُوما ثمَّ يسرحها وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سُبْرَة بن معبد الْجُهَنِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يَوْم فتح مَكَّة يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي قد كنت أَذِنت لكم فِي الإستمتاع من النِّسَاء وَإِن الله قد حرم ذَلِك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن كَانَ عِنْده مِنْهُنَّ شَيْء فَلْيخل سَبيله وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئا وَفِي لفظ لمُسلم أَن ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع فَهَذَا هُوَ النَّاسِخ وَالْأَحَادِيث فِي تَحْرِيم الْمُتْعَة وتحليلها وَهل كَانَ نسخهَا مرَّتَيْنِ أَو مرّة مَذْكُورَة فِي كتب الحَدِيث ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ أَي مهورهن الَّتِي فرضتم لَهُنَّ ﴿فَرِيضَة﴾ أَي مَفْرُوضَة مُسَمَّاة ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ وَلَا عَلَيْهِنَّ ﴿فِيمَا تراضيتم بِهِ﴾ أَنْتُم وَهن ﴿من بعد الْفَرِيضَة﴾ أَي من زِيَادَة ونقصان فِي الْمهْر فَإِن ذَلِك سَائِغ عِنْد التَّرَاضِي هَذَا عِنْد من قَالَ إِن الْآيَة فِي النِّكَاح الشَّرْعِيّ وَأما عِنْد الْجُمْهُور الْقَائِلين بِأَنَّهَا فِي الْمُتْعَة فَالْمَعْنى التَّرَاضِي فِي زِيَادَة هَذِه الْمُتْعَة أَو نقصانها أَو زِيَادَة مَا دَفعه إِلَيْهَا فِي مُقَابلَة الِاسْتِمْتَاع بهَا أَو نقصانه وَقيل مَا تراضيتم بِهِ

стр. 70

من الْإِبْرَاء من الْمهْر والافتداء والاعتياض وَقَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ لَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تهب الْمَرْأَة للزَّوْج مهرهَا وَأَن يهب الرجل للْمَرْأَة الَّتِي لم يدْخل بهَا نصف الْمهْر الَّذِي لَا يجب عَلَيْهِ ٤٥ - بَاب مَا نزل فِي نِكَاح المملوكات وحدهن إِذا أتين بِفَاحِشَة ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات وَالله أعلم بإيمانكم بَعْضكُم من بعض فانكحوهن بِإِذن أهلهن وآتوهن أُجُورهنَّ بِالْمَعْرُوفِ محصنات غير مسافحات وَلَا متخذات أخدان فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم وَأَن تصبروا خير لكم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا﴾ أَي غنى وسعة وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا يصرف فِي الْمهْر وَالنَّفقَة وَقَالَ مَالك الطول الْمَرْأَة الْحرَّة ﴿أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات﴾ أَي الْحَرَائِر ﴿فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي جَارِيَة أَخِيك الْمُؤمن فَلَا يحل للْفَقِير أَن يتَزَوَّج بالمملوكة للْغَيْر إِلَّا إِذا كَانَ يخْشَى على نَفسه الْعَنَت كَمَا فِي آخر الْآيَة وَأما أمة الْإِنْسَان نَفسه فقد وَقع الْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا وَهِي تَحت ملكه لتعارض الْحُقُوق واختلافها ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ اسْتدلَّ بِهِ على أَنه لَا يجوز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة وَبِه قَالَ أهل الْحجاز وَجوزهُ أهل الْعرَاق والفتاة هِيَ الشَّابَّة الْمَمْلُوكَة وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح لَا يَقُولَن أحدكُم عَبدِي وَأمتِي وَلَكِن ليقل فَتَاي وَفَتَاتِي

стр. 71

﴿وَالله أعلم بإيمانكم﴾ أَي كلكُمْ بَنو آدم وأكرمكم عِنْد الله أَتْقَاكُم فَلَا تستنكفوا من الزواج بالإماء عِنْد الضَّرُورَة فَرُبمَا كَانَ إِيمَان بعض الْإِمَاء أفضل من إِيمَان الْحَرَائِر ﴿بَعْضكُم من﴾ جنس ﴿بعض﴾ لأَنهم جَمِيعًا بَنو آدم فهم متصلون بالأنساب لأَنهم جَمِيعًا أهل مِلَّة وَاحِدَة وكتابهم وَاحِد ونبيهم وَاحِد ومتصلون بِالدّينِ ﴿فانكحوهن بِإِذن أهلهن﴾ أَي بِإِذن المالكين لَهُنَّ ومواليهن لِأَن منافعهن لَهُم لَا يجوز لغَيرهم أَن ينْتَفع بِشَيْء مِنْهَا إِلَّا بِإِذن من هِيَ لَهُ وَاتفقَ أهل الْعلم على أَن نِكَاح الْأمة بِغَيْر إِذن سَيِّدهَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى جعل إِذن السَّيِّد شرطا فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة ﴿وآتوهن أُجُورهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي أَدّوا إلَيْهِنَّ مهورهن بِمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الشَّرْع من غير مطل وَلَا نقص وَلَا ضرار وَقيل مُهُور أمثالهن وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا من قَالَ إِن الْأمة أَحَق من سَيِّدهَا وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْمهْر للسَّيِّد وَإِنَّمَا أضافها إلَيْهِنَّ لِأَن التأدية إلَيْهِنَّ إِلَى سيدهن لكونهن مَاله وَالَّذِي يتَرَجَّح هُوَ الأول لكَونه ظَاهر النّظم القرآني وَالله أعلم ﴿محصنات﴾ عفائف ﴿غير مسافحات﴾ زانيات جَهرا وَهَذَا الشَّرْط على سَبِيل النّدب بِنَاء على الْمَشْهُور من جَوَاز نِكَاح الزواني وَلَو كن إِمَاء قَالَه الْخَطِيب ﴿وَلَا متخذات أخدان﴾ أخلاء يزنون بِهن سرا وَكَانَت الْعَرَب تعيب الإعلان بالزنى وَلَا تعيب إتخاذ الأخدان ثمَّ رفع الْإِسْلَام جَمِيع ذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من المُرَاد بالإحصان هُنَا الْإِسْلَام وَبِه قَالَ الْجُمْهُور وَقيل التَّزْوِيج فعلى الأول لَا حد على الْأمة الْكَافِرَة وعَلى الثَّانِي لَا حد على الْأمة الَّتِي لم تتَزَوَّج وَقَالَ قوم هُوَ التَّزَوُّج وَلَكِن الْحَد وَاجِب على الْمسلمَة إِذا زنت قبل أَن تتَزَوَّج بِالسنةِ وَقَالَ ابْن عبد الْبر جَاءَت السّنة بجلدها وَإِن لم تحصن وَكَانَ ذَلِك

стр. 72

زِيَادَة بَيَان وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ هُنَا الْجلد وَإِنَّمَا نقص حد الْإِمَاء عَن حد الْحَرَائِر لِأَنَّهُنَّ أَضْعَف وَلم يذكر الله فِي هَذِه الْآيَة العبيد وهم لاحقون بالإماء بطرِيق الْقيَاس وَكَذَلِكَ يكون عَلَيْهِم وعليهن نصف الْحَد فِي الْقَذْف وَالشرب ﴿ذَلِك﴾ أَي نِكَاح المملوكات عِنْد عدم الطول ﴿لمن خشِي الْعَنَت﴾ أَي الْوُقُوع فِي الْإِثْم وَقيل الزِّنَى وَأُرِيد بِهِ هُنَا مَا يجر إِلَيْهِ الزِّنَى من الْعقَاب الدنيوي والأخروي وَبِالْجُمْلَةِ فقد أَبَاحَ الله نِكَاح الْأمة بِثَلَاثَة شُرُوط عدم الْقُدْرَة على نِكَاح الْحرَّة وَخَوف الْعَنَت وَكَون الْأمة مُؤمنَة ﴿مِنْكُم﴾ بِخِلَاف من لَا يخافه من الْأَحْرَار فَلَا يحل لَهُ نِكَاحهَا وَكَذَا من اسْتَطَاعَ طول حرَّة وَعَلِيهِ الشَّافِعِي وَكَذَلِكَ مَالك وَأحمد ﴿وَإِن تصبروا﴾ عَن نِكَاح الْإِمَاء ﴿خير لكم﴾ من نِكَاحهنَّ لِأَن نِكَاحهنَّ يُفْضِي إِلَى إرقاق الْوَلَد والغض من النَّفس ٤٦ - بَاب مَا نزل فِي كَون الرِّجَال قوامين على النِّسَاء ومدح الصَّالِحَات مِنْهُنَّ ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بِمَا حفظ الله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس أمروا عَلَيْهِنَّ فعلى الْمَرْأَة أَن تطيع زَوجهَا فِي طَاعَة الله ﴿بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ من كَونهم فيهم الْأَنْبِيَاء وَالْخُلَفَاء والسلاطين والحكام وَالْأَئِمَّة والغزاة وَزِيَادَة الْعقل وَالدّين وَالشَّهَادَة وَالْجمع وَالْجَمَاعَات وَلِأَن الرجل يتَزَوَّج بِأَرْبَع نسْوَة وَلَا يجوز للْمَرْأَة غير زوج وَاحِد وَزِيَادَة النَّصِيب والتعصيب فِي الْمِيرَاث

стр. 73

وَبِيَدِهِ الطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالرَّجْعَة وَإِلَيْهِ الإنتساب وَغير ذَلِك من الْأُمُور فَكل هَذَا يدل على فضل الرِّجَال على النِّسَاء ﴿وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ فِي مهورهن وَفِي الْجِهَاد وَالْعقل وَالدية والأرث وَالْكِتَابَة وَقد اسْتدلَّ جمَاعَة من الْعلمَاء بِهَذِهِ الْآيَة على جَوَاز فسخ النِّكَاح إِذا عجز الزَّوْج عَن نَفَقَة زَوجته وكسوتها وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا ﴿فالصالحات﴾ أَي المحسنات العاملات بِالْخَيرِ من النِّسَاء ﴿قانتات﴾ أَي معطيات لله قائمات بِمَا يجب عَلَيْهِنَّ من حُقُوق أَزوَاجهنَّ ﴿حافظات للغيب﴾ أَي عِنْد غيبَة أَزوَاجهنَّ عَنْهُن من حفظ نفوسهن وفروجهن وَحفظ أموالهن ﴿بِمَا حفظ الله﴾ أَي بِحِفْظ الله إياهن ومعونته وتسديده أَو حافظات لَهُ بِمَا استحفظن من أَدَاء الْأَمَانَة إِلَى أَزوَاجهنَّ على الْوَجْه الَّذِي أَمر الله بِهِ أَو حافظات لَهُ بِحِفْظ الله لَهُنَّ بِمَا أوصى بِهِ الْأزْوَاج فِي شأنهن من حسن الْعشْرَة وَقَالَ السّديّ تحفظ على زَوجهَا مَاله وفرجها حَتَّى يرجع كَمَا أَمر الله تَعَالَى ٤٧ - بَاب مَا نزل فِي علاج النَّاشِزَة ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ هَذَا خطاب للأزواج والنشوز الْعِصْيَان ودلالته قد تكون بالْقَوْل وَالْفِعْل بِأَن رفعت صَوتهَا عَلَيْهِ أَو لم تجبه إِذا دَعَاهَا وَلم تبادر إِلَى أمره إِذا أمرهَا أَو لَا تخضع لَهُ إِذا خاطبها أَو لَا تقوم لَهُ إِذا دخل عَلَيْهَا

стр. 74

﴿فعظوهن﴾ أَي ذكروهن بِمَا أوجب الله عَلَيْهِنَّ من الطَّاعَة وَحسن المعاشرة ورغبوهن إِذا ظهر مِنْهُنَّ أَمَارَات النُّشُوز وَهُوَ أَن يَقُول لَهَا اتقِي الله وخافيه فَإِن لي عَلَيْك حَقًا وارجعي عَمَّا أَنْت عَلَيْهِ واعلمي أَن طَاعَتي فرض عَلَيْك وَنَحْو ذَلِك فَإِن أصرت على ذَلِك هجرها فِي المضجع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ يُقَال هِجْرَة أَي تبَاعد مِنْهُ والمضجع هُوَ مَحل الِاضْطِجَاع أَي لَا تدخلوهن تَحت مَا تجعلونه عَلَيْكُم حَال الضجعة من الثِّيَاب وَقيل هُوَ أَن يوليها ظَهره عِنْد الضجعة فِي الْفراش وَقيل هُوَ كِنَايَة عَن ترك جِمَاعهَا وَقيل لَا يبيت مَعهَا فِي الْبَيْت الَّذِي يضطجع فِيهِ قَالَ حَمَّاد يَعْنِي النِّكَاح أخرجه أَبُو دَاوُد ﴿واضربوهن﴾ إِن لم ينزعن بالهجران ضربا غير مبرح وَلَا شائن وَظَاهر النّظم القرآني أَنه يجوز للزَّوْج أَن يفعل جَمِيع هَذِه الْأُمُور عِنْد مَخَافَة النُّشُوز وَقيل حكم الْآيَة مَشْرُوع على التَّرْتِيب وَإِن دلّ ظَاهر الْعَطف بِالْوَاو على الْجمع لِأَن التَّرْتِيب مُسْتَفَاد من قرينَة الْمقَام وسوق الْكَلَام للرفق فِي إصلاحهن وإدخالهن تَحت الطَّاعَة فالأمور الثَّلَاثَة مرتبَة لِأَنَّهَا لدفع الضَّرَر كدفع الصَّائِل فَاعْتبر فِيهَا الأخف فالأخف وَقيل إِنَّه لَا يهجرها إِلَّا بعد عدم تَأْثِير الْوَعْظ فَإِن أثر الْوَعْظ لم ينْتَقل إِلَى الهجر وَإِن كَفاهُ الهجر لم ينْتَقل إِلَى الضَّرْب قيل هُوَ أَن يضْربهَا بِالسِّوَاكِ وَنَحْوه قَالَ الشَّافِعِي الضَّرْب مُبَاح وَتَركه أفضل

стр. 75

وَفِي حَاشِيَة الْجمل على الجلالين إِن كلا من الهجر وَالضَّرْب مُقَيّد بِعلم النُّشُوز وَلَا يجوز بِمُجَرَّد الظَّن ﴿فَإِن أطعنكم﴾ كَمَا يجب وقمن بِوَاجِب حقكم وتركن النُّشُوز ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أَي لَا تتعرضوا لَهُنَّ بِشَيْء مِمَّا يكْرهُونَ لَا بقول وَلَا بِفعل وَقيل الْمَعْنى لَا تكلفوهن الْحبّ لكم فَإِنَّهُ لَا يدْخل تَحت اختيارهن ﴿إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ إِشَارَة إِلَى الْأزْوَاج بخفض الْجنَاح ولين الْجَانِب أَي وَإِن كُنْتُم تقدرون عَلَيْهِنَّ فاذكروا قدرَة الله عَلَيْكُم فَإِنَّهَا فَوق كل قدرَة وَهُوَ بالمرصاد لكم قَالَ ابْن عَبَّاس يضْربهَا ضربا غير مبرح وَلَا يكسر لَهَا عظما وَلَا يجرح بهَا جرحا وَعنهُ قَالَ يهجرها بِلِسَانِهِ ويغلظ لَهَا بالْقَوْل وَلَا يدع الْجِمَاع وَعَن عَمْرو بن الْأَحْوَص أَنه شهد خطْبَة الْوَدَاع مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ فِيهَا أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّمَا هن عوار عنْدكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئا غير ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة فَإِن فعلن فاهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن ضربا غير مبرح فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَعَن عبد الله بن زَمعَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أيضرب أحدكُم امْرَأَته كَمَا يضْرب العَبْد ثمَّ يُجَامِعهَا فِي آخر الْيَوْم أخرجه الشَّيْخَانِ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الأولى ترك الضَّرْب للنِّسَاء فَإِن احْتَاجَ فَلَا يوالي بِالضَّرْبِ على مَوضِع وَاحِد من بدنهَا وليتق الْوَجْه لِأَنَّهُ مجمع المحاسن وَلَا يبلغ بِالضَّرْبِ عشرَة أسواط وَقيل يَنْبَغِي أَن يكون الضَّرْب بالمنديل وَالْيَد
следующие страницы →