الأحكام: لم يدع الأعمى النبي- ﵌ ولم يسأله أن يشفيه هو لأن الدعاء لقضاء الحوائج وكشف البلايا ونحو ذلك هو العبادة، وفي حديث النعمان بن بشير المرفوع: (الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ) رواه أحمد وأصحاب السنن. والعبادة لا تكون إلا لله لم يدعه لا وحده ولا مع الله لأن الدعاء لا يكون إلا لله. وهذا بخلاف ما يفعله الجهال والضلال من طلبهم من المخلوقين من الأحياء والأموات أن يعطوهم مطالبهم ويكشفوا عنهم بلاياهم، وإنما سأله أن يدعو له الله تعالى أن يعافيه وهذا جائز أن يسأل المؤمن من أخيه في حال حياته أن يدعو الله تعالى له، ومن هذا حديث البخاري في سؤال أم أنس ابن مالك من النبي- ﵌ أن يدعو لأنس خادمه فدعا له، ومن هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عن عمر بن الخطاب قال استأذنت النبي- ﵌ في العمرة فأذن لي وقال: أشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا، زاد في رواية الترمذي فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. يعني قوله: أشركنا الخ ثم إنه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه، وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب، أو توسل بدعائه وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم إن من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوز، ومن أخذ بالثاني منع.
стр. 37
ـ[سؤال]ـ: فإن قلت قد عرفنا القولين وعرفنا مدركهما فما هو الراجح عندك منهما.
ـ[جوابه]ـ: الراجح هو الوجه الأول الذي يجيز السؤال بذات النبي- ﵌ نظرا لمقامه العظيم عند ربه لوجهين، الأول: أن ذلك هو ظاهر اللفظ ولا موجب للتقدير ولا منافاة بين أن يكون في قوله أسالك وأتوجه إليك بنبيك وقوله إني توجهت بك قد سأل بذاته، وفي قوله اللهم شفعه في قد سأل قبول دعائه له وسؤاله - والثاني أنه لما كان جائزا السؤال من المخلوقين بما له من مقام عظيم عندهم فلا مانع من أن يسأل الله تعالى بنبيه بحسب مقامه العظيم عنده.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعدما رجحت جواز التوسل بذاته ﵌ نظرا لمقامه العظيم عند الله تعالى، فهل يقاس عليه غيره من كل ذي مقام عند الله تعالى فيتوسل به أو يكون هذا مقصورا عليه؟
ـ[جوابه]ـ: القياس في باب العبادات ضعيف وإذا ارتكب هنا فلا يقاس عليه إلا كل ذي مقام محقق عند الله تعالى.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا حكم سؤال الله تعالى بأهل المكانة عنده من مخلوقاته فهل الأفضل هو سؤاله بمخلوقاته أو سؤاله بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في طاعاته؟
ـ[جوابه]ـ: الأفضل هو سؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته، وذلك لوجهين: الأول أن ذلك هو مقتضى النص القرآني الصريح القطعي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ويشمل ذلك تسميته بها ونداءه بها. الوجه الثاني ما جاء في السنة العملية في أحاديث كثيرة ثابتة مستفيضة، كان سؤاله تعالى فيها كلها
стр. 38
بأسمائه وصفاته منها حديث: «أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسد الخ» رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ومنها حديث رجل كان يصلي في المسجد فقال اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أسألك. فقال النبي- ﵌: «دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق أنس.
ومنها حديث، إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، رواه النسائي والحاكم من طريق عمار بن ياسر، وهكذا سائر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب كلها متواردة على دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهي كلها تحقيق وبيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. هذا كله في دعائه تعالى بأسمائه وصفاته وأما ما جاء في دعائه والتوسل إليه بعمل العبد في أنواع طاعاته فمنها حديث بريدة أن رسول الله- ﵌ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد (والشهادة عمل العبد) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. فقال رسول الله- ﵌: لقد سألت الله بالإسم الأعظم
الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب. رواه أبو داوود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال: لقد دعوت الله باسمه الأعظم وقال صحيح على شرط الشيخين، قال الحافظ عبد العظيم المنذري قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه. ومنها حديث الثلاثة الذي آووا إلى غار فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: أنظروا أعمالا عملتموها
стр. 39
صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعله يفرجها عنكم، فدعا أحدهم ببروره والديه فانفرجت منها فرجة، ودعا الثاني بعفته عن الزنا بعد ما كاد فانفرجت فرجة، ودعا الثالث بوفائه لأجيره فانفرجت البقية. وهذا حديث صحيح مشهور رواه الشيخان وغيرهما. ومن ذلك حديث سارة زوج إبراهيم ﵇ لما مد الجبار الظالم إليها يده يريدها على السوء، قامت توضأ (١) وتصلي وقالت: (اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر) فغط حتى ركض برجله، فقالت: (اللهم إن يمت يقال هي قتلته) فأرسل فعاد إليها وعادت إلى الدعاء كالمرة الأولى، وفي الثالثة تركها وقال: ارجعوها إلى إبراهيم. رواه مفصلا البخاري في كتاب البيوع من صحيحه من طريق أبي هريرة، فانظر إليها كيف توسلت لربها بإيمانها الذي هو أشرف أعمالها، وبعفتها وإحصانها لفرجها، ولم تتوسل إليه برسوله وخليله زوجها إبراهيم ﵊.
ـ[سؤال آخر]ـ: بعد ما عرفنا رجحان سؤاله تعالى بالأسماء والصفات والطاعات فهل ثبت عن الصحابة سؤالهم وتوسلهم بذاته؟
ـ[جوابه]ـ: لم يثبت عن واحد منهم شيئا (١) من ذلك فيما لدينا من كتب السنة المشهورة، بل ثبت عدولهم عن ذلك في وقت مقتض له لو كانوا يفعلونه وذلك في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا
стр. 40
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. ومعنى الحديث أنهم كانوا يتوسلون بالنبي- ﵌ يدعو لهم في الاستسقاء ويودعون، ثم صاروا يتوسلون بالعباس فيدعو لهم ويدعون، فالتوسل هنا قطعا بدعائهما لا بذاتهما. ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مرجوحية التوسل بالذات: أن الصحابة لم يقولوا في موقفهم ذلك: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا، أي بذاته ومقامه، بل عدلوا عن ذلك إلى التوسل بالعباس يدعو لهم ويدعون كما كان النبي- ﵌ يفعل في الاستسقاء.
ولقد استدل بعضهم بعدول الصحابة عن التوسل بذات النبي- ﵌ في هذا المقام على منعه. ونحن لما بينا قبل من دليل جوازه إنما نستدل بعدولهم على مرجوحيته.
ـ[سؤال آخر]ـ: قد عرفنا فيما تقدم مشروعية سؤال المؤمن من أخيه المؤمن في حياته أن يدعو له، فهل يشرع الذهاب إلى القبر وطلب الدعاء من الميت!
ـ[جوابه]ـ: لو كان هذا جائزا لفعله الصحابة في الحديث المتقدم، ولذهبوا لقبر النبي- ﵌ يسألونه أن يدعو لهم كما كان يدعو لهم في حياته، ولم يرد في حديث عن واحد منهم أنه كان يذهب إلى القبر النبوي ويطلب منه- ﵌ أن يدعو له. بل جاء عن ابن عمر- وهو من عرف بشدة اتباعه وتحريه- أنه كان يقف فيسلم على النبي- ﵌، ثم على أبي بكر، ثم على عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم ينصرف، لا يزيد شيئا، خرجه مالك في الموطأ.
تلخيص وتحصيل: تحصل لنا من جميع ما تقدم:
١ - أن دعاء المخلوق وحده أو مع الله ممنوع.
٢ - وأن التوسل بدعائه في حياته -وهو من المؤمنين- مطلوب ومشروع.
стр. 41
٣ - وأن التوسل بذات النبي- صلى الله عليه وآله ومسلم- جائز مرجوح.
٤ - وأن التوسل بذات غيره من أهل المكانة المحققة له وجه في القياس.
٥ - وأن التوسل بذات غيره ممن ليس لنا اليقين القاطع بمقامه لا وجه له.
٦ - وأن طلب الدعاء منه بعد موته بدعة لم يفعلها الصحابة.
٧ - وأن الراجح في التوسل إلى الله هو التوسل إليه بأسمائه وصفاته وأعمال العبد في أنواع طاعاته.
هذه سبع مسائل كثر فيها هذه الأيام القال والقيل، وتعرض لها من الكتاب الأصيل والدخيل، وقد من الله بتحريرها على هذا الوجه الذي لم أره لغيري، وقد كنت في تحريرها -علم الله- باحثا منصفا متجردا، فما كان فيها من حق وصواب فهو من الله، وما كان فيها - عياذا بالله- من باطل وخطإ فهو مني، وأستغفر الله، والخير قصدت، وحسبنا الله ونعم الوكيل (١).
стр. 42
فَضْلُ السُّجُودِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ .
>.
رواه مسلم، واللفظ له وأبو داوود والطبراني في الكبير.
...
ــ
الراوي:
هو أبو فراس قديم الصحبة، كان من أهل الصفة يلازم النبي ﵌ في السفر والحضر، مات سنة ثلاث وستين.
الألفاظ:
مع: ظرف مكان مبهم واسع، وهو كان يبيت عند بابه كما في رواية الطبراني وذالك هو المراد من مع هنا. حاجته: ما يحتاج إليه في الوضوء أو على وجه تسكينها هي، أو التي للتخيير أو للإضراب، وعلى وجه فتح الواو هما كلمتان: همزة الاستفهام والواو العاطفة، هو أي مسؤولي ذلك أي المذكور وهو
стр. 43
المرافقة. الإعانة: مشاركة الفاعل في العمل ليخف عليه ويسهل وينتهي منه إلى غرضه.
التراكيب:
حذف مفعول سل للتعميم وهو المناسب لمقام الأفضال في النوال. غير: معطوف على موافقتك من عطف لفظ في كلام على لفط في كلام آخر عند ما يقصد المتكلم ربط كلامه بكلام المتكلم قبله لنحو تلقينه فيكون مجموع الكلام هكذا: أسألك مرافقتك في الجنة أو غير ذلك، والكلام وإن كان خبرا فهو في قوة الطلب ولذلك كانت أو للتخبير. هذا كله على وجه أو التي للتخبير، وإما إذا كانت للإضراب فتقدير الكلام: بل أسأل غير ذلك. وأما إذا كانت الهمزة للاستفهام فإن الواو عطفت على جملة وتقدير الكلام أتترك ما سألت وتسأل غير ذلك، والإستفهام هنا المراد به الطلب يطلب منه أن يترك سؤال المرافقة ويسأل غيره. هو ذاك هو تفيد الحصر أي مسؤولي، هو المرافقة لا غيرها.
المعنى:
كان هذا الصحابي- رضي الله تعالى عنه- يخدم النبي- ﵌ ويبيت عند باب بيته ليأتيه بما يحتاج إليه من ماء يتوضأ به أو غيره، فأراد النبي- ﵌ أن يجازيه على خدمته فأمره أن يسأله ليعطيه، فأعرض هذا الصحابي عن جميع مطالب الدنيا وسأله أعز مطلب في الآخرة وهو مرافقته له في الجنة، ولما كانت هذه المرافقة تقتضي درجة رفيعة في الجنة أخص من مطلق دخول الجنة وهذه الدرجة تقتضي العمل الشاق، حاول النبي- ﵌ صرفه عن هذا السؤال الذي فيه العمل الشاق الذي ربما لا يطيقه
стр. 44
إلى غيره مما هو أسهل من المطالب، فصمم الصحابي على سؤاله وأبى أن يسأل غيره، فقبل النبي ﵌ سؤاله على أن يعينه على نفسه لتحصيل المطلوب، وأرشده إلى ما هو وسيلة في رفع الدرجات، وهو كثرة السجود، فإن العبد لا يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة كما ثبت في الصحيح.
زيادة بيان:
قد جاء هذا الحديث عند الطبراني بأبسط من رواية مسلم، وذكر الرواية المطولة يوضح لنا الرواية المختصرة، ورواية الطبراني كما في ((الترغيب والترهيب)) هي هذه: (قال كعب: كنت أخدم النبي ﵌ نهاري فإذا كان الليل آويت إلى باب رسول الله- ﵌ فبت عنده. فلا أزل أسمعه يقول سبحان الله سبحان الله سبحان ربي حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام، فقال يوما يا ربيعة سلني فأعطيك، فقلت أنظرني حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار ويدخلني الجنة، فسكت رسول الله- ﵌ ثم قال من أمرك بهذا؟ قلت ما أمرني به أحد ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببت أن تدعو الله لي. قال: إني فاعل فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود).
النظر في الروايتين:
بينت المطولة أنه كان يخدمه بالنهار والليل، وأنه ما سأل إلا بعد النظر والتفكر، وأنه لم يسأل النبي- ﵌ أن يعطيه الجنة وإنما سأله أن يدعو الله تعالى له لعلمه
стр. 45
أن دعاءه مستجاب، والنبي- ﵌ وعده بأنه يفعل ما طلبه منه، وهو دعاء الله تعالى له. غير أن الرواية المطولة فيها أنه سأله النجاة من النار ودخول الجنة، والرواية المختصرة فيها أنه سأل مرافقته له في الجنة وهي أخص من مطلق الدخول.
الجمع والترجيح:
كل ما في المطولة مما هو زائد على المختصرة غير معأرض لشيء فيها، فهو مع المختصرة حديث واحد روى مطولا مختصرا وإن تفاوتت طريقاه. وما جاء فيها معأرضا لشيء في المختصرة وهو سؤال دخول الجنة المعأرض لسؤال المرافقة، فإننا نأخذ بما في المختصرة ترجيحا لها لقوة سندها.
توجيه:
المرافقة في الجنة لا تقتضي المساواة في المنزلة والكرامة، أصله قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ - إلى- وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ولهذا سألها هذا الصحابي: ولما كان من الملازمين للنبي- ﵌ في الدنيا توجهت همته إلى مرافقته في الأخرى فسأله ذلك.
فوائد الأحكام:
في الحديث جواز قبول التبرع بالخدمة من الناس وخصوصا لأهل المقامات العامة في مصالح الناس، وفيه فضل القيام من جوف الليل - من قوله آتيه بوضوئه - وفيه سنة مكافأة المحسن على إحسانه، وفيه مشروعية سؤال الدعاء وخصوصا ممن ترجى له الاستجابة، وفيه عدم الاكتفاء بالدعاء وحده عن التوسل
стр. 46
بالطاعات ونوافل الخيرات، وفيه فضل السجود والحث عليه، وفيه دليل لمن يقول بأفضلية كثرة السجود على طول القيام.
إرشاد وتحذير:
سأل هذا الصحابي النبي- ﵌ أن يدعو له الله ولم يسأله هو أن يعطيه الجنة، لأن الذي يعطى هو الله تعالى، ولأن الذي يسأل منه العطاء هو الله تعالى، كما قال النبي- ﵌ لابن عباس فيما رواه:
(وإذا سألت فاسأل الله)، فمن المخلوق تسأل الدعاء ومن الخالق تسأل العطاء. ومن أدلة الأول هذا الحديث، ومن أدلة الثاني حديث أبن عباس المذكور. وكثير من الناس يسألون ممن يعظمون نفس العطاء وخصوصا من الأموات- ﵏ في قبورهم. فأرشدهم بمثل ما سمعت وحذار أن تكون منهم. الترمذي وقال حسن صحيح.
بيان عقيدة وإبطال ادِّعاء:
لما سأل هذا الصحابي النبي- ﵌ وعده بالدعاء وأرشده إلى العمل الصالح وهو كثرة السجود، ولم يقل له النبي- ﵌ إنني ضامن لك ذلك، ولا أنت مضمون، ولا أنت في ضماني، لأن العبد لا يجوز له أن يضمن على خالقه بدون إذنه شيئا، وإذا كانت الشفاعة التي هي طلب منه لا تكون عنده إلا بإذنه فكيف الضمان الذي هو التزام على القطع، فمن الغرور العظيم والجهل الكبير والجراءة الكبرى على الله تعالى قول بعض المدعين (روح راك مضمون) وقول آخرين (من دخل دار كذا فهو مضمون) و (أنا ضامني الشيخ) و (يا دار الضمان) ونحو ذلك، مما يقوله الجاهلون، وينكره العالمون، ويبرأ منه الصالحون.
стр. 47
حقيقة نفسية:
العبد بين داعيين مختلفين، دينه يدعوه إلى الحسنى وينهض به للعلاء، ونفسه تدعوه إلى السوأى وتنحط به إلى الحضيض. ولا ينحط المسلم عن مقامات الكمال إلا بإجابته داعي نفسه وإعراضه عن داعي دينه. فالنفس هي الجاذب القوي إلى دركات الانحطاط. ولما كان دعاء النبي- ﵌ لهذا الصحابي سببا في رفع درجاته وكانت نفسه إذا خلاها على هواها مانعة له من ذلك الرفع فصار الدعاء النبوي والنفس الأمارة كالمتنازعين فيه- أمره بأن يعينه على نفسه بكثرة السجود. ولم يقل له أعني على مطلوبك أو
تحصيل مرادك، بل قال له: أعني على نفسك. وفي هذا تنبيه له على أن النفس هي المعرقلة للعبد عن الصعود في سلم السعادة، وأنه إذا قهرها وغلبها فقد تيسرت له أسباب الكمال (١).
стр. 48
إِتْبَاعُ رَمَضَانَ بِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ .
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»). رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وجاء بمعناه عن ثوبان وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمر.
...
ــ
المفردات:
تقول العرب: اتبع الفرس لجامها، أي ألحقه بها في العطاء. يضرب مثلا في الأمر، باستكمال المعروف واستتمامه. ويصدق هذا ولو كان بين العطاء الأول والعطاء الثاني مهلة، وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي ألحقنا بعض القرون ببعض في الهلاك الناشيء عن تكذيبهم، مع أن بين كل قرن وقرن مدة طويلة. فالإتباع هو الإلحاق لشيء بشيء في أمر، سواء أكان عن اتصال أو عن انفصال. الدهر: أصل معناه: مدة الدنيا، ويطلق على أمد من الزمان قل أو كثر. والمراد به هنا السنة كما جاء مصرحا به في بعض روايات الحديث.
стр. 49
التراكيب:
أفادت ثم أن الاتباع متأخر عن الصوم. وإن كان قد جاء من طريق غير أبي أيوب العطف بالواو. والضمير في كان عائد على عمل المفهوم من الكلام السابق، أي كان عمله -وهو صومه شهرا وستة أيام.
المعنى:
من صام رمضان، وصام بعده ستة أيام من شوال كان ذلك من عمله كصيام الدهر، لأن الله تعالى جعل الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشر أشهر، وستة أيام بعده بشهرين فذلك تمام السنة. وجاء هذا التفسير عند النسائي من طريق ثوبان مرفوعا.
تطبيق:
قد علمت أن الإتباع يصدق بالإلحاق متصلا أو منفصلا، والفصل هنا واجب بيوم الفطر، للعلم بحرمة صومه، فمن فصل به فقط فهو متبع، ومن فصل بأكثر منه فهو متبع، ومقتضى الإطلاق في لفظة (ستا) أنه لا فرق في حصول الفضل بين أن تكون متوالية أو متفرقة، وما تقدم في فصل المعنى من حديث ثوبان يؤيد هذا الإطلاق، لأن المقصود تحصيل ستة أيام لتكون بمقتضى جزاء الحسنة بعشر ستين يوما، وهذا حاصل عند تفرقها وعند اجتماعها.
الأحكام:
ذهب الشافعية والحنابلة وغيرهم- وهو المصحح عند الحنفية- إلى استحباب صوم هذه الأيام، محتجين بهذا الحديث
стр. 50
الصحيح الصريح. وأما المالكية فقد قال يحيى إن يحيى راوي الموطأ: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون بذلك. ا ه
والذي يظهر من عبارات مالك أن المكروه هو صوم ستة أيام متوالية بيوم الفطر كما يفهم من قوله: (في صيام ستة أيام بعد الفطر) ومن قوله (وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء) وإنما يخشى هذا الإلحاق إذا كانت متوالية ومتصلة بيوم الفطر. فالكراهة إذا عنده منصبة على صومها بهذه الصفة من التوالي والاتصال، لا على أصل صومها، وهذا هو التحقيق في مذهبه.
فقه مالك واحتياطه:
انبنى فقه مالك واحتياطه على أصلين:
الأصل الأول - أن العبادة المقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها وهو أصل عام في جميع العبادات. وفي خصوص الصيام قد ثبت نهيه ﷺ أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، وظاهر أن وجه هذا النهي هو خوف أن يعد ذلك من رمضان. فحمى الشارع بهذا النهي العبادة من الزيادة في أولها. فبنى مالك- بسعة علمه وبعد نظره- على ذلك حمايتها من الزيادة في آخرها، فكره صوم تلك الأيام متوالية متصلة بيوم الفطر مخافة- كما قال- أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء. فكان احتياطه في الأخير
стр. 51
مطابقا لاحتياط النبي- ﵌ في الأول، وذلك كله لأجل المحافظة على بقاء العبادة المقدرة على حالها غير مختلطة بغيرها، وقد جاء نظير هذا الاحتياط في الصلاة، فقد روى أبو داود في سننه أن رجلاً دخل إلى مسجد رسول الله- ﵌ فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال له عمر بن الخطاب- ﵁: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا. فقال له -عليه وآله الصلاة والسلام- أصاب الله بك يا ابن الخطاب. يعني أن الذين كانوا قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض، فأدى ذلك إلى اعتقاد جهالهم، وجوب الجميع، فأدى ذلك إلى تغيير شرع الله وهو سبب الهلاك. لا يقال أن مقدار العبادة معلوم من الدين بالضرورة، فكيف يظن أنه قد يعتقد الجميع من الأصل والزيادة عبادة واحدة، لأننا نقول إذا دام وصل النافلة بالفريضة، وطال العهد، وخلفت الخلوف، أدى ذلك أهل الجهالة إلى ذلك الاعتقاد. والاحتياط للعبادة يقتضي قطع ذلك الاعتقاد من أصله بالنهي عما يؤدي إليه وهو من سد الذرائع الذي هو أحد أصول مالك في مذهبه. ومع هذا فقد نقل الإمام القرافي عن الإمام عبد العظيم المنذري أن الذي خشي منه مالك -رحمه الله تعالى- قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين (١) وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ا ه.
فلله مالك ما أوسع علمه، وما أدق نظره، وما أكثر اتباعه فرحمة الله تعالى عليه، وعلى أئمة الهدى أجمعين.
стр. 52
الأصل الثاني: أن ما ورد من العبادة مقيداً بقيد يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه. والآتي بالعبادة المطلقة ملتزما فيه ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه وهو أصل في جميع العبادات، ومثال ما ورد من العبادة مقيدا: التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة والختم بـ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فقيدت هذه العبادة المحددة بإيقاعها دبر كل صلاة، فالإتيان بها في غير دبر الصلوات مخالفة للوضع الشرعي. ومثال ما ورد مطلقا (١) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة (٢) وسبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة فيلتزمها في وقت معين من النهار، فيخرج عن مقتضى الإطلاق في لفظ يوم من نص الحديث فيكون مخالفا للوضع الشرعي.
ولفظ الحديث الوارد في هذه الأيام جاء مطلقا في الاتباع صادقا بالاتصال والانفصال. وفي لفظ ستة صادقا بتواليها وتفرقها، فالتزام اتصالها وتواليها تقييد لما أطلقه الشرع وتزيد عليه.
إقتداء وتحذير:
هذان الأصلان اللذان قررنا بهما فقه مالك، هما أصلان مجمع عليهما، كثيرة في الشريعة المطهرة أدلتهما، والفروع التي تنبني عليهما، فلنا في مالك وغيره من أئمة الهدى القدوة
стр. 53
الحسنة في التمسك بهما. فنحتاط لعبادتنا، حتى لا نخلط بين فرضها ونفلها. ونتقبل ما جاء من العبادات مقيدا أو محددا بقيده وحده، ونتقبل ما جاء منها مطلقا على إطلاقه، فلا نلتزم فيه ما يخرجه عن الإطلاق. ولنحذر كل الحذر من الإخلال بقيود الشارع أو التقييد لمطلقاته، ففي ذلك استظهار عليه، وقلة أدب معه، وتبديل لوضعه، واختيار عليه، وإنما الخير لله ولرسوله، لا لأحد من الناس، وأن الغالب على الناس أنهم لا يتعمدون الإخلال بالقيود، وإنما يتعمدون التقييد للمطلقات وأنواع الالتزامات، مع أنهما في المخالفة سواء، فلنحذر من الوقوع في مثل هذا على الخصوص.
إمتثال:
نصوم هذه الستة كما رغبنا نبينا، طمعا في فضل ربنا، غير ملتزمين وصلها ولا موالاتها، والله يلهمنا والمسلمين أجمعين أنواع المبرات، وإقامتها بمنه وكرمه. آمين (١).
стр. 54
أَثَرُ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ .
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، أخرجه الشيخان في صحيحهما
...
ــ
الألفاظ:
(الأعمال): هي الأفعال التي تصدر عن الجوارح فتدخل فيها الأقوال والغالب أن الأعمال أخص من الأفعال، فهذه فيما كان عن قصد وغيره وتلك فيما كان عن قصد. (النية): هي القصد إلى الفعل. (الهجرة): الترك والمراد هنا مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة على الدين بالمنع من إقامته. (يصيبها): يحصل عليها. (ينكحها): يتزوجها.
التراكيب:
بالنيات يتعلق بمحذوف تقديره معتبرة، ودل هذا المتعلق الخاص ما جاء بعده من التفصيل بين الهجرتين والمقام الذي ألقى فيه الكلام، كما سنبينه في مورد الحديث. ونظيره في هذا التقدير قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه أي معتبر بهما.
стр. 55
والمرء بأدبه أي معتبر أو يعتبر به والباء سببية، وإنما للحصول والمحصور فيه هو الجار والمجرور، وما أفادته الباء من معنى السببية أي لا سبب تعتبر به الأعمال إلا النيات نظيره إنما زيد قوي بقومه أي لا سبب لقوته إلا قومه. فأفاد التركيب حصر اعتبار الأعمال في نياتها والمقصود بها لا في صورها وظواهرها. ولكل امرىء خبر ما نوى أي نواه قدم عليه ليحصر فيه بإنما فأفاد التركيب أن حظ كل عامل من عمله هو ما قصده أي عين ما قصده في كميته ومقداره دون ما لم يقصد. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي قصدا فهجرته إلى الله ورسوله أي وقوعا واعتبارا ففعل الشرط وجوابه لم يردا على معنى واحد، ومثل هذا يقال في الشرط الثاني وجوابه وذكر تزوج امرأة بعد دنيا يصيبها تخصيص بعد تعميم لأن ذلك الخاص هو سبب الحديث. واللام في الدنيا لام الأجل والعلة فتفيد أن طلب الدنيا أو طلب التزوج هو العلة الباعثة له دون قصد طاعة الله فلا يدخل فيه ما إذا كان الباعث هو الطاعة، وطلب هذه الأشياء، جاء على سبيل التبع.
سبب الورود:
قال القسطلاني: قد اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش. ولفظه: (عن أبي وائل عن ابن مسعود قال كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس).
стр. 56
المعنى:
إن أعمال الناس قد تشترك في صورها ومظاهرها، حتى لا يكون في ذلك فرق بينها، ولكنها بذلك التساوي الصوري الظاهري لا تكون متساوية في الاعتبار والحقيقة وما يتبعها من القبول والرد في نظر الشرع، فقد هاجر مهاجر أم قيس كما هاجر سائر المهاجرين. الجميع قد كان منهم مفارقة الديار وترك دار الكفر إلى دار الإسلام واللحوق بالنبي- ﵌ فالعمل عمل واحد قطعا ولكن القصد مختلف فقد كان قصدهم بهجرتهم طاعة الله ورسوله، وكان قصده بهجرته التزوج بأم قيس، فكانت هجرتهم واقعة عند الله تعالى موقعها محصلة لهم رضاه ومثوبته، وكانت هجرته لا موقع لها عند الله ولا حظ لها من ثوابه، وكانت معتبرة من عمله الدنيوي لا من عمله الديني، ومثله كل من قصد بهجرته غرضا من أغراض الدنيا ما حمله على الهجرة إلا هو. هذا معنى الجملة الأولى من الحديث الشريف.
وـ[معنى الجملة الثانية]ـ: أن الأعمال المعتبرة عند الله التي قصد بها طاعته تتساوى أيضا في صورها ومظاهرها ولكنها لا تتساوى منازلها في الاعتبار والقبول والمثوبة. بل تتفاوت حظوظ أصحابها في ذلك بحسب تفاوتهم في مقاصدهم منها، فيهاجر المهاجران- مثلا- كلاهما يقصد بهجرته طاعة الله ورسوله هذا لا يقصد إلا ذلك وذاك يقصد معه على سبيل التبع غرضا دنيويا من تجارة أو تزوج. فحظ الأول من هجرته هو طاعة الله ورسوله وحدها غير متبعة بشيء، وحظ الثاني هو الطاعة المتبعة بشيء. وثواب الأولى- قطعا- أعظم من ثواب الثانية، أو يكون أحدهما قصد الهجرة وما يكون معها من جهاد بالنفس والمال ومصاحبة النبي- ﵌-
стр. 57
وخدمته وصحبته والتفقه عليه وتكثير سواد أصحابه وعمارة مدينته. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله عظيم وثوابه كثير على حسب كثرة مقاصده وتنوعها، وحظ الثاني واحد وهو الهجرة، وثوابه عليها بالخصوص. وذلك على حسب قصده ونيته، ومثل هذين القاصدان للمسجد لأجل الصلاة واحدهما يقصد مع ذلك عمارة المسجد وحبس الجوارح على الطاعة وإرشاد الضال وتنبيه الغافل وتعليم الجاهل وتكثير الجماعة والتعاون على الخير بحضور مشاهده وبعث غيره على الاقتداء به فيه. والآخر لم يخطر بباله شيء من هذا. فحظ الأول من عمله وثوابه عليه أكثر بكثير من حظ الثاني وثوابه وإن كانا كلاهما في طاعة الله.
فالنيات والمقاصد كما تفرق بين العملين المتماثلين وتؤثر فيها بالقبول والرد وهو مقتضى الجملة الأولى -كذلك- تفرق بين العملين المقبولين وتؤثر فيهما باختلاف مقدار الثواب وحظ العامل منه وهو مقتضى الجملة الثانية وهذا أثر كبير للنيات في الأعمال.
الأحكام:
أفاد الحديث أن العمل الديني لا يكون مقبولا حتى تقصد به طاعة الله وإن من قصد به غير ذلك فعمله مردود عليه وأن أجر العامل يقل ويكثر على حسب نيته بعمله، وأنه يمكنه أن يقصد مقاصد كثيرة من الخير بعمل واحد، فيتضاعف ثوابه عليه بحسب نيته وإن لم يقع ذلك فعلا بعمله، كقصد إرشاد الضال في المسجد ولم يجده، أو تعليم الجاهل ولم يلقه، وقصد الجهاد من الهجرة ومات قبله، وأمثال ذلك كثيرة.
стр. 58
تفريع:
كما أثرت النية في الأفعال التعبدية بالقبول والرد أو بتفاوت الأجر، كذلك تؤثر في الأعمال المباحة، فإن المباحات في نفسها لا يثاب ولا يعاقب عليها ولكنها بالنية والقصد منها يدخلها ذلك وتلحق بما أريد منها إلحاق الوسائل بمقاصدها. فالمشي- مثلا- مباح وقد ينوي به الذهاب إلى التعلم فيصير عمل طاعة فيثاب عليه ولو لم يجد المعلم فلم يتعلم، وقد ينوي به الذهاب إلى السرقة فيصير عمل معصية فيأثم به وإن حيل بينه وبين ما قصد فلم يسرق وكذا سائر المباحات.
إرشاد وترغيب:
كما علينا أن نجتهد في تطهير أعمالنا من المخالفات وقصرها على الطاعات والمباحات -كذلك علينا أن نجتهد في طاعتنا أن تكون خالصة لوجه الله، وأن نبعد عنا كل خاطر يلفتنا إلى غيره حتى يسلم لنا القصد كله خالصا والعمل كاملا، أو يسلم لنا القصد الأول الذي هو شرط القبول، فإذا كان شيء آخر بعده يكون لاحقا وتابعا، وأن نتفقه ونتدبر بعد ذلك في نيتنا بطاعتنا فنوفرها ونستثمرها ونقصد بها ما حضرنا من وجوه الخير التي يمكن أن تقصد بها. وأن ننظر مثل ذلك في أعمالنا المباحة كأكلنا وشربنا ونومنا ومشينا وراحتنا ورياضتنا، فنقصد بها الاستعداد للطاعات والتقوى لفعل الخيرات وكل ما يمكن أن تؤدي إليه أو تعين عليه من معروف، فتصير أعمالنا المباحات من قسم الطاعات، فما أسعدنا حينئذ وما أعظم ثروتنا من الخير.
نحن لا نسلم من مخالفة وتقصير وفي ذلك علينا خسار كثير ولا يجبر ذلك الخسار إلا بسلوك هذا الطريق الشرعي القويم
стр. 59
فهلم أيها الإخوان في الله إليه، ففيه- والله- التجارة الرابحة، والحياة الناجحة وإرضاء الرحمن وإرغام الشيطان والسعادة في الدارين.
تنبيه وتحذير:
الأعمال إما طاعات لأنها مأمور بها وجوبا أو استحبابا وإما مخالفات لأنها منهي عنها تحريما أو كراهة، واما مباحات لأنها غير مأمور بها ولا منهي عنها. فالمخالفات بقسميها لا تقبلها النيات طاعات لأنها في نسمها غير عمل صالح ولأننا علمنا بالنهي عنها، أن قصد الشارع هو تركها وعدم وجودها، فقصد المكلف مضاد لقصد الشارع فكان ساقطا لا عبرة به ولا أهلية له لقلب الموضع الشرعي .. والطاعات بقسميها هي التي تؤثر فيها النية بالقبول والرد بحسب قصد الله بها وقصد غيره أو بتفاوت درجات القبول وبحسب المقصود على ما تقدم وهي المقصودة بالقصد الأول من الحديث.
والمباحات مثلها تؤثر فيها النيات فتقبلها طاعة أو معصية لأن الشرع لما أباحها علمنا أنه لا قصد له لا في وجودها ولا في عدمها من حيث ذاتها، فكان لقصد المكلف حينئذ سبيل إلى التأثير فيها.
وقد غفل عن هذه الحقيقة أقوام- عفا الله عنهم- فتراهم يستدلون على أعمالهم بقوله ﵌: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» قاصدين إلى تبريرها غير ملتفتين إلى كونها من قسم الطاعات أو المخالفات أو المباحات. وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذور لها وكالرقص وضرب الدف في بيوت الله وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات
стр. 60
ويتوكأون في ذلك كله على (إنما الأعمال بالنيات). كلا، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب فإن البدع كلها من قسم المخالفات وأن المخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات.
فحذار أيها الأخوان في الله من هذا الجهل الذي أدى إلى تحريف الكلم عن مواضعه وإلى المداومة على المنكر والفرح به، ونعوذ بالله- لنا ولجميع إخواننا المسلمين- أن نكون من الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسبُونَ أنَّهم يُحسنُون صُنعاً. ونسأله تعالى لنا ولإخواننا المسلمين أن نكون من الذين يرجون لقاء ربهم فيعملون الأعمال الصالحة ولا يشركون بعبادة ربهم أحدا (١).
стр. 61
مَجَالِسُ الْعِلْمِ
الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا .
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁:
>.
...
ــ
السند:
خرجه مالك وتلقاه من طريقه الأئمة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ﵃.
ألفاظ المتن:
الفرجة: الخلل بين الشيئين. أوى: أوى إلى منزله نزله واستقر فيه، وأوى إلى الله، لجأ إليه ودخل مجلس ذكره ومنزل أوليائه.
стр. 62
آواه: آنزله منزله وأدخله مسكنه، وآواه الله قبله وضمه إلى أهل مجلس ذكره وأناله ما ينيلهم من رحمته.
استحيا: الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان عند خوف ما يذم به أو يلام عليه فيمنعه منه فاستحيا هذا معناه امتنع من الذهاب كما ذهب صاحبه أو ترك المزاحمة في الحلقة. فاستحيا الله منه: ترك عقابه ولم يحرمه من ثواب. أعرض: التفت إلى جهة أخرى فذهب إليها. فأعرض الله عنه: حرمه من الثواب.
البيان:
كان النبي- ﵌ يجلس في المسجد النبوي لأصحابه ويجلسون إليه حلقة فيعلمهم القرآن والحكمة ويعظهم ويرشدهم، فجاء هؤلاء الثلاثة من طرف المسجد والنبي- ﵌ في حلقته، فأقبل اثنان وذهب الثالث، ودخل أحد الاثنين في الحلقة فسد فرجة وجلس الآخر خلف الحلقة، فلما فرغ النبي-﵌ من درسه أراد أن يعرف القوم بصنيع الثلاثة ليعلموا حكم عمل كل واحد منهم في الشرع، فبين لهم أن الأول نال الأجر والمدح بإقباله على مجلس العلم وسده الفرجة، وأن الثاني سلم من الذم ولم يكن له من الأجر ما للأول، وأن الثالث حرم من الأجر وتحمل الملامة.
تحرير:
فسر الإعراض بالغضب والسخط، وفسرناه بالحرمان من الأجر مع الملامة -لأن ترك الإتيان ليس تركا لواجب حتى يستوجب صاحبه الغضب والسخط الذي من مقتضاه الإثم، بدليل أن النبي- ﷺ لم يمنعه من الذهاب، ويؤيد تفسيرنا ما جاء عن أنس عند الحاكم، ولفظه (فاستغنى فاستغنى الله عنه)
стр. 63
وهذا ظاهر أن معناه لم يقبل على ما فيه أجر وثواب فلم يعط أجرا ولا ثوابا.
وفسر بعضهم استحياء الثاني بأنه لم يدخل للحلقة وفسره آخرون بأنه استحيا من الذهاب عن الجلس، والتفسير الثاني أرجح، لأن سد الفرجة مطلوب فلا يمدح بالاستحياء منه. ولأنه جاء في رواية أنس عند الحاكم (ومضى الثاني قليلا ثم جاء فجلس). وهذا نص في المراد.
الفوائد والأحكام:
الأولى: الجلوس في المساجد حلقا للتعلم والتعليم.
الثانية: تعليم الناس ووعظهم وإرشادهم في المساجد، وهذان مما أجمع عليه المسلمون في جميع الأعصار والأمصار وجرى عليه عملهم وعلم بالضرور عندهم فلا يتعرض لهم فيها إلا ظالم من شر الظالمين، له في الدنيا خزي وله في الآخرة عذاب عظيم.
الثالثة: التحليق للعلم وتنظيم الحلقة وسد فرجها فهي في ذلك كصفوف الصلاة فيجوز التخطي لسد الخلل كما فعل الأول ويجلس خلفها إذا لم يكن موضع فيها كما فعل الثاني.
الرابعة: فضل الإقبال على مجالس العلم وكراهة الإعراض عنها إلا لعذر.
стр. 64
الخامسة: بيان أحكام الأعمال التي تقع أمام الناس حين وقوعها ليرسخ علمها ويتعظ بما فيها.
السادسة: لوم من زهد في الخير ولم يحرص عليه وإن لم يكن ذلك الخير من الواجبات عليه في تلك الحال.
إهتداء:
إن من يؤمن بأنه يحاسب على مثاقيل (١) ذرة من أعماله لا يكون إلا حريصا على الخير أقل القليل منه، ومن شأن الحريص على الخير أن يسارع إليه ويسابق فيه فلا يرى موطنا يشغله بين أهله إلا ملأه ولا نقصا يمكنه تكميله إلا كمله حتى إذا سبق إلى خير وقف عندما حصل وكان له بنيته أجر من سبق. فهذا المجلس النبوي الكريم مثله في المعنى جميع مواطن الخير ومشاهد الفلاح. بصرنا الله بالخير وحببنا فيه وأعاننا عليه وجعلنا من أهله (*).
стр. 65
تَعَلُّمُ اللُّغَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا .
>. رواه الترمذي وحسنه ورواه غيره
ــ
لما نزل النبي- ﵌ بالمدينة مهاجرا، كان بها وبضواحيها مع الأوس والخزرج- ﵃ اليهود، فأقرهم النبي- ﵌ وكتب بينه وبينهم عهدا، وكانت الكتب تدور بينه وبينهم في الشؤون والمصالح من الطرفين. فكانوا يكاتبونه بالخط العبراني، كانت لغتهم العربية، ولكنهم كانوا يكتبون بالخط العبري، فأمر النبي- ﵌ كاتبه زيد بن ثابت- ﵁ أن يتعلم الخط العبري، ليكتب له إليهم، ويقرأ له ما يرد عليه منهم، فيكون على يقين من كلامهم إليه، وبلوغ كلامه إليهم، وما كان ليحصل له هذا اليقين- وهم ليسوا بمحل الثقة- لو تولى ذلك واحد منهم، فقد لا يكتب عنه كل ما يقوله لهم وقد لا يقول له كل ما كتبوا إليه، فتعاطى زيد تعلم الخط العبراني، فما مضى عليه نصف شهر حتى حذقه، وتولى الكتابة عن النبي- ﵌ والقراءة له.
стр. 66
الفوائد والأحكام:
الأولى: كل قوم تربط بينهم المصالح لا بد لهم من التعاون، ولا يتم التعاون إلا بالتفاهم، والتفاهم بالمشافهة والكتابة، فعلى القوم المترابطين بالمصلحة أن يفهموا بعضهم لغة بعض وخطه. وبقدر ما تكثر الأقوام المترابطة بالمصلحة تكثر اللغات والخطوط ويلزم تعلمها، لأن العلة هي الحاجة. وسواء كانت المصلحة التي تربط الأقوام عمرانية أو علمية، لأن المصلحة من حيث هي مصلحة محتاج إلى تحصيلها، والنبي- ﵌ أمر زيدا بتعلم الكتابة لأن اللغة كانت عربية، ولو كانت لغة أخرى لأمره بتعلمها لعلة الحاجة، والحكم يدور مع العلة، وقد جاء عن زيد من طريق أخرى- ذكرها الترمذي- أن النبي- ﵌ أمره أن يتعلم السريانية. فنحن اليوم وقد ربطت بيننا وبين أمم أخرى مصالح، علينا أن نعرف لغتهم وخطهم، كما عليهم هم أن يعرفوا لغتنا وخطنا.
الثانية: هذه السنة أصل في اتخاذ الكتبة والتراجمة في الدولة، وما يشترط فيهم من العلم والأمانة.
الثالثة: كان في إمكان النبي- ﵌ أن يكاتبهم بالخط العربي، ويلزمهم أن يكاتبوه به، ولكن تسامح الإسلام واحترامه لمحترمات الأمم في دينهم وقوميتهم قضيا بترك اليهود يكتبون ويكاتبون بخطهم، فأقرهم النبي- ﵌ على ما أرادوا، وكلف هو من تعلم خطهم، وتركها لاتباعه سنة بعده.
стр. 67
الرابعة: هذه السنة أصل في ضبط أمور الدولة بالكتابة فيما يصدر عنها وفيما يوجه إليها. ومثلها ضبط كل المعاملات، فهي أصل في التسجيل على العموم. وهكذا تجد سنة النبي- ﵌ إذا تتبعتها- قد قررت - بالفعل- أصولا كثيرة من أصول المدنية والعمران، ولهذا كان على قاريها أن يتناولها للفهم والاستنباط والتطبيق على الأحوال (١).
стр. 68
لَا لَوْمَ عَلَى مَنْ صَدَقَ الْمَتَابَ
مُحَاجَّةُ آَدَمَ وَمُوَسَى ﵉ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ- ﵌ قَالَ: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ». رواه الأئمة.
...
ــ
تمهيد:
الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بعد موتهم الدنيوي أحياء حياة برزخية روحية أسمى وأرقى من حياة غيرهم بمقتضى كمالاتهم ومقاماتهم، فتتلاقى أرواحهم في العالم العلوي القدسي ويكون بينهما التعارف والتخاطب، وعلى هذا الوجه وقعت هذه المحاجة بين آدم وموسى ﵉. وقصها علينا النبي- ﵌ لنستفيد ما فيها من العلم ونقتدي بما فيها من عمل.
الألفاظ:
تحاجَّ: تنازعا وذكر كل واحد حجته، فحج آدم موسى: غلبه في الحجة. أغويت الناس: أضللتهم أي كنت سببا في إخراجهم
стр. 69
إلى الأرض فأغوتهم وأضلتهم الشياطين. وأخرجتهم: أي كنت سببا في إخراجهم بأكلك من الشجرة. علم كل شيء: أي مما يحتاج إليه في
هداية الناس. واصطفاه على الناس: من غير المرسلين. قدر علي أي سبق به علم الله ومضت به إرادته في الأزل.
المعنى:
إلتقى هذان النبيان الكريمان التقاءً روحيا في العالم العلوي، فوجه موسى إلى آدم لومه على ما كان منه من الأكل من الشجرة والمخالفة مما أدى إلى إخراجه من الجنة فنسل ذريته بالأرض فكان سببا في خروجهم إليها وتمكنت منهم الشياطين في دار التكليف فأغوت وأضلت من أغوت وأضلت منهم وكان ذلك كله بسببه.
فدفع آدم هذا اللوم بأن ما كان منه كان مقدرا عليه قبل أن يخلق. فلا لوم عليه فيه إذ لا دخل له في التقدير، وعرض آدم لموسى بأنه ما كان ينبغي له أن يكون منه هذا اللوم على المقدر مع علو مقامه بالعلم والاصطفاء, فغلب آدم موسى وقامت حجته عليه.
بسط وبيان:
دلت الأدلة القطعية أن ما يكون من العبد سبق به علم الله ومضت به إرادته وكتب عليه قبل أن يخلق: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ كما دلت الأدلة القطعية على أن الإنسان مؤاخذ بعمله ملوم عليه لما عنده من التمكن وما له من الاختيار ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وأنه لا مؤاخذة
стр. 70
عليه بعد التوبة ولا لوم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
وآدم ﵇ كانت منه المخالفة على التأويل وتاب الله عليه، وكل ذلك قد كان في حياته فلم يبق عليه لوم بعد ذلك المتاب. فلما لامه موسى لم يكن سبب اللوم من ناحيته- وهو المخالفة- قائما لزواله بما كان من التوبة، ولم يبق إلا التقدير السابق وهو لا دخل له فيه فكيف يلام، فقلت حجته على موسى بسبب انعدام ما يوجب عليه اللوم وهو المخالة فكان لوم موسى في غير محله.
دفع شبهة:
قد احتج آدم بالقدر السابق فنهضت حجته. فهل يحتج كل مخالف بالقدر السابق فتنهض حجته؟ كلا: فإن الأدلة القطعية المتقدمة تمنع من ذلك منعا قاطعا. والتحقيق أن المخالف له حالتان:
حالة التوبة الصادقة التي أسقطت المؤاخذة وهذه هي حالة آدم التي احتج فيها فنهضت حجته.
وحالة عدم التوبة وهذه لا حجة فيها بالقدر لوجود المؤاخذة بالعمل المكتسب. وآدم وإن لم يذكر توبته بمقاله فهي مفهومة من حالة معروفة مما أنزله الله من كتبه على موسى وغيره.
دفع شبهة أخرى:
فإذا كان آدم لا لوم عليه لسقوط المؤاخذة بالتوبة فكيف لامه موسى؟ والجواب: أن موسى لا يجهل هذا ولكنه غفل عنه أو غفل عما كان من آدم من التوبة، وتجوز عليه الغفلة وهو
стр. 71
ليس في دار التكليف ولا في مقام التبليغ. فلما ذكر آدم دليله ذكر موسى ما غفل عنه فسلم.
إقتداء:
المناظرة في العلم والدين والمحاجة بالحق عن الأصول الشرعية والكمالات الإنسانية لا يتعالى عنها كبير لكبره، ولا يحتقر فيها صغير لصغره، فالحق هو الحق على أي لسان ظهر، والحجة هي الحجة من أي ناحية قامت، وعلى هذا الأصل حاج موسى آدم وهو أبوه.
ومن حق المناظر أن يذكر كل ما يراه من الحجة الحقة لإثبات قوله ولو كان فيه ثقل على خصمه، وعلى هذا الأصل نسب موسى لآدم الإغواء والإخراج -وإن لم يكن من فعله- لأنه متسبب عنه.
ومن الواجب على من لاح له الحق في حجة خصمه أن يسكت ويسلم. فقد علمنا أن النبيان الكريمان كيف يعتمد على الحجة في البداية وكيف يخضع لها في النهاية والقدوة هما صلى الله وسلم عليهما (١).
стр. 72
السنة
مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي
قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».
...
ــ
السند:
رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومسلم يحيى عن ابن يحيى عن مالك.
المتن:
روي بوجهين ثابتين، الأول فهو أهلكهم برفع الكاف: اسم تفضيل، والثاني بفتح الكاف فعل ماض.
الألفاظ:
الهلاك: الاستحالة إلى الفساد وذهاب حالة الصحة والاستقامة التي تصدر عنها الفوائد، ويكون بها الاستعداد، يقال هلك زيد إذا مات، وهلك الطعام إذا تغير واستحال فهلاك الناس فسادهم في أحوالهم بفساد عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم وذلك
стр. 73
عنوان ذهابهم واضمحلالهم. وأهلكُهم على الوجه الأول: أشدهم هلاكا، وعلى الوجه الثاني: أوقعهم في الهلاك.
المعنى:
ـ[على الوجه الأول]ـ إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يعيبهم وينقصهم ويحقر من أمر جماعتهم فقد صار بذلك أعظم هلاكا منهم لارتكابه معصية كبيرة تعدت إلى غيره وعمتهم وهي معصية الكبر الذي هو احتقار المرء من عداه، فهذا قد تكبر على جميع الناس فكان عظم هلاكه على حسب عظم معصيته بهذا العموم في الكبر والاحتقار.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يثبطهم ويقنطهم فهو بذلك التثبيط والتقنيط أيأسهم من رحمة الله وصدهم عن الرجوع إليه وبالتوبة ودفعهم إلى الاستمرار فيما هم عليه، فأوقعهم بكلمته تلك في الهلاك: هلاك البؤس والقنوط والاندفاع في الشر.
الأحكام:
ـ[على الوجه الأول]ـ لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهراً بينهم فاشيا فيهم لأنه حكم بدون علم. وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم. هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ لا يجوز لمن رآى الناس في حالة سيئة أن يقنطهم من رحمة الله وإمكان تدارك أمرهم واصلاح حالهم. هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم
стр. 74
في ظاهر أكثرهم وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدهم وتثبيطهم عن التوبة والأخذ بأسباب الإصلاح.
توجيه:
كان الحديث الشريف مفيدا لعدم الجواز لما ذكر -لأنه سيق مساق الذم لهذا القول ووصف قائله بأنه أعظم الناس هلاكا أو أوقع الناس في الهلاك وما أدى إلى أحد هذين لا يكون إلا ممنوعا.
ويؤيد هذا الحديث في المنع الأدلة الدالة على منع الحكم بدون علم. وظن السوء بالناس وتحقيرهم وتقنيطهم عن الخير وصدهم عنه.
تقييد وتعميم:
قد يقول الإنسان هلك الناس إشفاقا عليهم وتحزنا لما هم فيه فلا يكون مثل من قاله تحقيرا وتقنيطا، غير أنه يبقى في عبارته ذلك التعميم الذي هو حكم بغير علم. مع ما توقعه هذه العبارة من القنوط -خصوصا إذا تكررت- ولو لم يقصده القائل، فلا ينبغي أن تقال هذه العبارة ومثلها من كل ما يفيد هلاك جميع الناس.
الآداب:
ـ[على الوجه الأول]ـ على من يريد أن يرشد المسلمين ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة لا بعين الزراية والاحتقار.
стр. 75
فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء واستقصاء أنواع العلاج. بخلاف الزاري المحتقر فإنه يترفع بنفسه عن الناس ويتركهم فيما هم عليه، وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره من استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله أو على إتقان القليل منه.
على أن الشفوق تشعر نفوس الأمة منه بتلك الشفقة فتقابله بمثلها وبالامتثال لما يأتيها منه لمعالجتها واثقة منه بنصحه منقادة لإرشاده راجية نيل الخير على يده، والزاري المحتقر تشعر منه الأمة بذلك فتقابله بمثله وتنقبض نفوسها عنه وتقوي ريبتها في قوله وفعله وقد تصارحه ببعضه فتؤدي الحال بينهما إلى العداوة والمقاطعة. ويكون خيرا له لو تركهم من أول الأمر وشأنهم.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ على مرشدي المسلمين أن يعانوا أدواءهم بالعلاجات النافعة ويشخصوها لهم عند الحاجة بالعبارات الرقيقة المؤثرة، في رفق وهوادة مجتنبين كل ما فيه تقنيط أو تثبيط. وأن يعرفوهم بأنهم- وإن ساءت نواح من أحوالهم- فهنالك نواح ما تزال صالحة. وهنالك علاجات من الإسلام قريبة ناجعة، وأن يعرفوا ما فيهم من فضائل وما لهم من مجد، وما لهم بهذا الإسلام من قدر وعز ليثيروا فيهم النخوة ويبعثوهم على العمل والخير. وإذا ذكروا لهم سيئاتهم ذكروا لهم قرب السبيل إلى النجاة منها بالإقلاع عنها فيسرعون بالتوبة والإنابة.