ولما كانت سيرته من بدايتها إلى نهايتها هي المثال الصادق للشريعة كلها والسفر الجامع للدين الإسلامي كله. ختم كتابه بهذا الحديث المشتمل على هذه الأسماء المتضمنة لها. وهو كالتحصيل بعد التفصيل.
ونكتة أخرى وهو أن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل لذلك كله هو حياة محمد- ﵌ في سيرته الطيبة، فهذا الحديث بعد ما تقدمه من الكتاب كله مثل الغاية من الوسيلة.
فسيرته- ﵌ هي الجامعة لمحاسن الإسلام والغاية لكل كمال.
ومن أبدع المناسبة لختم الكتاب أن كان آخر هذه الأسماء الشريفة هو العاقب، والعاقب هو الخاتم، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الآل والتابعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم - سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 317
الإحتفال بختم الموطأ
بقلم الأستاذ
الشيخ الجيلاني بن محمد
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إستهلال:
وبعد. فإن من دواعي الغبطة والسرور وبواعث البهجة والارتياح أن أزف إلى المسلمين كافة وإلى أبناء الوطن العزيز خاصة هذه البشرى الجليلة والمفخرة الخالدة بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لموطأ إمام الأئمة ومستودع الشريعة مالك بن أنس ﵁ بعد ما قضى في خدمته وهداية الأمة به درسا بضع عشرة سنة بعمل متواصل وجد جاد يحرر أسانيده ويعزز مسانده ويرفع مراسله ويستجلي أسراره ويكتسح به غيوم البدع وضلال العقائد، فهذب العقول وطهر النفوس وحرك الهمم وقوى العزائم وأفعم الصدور بأنوار السنة المحمدية. فانزاحت دياجي الجهل وشبه الضلال وعوارض الغفلة وعوامل الجمود واستفاقت الأمة من سباتها العميق على ضوء السنة الوهاج فاندفعت تعمل لصالح الدارين ورائدها كتاب الله وسنة رسول الله وهدي السلف الصالح.
стр. 318
ويسرني جدا أن أزف هذه البشرى الثانية بختم الحديث الشريف إلى القراء الكرام بعد أن يكون قد استقر في أيديهم العدد الخاص من "الشهاب" يحمل بين جوانحه البشرى الأولى بختم تفسير القرآن العظيم مدبجة أصوله ومحررة فروعه بيراع العالم العلامة أديبنا الأكبر وكاتبنا البليغ الأشهر الأستاذ البشير الإبراهيمى فهي بشرى على بشرى وخير يقفوه خير وفتح بعد فتح ونهوض بكتاب الله وسنة رسول الله يستتبع - إن شاء الله - نهوض الأمة وتقدمها ماديا وأدبيا إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. فما أعظمها من منة وما أسبغها من نعمة.
كان ختم الأستاذ الجليل- حفظه الله - للموطأ لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الثاني عام ١٣٥٨ - الموافق لفاتح جوان ١٩٣٩ وكان الاحتفال به رائعا وطيب حديثه في الحواضر والبوادي ذائعا، وأريج عرفه في المجالس والنوادي متضوعا.
وسيرى القارئ وصف هذا الاحتفال العظيم فيما بعد إن شاء الله.
إن من أراد أن يصلح أمة قد عششت في أذهانها البدع، وامتصت قوتها العقلية أدواء الجهل الفتاك، والتهمت حرياتها سلطات المستبد، وأثقلت عاتقها فوادح الخطوب، يجب عليه- قبل كل شيء- أن يعتام لعلاجها أنجع الأدوية وأقوى المراهم رتقا لكلومها، ولا دواء أنفع لأمة هذه علتها، وهذا مرضها من معالجتها بكتاب الله، وتضميد جراحاتها بسنة رسول الله، فهما ترياق كل علة وبلسم كل مرض.
وقد ظهرت على الأمة الجزائرية- والحمد لله- علائم الشفاء وطلائع الإبلال وبوادر الصحة بعد ما قضى هذا الحكيم النطاسى
стр. 319
في معالجتها بكتاب الله وسنة رسوله، ردحا من الدهر بذل فيه جهده وروحه، يتتبع هذه الأدواء ويتقصاها في كل حاضرة وفي كل قرية، في كل سهل وفي كل جبل، يقتل البدعة ويحيى السنة، يطارد الجهل ويحارب الأمية، يميت اليأس من النفوس ويبعث فيها الأمل، يغشى البلدة أو القرية وقلوب أهلها متفرقة وأهواؤها متشاكسة وآراؤها متضاربة فلا يبرحها إلا والقلوب مجتمعة، والأهواء متحدة، والآراء متعاضدة، شعارها الوحيد قوله جل شأنه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
ولعل أبلغ الظواهر دلالة يقظة الأمة وتفشي روح النهوض في أفكار أبنائها وسريان الهداية النبوية فيها. ذلك التطور الفكري الذي نراه يزداد يوما فيوما بالرغم من العراقيل المنصوبة في سبيله والسدود المضروبة لإيقافه. ولكنه تيار إلهي قوي فاض على النفوس لا يمكن إيقافه- إن الله بالغ أمره- ولو كره الكافرون.
فختم كتاب الله وسنة رسول الله في هذه الديار التي حل فيها الطارئ محل الأصلى، والسالب محل الكاسب، والدخيل محل الأصيل، على ضرب من الأسلوب يشرح -بحق- فصول الحياة المعقدة للأمة ويوضح لها مناهج السلوك ويأخذ بيدها في طريق لاحب وصراط سوي. هو ختم مؤذن بختم عصر الجمود والركود وإقبال عصر النهوض والتقدم.
الحديث الشريف هو المصدر الثانى- بعد كتاب الله- للتشريع الإسلامي وهو البيان الشافي والتحليل الفلسفي لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
وتبيينه يكون بأقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته، فالصد عن الحديث صد عن الذكر الحكيم والانحراف عنه إنحزف عن شرعة القرآن الكريم.
стр. 320
ولقد نال الحديث الشريف من الحيف والإعراض ما نال القرآن العظيم فقد انصرف الناس عنه انصرافهم عن القرآن وضلوا متشبثين بكتب ملئت بالأقوال الجدلية والمماحكاة اللفظية والألغاز التركيبية التي لا تجدي نفعا.
وبعد فإن الموطأ الذي نحن بصدد الحديث عنه هو من أصح كتب الحديث وأعمها نفعا لما اشتملت عليه من صحيح الأخبار وبالغ الآثار. قال الشافعي ﵁: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك". وفي لفظ: "ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك" - ولاحظ أنها شهادة الشافعي- وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: (الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي) وقد شمله مالك ﵁ بعناية عظيمة واحتفاء كبير فأجال فيه يد التهذيب والتنقيح حتى أخرجه على هذا الأسلوب العجيب والشكل الجميل من حسن الترتيب وسهولة التعبير وإتقان الوضع وإجادة الصنع وصحة الخبر وغزارة الأثر ذكر ابن الهباب أن مالكا ﵀ روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويتخير بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال سليمان بن بلال: "لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث أو أكثر ومات وهي ألف حديث ونيف يخلصها عاما فعاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين".
وقال سعدون الورجيني من قصيدة في فضل الموطأ:
فبادر موطأ مالك قبل فوته ... فما بعده - إن نات- للحق مطلب
стр. 321
ودع للموطأ كل علم تريده ... فإن الموطأ الشمس والعلم كوكب
هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه ... ولم لا يطيب الفرع والأصل طيب
هو العلم عند الله بعد كتابه ... وفيه لسان الصدق بالحق معرب
لقد أعربت آثاره ببيانها ... فليس لها في العالمين مكذب
هذه شذرات من كلام الأئمة نظما ونثرا في فضل الموطأ تبين لنا أنها أعظم كتاب في السنة الشريفة وأجل تراث خلفه لنا مالك ﵁ وجزاه عن الإسلام خيرا. فخدمة هذا الكتاب خدمة لكتاب الله ونشر لهداية رسول الله وتعميم لما انطوى عليه من خيرات وأسرار بين المسلمين. وقد قام بهذا العمل الجليل وفاز بهذا الأجر الجزيل أستاذنا الجليل عبد الحميد بن باديس رعاه الله وجزاه بأحسن ما يجازى به عباده المخلصين.
أسلوب الأستاذ الحكيم في التدريس:
الأساليب ثلاثة: أسلوب علمي، وأسلوب خطابى، وأسلوب أدبي، وأبرع الناس فصاحة وأقواهم عارضة وأبلغهم تأثيرا في النفوس وأشدهم أخذا بمجامع القلوب وأقدرهم استيلاء على العقول الجامحة والأهواء المستعصية. في رزق المقدرة على هذه الأنواع ووهب ملكة التمييز بينها والاقتدار عليها فكان أسلوبه في التدريس غير أسلوبه في الخطابة وأسلوبه فيهما غير أسلوبه في الأدب، ثم كان في كل واحد من الثلاثة أقدر على التعبير وأمهر في التصوير وأحذق في التقرير، فلا تعجزه عبارة ولا يفوته مراد.
стр. 322
والأستاذ الحكيم رجل آتاه الله ما كان به موصوف تلك الصفات ومنعوتها ومبتدأها وخيرها. يصوغ المعاني الغزيرة في الجمل القليلة النبيلة قد خرجته بلاغة القرآن وفصاحة الحديث والجيد من كلام العرب منظومه ومنثوره.
من أبرز صفاته في التدريس- بل وفي الحديث المعتاد- العربية الفصحى فلا يجنح للعبارات العلمية ليستعين بها ولا الكلمات الدورية التي يعتادها بعض المدرسين في كلامهم.
وأما أسلوبه في التفسير والحديث فهو بأسلوب الأستاذ الإمام محمد عبده أشبه وإليه أقرب وأبرز ميزاته فيهما التطبيق والتحقيق وسوق العبر وصوغ العظات.
وصف الحفلة الرائعة بختم الموطأ:
قبيل الاحتفال وجهت مراسيم الدعوة الخاصة للعلماء والأدباء والأعيان من عمالة قسنطينة مصحوبة ببيان الزمان والمكان، وتألفت لجنة أدبية للنظر في شؤون الحفلة وكانت متشكلة من: الأديب الناشط السيد أحمد بوشمال مدير مجلة (الشهاب) الغراء، وأساتذة مدرسة التربية والتعليم، وكاتب هذه السطور وفي قاعة مكتب المدرسة قررت اللجنة برنامجها الأدبي مساء يوم الاثنين على الساعة الثامنة.
وما كادت الشمس تجنح للغروب أصيل يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الثانى حتى تقاطرت وفود الدعوة على مدرسة التربية والتعليم المحروسة حيث وجدوا إخوانهم لقسنطينيين ينتظرون قدومهم السعيد بمزيد التشوق، فتهللت الوجوه، وتفتحت الشفاه ببسمات المودة واللقاء، ونطقت الألسنة بالتحيات المباركة والترحيبات القلبية، وتعانقت الأرواح قبل الأشباح، وتكاملت الوفود في المدرسة. وبعد أداء صلاة المغرب انبرى أهالي
стр. 323
قسنطينة المضاييف الكرام يتنافسون في تكريم ضيوفهم- كما هي عادتهم- فذهبوا بتلك الوفود الكريمة النازلة على الرحب والسعة إلى بيوتهم لتناول وجبة العشاء. وما كاد مؤذن العشاء يعتلي المنار حتى تكاملت تلك الوفود المكرمة في الجامع الأخضر المعمور حيث يؤدون صلاة العشاء ويسمعون بعدها درس الختم من الأستاذ الحكيم. وبعد الفراغ من الصلاة وضع كرسي الدراسة في وسط الجامع وحلق حوله الوفود والمستمعون وانتظمت الصفوف الأمامية من العلماء والأدباء. ولما اتسقت قلائد الحلقات واكتمل نظام الصفوف وعلت السكينة وساد السكوت كأن على الرؤوس الطير، طلع الأستاذ من مقصورته كالبدر ليلة تمامه في موكب من الجمال الإلهي والجلال النبوي، فاشرأبت الرؤوس لطلعته المباركة وتطلعت النفوس وخفقت الأفئدة في الصدور خفقة السرور فاعتلى كرسي الدراسة وأنشأ ينتشر على مستمعيه الكرام تلك الدرر الغالية والحكم البالغة بفصاحة نادرة وبلاغة ساحرة ونبرات موسيقية تمتزج بالأرواح امتزاج الماء بالراح، فهز النفوس بعظاته (الحسنية) وخلب العقول بتحقيقاته العلمية وأبحاثه النفيسة.
إستغرق في الدرس نحو ساعة ونصف مرت كلمح البصر من شدة فناء الأرواح في لذة الدرس وأغرق النفوس في الإصغاء - واللذائذ الروحية أوسع من الزمن- وختم الأستاذ درسه بدعوات مأثورة وتلى على الحاضرين آخر ما كتب بنسخة الموطأ اليدوية الأثرية فبين أنها مكتوبة بخط صاحبها في القرن السابع الهجري فيما أظن-.
ولما انتهى الدرس وصداه يتردد في النفوس ومعانيه السامية تملأ فضاء القلوب، أمر الناس بالجلوس في أماكنهم فقدمت إليهم صحون الزلابيا التي تبرع بها الكريم الخير المفضال السيد
стр. 324
الحاج حموش، فتناولوها شاكرين مسرورين هاتفين بحياة العلم والعلماء.
ثم بالغ القسنطينيون الكرام في الحفاوة والتكريم فتقدموا لسائر الحاضرين بمضخات ماء الزهور فضمخوا الجميع حتى عبقت الروائح وامتزج مسك الختام بطيب الوئام. ثم خرجت تلك الجماعات المباركة- وعبارات الشكر والثناء- ملء الأفواه- تتهادى في انهج المدينة الجميلة قاصدة مدرسة التربية والتعليم المرعية حيث تجدها مفتحة الأبواب مهيأة الأقسام مفسوحة الردهات والجوانب مزينة بالأضواء تتوسط هالتها الجميلة ثريا كهربائية عظيمة قلبت ليلها نهارا وجدرانها نضارا هنالك- وقد ذهب الهزيع الأول من الليل- أقيمت للوفود الكريمة حفلة أدبية شيقة هدرت فيها شقاشق الخطباء وصدحت بلابل الشعراء وسالت فيها أحاديث الأنس الممتعة، وكان المشرف على الحفلة كاتب هذه الجمل بإلحاح من زميله الأديب السيد أحمد بوشمال فصعد منبر الخطابة وارتجل كلمة وجيزة باسم طلبة الجامع الأخضر المعمور رحب فيها بالزائرين، ونوه بأعمال الأستاذ الجليلة وأياديه البيضاء، ثم أخذ يقدم إخوانه الخطباء والشعراء واحدا فواحدا فتقدم الأديب السيد محمد الغسيرى الأستاذ بالمدرسة المذكورة فألقى خطبة بارعة هز بها النفوس هزات وأثار حماسها كرات، وتلاه الأديب السيد محمد الصالح رمضان الأستاذ بالمدرسة المذكورة أيضا فألقى قصيدة كلها عيون بعد ما مهد لها بكلمات كلها شذرات، ثم تلاه الشاب الظريف الأديب السيد محمد الطاهر الورتلاني فألقى خطبة نفيسة شنف بها الأسماع وأمتع النفوس، ثم تلاه الأستاذ عمر بن البسكري المدرس بمدرسة الفتح بسطيف فألقى قصيدة رنانة أعيد بعض أبياتها لمزيد حسنها، ثم تلاه خفيف الروح الأستاذ الأديب
стр. 325
عباس بن الشيخ الحسين فارتجل خطابا حماسيا أثار به كوامن الحماس في النفوس ثم تلا الجميع العالم العلامة المؤرخ الكبير الأستاذ مبارك الميلى مدير جريدة "البصائر" الغراء فارتجل خطابا بليغا قارن فيه بين مكانة العلماء من نفوس العامة اليوم ومكانتهم من نفوسها بالأمس أعني قبل الإصلاح وبعد الإصلاح، فجاء بتحقيقات جليلة وتعليلات صائبة وأبحاث دقيقة، شأنه في كل المواضيع فأجاد وأفاد وكان المتتظر أن يكون خاتمة الخطباء لكن قام بعده التلميذ النجيب السيد محمد المديني فارتجل كلمات حماسية حمل فيها على قانون ٨ مارس المشؤوم وما شاكله من قوانين الظلم والغطرسة، وتلاه الأخ البصيري فارتجل كلمات نفيسة هي إلى الفلسفة الروحية أقرب، ثم ختمت الحفلة بكلمة شكر وتقدير من كاتب هذه السطور ثم وزعت المشروبات على الحاضرين.
هذه صورة مصغرة لهذه الحفلة الرائعة ولو صادفت قلما سيالا وفكرا فسيحا لأبرزها في أبهى حللها وأجمل مناظرها.
стр. 326
المصلحون والسنة
تقوم الدعوة الإصلاحية على أساس الكتاب والسنة فلا جرم كان رجالها من المعتنين بالسنة القائمين عليها رواية ودراية الناشرين لها يين الناس ومن عنايتهم تحريهم فيما يستدلون به ويستندون إليه منها فلا يجوز عليهم إلا ما يصلح للاستدلال والاستناد ولا يذكرون منها شيئا إلا مع بيان مخرجه ورتبته حتى يكون الواقف عليه على بينة من أمره مما لو التزمه كل عالم- كما هو الواجب- لما راجت الموضوعات والواهيات بين الناس فأفسدت عليهم كثيرا من العقائد والأعمال. ونحن ننشر إثر هذا حوارا دار بين مصلحين يدل على ما ذكرناه في المصلحين من الاعتناء والتحرير:
ميلة في ١٥ رمضان ١٣٥٤ه
...
المعلم النصوح والمتعلم البحاثة الأخ الشيخ الفضيل الورتلاني السلام عليكم ورحمة الله. منذ يومين وقع بصري في خاتمة الجزء الأول من الحاوي للفتاوي فتاوي السيوطي على هذا الحديث:
روى الحاكم في المستدرك وصححه والبيهقى في شعب الإيمان عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، يعنى النساء، وعلموهن الغزل وسورة النور».
стр. 327
فذكرت أنك كنت سألتني عنه فلم تجد عندي علما به. واليوم لما وقفت عليه ورأيت أن الحاكم صححه ظهر لي أن أبحث عنه.
فإن الحاكم على جلالته في علم الحديث لا يعول كثيرا على تصحيحه حتى أن النقاد قالوا لو لم يؤلف المستدرك لكان خيرا له.
طالعت فهرست كتاب "حسن الأسوة فيما ثبت من الله ورسوله في النسوة" لصديق خان فلم أجد مبحثا يناسب هذا الحديث. وتتبعت خاتمته التي خصها لذكر الأحكام الخاصة بالمرأة. فلم أجد هذه المسألة. ورجعت إلى التفاسير. فوجدت البغوي قد روى آخر سورة النور هذا الحديث بسنده إلى محمد ابن إبراهيم الشامي قال حدثنا شعيب بن اسحق عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة. فذكره.
هنا رجعت إلى ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي لأتعرف هل في هذا السند ضعفاء. فألفيته يذكر في ترجمة محمد ابن إبراهيم الشامي عن الدارقطني أنه كذاب. وعن ابن عدي أن عامة أحاديثه غير محفوظة وعن ابن حبان أنه لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار كان يضع الحديث. ثم خرج له أحاديث منها حديثه عن شعيب ابن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. فذكره كما أورده السيوطي إلا قوله يعني النساء.
والظاهر أن الحاكم رواه من طريق هذا الشامي لأنه لو كان له متابع في هذا الحديث لم يورده الذهبي في ترجمته ولم يصح قول ابن عدي أن عامة أحاديثه غير محفوظة. ولو كان عندنا المستدرك لاسترحنا من هذا الخرص. وبعد فلنكتف بما لدينا ولا نقف ما ليس لنا به علم. والسلام عليكم من أخيكم "مبارك بن محمد الميلى".
стр. 328
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ــ
رسالة شكر وتقدير
حضرة الشيخ عبد الرحمن شيبان
وزير الشؤون الدينية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد؛
فقد تلقى الشعب الجزائري كتاب "مجالس التذكير" بابتهاج واغتباط.
وإني -باسمي الخاص ونيابة عن أسرتنا- أشكر لوزارتكم الموقرة هذه الجهود التي تبذلها من أجل إحياء الثقافة الإسلامية، ونعلن لكم -سيدي الوزير- عن امتناننا، بما أصدرته وزارتكم وما تعتزم إصداره من آثار الأستاذ الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، نشرا للوعي الإسلامي الصحيح، وخدمة للصالح العام، داعين لكم بالتأييد، ودوام التوفيق.
وتقبلوا - يدي الوزير - فائق الشكر والتقدير.
حرر بتاريخ ٢٢ جمادى الثانية ١٤٠٣ ه
الموافق لـ ٠٦/ أفربل ١٩٨٣م
المخلص: عبد الحق بن باديس
أخو الإمام وتلميده
стр. 329
كلمات خالدة
"لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم؛ فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الاسلام وعملهم له؛ وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم، وابتداع في العمل، فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين، فلنصلح علماءهم.
ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته، وما يتقبل من عمله لنفسه وغيره، فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم. ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالما من علماء الإسلام، يأخذ عنه الناس دينهم.
ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه، في مادت وصورته، فيما كان يعلم ﵌ وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه- ﵌ فيما رواه مسلم أنه قال: «إنما بعثت معلما ... ».
الإمام عبد الحميد بن باديس