ـ[مجالس التذكير من حديث البشير النذير]ـ
للإمام المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية
الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م
стр. 2
مجالس التذكير من حديث البشير النذير
للإمام المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية
الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م
دار البعث
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الشؤون الدينية
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
السنة
كان ﷺ يذكر بقوله وعمله وهديه وسمته، وكان ذلك كله منه على وفق هداية القرآن وحكمه.
ــ
عبد الحميد بن باديس
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
بقلم السيد: عبد الرحمان شيبان وزير الشؤون الدينية
ــ
الحمد لله رب العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على كل دين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.
من فضل الله على الجزائر، أن قيض لها ابنها البار، عبد الحميد بن باديس الذي دعاها لما يحييها، بما تستجيب له فطرتها، وهو دينها القويم وهدي سلفها الصالح.
فقد تصدى لتدريس العلوم العربية والإسلامية المختلفة، بالجامع الأخضر في قسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري، منذ عودته من الحجاز، سنة ١٩١٣م، بعد أدائه فريضة الحج؛ فختم تفسير القرآن الكريم، تدريسا، في خمسة وعشرين عاما، وذلك سنة ١٣٥٧هـ (١٩٣٨م).
وقد أقيم، بتلك المناسبة، بقسنطينة، احتفال وطني عظيم حضرته وفود عن أنحاء القطر الجزائري.
وفي السنة الموالية، أقيم احتفال ثان، بالمدينة ذاتها، بمناسبه ختمه كتاب"الموطأ " للإمام مالك في الحديث النبوي الشريف.
стр. 7
وقد كان احتفال الأمة بهذين الحدثين المشهودين. اللذين اهتزت لهما الجزائر كلها، "عهدا" منها لإمامها، على مواصلة السير، معه وبعده، نحو الحياة الحرة الكريمة، على هدي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله الكريم، ﷺ .
وفسر الإمام ابن باديس، إلى جانب ذلك، بقلمه مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة، والأحادث النبوية الشريفة.
ونشرها افتتاحيات في مجلته "الشهاب"، تحت عنوان: "مجالس التذكير، من كلام الحكيم الخبير، وحديث البشير النذير".
وقد كان لهذه الدروس، الشفوية والكتابية، أثر بالغ في نفوس المستضيئين بها، في تلك الحقبة المظلمة، سواء من كان يحضر دروسه التعليمية، من طلبته النضاميين، وطلاب المعرفة الإسلامية أو من كان يتابعها في افتتاحيات مجلة "الشهاب" الشهرية؛ فكانت، بحق، الشرارة الأولى التي فجرت النهضة الإصلاحية الحديثة في الجزائر.
وتعميما لفائدة هذا الأثر العلمي النفيس، وحرصا على تعريف أجيال الاستقلال بآثار سلفها الصالح، من العلماء العاملين، أصدرنا القسم الأول الخاص بالآيات القرآنية المفسرة، المنشورة في مجلة "الشهاب" في كتاب "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" بمناسبة الذكرى العشرين للإستقلال الوطني.
وها نحن، بعون الله وتوفيقه، نصدر القسم الثاني، الخاص بالأحاديث النبوية المشروحة وغيرها من الآثار المتعلقة
стр. 8
بالسنة وصاحبها، ﷺ ، التي نشرت في مجلة "الشهاب"، وفي غيرها من جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في كتاب "مجالس التذكير من حديث البشير النذير"، بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لوفاة ابن باديس رحمه الله تعالى.
وبإصدارنا لهذا الجزء الثانى من كتاب "مجالس التذكير" نكون قد قدمنا لتلاميذ الإمام ابن باديس، وإلى قراء مجلته "الشهاب"- الذين كانوا يتلقون عنه دروسا حية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، في نطاق محدود في الزمان والمكان- فرصة جديدة مديدة للاستفادة من عطاء أستاذهم الحكيم متى أرادوا وحيثما وجدوا؛ كما نقدم في الوقت ذاته، إلى الوعاظ والمربين، وإلى الأجيال الحاضرة والقادمة بصفة عامة- منارة تهدى، وثمرة تغذي، وأسوة تحقق لطلابها ما ينشدون من صلاح وفلاح بعون الله تعالى وتوفيقه.
وإنه لمن دواعي الارتياح، أن يظهر هذا الأثر العلمي، في هذه الحقبة من حياتنا الوطنية، التي تسعى فيها الثورة الجزائرية إلى تعميق أسس شخصيتنا العربية الإسلامية، وإلى توطيد أركان الاستقرار النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتهيئة المناخ الصحي الذي يمكّن أجيالنا القادمة من العمل الجاد المنتج، الذي يضمن للفرد وللمجتمع، الطمأنينة والرخاء والاستقرار.
فإلى جانب العمل من أجل النهوض بالصناعة والزراعة والصحة والسكن والتربية والتعليم-: جُدِّد المجلس الإسلامي الأعلى، ليواصل نشاطه، في مختلف مجالاته واختصاصاته،
стр. 9
للنهوض بحياتنا الروحية، وظهرت الصحيفة الإسلامية الجامعة "العصر" الأسبوعية، تعزز نشر الوعي الإسلامى الصحيح.
في مختلف أنحاء الوطن؛ وصُودِق على ملفات الثقافة، والأعلام، والشباب؛ ونُصِّب المجلس الأعلى للغة الوطنية، والمجلس الأعلى للشباب؛ واتخذت قرارات بشأن إجبارية المواد الدينية في الامتحانات؛ وافتتح، بجامعة الجزائر، معهد العلوم الإسلامية، النواة الأولى "للجامعة الإسلامية الجزائرية"، كما درس ملف قانون الأسرة وفق مبادىء الشريعة الإسلامية.
إن سير الجزائر، نحو التقدم والازدهار، على هدي كتاب الله، وسنة رسوله الكريم، ﷺ ، هو الذي يضمن النجاح لما تنجز من أعمال، وتخطط من مشاريع؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (*).
وقال ﵊: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي» (**).
نعم! إن الذى يحقق لنا القوة والمناعة والازدهار، ويضمن النجاح لما نسعى إلى تحقيقه من مشاريع وأهداف، في مختلف مجالات الحياة المادية والروحية، هو انطلاقنا من قاعدة صلبة، وعقيدة أصيلة واضحة، تتخد "القرآن الكريم مصدرا للفكر، والسنة النبوية الشريفة دليلا للعمل"، كما أكد ذلك السيد الرئيس الشاذلى بن جديد، رئيس الجمهورية، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني.
стр. 10
فالإسلام هو الذي حفظ لشعبنا شخصيته، بالرغم مما تعرض له، طوال عهود الانحطاط والاحتلال، من عوامل الفناء والاضمحلال؛ والإسلام، هو الذي جعله يعي ذاته؛ ويناضل من أجل حياة حرة كريمة، عندما وجد من يريه أن التمسك بإسلامه عن وعي وبصيرة، هو الكفيل بأن يغير أوضاعه من حال الضعف إلى القوة، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن الركود إلى العمل، ومن الاضطهاد والهوان، إلى الحرية والكرامة؛ فإليك - أيها القارىء الكريم- تصوير الإمام ابن باديس لما كان لثورة الإصلاح الدينى من أثر بالغ في النفوس والعقول، أخرج الجزائر من سباتها الطويل، وما صاحَبه من شلل عام للطاقات، إلى نور الصحوة الدافعة إلى الانطلاق والحياة، إذ يقول، مخاطبا الشعب الجزائري في المؤتمر السنوي لجمعية العلماء، سنة ١٩٣٧م:
" ... حوربَت فيكم العروبة حتى ظُن أن قد مَات منكُم عِرقُها، ومسخ فيكُم نطقُها، فجئتم، بعدَ قرن، تصدحُ بلابلُكم بأشعَارهَا فتُثير الشعورَ والمشاعرَ، وتهدرُ خطباؤُكم بشقَاشقها، فتدك الحصونَ والمعاقلَ، ويهز كتَّابكم أقلامَها، فتصيبُ الكلىَ والمفاصلَ.
"وحورب فيكم الإسلامُ حتى ظُن أن قد طُمست أمامكم معالمُهُ وانتزُعت منكم عقائدُه ومكارمُه؛ فجئتم بعد قرن، ترفعون علَمَ التوحيد، وتَنشرون من الإِصلاح لواءَ التجديد، وتدعُون إلى الإسلام، كما جاء به محمد، ﷺ ، لا كماَ حرَّفَه الجاهلوُن وشوَّهَه الدَّجَّالون ورضيَهُ أعداؤُه.
"وحورب فيكم العِلمُ حتى ظُن أن قد رضيتم بالجهالَة، وأخْلدتم للنذَالة، ونسيتُم كلَّ علم إلا ما يرشحُ به لكم، أو ما يمزجُ بما هو أضرُّ من الجهل عليكم؛ فجئتم بعد قرن،
стр. 11
ترفعون للعلم بناء شامخا، وتشيدون له صرحًا سامقًا. فأسستُم على قواعد الإسلام والعروبة والعلم والفضيلة، جمعيتَكُم هذه، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
"وحوربت فيكم الفضيلةُ، فسمتم الخسف، وديثتم بالصَّغار حتى ظن أن قد زالت منكم المرُوءَةُ والنجدةُ، وفارقَتْكُم العزةُ والكرامةُ، فرئمتم الضيم، ورضيتم الحيف، وأعطيتم بالمقادة؛ فجئتم بعد قرن، تنفضون غبارَ الذل، وتهَزْهِزون أُسسَ الظلم وتُهَمْهمُون همهمةَ الكريم المحنق، وتُزمجرُون زمجرةَ العزيز المُهان، وتطالِبون مطالبةَ من يعْرفُ له حقًا لابُدَّ أن يُعطَاهُ أو يَأخذَهُ" (٢).
حقا! لقد كانت الجزائر في وضع يهدد كيانها بالذوبان والفناء، ذلك أن الاستعمار الفرنسي كما يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي: " ... صليبي النزعة، فهو منذ احتل الجزائر عامل على محو الإسلام، لِأنه الدين السماوي الذي فيه من القوة ما يستطيع به أَن يسُودَ العالَمَ، وعلى محو العربية لأنها لسانُ الإسلام، وعلى محو العروبة لأَنها دعامةُ الإسلام.
وقد استعمل جميعَ الوسائل المؤدية إلى ذلك، ظاهرةً وخفيةً، سريعةً ومتأنيةً، وأوشك أن يبلغَ غايتَه بعد قرن من الزمن متصل الأيام والليالى، في أعمال المحو، لولا أن عاجَلَتْه جمعيةُ العلماء المسلمين الجزائريين، على رأس القرن، بالقاومة لأعماله، والعمل على تغييب آماله" (٣).
لقد كانت نظرة ابن باديس الناقدة النافذة، تكشف له عما يكمن في الأمة الجزائرية من عناصر القوة والكمال، مما يؤهلها
стр. 12
للحياة العزيزة الكريمة. فوضع منهاجه الإصلاحي العام القائم على الكتاب والسنة، فكان شعاره في دعوته إلى الحياة: "لَا يصْلُحُ آخرُ هذه الأمةِ إلاَّ بما صلُحَ بهِ أولُها" (*)، فالتغيير عنده، إنما هو استجابة طبيعية من الأمة، للحياة متى أحيينا فيها قيم الإسلام ومبادئه السامية؛ فتغير ما بنفسها، ليغير الله ما بها، فالدين هو الأساس الأول لكل إصلاح وتغيير، وقد قال، موضحا ذلك، ومعللا اختياره الدين، على السياسة، للنهوض بالأمة: "وبعد، فإننا اخترْناَ الخطةَ الدينيةَ على غيرها، عن علمٍ وبصيرةٍ وتمسكًا بما هو مناسبٌ لفطرتِنا وتربيتنِا من النصحِ والإِرشادِ، وبثِّ الخير والثباتِ على وجه واحدٍ والسيرِ في خطٍّ مستقيم.
وما كنا لنجد هذا كلَّه إلا فيما تفرَّغنا له، من خدمة العِلم والدين، وفي خدمتِهما أعظمُ خدمة وأنفعُها للإنسانيةِ عامةً.
"ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا، ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا، من ثباتنا وتضحيتنا، ولقدْنا الأُمةَ كلَّها للمطالبةِ بحقوقها، ولكانَ أسهل شيءٍ علينا أن نسيرَ بها على ما نرسمُه لها، وأن نبلغَ من نفوسها إلى أقصى غاياتِ التأثير عليها؛ فإن مما نعلمُه، ولا يخفى على غيرنا أن القائدَ الذي يقول للأمة: "إنَّكِ مظلومةٌ في حقوقكِ، وإنَّنِي أريد إيصالَكِ إليها" يجد منها ما لا يجده من يقول لها: "إنكِ ضالةٌ عن أصولِ دينِك، وإنَّنِي أريد هدايتَك"، فذلك تُلبِّيهِ كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها وهذا كله نعلَمُه، وَلكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبيَّنّا، وإننا- فيما اخترناه- بإذن الله، لَمَاضُون، وعليه متوكِّلُون" (٤).
стр. 13
على أن اعتماد ابن باديس، الدين، أساسا للنهوض بالأمة، لم يكن منه، تزهيدا في السياسة؛ بل إنه يرى أن النضال من أجل الحرية والسيادة واحد، وإن تعددت مجالاته، وتنوعت أساليبه؛ فالدين والسياسة، عنده، متكاملان متلازمان، وقد كانت كل أعماله تؤكد ما قاله، في محاضرة بعنوان: "العلم والسياسة"، ألقاها بتونس، على جمعية الطلبة الجزائريين بالزيتونة- الذين يعدون وإخوانهم بالجامع الأخضر والقرويين والأزهر، من طلائع النهضة العلمية والوطنية كالجزائر- فقد قال:
" ... وكلامُنا اليومَ عن العِلمِ والسياسةِ معا. وقد يَرى بعضُهم أن هذا البابَ صعبُ الدُّخول، لأنهم تعوَّدوا من العلماء الاقتصارَ على العِلمِ والابتعاد عن مَسالِكِ السِّياسةِ، مع أنه لاَبدَّ من ابمع بين العِلْم والسياسةِ، ولا ينهضُ العلمُ والدينُ، كل النهوض، إلا إذا نهضتِ السياسةُ بجدٍّ!! " (٥).
وقد أكد عمق هذه النظرة إلى الإصلاح، وشموليتها في الوقت نفسه، محمد البشير الإبراهيمى، الذي قال، في خطبة بعنوان "الإصلاحُ الدينى لا يتمُّ إلا بالإصلاح الإجتماعي"، منددا بالدين يريدون أن يقتصر نشاط الجمعية على الدين وحده بمفهومه الضيق: " ... وياَ ويحَ الجَاهلينَ أيُريدُون من كلمة الإصلاح أن نقول للمسلم قل: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مذعنًا طائعًا، وصلِّ لربّك أوَّاها خاشعًا، وصُمْ له مبتهلاً ضارعًا، وحُجَّ ييتَ الله أوَّابا راجعًا، ثم كن ما شئت
стр. 14
نهبة للناهب، وغنيمة للغاصب ومطية ذلولا للراكب. إن كان هذا ما يريدون فلا ولا قرة عين، وإنما نقول للمسلم إذا فصلنا:
"كن رجلًا عزيزًا قويًا عالِمًا هاديًا محسنًا كسوبًا معطيًا من نفسك، آخذًا لها، عارفًا للحياة، سَبَّاقًا في ميادينها، صادقًا صابرًا، هيِّنا إذا أريد منك الخيرُ، صلبًا إذا أردت على الشره ونقول له، إذاَ أجْملْنا: كن مسلمًا كمَا يريدُ منكَ القرآنُ، وَكَفَى" (٦).
ولكن، أي إسلام هذا الذي يُحيى الأمم بعد موتها، عند ابن باديس؟ إنه الإسلام بمفهومه الصحيح، عقيدةً، وعبادةً، ومنهاجاً كاملاً شاملاً للحياة، يغنى عن كل المناهج، ولا يغني عنه أي منهج!
" إن الاسلامَ عقدٌ اجتماعى عامٌّ، فيه جميعُ ما يحتاجُ إليه الإنسانُ، في جميع نواحِي الحياة، لسعادتِه، ورقيِّه، وقد دلَّت تجارب الحياة كثيرًا من علماء الأمم المتمدنة، على أن لا نَجاةَ للعالَم مما هو فيه، إلا بإِصلاحٍ عامٍ، على مباديء الإسلام، فالمسلمُ الفقيهُ في الإسلام، غنيٌّ به عن كل مذهبٍ من مذاهبِ الحياةِ" (٧).
وهذا الفهم العميق، الشامل للإسلام، جمله يصيح في الناس أن هناك فرقا جوهريا بين إسلامين: إسلام وراثى وإسلام ذاتى: " ... فالإسلام الوراثي حفظَ على الأمم الضعيفة المتمسكةِ به، وخصوصا العريية منها، شخصيتَهَا ولغَتَها، وشيئًا
стр. 15
كثيرًا من الأخلاق ترجح به، لكن هذا الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم لأن الأمم لا تنهض إلا بعدَ تنبه أفكارها وتفتح أنظارها، والإسلامُ الوراثي مبني على الجمود والتقليد، فلا فكر ولا نظَرَ! " (٨).
" ... والإسلام الذاتي، هو إسلامُ من يفهم قواعدَ الإسلام، ويدركُ محاسن الإسلام، في عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه وأعماله، ويتفقَّه، حسب طاقته، في الآيات القرآنية، والأحَاديث النبوية، ويَبنى ذلك كلَّه، على الفكرِ والنظرِ، فيفرِّق بين ما هو من الإسلام، بحسْنِه وبُرهانِه، وما ليس منه، بقبْحِه وبُطلانِه؛ فيحياَ حياةَ فكبرٍ وإِيمانٍ وعملٍ" (٩).
وكان من مقتضيات الدعوة التي قام بها الإمام ابن باديس للنهوض بالأمة، أن يعمل في جبهات كثيرة، ومجالات مختلفة؛ فاتصل بالزوايا، معاقل المحافظة على القرآن الكريم والثقافة الإسلامية، وأثر فيها؛ فجددت من أساليبها وحسنتها، وبعثت بأبنائها ليدرسوا عنه بقسنطينة، وأصبحوا دعاة للإصلاح، كما حارب بعض المنتَمين إلى الدين من الجامدين المتعاملين مع الإستعمار، الذي أدرك خطورة هذه الحركة الإصلاحية على وجوده في الجزائر؛ فعمل على إيقاف زحفها بكل أساليب الترغيب والترهيب؛ فإذا ارتفعت أصوات الشعب عاليا. تطالب بحقها في الحياة، سارع إلى توزيع المواد الغذائية لإسكاتها، زاعما أن الدافع لارتفاع تلك الأصوات هو البطون الجائعة. فيفصح ابن باديس ذلك الزعم بكلمة عنوانها: "ليس الخبز كل ما نريد"
стр. 16
جاء فيها " ... جهِلَ قومٌ من ذوي السلطةِ فَحسبوا- وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة- أَنّنا قومٌ لا نريد إلا الخبزَ. وأن الخبزَ عندنا هو كلُّ شَيء، وأننا إذا مُلِئت بطونُنا مهَّدنا ظهورَنا، وأنهم إذا أَعطونا الخبزَ فقد أَعطونا كل ما نطلب؛ إذ الخبز- في زعمهم- هو كلُّ ما نريد، فإذا حادثناهم في حالنا سَكتوُا عن كلِّ شيء إلا عن الجوعِ والخبزِ ...
" ... لا يا قومُ إننا أَحياء، وإننا نريد الحياةَ وللحياة خُلقْنا، وأن الحياة لا تكونُ بالخبزِ وحدَه، فهنالك ما علِمتم من مَطالبِنَا العِلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكلُّها ضرورياتٌ في الحياة، ونحن نفهَم جيِّدا ضروريتَها للحيَاة. وقد بذلنا فيها لكم ما كان- يوما- سَبباً قوياً في حَياتِكم، فلا تبخَلوا علينا اليومَ بما فيه حياتُنا، إن كنتم مُنصِفِين، وللأيام والأمم مقدِّرين.
وإلاَّ فاللهُ يحكمُ بينَنَا وبينَكُم، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" (١٠).
وإذا لم يفلح المستعمر في كبت أصوات الحق بملء البطون عمد إلى ملء السجون، برجال السياسة والعلماء الأحرار، ليثنى الأمة عن عزيمتها، لكن ابن باديس يحول تلك الويلات إلى مصدر تفاؤل، يقوى الإرادات، ويبشر بالنصر القريب؛ فيعلن أن الحياة لا تكون شيئا إلا إذا ازدانت بالخطوب، وحفت بالمكاره، ويقرر أن السعادة إنما هي في التضحية والآلام، لا في السلامة والنعيم؛ فانظر إليه كيف يهنىء أمته المجاهدة بعيد الفطر المبارك، إذ يقول:
стр. 17
"كنا قبلَ اليوم، نهنِّئُ الأمةَ الجزائرية، بمثل هذا العيد وليس لها من مظاهرِ السعادةِ إلا ما نرجُوه لها وناملُ؛ أما اليوم، وهي في طور جديد من أطوار حياتها، هو أساس سعادتها، طورٌ سامت به شقيقاتِها،. هنا وهنالك؛ فنهنئُها، ومن أبنائها من هو سجين في سبيل العِلْم والهِدَاية، ومن هو سجين في سبيل السياسةِ والحقوقِ المغصوبةِ، وأمة أَخذتْ تقدمُ الضَّحايا في سبيل سعادتِها، حقيقةٌ بأن تنالَ السعادةَ وتهنأَ بهَا ... " (١٢).
...
وقد صدقت الأيام رأي إمامنا الحكيم؛ فإن الجزائر لم تنتزع استقلالها وحريتها، ولم تحقق سيادتهما الكاملة إلا بتضحيات جسام، تتمثل في مليون ونصف مليون من الشهداء الأبرار، فليس غريبا أن تكرمه الثورة الجزائرية الوفية لمبادئها؛ فتربط، في عهد الاستقلال، ذكرى وفاته (١٦ أفريل) بيوم "العلم"، معبرة بذلك على أكثر من مغزى:
فاحتفال الجزائر بيوم العلم، في ذكرى وفاته، إنما هو احتفاء بالمعاني التي يمثلها ابن باديس: احتفاء بالعلم الذي لا يتم شيء صالح للإنسان، في حياته المادية والروحية،
بدونه؛ واحتفاء بقيم الشعب التي مثلها، إيمانا وسلوكا؛ واحتفاء بالتفاني في الجهاد من أجل الشعب والوطن.
فابن باديس خير أنموذج يحتذيه شباب الجزائر، في الحاضر والمستقبل، كلما عبر عن ذلك، شاعر النهضة الجزائرية الحديثة، محمد العيد خليفة- ﵀ في مناجاته لروح الإمام الرائد إذ يقول:
стр. 18
عبدَ الحميد لعلَّ ذكرَكَ خالدٌ ... ولعلَّ نُزْلَكَ جنَّةٌ وحريرُ
ولعلَّ غرسَكَ في القرائحِ مثمِرٌ ... ولعلَّ وَرْيَك للعقولِ منيرُ
نَمْ هَادئاً؛ فالشَّعبُ بعدَك راشدٌ ... يختَطُّ نهجَك في الهدَى ويسيرُ
لا تخْشَ ضَيْعةَ ماَ تَركْتَ لنا سُدى ... فالوارِثونَ لمَا تَركْتَ كَثيرُ (١٣)
لقد كان الإمام عبد الحميد بن باديس يؤمن، إيمانا قويا، بأن نهضة الجزائر، من كبوتها، لن تكون إلا على سواعد شبابها؛ فعمل على إعداده- تعليما وتهذيبا- بواسطة مساجد الوعظ والإرشاد، ومدارس التربية والتعليم، ونوادي التثقيف والتوجيه، وجمعيات التكوين والتنظيم، والصحف والمجلات، لتحرير الوطن من أغلال الاحتلال والاضطهاد، مزودا بالأسلحة الضرورية لتحقيق النصر!
يَا نشءُ أَنتَ رجاؤُنا ... وبكَ الصَّباحُ قدِ اقتربْ
خذْ للحياةِ سِلاحَهاَ ... وَخُضِ الخُطُوبَ ولا تَهَبْ
وقد طبق رجال ثورة نوفمبر الظافرة خطته المحكمة هذه - بعد أربعة عشر عاما من وفاته- وهي تتمثل في:
أ- سحق الظالمين المحتلين:
وأذَقْ نفوسَ الظالِمينَ ... السُّمَّ يُمزَجُ بالرهبْ
ب- استئصال حذور الخائنين الذين أعمتهم أنانيتهم عن واجبهم الوطني المقدس:
واقلَعْ جُذورَ الخائِنينَ ... فمِنهمُ كلُّ العَطَبْ
стр. 19
ج- تعبئة الجامدين حتى يكونوا للوطن لا مع اعدائه:
واهزُزْ نفوُسَ الجامِدينَ ... فرُبَّما حَيِيَ الخَشبْ
د- أن يكون الاستقلال وسيلة إلى بناء مجتمع الكفاية والعدل:
وارْفَع منارَ العدلِ والْإِحْسانِ ... وَاصدُمْ مَن غَصَبْ
...
مادة الكتاب، ومنهاج الإمام في شرح الحديث:
هذا؛ وقد اعتمدنا، في إعداد هذا الكتاب:
١ - الأحاديث النبوية التي شرحها الإمام ابن باديس في مجلته (الشهاب)، تحت عنوان: ((مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير وحديث البشير النذير)).
٢ - كل ما عثرنا عليه من آثاره المكتوبة، حول السنة النبوية وصاحبها، ﷺ ، المنثورة منها والمنظومة؛ مما نشر في مجلته (الشهاب)، وفي جرائد جمعية العلماء، المتعاقبة في الصدور، كالسنة والبصائر وغيرهما.
...
أما منهجه في شرح الحدث، فيتمثل في الخطوات التالية:
أ- تمهيد: يهيىء القارئ لإدراك الموضوع الذي يعالجه الحديث النبوى.
ب- السند: يذكر فيه الرجال الذين رووا الحدث، ومصادره ورتبته العلمية والعملية.
ج- المتن: يتعرض فيه إلى ألفاظ الحديث وعباراته، وإلى مختلف الروايات التي ترد بها بعض الأحاديث.
стр. 20
د- الألفاظ والتراكيب: يشرح ألفاط- الحديث شرحا لغويا يبرز معانيها، في عبارات واضحة، تساعد على فهم الحديث، متعرضا- في بعض الأحيان- إلى ما يتصل ببعض التراكيب من قواعد اللغة وبلاغتها، لمزيد من الإيضاح والبيان.
ه- المعنى: يعمد فيه إلى إيضاح المعنى العام للحديث، يستوعب عناصره الأساسية، ويتعرض لمختلف الأوجه التي ترد بها بعض الأحاديث، في تركيز واعتدال.
و- إستنباطات: يستنبط مما يرشد إليه الحديث النبوي من حقائق وأحكام وقيم مختلفة، نفسية وأخلاقية واجتماعية وتاريخية وتشريعية وكونية؛ مطبقا ذلك كله على البيئة الجزائرية والأمة الإسلامية، والمجموعة الإنسانية، على غرار منهاجه في تفسير القرآن الكريم.
وهذه الخطوات، كما نرى، منهجية تربوية شاملة، تربط الماضي بالحاضر، وتطبق الأحكام المستنبطة على الواقع العملي، وتوجه إلى مواطن القدوة والأسوة، ببيان ما قامت عليه الأحكام الشرعية، والآداب الإسلامية، من علل وأسباب، وما ترمى إليه من حكم ومقاصد، كل ذلك بأسلوب عربى مبين، تتقبله القلوب والعقول بالرضا والانشراح، والاقتناع بأن مبادئ الإسلام، هي الكفيلة بإسعاد المؤمنين العاملين بهديها، من الأفراد والجماعات، في كل زمان ومكان.
...
ومن المفيد أن نسجل لناشئتنا، الحريصة على معرفة تاريخ الدعوة الإسلامية ورجالها، أن المنهاج الذي اعتمده ابن باديس وصحبه، من علماء الإصلاح بالمغرب الإسلامي، إنما هو امتداد مبارك للثورة الإسلامية التي فجرتها روح الأفغاني،
стр. 21
وأرست دعائمها عبقرية الإمام عبده والشيخ رشيد رضا، بالمشرق الإسلامي ...
وقد سجل هذه الحقيقة الشيخ المرحوم محمد العيد، إذ يقول مخاطبا ابن باديس، في الحفل الذي أقيم له بمناسبة ختمه تفسير القرآن الكريم:
حكيْتَ جمَالَ الدِّينِ في نَظَراَته ... كأَنَّ جمالَ الدين فِيكَ مصوَّرُ (١٤)
وأَشْبهْتَ في فقه الشريعةِ عبدَه ... فهلْ كنُتَه، أَمْ عبْدُه فيكَ يُنشَرُ؟
ومما يجب أن تعرفه ناشئتنا، أيضا، أن إمامنا ابن باديس لم يحقق للجزائر نهضتها المباركة، على أساس متين من كتاب الله وهدي رسوله، ﷺ ، إلا بالتعاون المتين إخوانه العلماء العاملين؛ فقد قال، ﵀، في معرض الحديث عمن كان لهم الفضل في تكوينه ونجاحه في أعماله، بعد والديه ومشائخه، ومشيدا بالروح الجماعية العالية التي تربط بين العلماء الجزائريين في عهده:
" ... ثم (الفضل) لإخواني العلماء الأفاضل الذين وازروني في العمل، منذ فجر النهضة إلى الآن؛ فمن حسن حظ الجزائر السعيد، ومن مفاخرها التي تتيه بها على الأقطار، أنه لم يجتمع، في بلد من بلدان الإسلام- فيما رأينا وسمعنا وقرأنا- مجموعة من العلماء، وافرة الحظ من العلم، مؤتلفه القصد والاتجاه، مخلصة النية، متينة العزائم، متحابة في الحق، مجتمعة القلوب على الإسلام والعريية ... قد ألف يينها العلم والعمل مثلما اجتمع للجزائر في علمائها الأبرار؛
стр. 22
فهؤلاء هم الذين ورى بهم زنادي، وتأثل بطارفهم تلادي. أطال الله أعمارهم ورفع أقدارهم" (١٥).
رحم الله ابن باديس؛ فقد قضى كل حياته المباركة، من أجل الإسلام والجزائر، في جهاد مستمر كالزمان، وثبات لا يتزحزح كالجبل، وإيمان لا يتغير كالحق، ما أحجم عن غايته يوما، ولا عاقه عن أداء واجبه وعد أو وعيد، ولا نال من نفسه الأبية ترغيب أو ترهيب؛ بل ظل يواصل ثورته الإاصلاحية الشاملة، حتى النفس الأخير من عمره، الطافح بجلائل الأعمال، وحميد الخصال؛ مما يجعل ذكراه حية في النفوس، وذكره أنشودة ترددها الألسنة والأقلام، بحب واعتزاز، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (١٦).
وقال ﵊، فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ ﵇، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ؛ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ».
...
ذلكم، أيها القراء الكرام، الإمام عبد الحميد بن باديس، يقدم إليكم نفسه بنفسه، بما يساعدكم على فهم كتابه: ((مَجَالِسُ التَّذْكِيرِ مِنْ حَدِيثِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ))، وغيره من آثاره.
والله نسأل أن يجعلنا خير خلف لخير سلف، عقيدة وجهادا من أجل الخير والحق والعدل؛ وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.
عبد الرحمن شيبان
стр. 23
... أقسام الكتاب ...
ـ[القسم الأول: مجالس التذكير من حديث البشير النذير.]ـ
يتضمن الأحاديث التي شرحها الإمام ابن باديس في مجلة (الشهاب) تحت هذا العنوان.
ـ[القسم الثاني: أحاديث في أغراض مختلفة.]ـ
يتضمن موضوعات تدور حول أحاديث نبوية شريفة نشرت في (الشهاب) وغيرها.
ـ[القسم الثالث: موضوعات متصلة بالسنة.]ـ
جمعت من مختلف صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ـ[القسم الرابع: موضوعات متصلة بصاحب السنة ﵌.]ـ
يتضمن مقالات وقطعا شعرية كتبها الإمام ابن باديس بمناسبة ذكريات المولد النبوي الشريف، ونشرت في مختلف صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ـ[القسم الخامس: الملحقات.]ـ
درس ختم الموطأ- الاحتفال بختم الموطأ- المصلحون والسنة
ــ
стр. 24
مجالس التذكير
ننشر في هذا الباب من (مجلة الشهاب) ما فيه تبصرة للعقول، أو تهذيب للنفوس من تفسير آية كريمة، أو حديث شريف، أو توضيح لمسألة في أصول العقائد أو أصول الأعمال معتضدين بأنظار أئمة السلف الذين لا يرتاب في رسوخ علمهم، وكمال إيمانهم، وأئمة الخلف الذين درجوا على هديهم في نمط وسط بين الاستقصاء والتقصير.
ــ
عبد الحميد بن باديس
الْآيَةُ الْخَالِدَةُ
لِنُبُوَّةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ
ﷺ -
>
...
ــ
لما كان المقصود من الرسالة هو هداية الخلق، وإقامة الحجة عليهم، كان الرسل- صلوات الله عليهم- أكمل الناس في أخلاقهم، وأنزههم في سيرتهم، معروفين بذلك بين أقوامهم قبل نبوتهم، ثم إذا بعثهم الله تعالى آتاهم من العلم وقوة الإدراك ووضوح البيان ما تنهض به حجتهم، وتتضح به دعوتهم، ويقطع بكل من يعأرضهم بشبهة، ويموه بباطل. وإذا قرأت ما قصه علينا القرآن العظيم من مواقف الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم- رأيت كيف أنهم كانوا يدعون الناس بالحجج والبراهين، والأدلة العقلية الجلية، وأنهم كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة ردوا الأمر إلى الله، ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان
стр. 28
بها إلا بإذن الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فيظهر الله على أيديهم الآيات تأييدا لهم وتخويفا لأقوامهم، وقطعا لمشاغبتهم، فيخضع لها بعضهم، ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنيياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما مثله في وضوحه وظهوره، والعجز عن معأرضته ما يؤمن عليه العباد، ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله- ﵌ «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر».
والنبي- ﵌ قد أوتي مثل هذه الآيات، وقد نقل الكثير منها كثير من أصحابه- ﵃ واشتهرت عند أئمة الحديث والنقل، غير أن آيته الخالدة الدائمة كعموم رسالته ودوامها هي: القرآن العظيم، وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه، فهي المعول عليها في دوام الحجة على تعاقب العصور والأجيال، اذ لا يقوم غيرها مقامها في بقائها مشاهدة لجميع الناس، ولذا حصر آيته فيها فقال: «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي».
تفرقة وترجيح >>:
آيات الرسل- صلوات الله عليهم- كانت معجزات كونية لا يشهدها إلا من حضرها ثم تبقى أخبارا يمكن للجاحد إنكارها، ويتأتى للمشاغب أن يصنع من الخزعبلات والمخارق ما يموه به على ضعفة العقول ويدعي مُمَاثلتها. وآية النبي- ﵌ وهي القرآن العظيم معجزة علمية عقلية يخضع لسلطانها كل من يسمعها ويفهمها ولا يستطيع معأرضتها، لا في لفظها وأسلوبها وبيانها الذي عجزت عن معأرضة أقصر سوره العرب على ما كان من حميتها وأنفتها وشدة رغبتها في إبطالها لو وجدت سبيلا
стр. 29
إليها فقط- بل لا تستطاع معأرضتها فيما اشتملت عليه من أصول العلوم التي يحتاج إليها البشر في كمالهم وسعادتهم أفرادا وجماعات، وأمما وما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة والحكم الباهرة، في كل ما دعت إليه إلى ما اشتملت عليه من حقائق كونية كانت مجهولة عند البشر حتى كشفها العلم في هذا العصر مثل انباء الخلق كله على أساس الزوجية في أشياء كثيرة. مصداق قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فبهذا كانت آية النبي- ﵌ أعظم الآيات وأبقاها، وكانت مغنية عن غيرها كافية عما عداها، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.
تفريع >>:
لما بقيت هذه الآية الكبرى على العصور- وانبنت على الاحتجاج بالعلم والعقل كان لها في كل عصر أتباعها الكثيرون عن اقتناع واطمئنان، ويزداد ويكثر عددهم بتوالي الأزمان، ويكثر الداخلون فيهم بقدر ما يزداد تقدم البشر في العلم والعرفان، وقد شوهد هذا اليوم وقبل اليوم، ونحن نرى في هذا العصر كيف ينتشر الإسلام تباعا لهذه الآية بين الأمم وفي علمائها دون نشر للدعوة من المسلمين تبينها، ولا قوة لهم تؤيدها، وإنما بما فيه من علم وحجة وأدب وحكمة تخضع العقول وتجذب القلوب، ولهذا فرع النبي- ﵌ على كون آيته وحيا رجاء أن يكون أكثر الأنبياء- صلوات الله عليهم- اتباعا يوم القيامة الذي تظهر فيه التابعية الصادقة فقال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
стр. 30
إنفراده- ﵌ بالاتباع من يوم بعثته >>:
ليس المنتمون لموسى- ﷺ ولعيسى ﷺ بأتباع لهم، لأن دعوة الأنبياء- صلوات الله عليهم- واحدة، ودينهم- وهو الإسلام- واحد، وإن اختلفت بعض الفروع العملية في شرائعهم، فمن لم يؤمن بواحد منهم كمن لم يؤمن بهم كلهم، وما كان محمد- ﵌ بِدعاً من الرسل، وما جاء إلا بمثل ما جاؤوا به، وما جاء إلا مصدقا لهم. فالذين لم يتبعوه من المنتمين إليهما ﵉ غير متبعين لهما، فانقطعت تابعيتهما ببعثة محمد- ﵌ فمن آمن به كان من اتباعه وإلا كان من الهالكين (١). وقد قال- ﵌ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» رواه مسلم.
إئتساء >>:
كل داع له من الأجر مثل أجور من اتبعه على دعوته لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، فرجا النبي- ﵌ كثرة أتباعهم، إذ في ذلك انتشار الهداية، وكان- ﵌ أحرص الناس على هداية الناس وفي ذلك مضاعفة أجره وجزائه عند الله، فلنا فيه الأسوة الحسنة بالحرص على نشر هدايته، وتبليغ دعوته، ورجاء كثرة الأجر والثواب بكثرة ما نوفر من اتباعه، فليعمل العاملون لهذا وليجهدوا فيه.
وقد رجا النبي- ﵌ كثرة أتباعه لدوام وظهور آيته الخالدة وهي القرآن العظيم، فعلى الناشربن لهدايته، والمبلغين لدعوته، أن يجعلوا القرآن أمامهم وحجتهم ومرجعهم، فإنه
стр. 31
هو كتاب الدعوة، ومنشور الهداية، ومظهر الحجة. وأتباع النبي ﵌ هم أتباع القرآن وخلفاؤه في التبليغ، وورتثه في العلم هم الذين يبلغون القرآن ويتلون القرآن، وينذرون بالقرآن كما كان هو- ﵌ كذلك وكما قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾.
جعلنا الله ممن اتبعوا سنته، ونشروا هدايته، وبلغوا حجته غير مبدلين ولا مغيرين (١).
стр. 32
التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ، بِرَسُولِ اللَّهِ
﵌
قال أبو عيسى الترمذي: >
...
ــ
السند: محمود بن غيلان ثقة من رجال البخاري ومسلم. عثمان بن عمر هو ابن فارس العبدي المتوفي سنة ٢٠٩ه ثقة روى عنه الستة، وهو الراوي عن شعبة ولهم عثمان بن عمر بن موسى التيمي متقدم غير هذا، أبو جعفر. هكذا عند الترمذي غير منسوب وقال فيه هو غير الخطمي يعني أبا جعفر يزيد بن عمير الأنصاري الخطمي، لكن ابن ماجة قال: حدثنا أحمد بن منصور
стр. 33
ابن يسار ثنا عثمان بن عمر ثنا شعبة عن أبي جعفر المدني إلى آخر السند والمتن. فصرح بأنَّ أبا جعفر هو المدني. وهذا هو أبو جعفر القاري يزيد بن القعقاع. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث وكان إمام أهل المدينة في
القراءة فسمي القارئي لذلك. عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري روى له أصحاب السنن الأربعة، وثقه النسائي وابن حبان وابن سعد. عثمان بن حنيف هو الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور.
مخرجو الحديث: رواه ابن ماجة في باب ما جاء في صلاة الحاجة من سننه والنسائي والحاكم والبيهقي وابن خزيمة والطبراني.
رتبة الحديث العلمية والعملية: قال فيه الترمذي كما تقدم: حسن صحيح غريب. فالصحيح ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى آخر سنده سالما من العلة والشذوذ. فإذا خف الضبط في بعض رواته فهو الحسن.
وما يقول فيه أبو عيسى الترمذي حسن صحيح أقوى مما يقول فيه حسن فقط لأن وصفه بالصحة مع وصفه بالحسن يفيد أن خفة الضبط في بعض رجاله تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحيح التام. وأما الغريب فهو ما انفرد بروايته راوٍ فقط. وإذا كان ذلك المنفرد ثقة فذلك الانفراد لا يضر. فالغرابة لا تنافي الصحة والحسن، وغرابته جاءته من انفراد أبي جعفر به كما تقدم. وصححه أيضا ابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني. فبعدما عرفنا من حال سنده وتصحيح هؤلاء الأئمة له حصل لنا العلم الكافي- وهو الظن الغالب- بثبوته. وحيث كان بهذه المنزلة من الثبوت فإنه صالح لاستنباط الأحكام الشرعية العملية منه.
стр. 34
ألفاظ المتن: زاد ابن ماجة بعد قوله: (فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه) قوله (ويصلي ركعتين) ولذلك أخرجه في باب ما جاء في صلاة الحاجة. وهذه زيادة عدل فهي مقبولة والأمر بالوضوء مما يؤيدها، وزاد النسائي بعد قوله: اللهم شفعه في: وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره.
المفردات: (التوجه) إلى الشيء هو القصد إليه فأتوجه إليك أي أقصد إليك و (الباء) في بنبيك وفي إني توجهت بك هي باء الاستعانة والمستعان به هو السبب المحصل للمستعان عليه ولذلك جعل بعضهم باء الاستعانة من باء السببية، فالنبي- ﵌ مستعان به على السؤال أي على نجح السؤال بحصول الشيء المسؤول من الله تعالى ومستعان به على التوجه بمعنى القصد، أي على نجح ذلك القصد بحصول المطلوب منه تعالى فهو متوصل به إلى نجح السؤال ونجح القصد، وكل ما يتوصل به إلى الشيء يقال فيه وسيلة إليه، فالسؤال به توسل به، فيمكن أن تسمي هذه الباء باء التوسل وهي الداخلة على ما هو وسيلة في حصول شيء. و (الهاء) في قوله فادعه هاء السكت أو ضمير عائد على الله تعالى (الشفاعة) سؤال الخير لغير السائل، فقوله شفعه فيّ أي أقبله في أي أقبل دعاءه وسؤاله في.
التراكيب: قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك، وقوله إني أتوجه بك، يحتمل أن يكون على ظاهره، فالسؤال والتوجه والتوسل بذات النبي- ﵌ نظرا لمقامه عند الله تعالى، ويكون هذا نظير قول القائل أسألك بالله من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ﴾
وفي سنن أبي داود والنسائي مرفوعا: «وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» وقول القائل: أسألك بالرحم من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامٍ﴾ بالجر في قراءة الشاميين، وقول عائشة لفاطمة رضي الله تعالى
стр. 35
عنمها: "عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﵌" ويحتمل أن يكون على تقدير مضاف هكذا بدعاء نبيك في العبارة الأولى وبدعائك في العبارة الثانية لأنه إنما سأله أن يدعو له، فيكون التوسل بدعائه ولقوله فشفعه في، أي أقبل دعاءه لي. وجملة فشفعه معطوفة على جملة أسألك. وجملة إني توجهت بك معترضة بين المتعاطفين.
المعنى: هذا رجل أعمى جاء النبي- ﵌ يسأله أن يدعو الله تعالى له أن يشفيه من العمى، فخير بين أن يدعو له وأن يصبر على بلواه، وأخبره أن الصبر خير له من جهة الأجر والمثوبة، فاختار الرجل أن يدعو له فأمر أن يتوضأ وضوءا حسنا مستكملا لفرائضه وفضائله في ظاهره وباطنه وأن يصلي ركعتين ويدعو بالدعاء المذكور. والظاهر أنه بعد الفراغ من الركعتين مثل ما جاء في دعاء الاستخارة بعد ركعتيها. وكان الدعاء سؤالا من الله تعالى وتوجها إليه وتوسلا بنبيه أو بدعائه وثناء على النبي- ﵌ بما بعثه الله من الرحمة المناسب ذكرها غاية المناسبة في مقام الدعاء والتوسل، وخطابا له ﵇ بأنه توجه به إلى ربه لتقضى حاجته ثم رجوعا إلى سؤال الله تعالى أن يقبل فيه شفاعة النبي ﵌.
سؤال: الرجل قد اختار أن يدعو له فأمره أن يتوضأ ويصلي ويدعو بذلك الدعاء ولم يدع هو له مع أنه قال له في التخيير إن شئت دعوت وإن شئت صبرت.
جوابه: الظاهر أنه دعا له وإن لم يصرح بذلك في متن الحديث لقول الأعمى اللهم شفعه في، أي اقبل دعاءه وسؤاله لي.
стр. 36
الأحكام: لم يدع الأعمى النبي- ﵌ ولم يسأله أن يشفيه هو لأن الدعاء لقضاء الحوائج وكشف البلايا ونحو ذلك هو العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع: (الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ) رواه أحمد وأصحاب السنن. والعبادة لا تكون إلا لله لم يدعه لا وحده ولا مع الله لأن الدعاء لا يكون إلا لله. وهذا بخلاف ما يفعله الجهال والضلال من طلبهم من المخلوقين من الأحياء والأموات أن يعطوهم مطالبهم ويكشفوا عنهم بلاياهم، وإنما سأله أن يدعو له الله تعالى أن يعافيه وهذا جائز أن يسأل المؤمن من أخيه في حال حياته أن يدعو الله تعالى له، ومن هذا حديث البخاري في سؤال أم أنس ابن مالك من النبي- ﵌ أن يدعو لأنس خادمه فدعا له، ومن هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال استأذنت النبي- ﵌ في العمرة فأذن لي وقال: أشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا، زاد في رواية الترمذي فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. يعني قوله: أشركنا الخ ثم إنه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه، وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب، أو توسل بدعائه وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم إن من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوز، ومن أخذ بالثاني منع.
стр. 37
ـ[سؤال]ـ: فإن قلت قد عرفنا القولين وعرفنا مدركهما فما هو الراجح عندك منهما.
ـ[جوابه]ـ: الراجح هو الوجه الأول الذي يجيز السؤال بذات النبي- ﵌ نظرا لمقامه العظيم عند ربه لوجهين، الأول: أن ذلك هو ظاهر اللفظ ولا موجب للتقدير ولا منافاة بين أن يكون في قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك وقوله إني توجهت بك قد سأل بذاته، وفي قوله اللهم شفعه في قد سأل قبول دعائه له وسؤاله - والثاني أنه لما كان جائزا السؤال من المخلوقين بما له من مقام عظيم عندهم فلا مانع من أن يسأل الله تعالى بنبيه بحسب مقامه العظيم عنده.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعدما رجحت جواز التوسل بذاته ﵌ نظرا لمقامه العظيم عند الله تعالى، فهل يقاس عليه غيره من كل ذي مقام عند الله تعالى فيتوسل به أو يكون هذا مقصورا عليه؟
ـ[جوابه]ـ: القياس في باب العبادات ضعيف وإذا ارتكب هنا فلا يقاس عليه إلا كل ذي مقام محقق عند الله تعالى.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا حكم سؤال الله تعالى بأهل المكانة عنده من مخلوقاته فهل الأفضل هو سؤاله بمخلوقاته أو سؤاله بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في طاعاته؟
ـ[جوابه]ـ: الأفضل هو سؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته، وذلك لوجهين: الأول أن ذلك هو مقتضى النص القرآني الصريح القطعي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ويشمل ذلك تسميته بها ونداءه بها. الوجه الثاني ما جاء في السنة العملية في أحاديث كثيرة ثابتة مستفيضة، كان سؤاله تعالى فيها كلها
стр. 38
بأسمائه وصفاته منها حديث: «أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسد الخ» رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ومنها حديث رجل كان يصلي في المسجد فقال اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أسألك. فقال النبي- ﵌: «دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق أنس.
ومنها حديث، إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، رواه النسائي والحاكم من طريق عمار بن ياسر، وهكذا سائر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب كلها متواردة على دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهي كلها تحقيق وبيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. هذا كله في دعائه تعالى بأسمائه وصفاته وأما ما جاء في دعائه والتوسل إليه بعمل العبد في أنواع طاعاته فمنها حديث بريدة أن رسول الله- ﵌ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد (والشهادة عمل العبد) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. فقال رسول الله- ﵌: لقد سألت الله بالإسم الأعظم
الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب. رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال: لقد دعوت الله باسمه الأعظم وقال صحيح على شرط الشيخين، قال الحافظ عبد العظيم المنذري قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه. ومنها حديث الثلاثة الذي آووا إلى غار فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: أنظروا أعمالا عملتموها
стр. 39
صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعله يفرجها عنكم، فدعا أحدهم ببروره والديه فانفرجت منها فرجة، ودعا الثاني بعفته عن الزنا بعد ما كاد فانفرجت فرجة، ودعا الثالث بوفائه لأجيره فانفرجت البقية. وهذا حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما. ومن ذلك حديث سارة زوج إبراهيم ﵇ لما مد الجبار الظالم إليها يده يريدها على السوء، قامت توضأ (١) وتصلي وقالت: (اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر) فغط حتى ركض برجله، فقالت: (اللهم إن يمت يقال هي قتلته) فأرسل فعاد إليها وعادت إلى الدعاء كالمرة الأولى، وفي الثالثة تركها وقال: ارجعوها إلى إبراهيم. رواه مفصلا البخاري في كتاب البيوع من صحيحه من طريق أبي هريرة، فانظر إليها كيف توسلت لربها بإيمانها الذي هو أشرف أعمالها، وبعفتها وإحصانها لفرجها، ولم تتوسل إليه برسوله وخليله زوجها إبراهيم ﵊.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا رجحان سؤاله تعالى بالأسماء والصفات والطاعات فهل ثبت عن الصحابة سؤالهم وتوسلهم بذاته؟
ـ[جوابه]ـ: لم يثبت عن واحد منهم شيئا (١) من ذلك فيما لدينا من كتب السنة المشهورة، بل ثبت عدولهم عن ذلك في وقت مقتض له لو كانوا يفعلونه وذلك في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا
стр. 40
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. ومعنى الحديث أنهم كانوا يتوسلون بالنبي- ﵌ يدعو لهم في الاستسقاء ويودعون، ثم صاروا يتوسلون بالعباس فيدعو لهم ويدعون، فالتوسل هنا قطعا بدعائهما لا بذاتهما. ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مرجوحية التوسل بالذات: أن الصحابة لم يقولوا في موقفهم ذلك: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا، أي بذاته ومقامه، بل عدلوا عن ذلك إلى التوسل بالعباس يدعو لهم ويدعون كما كان النبي- ﵌ يفعل في الاستسقاء.
ولقد استدل بعضهم بعدول الصحابة عن التوسل بذات النبي- ﵌ في هذا المقام على منعه. ونحن لما بينا قبل من دليل جوازه إنما نستدل بعدولهم على مرجوحيته.
ـ[سؤال آخر]ـ: قد عرفنا فيما تقدم مشروعية سؤال المؤمن من أخيه المؤمن في حياته أن يدعو له، فهل يشرع الذهاب إلى القبر وطلب الدعاء من الميت!
ـ[جوابه]ـ: لو كان هذا جائزا لفعله الصحابة في الحديث المتقدم، ولذهبوا لقبر النبي- ﵌ يسألونه أن يدعو لهم كما كان يدعو لهم في حياته، ولم يرد في حديث عن واحد منهم أنه كان يذهب إلى القبر النبوي ويطلب منه- ﵌ أن يدعو له. بل جاء عن ابن عمر- وهو من عرف بشدة اتباعه وتحريه- أنه كان يقف فيسلم على النبي- ﵌، ثم على أبي بكر، ثم على عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم ينصرف، لا يزيد شيئا، خرجه مالك في الموطأ.
تلخيص وتحصيل: تحصل لنا من جميع ما تقدم:
١ - أن دعاء المخلوق وحده أو مع الله ممنوع.
٢ - وأن التوسل بدعائه في حياته -وهو من المؤمنين- مطلوب ومشروع.