مظاهر قوته:
كانت قوته لتحمل أعباء الرسالة وتبليغها للخلق، قوة أدبية وقوة حربية. فمن الأولى ثباته في مواقف التبليغ. كقوله لعمه أبي طالب - وقد فهم منه أنه ضعف عن نصره وأنه مسلمه-: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».
ومن الثانية في ميادين القتال ومواقف البأس كما ولى عنه الناس يوم حنين - وهو يقول راكبا على البغلة التي لا يركبها إلا من لا يفر-:
«أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ...أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ»
معلنا مكانه مظهرا نفسه أمام الأعداء الآتين من كل صوب.
آثار القوة والرحمة في أخلاقه:
كان- ﵌ صادقا أمينا عادلا، معروفا بهذه الصفات بين قومه قبل نبوته.
الأمانة:
هي حفظ الشخص ما استودع، وأول ذلك حفظه نفسه فيثق به الناس في حفظ ما يستودعونه.
وقد كانت قريش- وهي كافرة به- تودع عنده أموالها. ولما خرج مهاجرا ومعه الصديق رضي الله تعالى عنه خلف ابن عمه حيدرة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لينام على فراشه معرضا نفسه لسيوف قريش المتآمرين على قتل النبي- ﵌ في تلك الليلة، وليرد أمانات الناس إليهم ويلحقه بأهله.
стр. 282
الصدق:
هو قول الحق في جميع المواطن. وقد شهد له أبو سفيان - وهو إذ ذاك أكبر عدو له- في مجلس قيصر بالصدق: سأله قيصر هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال (أبو سفيان): لا. قال قيصر: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
العدل:
وهو الإنصاف في الحكم. وقد رضيت به قريش حكما بين كبرائها لما تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى محله أيام جددوا بناء الكعبة. ذلك لما عرفوا من عدله.
والرحمة والقوة أساسان لهاته الأخلاق. فمن الرحمة بالنفس وبصاحب الشيء، ومن القوة على النفس وعلى النزعات والعواطف تكون الأمانة، ومن الرحمة بالمظلوم والقوة على الظالم يكون الحكم العادل. فإن القاسي العديم الرحمة لا يبالي بالمظلوم وأن الضعيف تكسره رهبة الظالم عن الصدع بالحكم ويقصر عن تنفيذه - وضعيف القلب تؤثر عليه المؤثرات حتى مرققات العواطف، ولهذا قال جمهور أئمة الإسلام: أن المرأة لا تصلح للحكم لرقة عواطفها وضعف قلبها. فقد تخدعها الدموع الكواذب، وقد تميل بها عاطفة الحب والقرابة. والصدق- وهو من مقتضيات الأمانة لأنه حفط اللسان- لا يقوم به إلا رحيم بالسامعين يشفق عليهم لا يخدعهم، قوي شجاع لا يبالي في قول الحق بهم.
إهتمامه بالخلق:
كان هذا العظيم النفس الرقيق القلب، الرجل القوي الرحيم - يرى انحطاط قومه في المعتقد والأخلاق والمجتمع
стр. 283
فتسمو به نفسه العظيمة عن البقاء في تلك البيئة المنحطة والوسط المريض. وتأبى عليه رحمته أن يتركهم فيما هم عليه فكان دائم الاهتمام بهم، دائم التفكير في الطريق الذي يسلكه لإنقاذهم.
إنقباضه عنهم:
كان ينعزل عنهم ويذهب إلى غار حراء الليالي العديدة حاملا عبء همه غارقا في تفكيره. ولم يكن اختلاؤه في غار حراء مثل اختلاء متصوفة الهند الذين ينعزل أحدهم عن الناس ويذهب في أودية الخيال لتحصيل حالة نفسية خاصة به يعدها نعيما روحيا. بل كان اختلاؤه وانعزاله للتفكير في طريق خلاص العالم من الضلال والقيام بخدمة عظيمة عامة للبشر. وشتان ما بين الحالتين.
نبوته:
جاءه جبريل بالوحي وهداه الله بالنبوة إلى طريق الخلاص وشرح صدره لما جاءه من الحق، ووضع عنه عبء ذلك الهم الثقيل وبعثه للعالمين بشيرا ونذيرا.
الرحمة والقوة في شريعته:
ولو تتبعت أصول شريعته وفروعها وآدابها لوجدتها كلها مبنية على أساسي الرحمة والقوة. فليس من الإسلام ذلك التماوت وذلك التمسكن الذي يتظاهر به بعض الناس. وقد قال عمر بن الخطاب- ﵁ وقد رأى قوما من هذا الصنف: "لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله"، وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وقد رأت قوما يتماوتون في مشيتهم
стр. 284
من هؤلاء؟ فقيل لها قوم من القراء، فقالت: (لقد كان عمر سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع).
ولو بحثت عن أسباب انتشار المملكة الإسلامية المبنية على الشريعة المحمدية لوجدت أصل تلك الأسباب هذين الأساسين: الرحمة والقوة. فإن الضعيف مغلوب، وإن القاسي مبغوض، ولا يسود ويحب -كما كان للإسلام- إلا القوي الرحيم.
رزقنا الله القوة في قلوبنا وعقولنا وأرواحنا وأبداننا. وأشعرنا الرحمة بأنفسنا وببعضنا وبغيرنا، إنه القوي المتين، الرحمن الرحيم (١).
стр. 285
على ذكرى المولد النبوي الشريف
التجدد في كل مولد
ــ
ما كانت هذه الدار الدنيا دار بقاء وإنما هي دار فناء. وما بقيت عناصرها المادية في الوجود إلا بما أجراه الله عليها من سنة التجديد في الخلق ليقوم الجديد مقام ما أتى عليه الفناء.
وهذا الإنسان المثال المصغر من العالم الأكبر قال فيه العلماء: إنه في كل سبع سنوات تفنى جميع أجزائه المادية وتخلفها أجزاء أخرى. فذاته على رأس السنوات السبع اللاحقة غير ذاته على رأس السنوات السبع السابقة، وهكذا حتى يستكمل ما قدر له من البقاء في الدنيا.
وتاريخ البشرية من أقدم عصورها يدل على أنها لم تفارقها هذه السنة: سنة التجديد إثر الفناء.
وقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، هم أساس كل تجديد في تاريخ البشرية كلٌّ في الأمة التي أرسل إليها.
حتى إذا كان الفساد العام في شؤون الدنيا بطواغيت الملك، وفي شؤون الدين بطواغيت الكهنوتية، وفنيت معالم الحضارة
стр. 286
بمثل الحروب الرومانية الفارسية واندثرت حقائق الدين وشوهت بالمجادلات المذهبية، والرسوم والأوضاع البدعية - حتى إذا كان هذا الفساد والفناء العامان أرسل الله تعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رحمة للعالمين بالتجديد العام. فيوم ولادته ﵌ هو يوم ولد في العالم ولادة جديدة.
فلنجعل يوم ولادته من كل عام يوما نعزم فيه على تجديدنا تجديدا روحيا وعقليا وأخلاقيا وعمليا وتاريخيا تجديدا إسلاميا محمديا في جميع ذلك. لنولد في عامنا الجديد ولادة جديدة وهكذا نجدد ونتجدد في كل ذكرى مولد.
علينا أن نتفقد عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا ونعزم فيما اندثر منها على التجديد، ولنعين بعضها ولنجعله على الخصوص محل العناية الكبرى بالتجديد منا حتى نحاسب أنفسنا عليه في الذكرى الآتية.
أما كاتب هذه السطور فقد عزم على تجديد ما فني من قلوب المسلمين من عقيدة "إنهم بالإسلام هم أفضل الأمم" ليدعوهم بذلك إلى التمسك بأخلاق الإسلام وآداب الإسلام وعدل الإسلام وإحسان الإسلام. إذ في ذلك سعادتهم وسعادة البشرية كلها ممهم وافه المستعان (١).
стр. 287
محمد ﵌ -
رجل القومية العربية
ــ
لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه. فعناية المرء بنفسه -عقلا وروحا وبدنا- لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس على منازلهم منه في القرب والبعد، ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر لا يستطيع أن ينفع البشرية ما دام مهملا مشتتا لا يهديه علم، ولا يمتنه خلق، ولا يجمعه شعور بنفسه ولا بمقوماته ولا بروابطه. وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي، وأصلح من شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل يتنأول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته.
فمحمد- ﵌ وهو رسول الإنسانية كانت أول عنايته موجهة إلى قومه، وكانت دعوته على ترتيب حكيم بديع لا يمكن أن يتم إصلاح إنسانيا أو شعبيا إلا بمراعاته فكان "أول دعوته ﵌ لعشيرته، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فلما نزلت صعد الصفا ثم نادى «يا صباحاه» - وكان دعوة الجاهلية إذا دعاها
стр. 288
الرجل اجتمعت إليه عشيرته - فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فعم وخص فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أكنتم مصدقي». قالوا ما جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني كعب ابن لؤي، يا بني مرة بن لؤي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هشام، يا آل عبد المطلب، ياصفية، يا فاطمة، سلوني من مالي ما شئتم، وأعلموا أن أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذلك، وإياي، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد بوجهي عنكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا - وصرف وجهه إلى الشق الآخر - غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا ... » ثم وجه دعوته إلى بقية العرب لقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهم عامة العرب، فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج وما يتصل بها من أسواقهم، ثم عمم دعوته لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فكاتب ملوك الأمم وقد عمت دعوته العرب وتهيأ أمرهم لعموم دخولهم في الإسلام، وكان ذلك أيام هدنته مع قريش قبيل فتح مكة. ثم تجد أكثر السور المكية قد وجه فيها الخطاب إلى قريش وإلى العرب وعولجت فيه مفاسدهم الاجتماعية وضلالاتهم الشركية، وما كان منهم من تحريف وتبديل لملة إبراهيم، فكان أول الإصلاح متوجها إليهم ومعنيا بهم حتى ينتشلوا من وهدة جهلهم وضلالهم وسوء حالهم وتستنير عقولم وتتطهر نفوسهم وتستقيم أعمالهم فيصلحوا لتبليغ دين الله وهدى رسوله- ﵌ للأمم بالقول والعمل. ثم لأجل أن يشعروا بأن القرآن هو كتاب هداية لهم كلهم، وأن الرسول لهم كلهم، أنزل القرآن على سبعة أحرف، فعم جميع لهجاتهم، وكان النبي ﵌ يخاطبهم بتلك اللهجات وينطق بالكلمات
стр. 289
منها ليس من لهجة قريش. وكان في هذا ما أشعرهم بوحدتهم بالتفافهم حول مركز واحد ينتهون كلهم إليه ويشتركون فيه. وقد نبه على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فأخبره أن القرآن شرف له ولقومه- نزل بلغتهم ونهض بهم من كبوتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور وهيأهم لهداية الأمم وإنقاذها من الهلاك وقيادتها لعزها وسعادتها- وأنهم يسئلون عن هذه النعمة. يقول هذا ليعملوا بالقرآن ويعلموا أن شرفه إنما هو للعالمين.
على أن العرب رشحوا لهداية الأمم التي تدين بالإسلام وتقبل هدايته ستتكلم بلسان الإسلام وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدي الإسلام. علم هذا فبين أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم يتحدر من سلالة العرب، فكان هذا من عنايته بهم لتكثير عددهم لينهضوا بما رشحوا له. بين هذا في حديث رواه ابن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل "يعني النبي ﷺ " فما بال هذا "يعني الفارسي والرومي والحبشي ما يدعوهم إلى نصره وهم ليسوا عربا مثل قومه" فقام إليه معاذ بن جبل- ﵁ فأخذ بتلبيسه (ما على نحره من الثياب) ثم أتى النبي- ﵌ فأخبره بمقالته، فقال النبي- ﵌ مغضبا يجر ردائه (لما أعجله من الغضب) حتى أتى المسجد ثم نادى: "الصلاة جامعة" (ليجتمع الناس)، وقال- ﵌: «أيها الناس، الرب واحد
стр. 290
والأب واحد، وأن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي»، فقام معاذ فقال: فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النار» فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل.
تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد: ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شاميا وجزائريا- مثلا- ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم.
فانظر بعد هذا إلى ما قرره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية، ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم، فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرقة، فنبه على تساوي البشر في أنهم كلهم مخلوقون لله، فربهم واحد، وأنهم كلهم كل من عنصر واحد فأبوهم آدم واحد، وذكر بأخوة دين الإسلام دين الأخوة البشرية والتسامح الإنساني، ثم قرر قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم، ووضع للأمة العربية قانونا دينيا اجتماعيا طبيعيا لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتها إلى الإسلام بلغة الإسلام. وقد كان ذلك من أعظم ما سهل نشر الهداية الإسلامية وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان ثمرة اتحادها
стр. 291
وتعاونها ذلك التمدن الإسلامي العربي الذي أنار العالم شرقا وغربا، وكان السبب في نهضة الغرب والأساس لمدنية اليوم. وبذلك أيضا كانت الأمة العربية اليوم تجاوز السبعين مليونا عدا لا تخلو منهم قارة من قارات المعمور.
كون رسول الإنسانية ورجل القومية العريبة أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المتسولين باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتخدم الأمم في مصالحهم. ولم يكونها لتدوس كرامة الأمم وشرفها ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد، إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة: لم يكونهم لأنفسهم بل كونهم للبشرية جمعاء. فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون: "لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب"، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفضل -بإذن الله- عليهما، ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل، ويتغنى العرب غير المسلمين بذكره. وكم دبجت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه، ونخدم القومية العربية خدمته، ونوجهها توجيهه، ونحيا لها ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون ... وخدع المخادوعون ... واضطرب المضطربون ...
стр. 292
وإلى أعتابه الكريمة نتقدم بهذه الكلمة في مولده الشريف، الذي هو عيد الإسلام والعروبة والإنسانية كلها (١) عاد الله فيه باللطف والرحمة على الجميع (٢).
стр. 293
إلى محمد أيتها الإنسانية
... أيها المسلمون!
......... أيها العرب!
............ أيها البشر!
ــ
أيها المسلمون! في مثل هذا اليوم انبثق النور الذي هداكم الله به إلى الإسلام، فأخرجكم من الضلمات إلى النور وجعلكم خير أمة أخرجت للناس مادمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، فعودوا بالذكرى إلى حياة هذا النبي الكريم، فاستمدوا منها نور إيمانكم، وجددوا بها صرح توحيدكم، وحصنوا بها قلوبكم من جهالات الغفلة وظلمات الشرك ونزغات الشياطين، وانظروا إليه في نشأته، وقبل نبوته، كيف كان بعيدا عن حياة الجاهلية وهو بين أهله، كيف كان يتوجه إلى الله، والعرب غارقة في وثنيتها، وكيف كان يحمل مما يرى من الشرك والضلال أثقالا ينوء بحملها، حتى جاءه الحق الصريح، والهدى البين، والنبأ الصادق، والرسالة العامة، فقام بأعباء ما حمل، مبلغا عن الخالق، شاهدا على الخلق، مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فجاهد وجالد وصبر وصابر، وقضاها ثلاثا وعشرين سنة،
стр. 294
مثالا أسمى للإحسان والكمال ونورا ساطعا للأجيال، حتى تمم الله النعمة وأكمل الدين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتركها بيضاء نقية لن يهلك عليها إلا هالك. فإلى هذا الطريق أيها المسلمون، ففيه نجاتكم وسعادتكم إلى يوم الدين.
أيها العرب: في مثل هذا اليوم ولد النبي العربي، فتفتحت العروبة عن زهرة ماضميها، وبذرة مستقبلها، فوصل الله به مجدكم القديم بمجدكم الحديث، وأشاع لغتكم في الألسنة وتفكيركم في العقول، وعنصركم في الأمم، فخلدتم في التاريخ، خلود التاريخ، وبقيتم على الزمن، بقاء الزمن، فعودوا بالذكرى إلى حياة هذا العربى العظيم، كيف نشأ في صميم العروبة، وترعرع في أحضانها، ودرج على الكريم الصلب من أخلاقها، فحدب عليها، عمره كله، يهديها ويحوطها ويجمع أشتاتها ويؤلف وحدتها، يكونها ليكون الله الأمم بها، ويرشحها للسيادة، لتسود بها البشرية جمعاء. فما فارق الدنيا حتى تركها أمة شعرت بعزتها، وعرفت غايتها، وأخدت للحياة عدتها، وتقدمت للبشرية تحمل مشاعل العلم والحرية والإخاء العام، فمن حياة هذا العربي الصميم، استمدوا- أيها العرب- حياتكم، وعلى ما شاده من ماضيكم، ابنوا حاضركم ومستقبلكم ومن تاريخه الحافل، استوحوا مناهج حياتكم، ومن سيرته الجليلة، اجمعوا عناصر نهضتكم ومواد بنائكم القومي، فلسانه لسانكم، وقوميته قوميتكم، وتاريخه تاريخكم، فاتخذوه مثلكم الأسمى في الحياة، تتخذكم الحياة مثلما كنتم، مثلها الأسمى وقادتها الراشدين.
أيها البشر: في مثل هذا اليوم، ولد محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب فولدت الإنسانية ولادة جديدة وأشرق على الكون نور لم يلح من قبل، أضاء لبني آدم طريق العلم والعمل والحرية
стр. 295
والسلام في حظيرة الإخاء العام، فعودوا بالذكرى، إلى حياة هذا الرجل الإنساني، كيف ارضعته بدوية عربية وحضنته أمة حبشية، وتبنى مملوكا رقيقا ثم اتخذه أخا ومولى، ثم عقد ألوية الإمارة للموالي على العرب، غير مرة، وأدنى بلالا الحبشي وسلمان الفارسي وصهيبا الرومي، لفضلهم وسابقتهم على كثير من كبراء العرب وساداتهم وذاق آلام الإنسانية في اليتم والفقر والفقد، وباشر العمل في الرعى وتاجر، وبلا الحياة في الشدة والرخاء والسلم والحرب، فقضى حياته يرفع طبقات وضعها الظلم والجهل، ويخفض طبقات رفعها الطغيان والجبروت حتى سوى بين بني آدم، في الكرامة البشرية، وأسقط اعتبار الأجناس والألوان في الأفضلية، وأعلن أن لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله، فعودوا إلى الأصول التي جاء بها هذا الرجل، إنها جربت، فصحت تجربتها، فقد بنيت عليها مدنية، ما في مدنية اليوم من خير هو من أثرها.
ولن تسعد الإنسانية إلا بالاحترام والتسامح والتعاون وبالوفاء في التعاقد.
وتلك أمهات مما جاء به، فاتبعوه تعيشوا في رغد آمنين (١).
стр. 296
تحية المولد الكريم
ألقيت ليلة حفلة جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة
ــ
حييت يا جمع الأدب ... ورقيت سامية الرتب
وَوُقِيتَ شر الكائديـ ... ـن ذوي الدسائس والشغب
ومنِحْت في العلياء ما ... تسمو إليه من أرب
أحييت مولد من به ... حيِي الأنام على الحِقَبْ
أحييت مولده بما ... يُبري النفوس من الوصب
بالعلم والآداب والـ ... ـأخلاق في نشء عجب
نشء على الاسلام أسـ ... ـس بنائه السامي انتصب
نشء بحُبِّ محمد ... غذاة أشياخ نجب
فبه اقتدى في سيره ... وإليه بالحق انتسب
وعلى القلوب الخافقا ... ت إليه رايته نصب
بالروحِ يفديها وما ... يغرى النفوس من النشب
وبخلقه يحمي حما ... ها أو ببارقة القضُبْ
стр. 297
حتى يعودَ لقومه ... من عزهم ما قد ذهبْ
ويرى الجزائرَ رجعت ... حقَ الحياةِ المستلب
يا نشءً يا ذخر الجزا ... ئر في الشدائد والكُرَب
صدحت بلابلك الفصا ... حُ فعم مجمعنا الطرب
وأذقتنا طعما من الـ ... ـفصحى أَلذ من الضرَب
وأريت للأبصار ما ... قد قررته لك الكتب:
"شعبُ الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسبْ"
"من قال حال عن أصله ... أو قال مات فقد كذب"
"أو رام إدماجا له ... رام المحال من الطلبْ"
يا نشءُ أنت (رجاؤنا) ... وبك (الصباح) قد اقترب
خذ للحياة سلاحها ... وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل والـ ... ـإحسان واصدم من غصبْ
وأذق نفوس الظالميـ ... ـن السم يمزَجُ بالرهبْ
واقلع جذورَ الخائنيـ ... ـن فمنهمُ كل العطبْ
واهزز نفوس الجامديـ ... ـن فربما حيِيَ الخشب
يا قومُ هذا نشؤكم ... وإلى المعالي قد وثبْ
كونوا له يكن لكم ... وإلى الأمام ابنا وأب
стр. 298
نحن الأولى عرف الزما ... ن قديمنا الجم الحسب
ومَعين ذاك المجد في ... نسلِ العروبة ما نضَب
وقد انتبهنا للحيا ... ة آخدين لها الأهبْ
لنحل مركزنا الذي ... بين الأنام لنا وجب
فنزيد في هذا الورى ... عضوا شريفا منتخبْ
ندعو إلى الحسنى ونو ... لي أهلهَا منا الرغب
من كان يبغى وُدنا ... فعلى الكرامة والرحبْ
أو كان يبغى ذلنا ... فله المهانة والحرب
هذا نظامُ حياتنا ... بالنور خُط وباللهب
هذا لكم عهدي به ... حتى أوَسدَ في الترَبْ
فإذا هلكتُ فصيحتي ... تَحْياَ (اَلجزَائِرُ) و (العرب)
стр. 299
القومية والإنسانية
ألقيت ليلة احتفال جميعية التربية والتعليم الإسلامية
بالمولد الشريف - بقسنطينة
ــ
الحمد لله ثم المجد للعربِ ... مَن أنجبوا لبَنِى الإنسان خيرَ نبيِ
ونشروا ملة في الناس عادلةً ... لا ظلمَ فيها على دين ولا نسَبِ
وبذلوا العلم مجانا لطالبه ... فنال رُغْبَاهُ ذو فقر وذو نشَبِ
وحرروا العقلَ من جهل ومن وهَم ... وحرروا الدينَ من غِش ومن كذِبِ
وحرروا الناسَ من رق الموك ومن ... رق القَداسة باسم الدين والكتبِ
قَومي هم وبنُو الانسان كلهُم ... عشيرتي، وهدى الاسلام مطلبِى
أدعو الى الله لا أَدعو الى أحد ... وفي رضى الله مما نرجو من الرغَبِ (١)
стр. 300
السياسة في نظر العلماء
هي التفكير والعمل والتضحية
بهذه الأبيات ختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس خطابه
التاريخي في الجلسة الختامية للمؤتمر الثاني لجمعية العلماء
في سنة ١٩٣٧م. (*)
ــ
أشعب الجزائر روحي الفدى ... لما فيك من عزة عربية
بنيت على الدين أركانها ... فكانت سلاماً على البشرية
خلدتم بها وبكم خلدت ... بهذي الديار على الأبدية
فدوموا على العهد حتى الفنا ... وحتى تنالوا الحقوق السنية
تنالونها بسواعدكم ... وإيمانكم والنفوس الأبية
فضحوا وها أنا بينكم ... بذاتي وروحي عليكم ضحية
) ٥ (ض: ج هـ م ١٣، غرة جمادلى الثانية ١٣٥٦ ص أوت ١٩٣٧ م. أدرجناما
لامميتها ولان الاستاذ أ الامام لم نرف عنه فى هجال المنظوم غير ما أوركل نا فى
هذا ال! تاب.
دَرْسُ خَتْمِ الْمُوَطَّأِ
كما نقله في وقت الإلقاء بعض التلامذة وقد اجتهد أن يؤدي أغلب المقصود.
ــ
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَبِهِ ثِقَتِي وَأَسْتَعِينُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَسْعَدِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
ب السند المتصل إلى الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس- ﵁ قال: (أَسْمَاءُ النَّبِيِّ- ﵌) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ- ﵌ قَالَ: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ».
...
السند:
روى مالك هذا الحديث مرسلا، ورواه عنه كذلك يحيى بن يحيى والأكثرون، وجاء مرويا عنه مسندا عن محمد
стр. 304
ابن جبير بن مطعم عن أبيه وكثيرا ما يروي مالك الحديث مسندا ومرسلا. ولا يرسل مالك ولا يأتي ببلاغ في الغالب إلا وهو على علم بمن يترك من السند أنه محل الثقة والقبول والاعتماد. فأما إذا شك فإنه يصرح بشكه. وتصريحه بالشك حين يشك يدلنا على ما عنده من العلم واليقين عندما يسكت دون أن يصرح بالراوي. ومن الدليل على أنه إذا كان على شك من الأمر يصرح ما تقدم لنا قريبا في باب التعفف عن المسألة، فلما روي عن العلاء بن عبد الرحمن قوله: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلاَّ عزَّ وما تواضع عبد إلا رفعه الله)) قال لا أدري أيرفع هذا الحديث إلى النبي- ﵌ أم لا.
ثم إن هذا الحديث قد جاء مسندا في الصحيحين وغيرههما.
...
المتن:
في قوله- ﵌ لي خمسة أسماء، مفهومان: مفهوم الحصر ومفهوم العدد. فأما الأول: فمن تقديم الجار والمجرور، وأما الثاني: فمن لفظ خمسة، لكن المفهومين ليسا سواء، فإن مفهوم العدد- غير معتبر كما هو أصح الأقوال، نعم يسئل عن وجه الاقتصار على هذا العدد إذ كان هناك غيره، فإن النبي- ﵌ له أسماء كثيرة قد أنهاها بعضهم إلى الألف. فاقتصاره هنا على ذكر خمسة لا بد أن يكون لوجه اقتضى الاقتصار عليها. ووجه ذلك أنها هي التي سمي بها في الكتب المنزلة. وهي الخمسة التي يختص بها وليس لغيره ألفاظها ولا معانيها كما سيتبين. وإذا كان سمي بغيرها في الكتب المتقدمة فهذه هي الأشهر والأكثر وكفى بهذا الذي ذكرنا وجها لتخصيصها بالذكر.
стр. 305
وأما مفهوم الحصر في قوله لي خمسة أسماء أي ليست لغيري فهو مفهوم معتبر وهو حصر صحيح ثابت من جهة المعنى ومن جهة اللفط.
فأما الأول: فإننا نجد معانيها ليست إلا له- ﵌ مختصا بها بين إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- وهم المشاركون له في الكمالات ولكن الله يفضل منهم من يشاء بما يشاء لا لنقص في الفضل عليه ولكن لخصائص زائدة في المفضل، وأما الثاني: فكذلك أيضا على ما سنبين.
ـ[«أَنَا مُحَمَّدٌ»]ـ: مشتق من الحمد، والحمد هو الثناء بذكر الكمالات والصفات الفاضلة المشتملة على ما هو من صفات الذات، أو من صفات الأفعال وعلى ما هو من باب الكمالات أو من باب الإنعام. وإنما يعبر من الثناء ما كان حقا وصدقا بمطابقته للواقع وبمطابقته لما في القلب. ومحمد: اسم مفعول من حمد المضاعف العين، وهو يقتضي التكثير، فالحمد هو ذو الخصال الكثيرة الحميدة التي تقتضي حمده مرة بعد أخرى. فالمحمود هو من وقع عليه الحمد ولو مرة وأما المحمد فالذي يكثر حمده. وهو في الأصل صفة وقد نقل من الوصفية إلى العلمية وجعل دالا على الذات المسماة بهذا الاسم.
والمسمى له بهذا الاسم هو جده عبد المطلب بإلهام من الله. والإلهام من الله هو ما يوفق الله إليه العبد ويهديه إليه دون علم سابق ولا دليل ظاهر، وإنما هي هداية ربانية تكون بإرشاد القلب إلى الشيء الملهم إليه. فهذا الاسم النبوي علم منقول من الصفة وهو وإن كان موضرعا للذات، فإن الواضع يلاحظ عند الوضع معنى تلك الصفة التي نقل منها. ويدل لهذا ما جاء أن عبد المطلب لما سئل عن تسمية ابنه بهذا الاسم ولم يكن
стр. 306
من أسماء آبائه وأجداده، ومن عاداتهم أن يحيوا ذكر آبائهم وأجدادهم بتسمية أبنائهم بأسمائهم. أجاب إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. فدل هذا على أن العربي الواضع للعلم الوصفي يلاحظ معناه لما كان صفة، وبهذا يكون الاسم وغيره- مع العلمية- منطويا ومشتملا على الثناء عليه. ولهذا يعبر القاضي عياض بقوله: "فمن خصائصه تعالى له- ﵌ أن ضمن أسماءه ثناءه، فطوى أثناء ذكره، عظيم شكره" وما كانت الأسماء منطوية على الثناء إلا مع ملاحظة ما كانت عليه قبل العلمية.
والثناء الذي يشتمل عليه هذا الاسم الشريف هو ما دل عليه من كثرة خصاله التي يحمد عليها ويكون حمده عليها متجددا. وهذا قد تحقق وهو واقع مشاهد فإنه- ﵌ قد حمده الخلق ويمحدونه دنيا وأخرى ويزداد ذلك في المواطن التي يزداد علم الناس بما أعطاه الله من كمالات وما أظهر على يده من إنعامات ويزداد علمهم بذلك بقدر ما يزداد تقدمهم في العلم والمعرفة، حتى أننا نرى في عصرنا هذا من غير المسلمين ممن ينصفونه فيذكرون من كمالاته والخير الذي أصاب البشرية على يده، فيشكرونه ويكررون الثناء عليه. فأما من أهل الإيمان به فهو كثير شهير، ثم إن الخلق كلهم يوم القيامة يحمدونه بما يشاهدون من النعم التي أعظمها وأجلها موقفه في الشفاعة العامة، فيحمدونه الحمد المتجدد المتكرر عندما يشاهدون ما لم يكونوا من قبل يعرفون.
ـ[«وَأَنَا أَحْمَدُ»]ـ: وهو مشتق أيضا من الحمد، غير أن فعله حمد السالم المسند إلى الفاعل، وهو علم منقول من اسم التفضيل، والأحمد هو الأكثر حمدا من غيره. وقد علمنا أن النقل تصحبه تلك الملاحظة، فقد سمي أحمد على اعتبار أنه أكثر الخلق حمدا
стр. 307
لله، فالخلق كلهم يحمدون الله بلسان الحال أو بلسان المقال. وهو أكثرهم حمدا لله على كل حال.
هذا وقد ذهب قوم إلى أن أحمد من فعل حمد المبني للغائب على معنى أنه أكثر محمودية من غيره. وتنتفي مرادفته للأول بجعل الأول راجعا للملكية أي لكثرة الصفات التي يحمد عليها، وجعل هذا راجعا للكيفية أي أفضلية ما يحمد به. والذي يقرر هذا هو الإمام ابن قيم الجوزية ويقول في تقريره: "لو كان أحمد من المبني للفاعل لكان الأولى أن يسمى حمادا لأنه هو الذي يفيد كثرة الحمد". وهذا من هذا الإمام على جلالته سهو وغفلة فإن أحمد عندما يكون منقولا من اسم التفضيل المسند للفاعل يفيد تفضيله على جميع الحامدين المقلين والمكثرين فهو الأكثر حمدا لله من كل من أقل أو كثر. وأما حماد فإنما يفيد كثرة حمده ومن كثر حمده قد يساويه أو يفوقه فيه غيره فأما أحمد فيفيد- خصوصا مع حذف المتعلق- أنه بلغ من كثرة الحمد إلى مقام كان فيه أكثر حمدا لله من كل حامد.
على أن هنالك شيئا آخر لا بد من ملاحظته وهو أن الإسمين يراد بهما الدلالة على تكميل الله له من ناحيتين، الناحية التي يكون فيها في مقام التعظيم والتكريم بالثناء عليه وهو ما يقتضيه اسم محمد. والناحية التي يكون فيها في مقام الخضوع والخشوع بحمده لله ﵎ وثنائه عليه، وهو ما يقتضيه اسم أحمد المنقول من المسند للفاعل، فمحمد دلنا على مقامه الأول الذي يكثر فيه له الحمد، وأحمد دلنا على مقامه الثاني الذي يكثر فيه منه الحمد، ودلنا على أنه في هذا المقام قد فاق سواه وكان فيه لا نظير له. وهذا المعنى لا يمكن أبدا أن يستفاد من حماد. على أن أحمد المأخوذ من السند إلى الفاعل هو الذي
стр. 308
يجري القياس، والمتبادر إلى الأذهان عند سماع اسم التفضيل هو الإسناد إلى الفاعل ولا يفهم الاسناد إلى المفعول إلا بقرينة.
وحمده الله الذي فاق فيه كل حامد لا يكون إلا عن إيمانه ومعرفته لكلمات الله وإنعاماته فيقتضي أنه فاق فيهما جميع الخلق. والايمان والمعرفة يقتضيان الطاعات الظاهرة والباطنة فيكون قد فاق في الطاعة جميع الخلق وبهذا كان الاسم متضمنا لأكمل الثناء عليه بأنه أكمل عبد لله علما وعملا.
وهذان الاسمان الشريفان مرتبان في التسمية بهما للخلق والأسبق منهما عند قوم وهم الأكثرون هو أحمد وهو الذي سماه الله به في الإنجيل كما في سورة الصف: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ثم محمد الذي سماه به جده توفيقا من الله وهو اسمه في القرآن العظيم كما في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. فالسابق إذا هو أحمد. والذين يذهبون إلى هذا يقولون أن الترتيب بينهما في التسمية على حسب الترتيب الذي بين المقامين المدلولين لهما فإن المقام الأول هو مقام عبوديته وحمده لله، والمقام الثاني هو مقام كماله بأخلاقه وصفاته وأعماله. فهو قد حمد الله أكثر الحمد في مقام عبوديته فجازاه على ذلك بأن كان محمودا مكررا حمده في مقام كمالاته والجزاء من جنس العمل فهو ما كان محمدا حتى كان أحمد وهذا ترتيب ظاهر وجيه. ويكون وجه تقديم اسم محمد في هذا الحديث على هذا القول أنه أشهر أسمائه وأنه اسمه في القرآن العظيم.
وذهب قوم إلى أسبقية اسمه محمد، وأنه سمي به في التوراة، واستدلوا على هذا بأدلة، ونقلوا من التوراة نقولا، ووجه التقديم لاسم محمد على هذا القول أنه نظر إلى أنه يوجد على فطرة الكمال ويشب على الكمالات والأخلاق الفاضلة التي يتكرر
стр. 309
حمده عليها، وقد حمده أهله صبيا رضيا، وحمده قومه شابا سريا وسموه بالأمين ثم لما أنعم الله عليه بالنبوة كان أحمد الخلق لله بما كان له حينئذ من العلم بكمالات الله وإنعاماته. وهو وإن كان مفطورا على الإيمان والعلم والكمال وقد كان حامدا لله من يوم إدراكه لكن حمد النبي الرسول ليس كحمد من لم يكن بعد نبيا رسولا. فعلى هذا النظر من الترتيب يظهر وجه الأسبقية لاسم محمد على هذا القول.
ـ[«وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ»]ـ: والمحو هو الإزالة. وفسر لنا- ﵌ هذا الاسم دون الاسمين السابقين لأن اشتقاقهما كاف في ظهور معناهما، بخلاف الماحي فإنه قد يخفى المراد منه باعتبار الشيء الممحو ولذلك بينه بقوله الذي «يمحو الله بي الكفر».
وهذا المحو الذي كان به- ﵌ علمي واما عملي وقد حصل المحو به- ﵌ للكفر علميا وعمليا فأما الأول فقد جاء النبي- ﵌ بأدلة قاطعة وبراهين ساطعة على صدقه في كل ما جاء به من الحق والهدى والنور جاء من ذلك بما لم يأت به غيره وكل ذلك محو وإزالة للكفر في العالم العالمي. وأما الثاني فإنه ﵌ جاء والأرض في ظلمة من الكفر بين ضلال أهل الكتاب ووثنية المشركين وأنواع أخرى من كفر الكافرين، فدعا إلى الله وصبر وجاهد، فما مات ﵌ حتى انتشر الإسلام في جزبرة العرب كلها التي كانت سببا في إنقاذ البشربة ومصدرا لهدايتها فهذا محو عملي ومحو آخر وهو أنه- ﵌ قد زويت وطويت له الأرض حتى شاهد مشارقها ومغاربها وقيل له أنه ستبلغ دعوته إلى ما زوي له منها. وقد كان ذلك كذلك، ففي الأمد القصير ظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وانمحى سلطان الكفر، وانهدت عروش
стр. 310
الجبابرة عرش القياصرة بالشام وعرش الأكاسرة بالعراق وتتابع المحو والإزالة.
قال: يمحو الله، لأن الخالق إنما هو لله. ويقول: بي لأنه هو السبب. ويفيد المضارع أن المحو يتجدد وكذلك كان فما زال المحو العلمي يتجدد فما نجمت ضلالة إلا وكان فيما جاء به حجة دامغة لها وما زال المحو العلمي كذلك يتجدد والإسلام ينتشر من نفسه انتشارا لا يلحقه فيه غيره ممن ينفقون في نشر نحلهم الأموال الطائلة ويسخرون القوات المتنوعة الهائلة وليس انتشاره في خصوص الأمم المنحطة بل في الأمم الراقية والذين سبقوا إليه منها هم علماء مما يدل على أن أكبر آيات الإسلام هي آياته العلمية الخالدة. فالمحو يتجدد تجددا مشاهدا مستمرا بهذا النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام.
ـ[«وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي»]ـ الحشر: الجمع وتقدير الكلام على أثر قدمي وجمع الناس على أثر قدمه كناية عن اتباعهم له. والمعنى: أن الله يجمع الناس كلهم على شريعته جمعا تشريعيا، فلا يقبل من أحد شيئا إلا باتباعه في شريعته والسير على أثر إقدامه، سواء أكان من أهل الملل الأخرى أو من أهل ملته فلا نجاة لكافر من ضلال الكفر إلا باتباع شريعته، ولا نجاة لمسلم من ضلال البدعة إلا باتباع سنته.
ويفيد المضارع في قوله (يحشر) أن هذا الجمع متجدد لأن شريعته دائمة وسنته باقية فما من جيل إلا وهو مكلف بالسير على قدمه وذلك معنى تجدد جمع الناس جمعا تشريعيا على اتباعه. وأسند الحشر لنفسه في قوله الحاشر لأنه الكاسب المباشر المبلغ عن الله شرعه لعباده وقال يحشر بإسناد الحشر إلى الله وحذف الفاعل للعلم به من المعنى وسياق الكلام، لأنه
стр. 311
هو الخالق المشرع على وزان قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.
ـ[«وَأَنَا الْعَاقِبُ»]ـ: هو الذي يخلف شيئا ويأتي بعده، وهو ﵌ جاء بعد جميع الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- وخلفهم. وقد جاء في رواية مسلم مفسرا فقال: «وأنا العاقب الذي لا نبي بعده» وعند غير مسلم «الذي لا نبي بعدي» وأفاد بالتفسير أنه لا يعقبه غيره فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
تقدم لنا في صدر الدرس أن قوله- ﵌ لي خمسة أسماء يقتضي اختصاصه بها وهو اقتضاء صحيح ومطابق للواقع فهذه الأسماء ليست إلا له إذ لم يسم الله نبيا ولا رسولا بواحد منها فهو مختص بالتسمية بها من الله بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام-.
نعم قد سمى بعض العرب أبناءهبم محمدا قبل البعثة بقليل، وهم نفر قليل ولم يعرفوا بنبوة، ومنهم من أسلم فكان من أتباع النبي- ﵌، فكان ذلك القليل النادر في حكم العدم، على أن القصود بتخصيصه تخصيصا من بين سائر الانبياء والشيء إنما يفضل بالنسبة لمن في منزلته. فمحمد- ﵌ لما تذكر فضائله وخصوصياته إنما تذكر بالنسبة للأنبياء والمرسلين فإذا قلنا أن محمدا- ﵌ خص بكذا بهذا الاسم مثلا فمعنى ذلك أننا لا نجده لمثله من الأنبياء والمرسلين. فهذا الاختصاص اللفظي بهذه التسمية.
وكذلك هو مختص بها من جهة معانيها فله من الكمالات التي يتحلى بها والإنعامات التي جعله الله سببا فيها والمواقف التي يقفها ما ليس لغيره، فليس ينال غيره من الحمد مثل ما يكون له،
стр. 312
من الله ومن الناس، وهو يقابل تلك النعم الربانية عليه بالحمد، فلا يكون الحمد من أحد مثل الذي يكون منه لله. وكفى في هذا حديث الشفاعة الثابت المشهور فإنه لما يخر ساجدا لله يفتح عليه بأنواع من الحمد لم يكن يعرفها هو من قبل فقد بلغ في حمده لله مقاما لم يبلغه أحد. ولما يتقبل الله شفاعته العامة في فضل القضاء يحمده أهل الموقف كلهم في ذلك المقام المحمود، فقد بلغ من حمد الناس له مقاما لم يبلغه غيره. فبان اختصاصه- ﵌ بمعنى الإسمين الشريفين محمد وأحمد دون جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وكذلك الاسم الثالث فإنه مختص بمعناه، وإذا راجعنا تواريخ الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- فإننا لا نجد أحدا منهم محي به من الكفر ما محي بمحمد- ﵌ ولنقتصر على هذين النبيين الكريمين موسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام- فأنتم تعرفون من القرآن ما قاسى موسى من بني إسرائيل الذين ما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهه آلهة. وما تقصه كتبهم يدل أنهم لم ترسخ لهم قدم في الإيمان، فأي محو هنا. وأما عيسى- ﵊ فقد رفعه الله إليه وما آمن به إلا أفراد ثم بقيت دعوته مغمورة. وما انتشرت النصرانية المنسوبة إليه باطلا إلا بعد ثلاثمائة سنة على يد ملك بيزنطا قسطنطين. على أنهما- عليهما الصلاة والسلام- لم يرسلا رسالة عامة حتى يعم المحو بهما وإنما أرسلا رسالة خاصة لبني إسرائيل كما لم يأتيا من الآيات بمثل ما أتى به لمحو كل كفر وباطل، وكفى بآية القرآن الخالدة على الزمان المتجددة على الأجيال. فهذا يبين لكم أن المحو العلمي والعملي بأكمله وأشمله إنما هو خصوصية له ﵊.
ولعلكم تقولون أن العرب قد ارتدت بعد موته- ﵌ فأين هو المحو؟ فالجواب: أن الردة لم تكن عامة، فإن الأكثر والأظهر
стр. 313
هم الذين ثبتوا على الإسلام والطاعة لخليفة رسول الله- ﵌ ولم يبدلوا شيئا، وطائفة كثيرة بقيت على الإسلام وإنما امتنعت عن أداء الزكاة، وهذه هي التي توقف عمر وغيره في قتالها وشرح الله صدر أبي بكر لقتالها ورجع الصحابة- ﵃ إليه، وطائفة أخرى ارتدت عن الإسلام جملة كأصحاب طليحة وسجاح -وقد راجعا الاسلام بعد- والأسود ومسيلمة وكان في غمار هؤلاء المرتدين أفراد من المؤمنين يقاومون وتوقفت طائفة تنتظر لمن تكون الغلبة.
وكان السر الأكمل في هذه الردة على تفصيلها أن يتبين للناس أن الذين اتبعوه اتبعوه لأنه نبي لا لأنه عربي.
لقد ثبت المحو به مباشرة في الأكثر الأظهر، وثبت المحو بواسطة خليفته ومن معه ممن انطبق عليهم قول الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. والمحو على يد هؤلاء السادة محو به، وهكذا كل محو يقع على يد أتباعه إلى يوم الدين فهو محو به وله مثل حسنات مباشريه على قاعد السابق للخير والبارىء به والداعي إليه.
وكذلك الإسم الرابع فهو مختص بمعناه لأن الله لم يجمع الناس جمعا تشريعيا على نبي قبله فقد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة وأرسل هو ﵌ إلى الناس عامة.
وكذلك الإسم الخامس فهو المختصر، بختم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
...
هذه الأسماء الشريفة نأخذ منها حظ العلم وحظ العمل، فأما حظ العلم فقد تقدم، وأما حظ العمل فعلينا إذ علمنا معنى
стр. 314
اسمه محمد أن نستكثر من الأخلاق الطيبة والأعمال النافعة والمواقف الشريفة مما ننال به الحمد من الله والناس.
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه أحمد أن نكثر من حمد الله على نعمه نعم الخلقة ونعم الهداية، فنحمده إجمالا وتفصيلا، ويتضمن هذا علمنا بهذا النعم وذلك يقتضي توسيع دائرة معلوماتنا بخلقه وبشرعه فنتناول كل ما نستطيع من العلوم والمعارف التي توصلنا إلى ذلك وقدلنا عليه.
وعلينا إذا علمنا معنى اسمه الماحي أن نعمل على محو الكفر والضلال والشر والباطل وكل ما ينهي عنه الإسلام وما ابتدعه المبتدعون وحملوه إياه. نمحو ذلك كله من أنفسنا وحيثما استطعنا ولا سبيل إلى هذا المحو إلا بالعلم والعمل وإظهار الإسلام بسلوكنا في الحياة أمام الناس في مظهره الصادق الصحيح فأعظم ما محى به الكفر، سلفنا الصالح، هو هديهم وسلوكهم وتطبيقهم للإسلام تطبيبقا صحيحا على الحياة في أنفسهم وفي غيرهم في جميع الأحوال.
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه الحاشر أن نتقيد بشريعته وسنته فلا نقول ولا نعمل ولا نعتقد إلا مالا يخرج عنهما، فيكون قولنا دائما ماذا قال محمد- ﵌ وماذا فعل وكيف كان في مثل هذا الموقف في مثل هذا الحال في كل ما نقفه من مواقف وما يعترضنا من أحوال، وبهذا نكون قد حشرنا أنفسنا على أثره. وعلينا أن ندعو الناس إلى اتباع شريعته وسنته بما نبين لهم من براهين الحق وأدلة الصدق وبما نذكر لهم من محاسنه ومحاسن ما جاء به، وبذلك نكون قد عملنا على حشر ما استطعنا من الناس على شريعته، وجمعنا ما أمكننا من القلوب على تعظيمه ومحبته، وفي ذلك الخير والسعادة للناس أجمعين.
стр. 315
وعلينا إذ علمنا معنى اسمه العاقب وهو الخاتم أن نرد كل ما يحدثه المحدثون من زيادة في شريعته، ونعد كل من يأتي ذلك ويتظاهر بالإسلام دجالا من الدجاجلة، وقد أخبر النبي- ﵌ أنه يكون بعده دجاجلة وكذابون وأولهم مسيلمة والمتنبؤون الكذبة فلا قول إلا قوله ولا هدى إلا هديه ولا إسلام إلا ما جاء به.
...
ها ان مالكا- رحمه الله تعالى ورضي عنه وجازاه عنا أحسن الجزاء - قد ختم كتابه الجليل بهذا الحديث الشريف المشتمل على هذه الأسماء النبوية الكريمة فهل هنالك من نكتة؟
إن هذا الموطأ هو أقدم كتاب لنا ألفه إمام عظيم من أتباع التابعين، وهو كتاب يعلمنا العلم والعمل، ويعرفنا كيف نفهم وكيف نستنبط وكيف نبني الفروع على الأصول، يعطينا هذا كله وأكثر منه بصريح بيانه وبأسلوب ترتيبه للأحاديث والآثار والمسائل. وإن شراح هذا الكتاب الجليل لم يوفوه حقه -في نظري القاصر- من هذه الناحية وهي من أعظم نواحيه.
ومما هو مشهور من ابتكار مالك في كتابه هذا الكتاب الجامع الذي ختم به الموطأ فإنه نظر إلى مسائل عديدة من أمهات الشريعة في العقائد والأخلاق والآداب والأحكام وغيرها فنظمها في سلك واحد وسماها بالكتاب الجامع، وهذه الأصول التي نظمها في هذا الباب بنى عليها من جاء بعده فروعا وعقد عليها أبوابا كالبخاري وغيره.
وإن مالكا لم يذكر في موطئه كتابا خاصا بالسيرة النبوية كما فصل ذلك غيره ممن جاء بعده، ولكنه ذكر أسماءه الشريفة- ﵌ فكفاه، وذكر أسمائه متضمنا لسيرته- ﵌ فكفاه في ذكر حياته- ﵌ أن يذكر أسماءه.
стр. 316
ولما كانت سيرته من بدايتها إلى نهايتها هي المثال الصادق للشريعة كلها والسفر الجامع للدين الإسلامي كله. ختم كتابه بهذا الحديث المشتمل على هذه الأسماء المتضمنة لها. وهو كالتحصيل بعد التفصيل.
ونكتة أخرى وهو أن كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علما وعملا فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل لذلك كله هو حياة محمد- ﵌ في سيرته الطيبة، فهذا الحديث بعد ما تقدمه من الكتاب كله مثل الغاية من الوسيلة.
فسيرته- ﵌ هي الجامعة لمحاسن الإسلام والغاية لكل كمال.
ومن أبدع المناسبة لختم الكتاب أن كان آخر هذه الأسماء الشريفة هو العاقب، والعاقب هو الخاتم، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الآل والتابعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم - سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 317
الإحتفال بختم الموطأ
بقلم الأستاذ
الشيخ الجيلاني بن محمد
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إستهلال:
وبعد. فإن من دواعي الغبطة والسرور وبواعث البهجة والارتياح أن أزف إلى المسلمين كافة وإلى أبناء الوطن العزيز خاصة هذه البشرى الجليلة والمفخرة الخالدة بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لموطأ إمام الأئمة ومستودع الشريعة مالك بن أنس ﵁ بعد ما قضى في خدمته وهداية الأمة به درسا بضع عشرة سنة بعمل متواصل وجد جاد يحرر أسانيده ويعزز مسانده ويرفع مراسله ويستجلي أسراره ويكتسح به غيوم البدع وضلال العقائد، فهذب العقول وطهر النفوس وحرك الهمم وقوى العزائم وأفعم الصدور بأنوار السنة المحمدية. فانزاحت دياجي الجهل وشبه الضلال وعوارض الغفلة وعوامل الجمود واستفاقت الأمة من سباتها العميق على ضوء السنة الوهاج فاندفعت تعمل لصالح الدارين ورائدها كتاب الله وسنة رسول الله وهدي السلف الصالح.
стр. 318
ويسرني جدا أن أزف هذه البشرى الثانية بختم الحديث الشريف إلى القراء الكرام بعد أن يكون قد استقر في أيديهم العدد الخاص من "الشهاب" يحمل بين جوانحه البشرى الأولى بختم تفسير القرآن العظيم مدبجة أصوله ومحررة فروعه بيراع العالم العلامة أديبنا الأكبر وكاتبنا البليغ الأشهر الأستاذ البشير الإبراهيمى فهي بشرى على بشرى وخير يقفوه خير وفتح بعد فتح ونهوض بكتاب الله وسنة رسول الله يستتبع - إن شاء الله - نهوض الأمة وتقدمها ماديا وأدبيا إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. فما أعظمها من منة وما أسبغها من نعمة.
كان ختم الأستاذ الجليل- حفظه الله - للموطأ لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الثاني عام ١٣٥٨ - الموافق لفاتح جوان ١٩٣٩ وكان الاحتفال به رائعا وطيب حديثه في الحواضر والبوادي ذائعا، وأريج عرفه في المجالس والنوادي متضوعا.
وسيرى القارئ وصف هذا الاحتفال العظيم فيما بعد إن شاء الله.
إن من أراد أن يصلح أمة قد عششت في أذهانها البدع، وامتصت قوتها العقلية أدواء الجهل الفتاك، والتهمت حرياتها سلطات المستبد، وأثقلت عاتقها فوادح الخطوب، يجب عليه- قبل كل شيء- أن يعتام لعلاجها أنجع الأدوية وأقوى المراهم رتقا لكلومها، ولا دواء أنفع لأمة هذه علتها، وهذا مرضها من معالجتها بكتاب الله، وتضميد جراحاتها بسنة رسول الله، فهما ترياق كل علة وبلسم كل مرض.
وقد ظهرت على الأمة الجزائرية- والحمد لله- علائم الشفاء وطلائع الإبلال وبوادر الصحة بعد ما قضى هذا الحكيم النطاسى
стр. 319
في معالجتها بكتاب الله وسنة رسوله، ردحا من الدهر بذل فيه جهده وروحه، يتتبع هذه الأدواء ويتقصاها في كل حاضرة وفي كل قرية، في كل سهل وفي كل جبل، يقتل البدعة ويحيى السنة، يطارد الجهل ويحارب الأمية، يميت اليأس من النفوس ويبعث فيها الأمل، يغشى البلدة أو القرية وقلوب أهلها متفرقة وأهواؤها متشاكسة وآراؤها متضاربة فلا يبرحها إلا والقلوب مجتمعة، والأهواء متحدة، والآراء متعاضدة، شعارها الوحيد قوله جل شأنه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
ولعل أبلغ الظواهر دلالة يقظة الأمة وتفشي روح النهوض في أفكار أبنائها وسريان الهداية النبوية فيها. ذلك التطور الفكري الذي نراه يزداد يوما فيوما بالرغم من العراقيل المنصوبة في سبيله والسدود المضروبة لإيقافه. ولكنه تيار إلهي قوي فاض على النفوس لا يمكن إيقافه- إن الله بالغ أمره- ولو كره الكافرون.
فختم كتاب الله وسنة رسول الله في هذه الديار التي حل فيها الطارئ محل الأصلى، والسالب محل الكاسب، والدخيل محل الأصيل، على ضرب من الأسلوب يشرح -بحق- فصول الحياة المعقدة للأمة ويوضح لها مناهج السلوك ويأخذ بيدها في طريق لاحب وصراط سوي. هو ختم مؤذن بختم عصر الجمود والركود وإقبال عصر النهوض والتقدم.
الحديث الشريف هو المصدر الثانى- بعد كتاب الله- للتشريع الإسلامي وهو البيان الشافي والتحليل الفلسفي لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
وتبيينه يكون بأقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته، فالصد عن الحديث صد عن الذكر الحكيم والانحراف عنه إنحزف عن شرعة القرآن الكريم.
стр. 320
ولقد نال الحديث الشريف من الحيف والإعراض ما نال القرآن العظيم فقد انصرف الناس عنه انصرافهم عن القرآن وضلوا متشبثين بكتب ملئت بالأقوال الجدلية والمماحكاة اللفظية والألغاز التركيبية التي لا تجدي نفعا.
وبعد فإن الموطأ الذي نحن بصدد الحديث عنه هو من أصح كتب الحديث وأعمها نفعا لما اشتملت عليه من صحيح الأخبار وبالغ الآثار. قال الشافعي ﵁: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك". وفي لفظ: "ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك" - ولاحظ أنها شهادة الشافعي- وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: (الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي) وقد شمله مالك ﵁ بعناية عظيمة واحتفاء كبير فأجال فيه يد التهذيب والتنقيح حتى أخرجه على هذا الأسلوب العجيب والشكل الجميل من حسن الترتيب وسهولة التعبير وإتقان الوضع وإجادة الصنع وصحة الخبر وغزارة الأثر ذكر ابن الهباب أن مالكا ﵀ روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويتخير بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال سليمان بن بلال: "لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث أو أكثر ومات وهي ألف حديث ونيف يخلصها عاما فعاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين".
وقال سعدون الورجيني من قصيدة في فضل الموطأ:
فبادر موطأ مالك قبل فوته ... فما بعده - إن نات- للحق مطلب