ليس في دار التكليف ولا في مقام التبليغ. فلما ذكر آدم دليله ذكر موسى ما غفل عنه فسلم.
إقتداء:
المناظرة في العلم والدين والمحاجة بالحق عن الأصول الشرعية والكمالات الإنسانية لا يتعالى عنها كبير لكبره، ولا يحتقر فيها صغير لصغره، فالحق هو الحق على أي لسان ظهر، والحجة هي الحجة من أي ناحية قامت، وعلى هذا الأصل حاج موسى آدم وهو أبوه.
ومن حق المناظر أن يذكر كل ما يراه من الحجة الحقة لإثبات قوله ولو كان فيه ثقل على خصمه، وعلى هذا الأصل نسب موسى لآدم الإغواء والإخراج -وإن لم يكن من فعله- لأنه متسبب عنه.
ومن الواجب على من لاح له الحق في حجة خصمه أن يسكت ويسلم. فقد علمنا أن النبيان الكريمان كيف يعتمد على الحجة في البداية وكيف يخضع لها في النهاية والقدوة هما صلى الله وسلم عليهما (١).
стр. 72
السنة
مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي
قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ».
...
ــ
السند:
رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ومسلم يحيى عن ابن يحيى عن مالك.
المتن:
روي بوجهين ثابتين، الأول فهو أهلكهم برفع الكاف: اسم تفضيل، والثاني بفتح الكاف فعل ماض.
الألفاظ:
الهلاك: الاستحالة إلى الفساد وذهاب حالة الصحة والاستقامة التي تصدر عنها الفوائد، ويكون بها الاستعداد، يقال هلك زيد إذا مات، وهلك الطعام إذا تغير واستحال فهلاك الناس فسادهم في أحوالهم بفساد عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم وذلك
стр. 73
عنوان ذهابهم واضمحلالهم. وأهلكُهم على الوجه الأول: أشدهم هلاكا، وعلى الوجه الثاني: أوقعهم في الهلاك.
المعنى:
ـ[على الوجه الأول]ـ إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يعيبهم وينقصهم ويحقر من أمر جماعتهم فقد صار بذلك أعظم هلاكا منهم لارتكابه معصية كبيرة تعدت إلى غيره وعمتهم وهي معصية الكبر الذي هو احتقار المرء من عداه، فهذا قد تكبر على جميع الناس فكان عظم هلاكه على حسب عظم معصيته بهذا العموم في الكبر والاحتقار.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس يثبطهم ويقنطهم فهو بذلك التثبيط والتقنيط أيأسهم من رحمة الله وصدهم عن الرجوع إليه وبالتوبة ودفعهم إلى الاستمرار فيما هم عليه، فأوقعهم بكلمته تلك في الهلاك: هلاك البؤس والقنوط والاندفاع في الشر.
الأحكام:
ـ[على الوجه الأول]ـ لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد ولو كان ذلك ظاهراً بينهم فاشيا فيهم لأنه حكم بدون علم. وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم. هذا إذا حكم حكما لمجرد الإخبار فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ لا يجوز لمن رآى الناس في حالة سيئة أن يقنطهم من رحمة الله وإمكان تدارك أمرهم واصلاح حالهم. هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم
стр. 74
في ظاهر أكثرهم وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدهم وتثبيطهم عن التوبة والأخذ بأسباب الإصلاح.
توجيه:
كان الحديث الشريف مفيدا لعدم الجواز لما ذكر -لأنه سيق مساق الذم لهذا القول ووصف قائله بأنه أعظم الناس هلاكا أو أوقع الناس في الهلاك وما أدى إلى أحد هذين لا يكون إلا ممنوعا.
ويؤيد هذا الحديث في المنع الأدلة الدالة على منع الحكم بدون علم. وظن السوء بالناس وتحقيرهم وتقنيطهم عن الخير وصدهم عنه.
تقييد وتعميم:
قد يقول الإنسان هلك الناس إشفاقا عليهم وتحزنا لما هم فيه فلا يكون مثل من قاله تحقيرا وتقنيطا، غير أنه يبقى في عبارته ذلك التعميم الذي هو حكم بغير علم. مع ما توقعه هذه العبارة من القنوط -خصوصا إذا تكررت- ولو لم يقصده القائل، فلا ينبغي أن تقال هذه العبارة ومثلها من كل ما يفيد هلاك جميع الناس.
الآداب:
ـ[على الوجه الأول]ـ على من يريد أن يرشد المسلمين ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة لا بعين الزراية والاحتقار.
стр. 75
فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء واستقصاء أنواع العلاج. بخلاف الزاري المحتقر فإنه يترفع بنفسه عن الناس ويتركهم فيما هم عليه، وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره من استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله أو على إتقان القليل منه.
على أن الشفوق تشعر نفوس الأمة منه بتلك الشفقة فتقابله بمثلها وبالامتثال لما يأتيها منه لمعالجتها واثقة منه بنصحه منقادة لإرشاده راجية نيل الخير على يده، والزاري المحتقر تشعر منه الأمة بذلك فتقابله بمثله وتنقبض نفوسها عنه وتقوي ريبتها في قوله وفعله وقد تصارحه ببعضه فتؤدي الحال بينهما إلى العداوة والمقاطعة. ويكون خيرا له لو تركهم من أول الأمر وشأنهم.
ـ[وعلى الوجه الثاني]ـ على مرشدي المسلمين أن يعانوا أدواءهم بالعلاجات النافعة ويشخصوها لهم عند الحاجة بالعبارات الرقيقة المؤثرة، في رفق وهوادة مجتنبين كل ما فيه تقنيط أو تثبيط. وأن يعرفوهم بأنهم- وإن ساءت نواح من أحوالهم- فهنالك نواح ما تزال صالحة. وهنالك علاجات من الإسلام قريبة ناجعة، وأن يعرفوا ما فيهم من فضائل وما لهم من مجد، وما لهم بهذا الإسلام من قدر وعز ليثيروا فيهم النخوة ويبعثوهم على العمل والخير. وإذا ذكروا لهم سيئاتهم ذكروا لهم قرب السبيل إلى النجاة منها بالإقلاع عنها فيسرعون بالتوبة والإنابة.
стр. 76
أصل عام في التربية:
هذا الحديث أصل عظيم في التربية المبنية على علم النفسية البشرية فإن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب. وعندما تشعر بحقارتها وعجزها تقعد عن العمل وترجع إلى أحط دركات السقوط.
فجاء هذا الحديث الشريف يحذر من تحقير الناس وتقنيطهم وذلك يقتضي أن المطلوب هو احترامهم وتنشيطهم.
وهذا الأصل العظيم الذي دل عليه هذا الحديث الشريف يحتاج إليه كل مرب سواء أكان مربيا للصغار أم للكبار، وللأفراد أم للأمم، إذ التحقير والتقنيط وقطع حبل الرجاء قتل للنفوس نفوس الأفراد والجماعات وذلك ضد التربية، والاحترام والتنشيط وبعث الرجاء إحياء لها وذلك هو غرض كل مرب ناصح في تربيته.
فاللهم صل على هذا النبي الكريم العظيم الرحيم الذي علمته ما لم يكن يعلم وكان فضلك عليه وعلينا به عظيما، فكم من علوم وأسرار انطوت عليها أحاديثه الشريفة قد أتت على ما لم تعرفه البشرية إلا بعد حين، ولا عجب فهو الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١).
стр. 77
لَا يُجْزَمُ لِأَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
إِلَّا بِنَصٍّ مِنَ الشَّارِعِ .
> رواه البخاري في صحيحه من طرق في عدة أبواب.
...
ــ
المتن:
ثبت عند البخاري أيضا ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ وثبت عنده أيضا «ما أدري ما يفعل به».
стр. 78
ترجمة شخصي الحديث:
شخصا الحديث هما اللذان كانا سببا في وروده وهما أم العلاء المزكية وعثمان المزكى. فأما أم العلاء فهي بنت الحارث بن ثابت الأنصاري الخزرجية، وهي أم خارجة بن زيد الراوي عنها. وأما عثمان بن مظعون فهو أبو السائب بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي من السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجُلا، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم.
الشرح:
لما جاء المهاجرون إلى المدينة ولا أهل لهم ولا مال، نزلوا على الأنصار من الأوس والخزرج فاقتسمهم الأنصار بالقرعة فطار في قسمة بيت زيد بن ثابت عثمان بن مظعون فأنزلوه في أبياتهم فمرض مرضه الذي توفي فيه فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله ﵌ فقامت أم العلاء في حضرة النبي ﵌ تثني على عثمان فدعت له بالرحمة وشهدت له جازمة بأن الله أكرمه أي بالجنة لأنها هي دار كرامة الله لعباده، فأنكر عليها النبي- ﵌ وقال لها وما يدريك أن الله أكرمه؟ أي من أين علمت ذلك. ففدته بأبيها تأدبا معه- ﵌ في الخطاب وقالت فمن يكرمه الله أي إذا لم يكرم عثمان مع سابقيته وهجرته وبدريته فمن يكرم! فبين لها النبي- ﵌ ما يجوز أن يقطع به وما لا يجوز أن يتعدى حد الظن، فقال لها أما هو فقد أتاه اليقين، يعني الموت وهذا مقطوع به، وإني لأرجو له الخير، وهذا هو الذي لا يجاوز حد الظن، ثم بين لها أن الغيب لا يعلمه إلا الله وأن البشر لا يعلمون الغيب حتى الأنبياء- ﵈ فإنهم لا يعلمون
стр. 79
إلا ما علمهم، فقال لها: «والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» فاهتدت إلى ما هداها إليه النبي- ﵌ وقالت والله لا أزكي أحدا بعده أبداً. تعني مثل هذه التزكية التي قطعت له فيها بالكرامة.
توضيح:
ما في لفظ الحديث موافق لما في سورة الأحقاف المكية من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال البيضاوي أي في الدارين على التفصيل إذ لا علم بالغيب. يعني إلا ما علمه الله وقد أعلمه الله بأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر في سورة الفتح المدنية وأعلمه بما أخبر به في الصحيح من منازله الكريمة يوم القيامة ومقامه المحمود وغيره من أنواع الخصوصية والكرامة.
الأحكام:
في الحديث اقتسام أهل القدرة أهل العجز عند الضرورة والشدة. وفيه الدخول على الميت بعد تسجيته في أكفانه، وفيه الدعاء للميت بالرحمة، وفيه المنع من القطع لأحد بالجنة دون نص شرعي، وفيه المبادرة بإنكار القول الباطل في الدين فور سماعه، وفيه مراجعة المعلم بإبداء وجه النظر الذي وقع الخطأ فيه، وفيه جواز ظن ورجاء الخير لأهله.
تفرقة:
ذكر الميت بما علم من حاله في حياته ثناء عليه جائز والقطع له بالنجاة ممنوع، فأما هذا الثاني فدليل منعه من الحديث المذكور، وأما الأول فدليل جوازه ما رواه مسلم في
стр. 80
صحيحه عن أبن عباس قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم، قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله- ﵌ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر. وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما. وهذا في ذلك الجمع دليل على إجماعهم على جوازه وهو لم يخرج عن ذكره بما علمه منه في حياته وظن الخير له بذلك بعد مماته.
تحذير وإرشاد:
لقد ابتلى كثير من الناس بالغلو فيمن يعتقدون فيهم الصلاح فيجزمون لهم بما لا يعلمه إلا الله، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا مات في رتبة كذا، وحصل عند الله على منزلة كذا، ثم زادوا على هذا فيزعمون أن فلانا يشفع لأتباعه ويعديهم على الصراط أو يجعله في بطنه ويمر بهم وأنه يحضر لهم عند الموت ويحضر لهم عند السؤال ويكون معهم في مواقف يوم القيامة، وكل هذه الدعاوى انبنت على الجزم بأنه ممن أكرمه الله وأنه من أهل الجنة ذلك الجزم الذي سمعت النهي والإنكار صريحين فيه من النبي- ﵌ على أم العلاء في رجل من السابقين الأولين البدريين، وليست هذه الدعاوى المبنية على المخالفة لهذا النهي النبوي الصريح قاصرة على العوام بل تجدها عند غيرهم وتسمعها ممن يرفعون أنفسهم عن طبقتهم، وتقرأها في الكتب التي عدلت عن الأحاديث
стр. 81
النبوية الصحيحة والطريقة النبوية الواضحة وذهبت في نيات الطريق فكانت بلاء على العامة وأشباههم ووبالا، فاحذر أيها الأخ المسلم من عقيدة الجزم بالكرامة والجنة لغير من نص عليه المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام. ومن تلك الدعاوى الباطلة التي انبنت عليها. ولا تجزم بالكرامة على الله لأحد غير المنصوص عليه وإن كان عظيما، فإن قول رسول الله- ﵌ أحق وأعظم وأنْفُ من لا يقول هذا ولا يقبله مرغم. وكل من استعظمته ممن هو على جانب من الصلاح والخير فإنه لا يداني مقام عثمان بن مظعون البدري في الصلاح والخير وقد سمعت ما سمعت من النهي النبوي عن القطع له بالكرامة.
ومهما أعدنا القول في هذا وأكدنا فإننا لا نفيه حقه من الإنكار والاستئصال لما نعلمه من رسوخ هذه الضلالة وقدمها والتهاون فيها وعظيم التجري على الله بها. وهذا الحديث النبوي هو دواؤها والقاطع لها، فليتأمله قراؤنا ولينشروه في المسلمين وليذيعوه بالتلاوة والتفسير والتأكيد والتقرير عسى أن يشفي الله به القلوب من داء الغلو والادعاء والغرور والتغرير، وليظن المسلم الخير بأهل الخير وليرج لهم حسن الجزاء والمصير كما رجا النبي ﵌ الخير لعثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه- بعد ما نهى عن الجزم بالكرامة له، وهذا هو دين الله الحق الوسط السالم من الغلو والتقصير. والله نسأل لنا ولجميع المسلمين أن يقف بنا عند حدود الشرع الشريف. ويحفظنا من الغلو والتقصير والتحريف، إنه هو الولي الحفيظ اللطيف (١).
стр. 82
تَكْثِيرُ السَّوَادِ
>>
عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكْثِرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، رواه البخاري في كتاب الفتن.
...
ــ
الألفاظ:
سواد القوم: أشخاصهم. قطع عليهم: بعث: فرض عليهم جيش يبعث للقتال. اكتتبت: كتب اسمه في جملة الجيش.
المعنى:
كان عبد الله بن الزبير قائما بمكة، وكان عبد الملك بن مروان بالشام، والفتنة مشتعلة بين المسلمين، بسبب النزاع ما بينهما، فكان عبد الله بن الزبير يبعث البعوث من الحجاز إلى قتال عبد الملك بالشام ففرض على أهل المدينة جيشا
стр. 83
فكتب فيه أبو الأسود محمد ابن عبد الرحمن الأسدي اسمه ليكون من جملته. ثم لقي عكرمة مولى ابن عباس، فذكر ذلك له، فنهاه عكرمة عن أن يكون في ذلك الجيش وأخبره عن ابن عباس بما كان من سبب نزول قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وهو أن قوما من المسلمين كان المشركون يخرجونهم معهم، لا ليقاتلوا المسلمين، وإنما ليكثروا سواد المشركين، ويظهروا عظم جيشهم، وكثرة عددهم في أعين المسلمين. فكانوا يقتلون بما يصيبهم من رمي السهام وضرب السيوف فأخذهم الله لمجرد تكثيرهم سواد المشركين، وإن لم يشاركوهم في القتال، ولا حضروه طائعين، وأنزل الآية الكريمة فيهم.
المطابقة:
ذكر عكرمة هذا لأبي الأسود لأنه أفاد حكم الله فيمن كثر سواد المقاتلين للمسلمين دون أن يقاتل، أو يكون راضيا أو طائعا بالحضور. فكيف بمن اكتتب للقتال مثل أبي الأسود؟ ولا فرق في المؤاخذة في قتال المسلمين، بين أن يكون مع المشركين أو مع المسلمين في الفتنة.
الأحكام:
من حضر مع قوم وكثر جمعهم فهو منهم وشريك لهم في عملهم، سواء أكان خيرا أم شرا كما يفيده الحديث الذي جعلناه ترجمة. وهو في مسند أبي يعلي. فأما في الشر فالنص فيه حديث ابن عباس هذا، وأما في الخير فحديث أبي هريرة في الصحيح، في القوم الذين يجتمعون فيسبحون الله ويكبرونه ويهللونه ويحمدونه ويسألونه ويستجيرونه ويستخيرونه ويستغفرونه، فيقول الله للملائكة ﵈، قد غفرت
стр. 84
لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا، فتقول الملائكة: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، فيقول تعالى: «وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».
الإهتداء:
فحق على المسلم أن يختار من يصاحب من رفقة، أو يجالس من جماعة، أو يكثر من سواد قوم، فإنه محاسب على أعماله ومن أعماله مجرد حضور بدنه. (١).
стр. 85
دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ
أَوِ الْكَلِمَةُ الْمُنْتِنَةُ .
>.
...
ــ
السند: رواه الشيخان وغيرهما.
الألفاظ: كسعه: ضرب دبره بيده أو صدر قدمه. رجل .. رجلا: كان الرجلان من الموالي. يا للأنصار، يا للمهاجرين: استغاثة من كل بقومه ومواليه لينصروه على الآخر. دعوى الجاهلية: الدعاء الذي كان يدعو به الجاهلية بنعرة العصيبة لإثارة الحمية يدعو الرجل قومه لينصروه ولو على الباطل. دعوها: اتركوها. منتنة: مكروهة في العقل والدين ككراهة الشيء المنتن في الشم ومفرقة للجمع كما يفرق النتن المجتمعين.
стр. 86
المعنى:
كان الرجل في الجاهلية- إذا نزل له أمر- استنصر بقبيلته وتعضد بهم ودعاهم إلى معونته ونصرته، بما بينه وبينهم من عصبية قبلية فتثور حميتهم فيندفعون إلى مؤازرته فيؤيدونه ظالما أو مظلوما، فإذا كان ظالما زادوا في ظلمه، وإذا كان مظلوما لم ينتهوا عند حد في الانتقام له من ظالمه، فلما جاء الإسلام أبطل الانتصار بالعصبية والتعضد على الانتقام بالقبيلة. وجعل الحكم بالقضاء الشرعي والتوصل إليه بالبينات والحكام. فلو أن ذلك المكسوع كان ممن تأدب بالإسلام وتغلغلت روح الإسلام في قلبه لكان دعا بدعوى الإسلام فقال يامسلمون قد ضربني هذا، وأقام عليه البينة وساقه إلى النبي- ﵌ ليقتص له منه، ولما لم يكن كذلك وكانت الروح الجاهلية لا تزال منها عقابيل (١) في صدره دعا بدعوى الجاهلية، وكان صاحبه مثله فقابله بمثلها، فلما سمع النبي- ﵌ ذلك منهما سأل عن السبب الذي أثار تلك الدعوى فلما عرفوه بسببها نهى عنها وحذر منها، فأبرزها في أقوى صورة تنفر منها إبرازا للمعقول في صورة المحسوس لأنه أبلغ في التأثير على السامع فوصفها بأنها منتنة.
الدعويان وأثرهما:
دعوى الجاهلية- يا بني عمي، أو يا قومي، أو يا أهل بلدي، أو يا أهل وطني- انتقموا لي، فإذا دعا بها وقعت التفرقة بين عشيرة وعشيرة أو بين قوم وقوم أو بين بلد وبلد، أو بين وطن ووطن، وأثارت الحمية في كل واحدة من الناحيتين على الأخرى ودفعت إلى الإسر اف والتعدي فأوسعت الظلم والشر،
стр. 87
وأبقت الإحن والأحقاد والتّرات مما يسترسل معه الظلم والفساد في المستقبل.
أما دعوى الإسلام فهي يا عباد الله، أو يا مسلمون إني ظلمت فأنقذوني أشهدوا لي. فإذا دعا بها كانت جامعة لا تفريق فيها وأهابت بالسامعين كلهم كذات واحدة كلهم ينصرون الحق فيكفوا الظلم إن كان واقعا على المظلوم في الحال ويشهدون بالظلم عند الحاكم ليجري العدل مجراه.
فأين تلك الآثار من هذه الآثار؟ ولقد ظهرت آثار الأولى في الأمة العربية في جاهليتها، وظهرت آثار الثانية فيها بعد إسلامها، فأرى الله العباد- عيانا
جهرة- اختلاف الأثرين في أمة واحدة في زمن قريب وأقام عليهم حجته، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفرقة وتمييز:
كل من سعى إلى تحصيل شيء مستعينا بذوي عصبية له لنسبة جنس أو قبيلة أو بلد أو شيخ أو حرفة أو فكرة غير ناظر إلى أمة على حق أو على باطل -فقد دعا دعوى الجاهلية وكل من أجابه فقد شاركه في دعواه. أما من عرف الحق وتيقن من نفسه الصدق في طلبه واستعان على تحصيله بمن تربطهم به روابط خاصة ولا يأبى أن يعينه عليه من لم يكن من جماعته لأن قصده إلى تحصيل الحق بإعانة أي كان- فهذا لا يكون دعا دعوى الجاهلية بل دعا دعوى إسلامية لأنها لم تخرج عن التعاون على الحق وهو من التعاون على البر والتقوى.
стр. 88
إستدلال:
ثبت في صحيح مسلم في غزوة حنين أن رسول الله- ﵌ قال: «أي عباس ناد أصحاب السمُرة» فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ وكانت الدعوة: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار ثم قصرت على بني الحرث بن الخزرج فصارت: يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخزرج.
فكانت الدعوة- في ذلك اليوم الشديد- لمن جمعتهم بيعة الرضوان وهم أهل السمرة ثم لمن جمعهم اسم الأنصار ثم لمن جمعهم اسم أب. وكان ذلك كله حقا لأنه دعوة إلى الحق.
تحذير وإرشاد:
ليحذر المسلم من كل كلمة مفرقة من كل ما يثير عصبية للباطل وحمية جاهلية يدعو بها ولا يجيب من دعا إليها فإن بلاء كثيراً حل بنا وفتنة كثيرة أصابتنا من تلك الكلمات المفرقة.
ولتكن دعوته- إذا دعا- بالكلمات الجامعة التي تشعر بالأخوة العامة وتبعث على القيام بالواجب بأيد متشابكة وقلوب متحدة حتى إذا دعا جماعة خاصة يعلم منه نفعا خاصا في مكان خاص فليكن بما يفهمهم أنه إلى الحق دعاهم وعلى القيام به استعان بهم دون إباية من انضمام كل من ينضم إليهم، فإنه ما توجه قوم إلى نصرة الله- ورضا الله قصدهم إلا كان الله معهم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
стр. 89
الشِّرْكُ وَالْوَثَنِيَّةُ وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ .
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﵌: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح.
...
ــ
كان النبي- ﵌ يعرف أصحابه بما يكون في أمته من بعده، وهو تعريف للأمة بما يكون فيها، يعرفهم بذلك ليحذروه ويجتنبوا أسبابه، ويبادروا إلى معالجته عند وقوعه.
لا يستبعد مسلم صدور الشرك والوثنية ودعوى النبوة من غير المسلمين، وإنما يستبعد ويستنكر أن يكون شيء من هذا ممن يقولون أنهم مسلمون، ولهذا قدم النبي- ﵌ هذا التعريف والإنذار، حتى إذا وقع شيء من هذا من هذه الأمة بودر إلى إنكاره وعلاجه، ولم يتساهل معهم في شيء من ذلك لأنهم يقولون أنهم مسلمون.
стр. 90
اللحوق بالمشركين:
من اعتقد مثل عقيدتهم أو فعل مثل أفعالهم أو قال مثل أقوالهم فقد لحق بهم، وقد يكون اللحوق تاما مخرجا عن أصل الإسلام، وقد يكون دون ذلك. فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله هو خلقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته، ولكنهم كانوا يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد أنها هي تقربهم إلى الله.
وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم وتقف أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه. ويزيدون أنهم يتصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب.
ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها.
وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاءً لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر.
ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها.
وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون.
стр. 91
فهذه الطوائف الكثيرة كما قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله- ﵌ في قوله: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين».
عبادة الأوثان:
كانت عبادة الأوثان في الجاهلية بالخضوع والتذلل لها ورجاء النفع وخوف الضر منها، فينذرون لها النذور وينحرون لها النحائر يلطخونها بالدماء ويتمسحون لها.
وفي الناس اليوم طوائف كثيرة لها أشجار ولها أحجار تسميها بأسماء وتذكرها بالتعظيم وتذبح عندها الذبائح وتوقد عليها الشموع وتحرق عندها البخور وتتمسح بها وتتمرغ عليها. مثل فعل الجاهلية أو تزيد.
فصدق عليهم رسول الله- ﵌: «وحتى يعبدوا الأوثان».
هذا كله واقع في الأمة لا شك فيه، وكما كان من نصح نبيها- ﵌ أن أنذرها بوقوعه فيها قبل وقوعه - فإن من نصح علمائها لها أن يعرفوها به اليوم بعد وقوعه، ويصوروه لها على صورته الشركية الوثنية التي ينفر منها المسلم بطبعه. ولو أن الأمة سمعت صيحات الإنكار من كل ذي علم لأقلعت عن ضلالها. ورجعت إلى رشدها فما أسعد من نصحها من أهل العلم وجاهد لإنقاذها. وما أشقى من غشها وزادها رسوخا في ضلالها، وتماديا في هلاكها، فحيهلا على العمل أيها المصلحون الناصحون المخلصون، فإن عهد الغش والخديعة قد آذن بذهاب، وأن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
стр. 92
دعوى النبوة: قد ضلت وهلكت باتباع أشخاص أدعوا النبوة من هذه الأمة - طوائف كثيرة، وقد كان منهم أول الإسلام مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، ثم كان المختار بن عبيد الثقفي ثم كان منهم في عصرنا قبيله الباب، وإليه تنسب البابية والبهاء، وإليه تنسب البهائية، وغلام القادياني وإليه تنسب القاديانية، وقد كادت هذه القاديانية تدخل الجزائر على يد طائفة الحلول وشيخها، لولا أن قام في وجوههم العلماء المصلحون وفضحوهم على صفحات ((الشهاب)) أيام كان أسبوعيا، فرد الله كيدهم، ووقى الله الجزائر شراً عظيما.
وقد أخبر النبي- ﵌ عن هؤلاء الكذابين بأنهم ثلاثون فلا بد أن يصلوا إلى هذا العدد، وقد تكون بقيتهم في أحشاء الأيام.
وقد أخبر ﷺ أنهم كذابون، وأنه لا نبي بعده، وقد صدق قوله ﵌ فما من واحد منم إلا وقد ظهر من كذبه ما عسر تأويله على أصحابه، ومن غلطه وخلطه ما يدل على أنه لا مستند له من اليقين. فصلى الله على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين (١).
стр. 93
إِتِّحَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاوُنِهِمْ .
«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، ومسلم عنه أيضا إلى قوله بعضا.
...
ــ
المفردات:
المؤمن: ال في اللفظين جنسية استغراقية، فالمراد جميع الأفراد، للمؤمن: اللام لام الاختصاص، يشد: يقوي بعضه بعضا بالتضام والالتحام، شبك: أدخل أصابع اليمنى بين أصابع اليسرى، وأصابع اليسرى بين أصابع اليمنى.
التراكيب:
الجملة الأولى خبرية لفظا، طلبية معنى، أي ليكن المؤمن للمؤمن كالبنيان، وجيء بالطلب على صورة الخبر تنبيها على أن هذا المطلوب هوالشأن الذي لا ينبغي أن يكون سواه، فهو بحيث يخبر عنه لا أن يطلب، والجملة الثانية استئنافية لبيان وجه التشبيه.
стр. 94
المعنى:
الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد كما قال ﵌ في الحديث الآخر: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
زيادة بيان:
لقد قرر الحديث الشريف معنى الاتحاد الذي يجب أن يكون بين جميع أفراد المؤمنين على أكمل وجه في التصوير، وأبلغه في التأثير، فقد شبههم بالبنيان، وذلك وحده كاف في إفادة الاتحاد، وزاد عليه التصريح بالشد والتقوية ليبين أن في ذلك الاتحاد القوة للجميع تأكيدا للزوم الاتحاد بذكر فائدته، ثم زاد عليه التصوير بالمحسوس، لما شبك ﵌ بين أصابعه. هذا كله ليبين للمؤمنين لزوم الاتحاد وضرورته.
تبصر:
ألا ترى البنيان كيف يتركب من الحجارة الكبيرة، والحجارة الصغيرة والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتكسى، وكل ذلك محتاج اليه في تشييد البنيان، فكذلك بنيان المؤمنين فإنه متكون من جميع أفرادهم، على اختلاف طبقاتهم، فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كل حال أن يسد الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كل واحد منها فكل واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار
стр. 95
المركز الذي هو فيه، والقدرة التي عنده، ولا يجوز لأحد وان كان أحقر حقير أن يخل بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير.
ثم ألا ترى أصابعك وفيها القوي وفيها الضعيف، حتى إذا شبكتها صارت كشيء واحد له قوة ومتانة زائدة، وكل أصبع منها يمكن أن يلوى ما دام وحده، فإذا شبكتها عسر ليها وقوي أمرها، فكذلك المؤمنين (١) باتحادهم وفيهم القوي وفيهم الضعيف تكون لهم قوة عامة زائدة، وكل واحد منهم بمفرده يمكن قهره فأما إذا اتحدوا فإنهم يكونون بقوة اتحادهم في مأمن من كل قهر.
تفقه:
لما قال ﵌: (المؤمن للمؤمن .. الخ). علق الحكم على الوصف، فاقتضى ذلك أن هذا هو واجب كل مؤمن من حيث انه مؤمن مع كل مؤمن من حيث انه مؤمن، فيجب لهذا أن تطرح في مقام الاتحاد والتعاون جميع المفرقات من المذاهب والمشارب، وينظر إلى وصف الايمان فقط. فهذه المذاهب وهذه المشارب، أهلها كلهم أهل إيمان، لا يدفع بعضهم بعضا عن ذلك، والنبي- ﵌ قد أمرهم بالاتحاد والتعاون باعتبار الوصف الأصلي الذين هم مشتركون فيه، ليكون الاتحاد والتعاون في مكنتهم، دون التفات إلى ما أحدثوه من مفرقاتهم، فمن تعامى عن وصف الايمان الموجب للاتحاد ونظر إلى مذهب أو مشرب من موجبات الافتراق فقد عصى أبا القاسم- ﵌
стр. 96
وحاد الله ورسوله، وأعرض عن دعوة الحق، وأجاب داعي الشيطان.
سلوك:
علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب، أكيد، محتم علينا مع جميع المؤمنين، وأن فيه قوتنا وحياتنا، وفي تركه ضعفنا وموتنا، وأن نعلن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا، وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا في كل ما يقتضيه وصف الايمان الجامع العام.
والله المستعان وعليه التكلان (١).
стр. 97
قِيمَةُ الرَّجُلِ بِقِيمَةِ قَوْمِهِ .
لما قَالَ النَّبِيُّ- ﵌ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ». نبه على معنى عظيم في ارتباط كل فرد بأمته ارتباط الجزء بكله، وهذا الارتباط يقتضي أمورا كثيرة منها ما جاء نصا في الحديث الشريف، ومنها ما يؤخذ مما يقتضيه التشبيه، ومن هذا أن الفرد منظور إليه في النظر الاجتماعي العام بما ينظر به إلى أمته، سواء أساواها في المستوى الذي هو فيه من رقي وانحطاط أم كان أسمى منها أو أدنى، فقيمته في النظر الاجتماعي العام هي قيمتها.
...
ــ
جمعتني ليلة بثلاثة من شبابنا المتعلم التعليم الأوروبي، والمتأدب الأدب الإفرنجي ممن لا ينقصه شيء عن الطبقات الراقية منهم، وانساق بنا الكلام إلى ما تكتسب به الأمم والأفراد الاحترام في عين غيرها، واتفقنا على أن الأمة التي لا تحترم مقوماتها من جنسها ولغتها ودينها وتاريخها لا تعد أمة بين الأمم، ولا ينظر إليها إلا بعين الاحتقار مع القضاء عليها في ميادين الحياة بالتقهقر والاندحار. وأن الفرد الذي لا يحافظ على ذلك من أمته لتأخرها في سير الزمان بما أحاط بها من
стр. 98
ظروف الحياة، وأن تحلى بأعظم وأحسن ما يتحلى به الراقون من أمة أخرى لا ينظر إليه إلا بالعين التي ينظر بها إلى أمته.
أخذ أولئك الشبان- وقد زالت عن أبصارهم غشاوة الغرور والغفلة لما أقنعتهم بأن قيمة الرجل بقيمة أمته- يقصون علي من الوقائع التي وقعت لهم هم أنفسهم ما يثبت تلك الحقيقة ويؤيدنها.
قلت لأولئك الأخوان- وقد اندهشت مما لم أكن أحسبه يقع-: لا تلوموا من عاملكم بما تقتضيه نظرة اجتماعية عامة، ولكن لوموا أنفسكم إن جهلتم هذه الحقيقة، وأنتم أبناء دين قررها من أول أيامه في مثل الحديث الشريف الذي افتنحنا به هذا المقال.
واليوم- وقد تجلت لكم الحقيقة علميا وعمليا- عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنشلوها مما هي فيه بما عندكم من علم وما اكتسبتم من خبرة محافظين لها على مقوماتها سائرين بها في موكب المدنية الحقة بين الأمم، وبهذا تخدمون أنفسكم وتخدمون الإنسانية بإنهاض أمة عظيمة تاريخية من أممها، ثم لا يمنع هذا من أخذ العلم عن كل أمة وبأي لسان واقتباس كل ما هو حسن مما عند غيرنا ومد اليد إلى كل من يريد التعاون على الخير والسعادة والسلام (١).
الألفاظ:
الراهب: هو العابد وكانت الرهبنة فيمن قبلنا بالانقطاع عن الناس والتفرغ للعبادة، ابتدعها أهلها دون أن يكتبها الله عليهم كما في سورة الحديد. ثم جاء الإسلام فشرع الجمعة والجماعة فأبطل الانقطاع عن الناس للعبادة إلا من فرَّ بدينه أيام الفتنة خوفا على نفسه منها. والعالم من له دراية وملكة واشتغال بالعلم، والمقابلة ما بينهما في الحديث تقتضي أن الراهب لم يكن عنده من العلم ما يقال في صاحبه عالم. والعالم لم يكن عنده من الانقطاع للعبادة ما يقال في صاحبه راهب. قال الإمام محمد السنوسي- رادا على الأبي-: تسمية النبي- ﵌ الرجل الثاني بالعالم والأول بالراهب يدل على أن الراهب ليس بعالم، والحجة فيما دل عليه لفظه ﵌ من أن كل واحد إنما ثبت له في نفس الأمر معنى الوصف الذي أطلقه عليه، وأما دلالة الدال على الراهب وهو إنما سئل عن العالم فليس فيه دليل على أن الراهب كان عالما لاحتمال أن يكون الدال رجلا جاهلا، ولا يعرف العالم إلا من هو عالم، لا سيما والرهبانية كثيرا ما يعتقد الجهلة ملازمتها للعلم. والترهب إن سلم أنه يقتضي العلم فإنما يقتضي العلم بما يحتاج إليه في ترهبه وإلا فكم من مترهب جاهل. ا ه
المعنى:
هذا رجل جنى هذه الجنايات العديدة ثم ذكر الله تعالى فأراد الرجوع إليه فسأل عن أعلم أهل الأرض ليوجده سبيلا إلى ذلك، فدله من دله على راهب لاعتقاد العامة العلم في كل مظهر للتعبد، فلم يجد عنده مخرجا من جنايته فكمل بقتله المائة محمولا على
стр. 101
ذلك باليأس والجرأة والاستهانة بقتل النفس. ولكنه بقي مع ذلك يطمع أن يجد عند غيره سبيلا، فدل على عالم فأفتاه بإمكان التوبة مستدلا بأنه لا شيء يحول بينه وبينها، وأشار عليه بمفارقة أرضة التي ضري فيها على الجنايات فإنها كانت أرض سوء عليه، وأمره أن يذهب إلى أخرى بها قوم صالحون يعبدون الله ويسيرون بطاعته فيصاحبهم ويعبد الله معهم لإصلاح نفسه بمعاشرة الصالحين وتحقيق توبته بالعمل الصالح معهم، فذهب الرجل على هذه النية وأدركه الموت قبل أن يصل إلى تلك الأرض، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وحجتهم نيته التي خرج عليها، وملائكة العذاب وحجتهم أنه لم يعمل عملا صالحا، فكان القضاء لملائكة الرحمة تغليبا لجانب القصد والنية وتأيدت النية بجده في السير إلى الأرض التي قصد حتى كان أقرب إليها من الأرض التي خرج منها.
الأحكام:
في الحديث لزوم السؤال للجهال. وفيه أن أهل العلم هم الذين يسألون عنه لا غيرهم وإن كان أكثر عبادة، ولذا قال مالك ﵀: (لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه معلن السفه، وصاحب هوى يدعو إليه، ورجل معروف بالكذب في حديث الناس وإن كان لا يكذب على الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به)، ذكره ابن عبد البر في جامع العلم. وفيه صحة توبة القاتل وهو مذهب جمهور السلف وهذا الحديث من أدلتهم.
عبرة وتحذير:
العلم قبل العمل ومن دخل في العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال، وربما
стр. 102
اغتر به الجهال فسألوه فاغتر هو بنفسه فتكلم بما لا يعلم فضل وأضل.
فهذا الراهب قد دل عليه من دل عليه يحسبه أعلم أهل الأرض فسئل فأجاب بما لا يعلم فعادت مصيبة ذلك عليه وعلى سائله، ولو دل هو سائله على غيره من العلماء لسلم هو وسلم السائل، فحذار من التقصير في العلم اللازم للعبادة. وحذار من الكلام في دين الله، والإفتاء للناس بغير علم مؤهل لذلك. وحذار من صرف الناس عن العلم وأصله إذا رأيتهم قد افتتنوا بك.
إستشهاد:
جاء في حديث رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما عن ابن عباس- ﵃ وخرجه ابن عبد البر في جامع العلم عنه وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- أن فقيها واحداً أشد على الشيطان من ألف عابد. وواقع هذا حديثنا مما يشهد لذلك، فقد رأيت ماذا جر الراهب على نفسه وعلى غيره، وكيف أنقذ العالم ذاك الشرير من الهلاك. نسأل الله الفقه في الدين وعمل الصالحين وتوبة الأوابين لنا ولجميع المسلمين آمين يا رب العالين (١).
السند الثاني:
ابن أبي الشوارب ثقة روى عنه مسلم والترمذي والنسائي، وأبو عوانه أحد الأعلام روى له الستة، وعبد الملك وربعي تقدما، والطفيل صحابي.
رتبة الحديث:
الحديث صحيح بسنديه مرفوع بهما ولا يضر إبهام الرجل الرائي لأن حذيفة قال أنه من المسلمين والمسلمون يومئذ هم الصحابة وكلهم عدول ولأن حذيفة نقل بلوغ الرؤيا للنبي- صلى الله عليه وآله وسم- ونقل قوله عند سماعها.
مزيد بيان: ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: (أن سفيان وشعبة وزائدة) يعني ابن قدامة ثقة روى له البخاري وجماعة رووا عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل حديثه هذا. وقال أبو عمر: وفي حديث زائدة عن الطفيل أنه رأى في المنام أن قائلا يقول له من اليهود: نعم القوم أنتم لولا قولكم ما شاء الله وما شاء محمد ثم رأى ليله أخرى رجلا من النصارى فقال له مثل ذلك فأخبر بذلك النبي- ﵌ فقام خطيبا فقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد وقولوا ما شاء الله وحد» وزاد بعضهم فيه ثم ما شاء محمد. فأفادنا كلام ابن عبد البر تعدد الرواة عن عبد الملك، وبينت لنا رواية زائدة بن قدامة أن الرائي هو الطفيل بن سخبرة وأن الرؤيا تكررت، وأن النبي- ﵌ قام خطيبا في الناس لمزيد العناية والاهتمام بالأمر، وأنه قال: ما شاء الله وحده.
стр. 105
الجمع:
لا تعأرض بين الروايات فيعمل بها كلها، وقوله في رواية زائدة ما شاء الله وحده لا ينافي ثم ما شاء محمد فيكفي الاقتصار على ثم ما شاء محمد، كما عند ابن ماجة. والأحسن أن يزيد قبله لفظة وحده ليأتي بجميع الوارد.
الألفاظ:
تشركون: أي تقرنون بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق بعبارة تفهم التسوية وهي العبارة المذكورة في الجملة التالية المبينة وهي قوله: «تقولون ما شاء الله وشاء محمد» وهذه العبارة قد تكون في نحو قولهم: افعل ذلك ما شاء الله وشاء محمد أو لا أفعله ما شاء الله وشاء محمد.
وفي الاستثناء في اليمين نحو إلا ما شاء الله وشاء محمد، وفي باب اليمين أورد الحديث ابن ماجة. إن كنت لأعرفها لكم. ان نافية واللام في لاعرفها لام الجحود والفعل بعدها منصوب فنفى معرفته بهذه العبارة منهم على وجه يفيد أنها شيء ما كان ليخطر في باله لمنافاته لإيمانهم وتوحيدهم وعدم مناسبتها لحالهم. ثم: تفيد انحطاط مشيئة المخلوق عن مشيئة الخالق وتأخرها وتلك هي رتبتها وقد شاء الله ما شاء وحده ثم كانت مشيئة المخلوق، فلفظة وحده أصرح في استقلال مشيئة الله.
المعنى:
كان بعض من الصحابة يقولون هذه العبارة دون أن يعلم بهم النبي- ﵌ فأراد الله أن يطلع عليها نبيه لينهاهم عنها، وكان من حكمتها أن اطلعهُ عليها بهذا الوجه. أرى بعض الصحابة رؤيا فيها تعبير لهم بالشرك الذي
стр. 106
هو أبغض الأشياء إليهم من بعض أهل الكتاب وهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ليكون ذلك أشد في الزجر وأعظم في التوبيخ، فذكرت الرؤيا للنبي- ﵌ وكانوا يقصون عليه رؤاهم فنفى علمه بصدور تلك العبارة منهم، وأظهر إنكاره وتعجبه من صدور تلك العبارة الشركية التي ما كان ليظن صدورها منهم، وفي هذا ما فيه من اللوم والتعنيف، فقام خطيبا فيهم فنهاهم عن العبارة الشركية الباطلة، وبين عبارة التوحيد والحق الصحيحة، وهي أن يقولوا ما شاء الله وحده ثم ما شاء محمد أو ما شاء الله ثم ماشاء محمد.
الأحكام:
أفاد الحديث النهي عن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق بالواو وجواز القرن بينهما بثم وأثبت للمخلوق مشيئة ولكنها مقيدة ومتأخرة بخلاف مشيئة الخالق فإنها سابقة ومطلقة مستقلة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وأفاد أن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق شرك، وأن من فعل ذلك يقال له قد أشركت لأنه لما قصت عليه الرؤيا وفيها قوله لولا أنكم تشركون أقر ذلك ولم ينكره. وأن كلمة الشرك لا يجوز أن تقال ولو كان قائلها لا يعتقد المساواة بين الخالق والمخلوق، كما هو حال الصحابة الذين لا يشك في عملهم بذلك، وأن قائل كلمة الشرك هذه وإن كان يقال له أشركت كما تقدم لا يخرج بذلك من الإيمان حيث كان لا يعتقد التسوية فإنه لم يحكم بردتهم بتلك الكلمة وإنما نهاهم عن قولها.
стр. 107
تأييد:
روى ابن ماجة في هذا الباب بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵌: «إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت». وهذا الحديث في معنى الحديث الذي تكلمنا عليه.
تفصيل أول: الشرك يكون بالاعتقاد وهذا مخرج عن الإيمان ويكون بالقول مثل الكلمة المتقدمة وهذا لا يخرج صاحبه من الإيمان وإنما يحرم عليه النطق به.
تفصيل ثان: من الصفات ما يثبت لله على ما يليق بجلاله ويثبت للمخلوق على ما يليق بحدوثه وافتقاره كالمشيئة وكالعطاء، عندما تكون للمخلوق أسباب فيها، فهذا يسند إليهما ويحرم أن يسوى بينهما في العبارة، ويجب الإتيان بعبارة صريحة في عدم التسوية، فأما المشيئة فقد تقدمت وأما العطاء فكأن تقول لمن أعطاك شيئا هذا من فضل الله ثم من فضلك، ومنها ما لا يجوز أن يجمع فيه بين الإسناد للمخلوق والخالق أبدا كالعطاء الذي لا دخل للمخلوق فيه لخروجه عن الأسباب الممكن هو منها فلا يجوز أن تقول في غيث نزل مثلا هذا من الله ومن فلان ولا ثم من فلان لأنه لا دخل لأحد فيما وراء الأسباب.
تطبيق:
إذا نظرنا في حالة السواد الأعظم منا معشر المسلمين الجزائريين فإننا نجهد هذه الكلمات شائعة بينهم فاشية على ألسنتهم وهي (بربي والشيخ) وهم يعنون أن ما يفعلونه هو بالله وبتصرف الشيخ (بربي والصالحين) (بربي والناس الملاح) (إذا حب ربي والشيخ) (شوف ربي والشيخ). وهي كلها من
стр. 108
كلمات الشرك كما ترى، فأما قولهم: (بربي والشيخ) ونحوه فمما لا يجوز أن يذكر فيه المخلوق مع الخالق قطعا لأن ما تفعله هو بالله وحده أي بتقديره وتيسيره ولا دخل للمخلوق فيه، وأما قوله: (إذا حب الله والشيخ) فمما لا يجوز إلا بلفظة ثم. فيكون بمعنى إذا شاء الله ثم شاء الشيخ إذا كان هذا الشيخ حيا وكان الأمر مما يكن أن تدخل مشيئته فيه. ولقد شب على هذه الكلمات ونحوها الصغير، وشاب عليها الكبير، وانقطع عنها النهي والتغيير، حتى صارت كأنها من الكلمات المشروعة، وصار قلعها من الألسنة من أصعب الأمور، وأصبحت كلمة بالله وحده ونحوها مهجورة لديهم منسية عندهم ثقيلة على أسماعهم ثقل من يدعوهم إليها ويلهج بها على قلوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
العلاج:
على من عرف هذا الحديث النبوي أن يعمل به في نفسه وأن ينشره بين الناس وأن يعالجهم به بتفهيمهم فيه وتحذيرهم من مغبة مخالفته والإصرار على معاندته. ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. فإلى التوحيد أيها المسلمون، وإلى الإرشاد أيها العالمون، والله مع الصابرين (١).
стр. 109
الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ
أَيْنَ يَهْدِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
((قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ لمسلم.
...
ــ
المفردات:
عليكم: اسم فعل بمعنى تمسكوا. وإياكم منصوب على التحذير في معنى احذروا. والصدق: مطابقة الخبر للواقع وتصويره على ما هو عليه. والكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع وتصويره على خلاف مما هو عليه. يهدي إلى كذا: يعني يوصل إليه، بتحري الشيء: يقصده ويتعمده ولا ينحرف عنه، البر: اسم جامع للخير كله، والفجور: الانبعاث في الشر، الصدّيق: الكثير الصدق، والكذّاب: الكثير الكذب.
стр. 110
التراكيب:
عبر بالمضارع في يصدق ويكذب ويتحرى ليفيد التجدد وأن ذلك هو شأنه الذي يتكرر منه.
المعنى:
تمسكوا بالصدق والزموه فإن الصدق يوصل إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، وإن العمل الصالح يوصل إلى الجنة، وإن الرجل ليتكرر منه الصدق ويتكرر منه تعمد الصدق والقصد إليه والتزامه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة صديقا فيثاب ثواب الصديقين ويرضى عليه رضاهم. واحذروا الكذب واجتنبوه فإن الكذب يوصل إلى الشر والانبعاث فيه وأن الشر يوصل إلى النار. وأن الرجل ليتكرر منه الكذب ويتكرر منه تعمده والقصد إليه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة كذابا فيؤثم إثم الكذابين ويسخط عليه سخطهم.
تفصيل وتقسيم:
الصدق والكذب يكونان باللسان على ما تقدم من التفسير وهو الأصل في إطلاقهما. وعليه محمل الحديث، ويكونان - في القلب من حيث الاعتقاد، فالعقد الحق الجازم صدق، والعقد الباطل كذب، ويكونان في الجوارح من حيث الأفعال فالفعل الموفر حقه الواقع على وجهه صدق، والفعل الناقص الواقع على غير وجهه كذب، وجماعها كلها الحق والكمال في الصدق والباطل والنقص في الكذب فأقسام كل منهما مرتبط بعضها ببعض ارتباطا يكاد لا ينفصل ويكاد من التزم بعضها أن لا يفارق الآخر. ولا يكمل العبد في مقام الصديقة إلا بكماله في أقسام الصدق كلها وبعده عن أقسام الكذب كلها.