← Акыда

Акыда · id 349

تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد

ناصر الدين الألباني

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد بقلم محمد بن ناصر الدين الألباني الطبعة الرابعة المكتب الإسلامي

стр. 2

مقدمة الطبعة الثانية

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (١) ( ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ (٣)

стр. 4

أما بعد فقد كنت طبعت آخر سنة (١٣٧٧) هجرية رسالة بعنوان " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وكانت نسختي الخاصة من هذه الطبعة طيلة هذه المدة في متناول يدي كلما عثرت على فائدة زائدة تناسب موضوعها علقتها عليها رجاء ضمها إليها عند إعادة طبعها مزيدة ومنقحة وبذلك توفر عندي زيادات كثيرة هامة ولما طلب مني الأستاذ الافضل زهير الشاويش صاحب المكتب الاسلامي أن أقدمها إليه ليجدد طبعها افتقدتها فلم أجدها ولما يئست منها أرسلت إليه نسخة أخرى استعرتها من بعض أصحابي لتطبع كما هي على قاعدة: " ما لا يدرك كله لا يترك جله " وبينما كان أخي الاستاذ زهير الشاويش يعد العدة لطبعها إذ عثرت عليها بفضل الله تعالى وكرمه فبادرت بإرسالها إليه بعد تهذيبها وتهيئتها للطبعة الثانية ولما كان لتأليف الرسالة المذكورة يؤمئذ ظروف خاصة وملابسات معينة اقتضت الحكمة أن يكون أسلوبها على خلاف البحث الهادئ والاستدلال الرصين ذلك أنها كانت ردا على أناس لم تعجبهم دعوتنا إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح وخطة الأئمة الأربعة وغيرهم ممن اتبعوهم باحسان فبادؤونا بالتأليف والرد وليته كان ردا علميا هادئا إذن لقابلتهم بأحسن منه ولكنه لم يكن كذلك مع الأسف بل كان مجردا عن أي بحث علمي مملئا بالسباب والشتائم وابتكار التهم التي لم تسمع من قبل لذلك لم نر يؤمئذ أن من الحكمة السكوت عنهم وتركهم ينشرون رسائلهم بين الناس دون أن يكون لدى هؤلاء مؤلف يكشف القناع عما فيها من الجهل والتهم ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ (٤) لذلك كان لا بد من الرد عليهم بأسمائهم وعلى الرغم من أنني لم أقابل اعتداءهم وافتراءهم بالمثل فقد كانت الرسالة على طابعها العلمي ردا مباشر عليهم وقد يكون فيها شئ من القسوة أو الشدة في الأسلوب في رأي بعض الناس الذين يتظاهرون بامتعاظهم من الرد على المخالفين المفترين ويودون لو أنهم تركوا دون أن يحاسبوا على جهلهم وتهمتهم للأبرياء متوهمين أن السكوت عنهم هو من التسامح الذي قد يدخل في مثل قوله تعالى ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (٥) وينسون أو يتناسون أن ذلك مما يعينهم على الاستمرار على ضلالهم وإضلالهم للأخرين والله عزوجل يقول ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (٦) وأي أثم وعدوان أشد من اتهام المسلم بما ليس فيه بل بخلاف ما هو عليه ولو أن بعض هؤلاء المتظاهرين بما ذكرنا أصابه من الاعتداء دون ما أصابنا لسارع إلى الرد ولسان حاله ينشد:

стр. 5

ألا لا يجلهن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين أقول على الرغم من ذلك: فإنني لأرى أن طبع الرسالة من جديد على وضعها السابق ليس من ورائه فائدة تذكر لذلك كان لابد من حذف بعض التعليقات وتعديل قليل من العبارات مما يهذب من أسلوبها ويتناسب مع طبعتها الجديدة ولا ينقص من قيمتها العلمية وبحوثها المهمة وقد كنت ذكرت في مقدمة الطبعة الأولى أن موضوع الرسالة ينحصر في أمرين هامين جدا: الأول: حكم بناء المساجد على القبور الثاني: حكم الصلاة في هذه المساجد وإني آثرت البحث فيهما لأن بعض الناس خاضوا فيهما بغيرعلم وقالوا ما لم يقله قبلهم عالم لا سيما وأكثر الناس لا معرفة عندهم فيه مطلقا فهم في غفلة عنه ساهون وللحق جاهلون ويدعمهم في ذلك سكوت العلماء عنهم إلا من شاء الله وقليل ما هم خوفا من العامة أو مداهنة لهم في سبيل الحفاظ على منزلتهم في صدورهم متناسين قول الله ﵎ ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أؤلئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ (٧) وقوله ﷺ : " من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ". (٨) وكان من نتيجة هذا السكوت وذلك الجهل أن آل الأمر إلى ارتكاب كثير من الناس ما حرم الله تعالى ولعن فاعله كما سيأتي بيانه وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل صار بعضهم يتقرب إلى الله ﵎ بذلك فترى كثيرا من محبي الخير وعمارة منهم ينفق أموالآ طائلة ليقيم لله مسجدا لكنه يعد فيه قبرا يوصي أن يدفن فيه بعد موته وآخر مثال أعرفه على ذلك وعسى أن يكون الأخير إن شاء الله هذا المسجد الذي هو في رأس شارع بغداد من الجهة الغربية بدمشق وهو المعروف ب " مسجد بعيرا " وفيه قبره وقد بلغنا أن الأوقاف مانعت في دفنه أول الأمر ثم لا ندري الأسباب الحقيقية التي حالت بينها وبين ما أرادت ودفن " بعيرا " في مسجده بل في قبلته وإنا لله وإنا إليه راجعون وهو المستعان على الخلاص من هذه المنكرات وأمثالها

стр. 6

ومنذ أيام قليلة توفي أحد المفتين من الشافعية فأراد ذووه ان يدفنوه في مسجد من المساجد القديمة شرقي دمشق فمانعت الأوقاف أيضا في ذلك فلم يدفن فيه ونحن نشكر الأوقاف على هذه المواقف الطيبة وحرصها على منع الدفن في المساجد راجين الله ﵎ أن يكون الحامل لها على هذا المنع هو رضاء الله عزوجل واتباع شريعته ليس هو اعتبارات أخرى من سياسية أو اجتماعية أو غيرها وأن يكون ذلك بداية طيبة منها في سبيل تطهير المساجد من البدع والمنكرات المزدحمة فيها لا سيما ووزير الأوقاف فضيلة الشيخ الباقوري له مواقف كريمة في محاربة كثير من هذه المنكرات وخصوصا بناء المساجد على القبور وله في هذا الموضوع كلام مفيد سيأتي نقله في المكان المناسب إنشاء الله تعالى ومن المؤسف لكل مؤمن حقا أن كثيرا من المساجد في البلاد السورية وغيرها لا تخلو من وجود قبر أو أكثر فيها كأن الله ﵎ أمر بذلك ولم يلعن فاعله فكم تحسن الأوقاف صنعا لو حاولت بحكمتها تطهير هذه المساجد منها ولست أشك أن ليس من الحكمة في شئ مفاجأة الرأي العام بذلك بل لا بد من إعلامه قبل كل شئ أن القبر والمسجد لا يجتمعان في دين الإسلام كما قال بعض العلماء الأعلام على ما سياتي وأن اجتماعهما معا ينافي إخلاص التوحيد والعبادة لله ﵎ هذا الإخلاص الذي من أجل تحقيقه تبنى المساجد كما قال تعالى ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (٩) (٩) - سورة الجن آية ١٨

стр. 7

أعتقد أن بيان ذلك واجب لا مناص منه ولعلي اكون قد وفقت للقيام به في هذه الرسالة فقد جمعت فيها الأحاديث المتواترة في النهي عن ذلك وأتبعتها بذكر مذاهب العلماء وأقوالهم المعتبرة التي تدل على ذلك وتشهد في الوقت نفسه على أن الأئمة رضي الله عن هم كانوا أحرص على اتباع السنة ودعوة الناس إلى اتباعها والتحذير من مخالفتها ولكن صدق الله العظيم القائل: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾ (١٠) وهذه فصول الرسالة: الفصل الأول: في أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد الفصل الثاني: في معنى اتخاذ القبور مساجد الفصل الثالث: في أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر الفصل الرابع: شبهات وجوابها الفصل الخامس: في حكمة تحريم بناء المساجد على القبور الفصل السادس: في كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور الفصل السابع: في أن الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي وفي تضاعيف هذه الفصول فصول اخرى فرعية تضمنت فوائد هامة نافعة إنشاء الله تعالى وقد سميت الرسالة: (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) ذلك ما كنت كتبت في مقدمة الطبعة الأولى وإني لأسأل الله ﵎ أن ينفع المسلمين بهذه الطبعة أكثر من سابقتها وأن يتقبلها مني وسائر عملي الصالح قبولا حسنا ويجزي القائم على طبعها خيرا. دمشق في ٢٣جمادى الأولى سنة ١٣٩٢ هـ

стр. 8

الفصل الأول

стр. 9

أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد

стр. 10

١ - عن عائشة رضي الله عن ها قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت: فلولا ذاك أبرز (١١) قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا (١٢) (١١) - أي كشف قبره ﷺ ولم يتخذ عليه الحائل والمراد دفن خارج بيته كذا في " فتح الباري " فائدة: قول عائشة هذا يدل دلالة واضحة على السبب الذي من أجله دفنوا النبي ﷺ في بيته ألا وهو سد الطريق على من عسى أن يبني عليه مسجد فلا يجوز والحالة هذه أن يتخذ ذلك حجة في دفن غيره ﷺ في البيت يؤيد ذلك أنه خلاف الأصل لأن السنة الدفن في المقابر ولهذا قال ابن عروة في " الكوكب الدري " (ق ١٨٨ / ١ تفسير ٥٤٨) : والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) من الدفن في البيوت لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته وأشبه بمساكن الآخرة وأكثر للدعاء له والترحم عليه ولم يزل أصحابه والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى فإن قيل: فالنبي ﷺ قبر في بيته وقبر صاحبه معه؟ قلنا: قالت عائشة: إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا ولآن النبي ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع وفعله أولى من فعل غيره وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك ولأنه روي: يدفن الأنبياء حيث يموتون " وصيانة لهم عن كثرة الطراق تمييزا له عن غيره " (٢) - رواه البخاري (٣ / ١٥٦ و ١٩٨ و ٨ / ١١٤) ومسلم (٢ / ٧٦) وأبو عوانة (١ / ٣٩٩) وأحمد (٦ / ٨٠ و ١٢١ و ٢٥٥) والسراج في " مسنده " (٣ / ٤٨ / ٢) عن عروة عنها وأحمد (٦ / ١٤٦ و ٢٥٢) والبغوي في " شرح السنة " (ج ١ ص ٤١٥) طبع المكتب الإسلامي عن سعيد بن المسيب عنها وسنده صحيح على شرط الشيخين

стр. 11

ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها رضي الله عن هما فأخرج ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال: لما أئتمروا في دفن رسول الله ﷺ قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه وقال أبو بكر: معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد وقال الاخرون: ندفنه في البقيع حيث دفن إخوانه من المهاجرين قال أبو بكر: إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله ﷺ إلى البقيع فيعوذ به من الناس من لله عليه حق وحق الله فوق حق رسوله ﷺ فإن أخرجناه (الأصل: أخرناه) ضيعنا حق الله وإن أخفرناه () أخفرنا قبر رسول الله ﷺ قالوا: فما ترى أنت يا أبا بكر؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض الله نبيا قط إلا دفن حيث قبض روحه قالوا: فأنت والله رضي مقنع ثم خطوا حول الفراش خطا ثم احتمله على والعباس والفضل وأهله ووقع القوم في الحفر يحفرون حيث كان الفراش (١٣)

стр. 12

٢ - عن أبي هريرة رضي الله عن هـ قال: قال رسول الله ﷺ : قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١٤)

стр. 13

٣ - و ٤ عن عائشة وابن عباس أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة (١٥) له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: " لعنة الله (١٣) - قال ابن كثير: وهو منقطع من هذا الوجه فإن عمر مولى غفرة مع ضعفه لم يدرك أيام الصديق. كذا في (الجامع الكبير) للسيوطي (٣ / ١٤٧ / ١٢) (٤) - رواه البخاري (٢ / ٤٢٢) ومسلم وأبوعوانة أبو داود (٢ / ٧١) وأحمد (٢ / ٢٨٤ و ٣٦٦ و ٣٩٦ و ٤٥٣ و ٥١٨) وأبو يعلى في " مسنده " (٢٧٨ / ١) والسراج والسهمي في " تاريخ جرجان " (٣٤٩) وابن عساكر (١٤ / ٣٦٧ / ٢) عن سعيد بن المسيب عنه ومسلم أيضا عن يزيد بن الأصم عنه. وأخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (١ / ٤٠٦ / ١٥٨٩) من الوجه الأول عنه ولكنه أوقفه (١٥) - ثوب خز أو صوف معلم. كذا في " النهاية " قلت: والمراد هنا الثاني لأن الخز هو الحرير كما هو المعروف الان وهو حرام على الرجال كما هو ثابت في النسة خلافا لمن يستحله ممن لا يقيم للسنة وزنا على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. تقول عائشة يحذر مثل الذي صنعوا " (١٦) قال الحافظ ابن حجر: " وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم " قلت: يعني من هذه الأمة وفي الحديث الآتي (٦) التصريح بنهيهم عن ذلك فتنبه

стр. 14

٥ - عن عائشة رضي الله عن ها قالت: لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: [فرفع النبي ﷺ رأسه] فقال: " أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة] " (١٧) قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري ": (١٦) - رواه البخاري (١ / ٤٢٢ و ٦ / ٣٨٦ و ٨ / ١١٦) ومسلم (٢ / ٦٧) وأبو عوانة (١ / ٣٩٩) والنسائي (١ / ١١٥) والدارمي (١ / ٣٢٦) وأحمد (١ / ٢١٨ و ٦ / ٣٤ و ٢٢٩ و ٢٧٥) وابن سعد في " الطبقات " (٢ / ٢٥٨) . ورواه عبد الرزاق في " المصنف " (١ / ٤٠٦ / ١٥٨٨) عن ابن عباس وحده (١٧) رواه البخاري (١ / ٤١٦ و ٤٢٢) ومسلم (٢ / ٦٦ /) والنسائي (١ / ١١٥) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤ / ١٤٠ طبع الهند) وأحمد (٦ / ٥١ طبع المكتب الإسلامي) وأبو عوانة في " صحيحه " (١ / ٤٠٠٤٠١) والسياق له وابن سعد في " الطبقات " (٢ / ٢٤١) والسراج في " مسنده " (٤٨ / ٢) وأبو يعلى في " الطبقات " (ق. ٢٢٠ / ٢) والبيهقي (٤ / ٨٠) والبغوي (٢ / ٤١٥٤١٦) هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى ولا ريب أن كل واحدج منهما محرم على انفراده فتصوير صور الآدميين يحرم وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم كما دلت عليه نصوص أخر يأتي ذكر بعضها قال : والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها ولم يكن لها ظل فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام وهو من جنس عبادة الأوثان وهو الذي أخبر النبي ﷺ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابا يوم القيامة فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره وأنه تعالى ليس كمثله شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله " ذكره في " الكواكب الدراري " (مجلد ٦٥ / ٨٢ / ٢) قلت: ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية كما بينته في كتابي " آداب الزفاف " (ص ١٠٦١١٦ الطبعة الثانية طبع المكتب الإسلامي)

стр. 15

٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء وإني أبراء (١٨) إلى الله أن يكون لي فيكم خليل وإن الله قد اتخذني خليلا كما تخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا [وإن] من كان قبلكم [كانوا] يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (١٩)

стр. 16

٧ - عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك (٢٠) عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: " أدخلوا علي أصحابي " فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافري (٢١) [فكشف القناع] فقال: " لعن الله اليهود [والنصارى] اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (٢٢)

стр. 17

٩ - عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب واعلموا أن شرار الناس الذي اتخذوا (وفي رواية: يتخذون) (٢٣) قبور أنبيائهم مساجد (٢٤)

стр. 18

١٠ - عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله (وفي رواية: قاتل الله) اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (٢٥)

стр. 19

٢٤ - () ١٩ - رواه مسلم (٢ / ٦٧ ٦٨) وأبو عوانة (١ / ٤٠١) والسياق له والطبراني في " الكبير " (١ / ٨٤ / ٢) ورواه ابن سعد (٢ / ٢٤٠) مختصرا دون ذكر الإخوة واتخاذ الخليل قال: ١٨ - أي امتنع من هذا وأنكره والخليل هو المنقطع إليه قيل: هو مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة وقيل: من الخلة بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب فنفى ﷺ أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى. " شرح مسلم " للنووي (٢٠) - رواه ابن أبي شيبة (ق ٢ / ٨٣ / ٢ وط ٢ / ٣٧٦) وإسناده صحيح على شرط مسلم (٢١) - برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن. " نهاية " (٢٢) - رواه الطيالسي في مسنده (٢ / ١١٣ من ترتيبه) وأحمد (٥ / ٢٠٤) والطبراني في " الكبير " (ج ١ ق ٢٢ / ١) وسنده حسن في الشواهد وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " (٢ / ١١٤) " سنده جيد " وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢ / ٢٧) " رجاله موثقون " (٢٣) - وبين الروايتين فرق ظاهر فالرواية الأولى تعني ناسا تقدموا وهم اليهود والنصارى كما في الأحاديث المتقدمة والرواية الأخرى تعني من يسلك سبيلهم من هذا الأمة ويؤيدها الأحاديث (٦، ٧، ١٢) (٢٥) رواه أحمد (٥ / ١٨٤، ١٨٦) ورجاله ثقات غيرعقبة بن عبد الرحمن هو ابن أبي معمر وهو مجهول كما في " التقريب " ولا تغتر بقول الهيتمي (٢ / ٢٧) : " رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال موثقون " ما فعل الشوكاني فإنه قال (٢ / ١١٤) " وسنده جيد " وذلك لأن قوله " موثقون " دون قوله " ثقات " فإن قولهم " موثقون " إشارة منهم إلى أن بعض رواته ليس توثيقه قويا فكأن الهيثمي يشير إلى أن عقبة هذا إنما وثقه ابن حبان فقط وأن توثيق ابن حبان غير موثوق به والله أعلم وكون توثيق ابن حبان لا يوثق به مما لا يرتاب فيه المتضلعون في هذا العلم الشريف وقد فصلت القول في ذلك في ردي على رسالة " التعقب الحثيث " للشيخ عبد الله الحبشي وقد نشر في التمدن الإسلامي في مقالات متتابعة ثم نشر في رسالة مستقلة تحت عنوان " الرد على التعقب الحثيث " فراجع (ص ١٨ ٢١) . على أن قول القائل في حديث ما " رجاله ثقات " أو " رجاله رجال الصحيح " فليس معناه أن إسناده صحيح كما بينته في غير هذا الموضع فانظر مثلا " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (طج ٢ ص ٥ طبع المكتب الإسلامي) لكن الحديث صحيح لشواهده المتقدمة

стр. 20

وله عنده (٢ / ٢٤١) شاهد من حديث أبي أمامة وله شاهد ثان أخرجه الطبراني عن كعب بن مالك بسند لا بأس به كما قال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " (١ / ١٢٠) وضعفه الحافظ نور الدين الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٩ / ٤٥)

стр. 21

رواه احمد (رقم ١٦٩١، ١٦٩٤) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٤ / ١٣) وأبو يعلى (٥٧ / ١) وابن عساكر (٨ / ٣٦٧ / ٢) بسند صحيح وقال الهيثمي في " المجمع (٥ / ٣٢٥) : رواه أحمد بأسانيد (الأصل بإسنادين) ورجال الطريقين منها ثقات متصل إسنادها ورواه أبو يعلى قلت: وفي هذا الكلام نظر ظاهر لأن مدار الطرق الثلاث التي أشار إليها على إبراهيم بن ميمون عن سعد بن سمرة إلا أن الطريق الثالث أدخل بعض الرواة بينهما إسحاق بن سعد بن سمرة وهو وهم كما بينه الحافظ في " التعجيل " ثم إنه ليس فيه " واعلموا أن شرار الناس. . .) ثم هذا الحديث ذكره الهيثمي في مكان آخر (٢ / ٨٢) نحوه وقال: رواه البزار ورجاله ثقات وله شاهد مرسل عن عمر بن عبد العزيز مرفوعا نحوه. رواه ابن سعد (٢ / ٢٥٤)

стр. 22

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثنا (٢٦) لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (٢٧)

стр. 23

١٢ - عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم احياء ومن يتخذ القبور مساجد (٢٨) (٢٧) - رواه أحمد (رقم ٧٣٥٢) وابن سعد (٢ / ٢٤١٢٤٢) والمفضل الجندي في " فضائل المدينة " (٦٦ / ١) وأبو يعلى في " مسنده " (٣١٢ / ١) والحميدي (١٠٢٥) وأبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٣٨٢ و ٧ / ٣١٧) بسند صحيح وله شاهد مرسل رواه عبد الرزاق في " المصنف " (١ / ٤٠٦ / ١٥٨٧) وكذا ابن أبي شيبة (٤ / ١٤١) عن زيد بن أسلم. وإسناده قوي (٢٦) - " قال ابن عبد البر: الوثن الصنم يقول: لا تجعل قبري صنما يصلى ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك وكان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم واتخذوها قبلة ومسجدا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها وذلك الشرك الأكبر وكان رسول الله ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمته اتباعهم ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعبير والتوبيخ " لتتبعن سنن الذين كانوا من قبلكم حذوا النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه؟ " كذا في " فتح الباري " لابن رجب (٦٥ / ٩٠ / ٢) من " الكواكب " (٢٨) - رواه ابن خزيمة في " صحيحه " (١ / ٩٢ / ٢) وابن حبان (٣٤٠ و ٣٤١) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤ / ١٤٠ طبع الهند) وأحمد (رقم ٣٨٤٤ و ٤١٤٣) والطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٧٧ / ١) وأبو يعلى في " مسنده " (٢٥٧ / ١) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١ / ١٤٢) بإسناد حسن وأحمد أيضا (رقم ٤٣٤٢) بسند آخر حسن بما قبله والحديث بمحموعهما صحيح وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " (١٣١١) و " الإقتضاء " (ص ١٨٥) : " وإسناده جيد " وقال الهيثمي (٢ / ٢٧) : " رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن " وفي اقتصاره في عزوه على الطبراني وحده قصور ظاهر مع أنه في المسند في ثلاثة مواضع منه كما أشرنا إليهما آنفا والشطر الأول من الحديث رواه البخاري في صحيحه (١٣ / ١٥) معلقا

стр. 24

وأخر اخرجه مالك في " الموطأ " (١ / ١٨٥) وعنه ابن سعد (٢ / ٢٤٠٢٤١) عن عطاء بن يسار مرفوعا. وسنده صحيح وقد وصله البزار عنه عن أبي سعيد الخدري وصححه ابن عبد البر مرسلا وموصولا فقال: " فهذا الحديث عند من قال بمراسيل الثقات وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له وهو ممن تقبل زيادته ". انظر " تنوير الحوالك " للسيوطي وفيما قاله ابن عبد البر في عمر هذا نظر فقد قال الحافظ ابن رجب في " الفتح ": خرجه من طريقه البزار وعمر هذا هو ابن صبهان جاء منسوبا في بعض نسخ البزار وظن ابن عبد البر أنه عمر بن محمد العمري والظاهر أنه وهم وقد روي نحوه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بإسناد فيه نظر "

стр. 25

١٣ - عن علي بن أبي طالب قال: لقيني العباس فقال: يا علي انطلق بنا إلى النبي ﷺ فإن كان لنا من الأمر شئ وإلا أوصى بنا الناس فدخلنا عليه وهو مغمى عليه فرفع رأسه فقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد ". زاد في رواية: " ثم قالها الثالثة " فلما رأينا ما به خرجنا ولم نسأله عن شئ (٢٩)

стр. 26

١٤ - عن أمهات المؤمنين أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: كيف نبني قبر رسول الله ﷺ ؟ أنجعله مسجدا؟ فقال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣٠)

стр. 27

الفصل الثاني

стр. 28

معنى اتخاذ القبور مساجد لقد تبين من الأحاديث السابقة خطر اتخاذ القبور مساجد وما على من فعل ذلك من الوعيد الشديد عند الله فعلينا أن نفقه معنى الاتخاذ المذكور حتى نحذره فأقول: الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاث معان: (٢٩) - رواه ابن سعد (٤ / ٢٨) وابن عساكر (١٢ / ١٧٢ / ٢) من طريقين عن عثمان ابن اليمان نا أبو بكر ابن أبي عون أنه سمع عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن جده أو قال: عن ابيه أو عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: قلت: هذا إسناد حسن لولا أنني لم أعرف أبا بكر هذا ولم يورده الدولابي وأبو أحمد الحاكم في " الكنى " (٣٠) - رواه ابن زنجويه في " فضائل الصديق " كما في " الجامع الكبير " (٣ / ١٤٧ / ١)

стр. 29

الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها أقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء ﷺ أما الأول فقال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " (١ / ١٢١) : واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر وقال الصنعاني في " سبل السلام " (١ / ٢١٤) : " واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها " قلت: يعني أنه يعم المعنيين كليهما ويحتمل انه أراد المعاني الثلاثة وهو الذي فهمه الإمام الشافعي ﵀ وسيأتي نص كلامه في ذلك ويشهد للمعنى الأول أحاديث: الأول: عن أبي سعيد الخدري: " أن رسول الله ﷺ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها " (٣١) الثاني: قوله ﷺ : " لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر " (٣٢) الثالث: عن أنس: أن النبي ﷺ نهى عن اار وسئل عن الصلاة وسط القبور قال: ذكر لي أن النبي ﷺ قال: " كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم الله تعالى " (٣٣) وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في " فيض القدير " حيث شرح الحديث الثالث المتقدم: أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل وإن اتخاذها مساجد لازم (٣٤) لاتخاذ المساجد عليها كعكسه وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي (يعني البيضاوي) : لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانا لعنهم الله ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه قلت: وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال ﷺ : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها (٣٥)

стр. 30

قلت: لكن الحديث صحيح فإن له عند الطبراني (٣ / ١٥٠ / ١) طريقا آخر خيرا من هذه عن ابن عباس علقه البخاري في " التاريخ الصغير " (ص ١٦٣) وشطره الأول له شاهد من حديث أبي مرثد يأتي قريبا

стр. 31

المعاني " (١ / ٢٩٦) والبيهقي (٣ / ٤٣٥) وأحمد (٤ / ١٣٥) وابن عساكر (٢ / ١٥١٢ و ١٥٢ / ٢) من حديث أبي مرثد الغنوي وقال احمد: " إسناده جيد " وقول الشيخ سليمان حفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ ف) في حاشيته على " المقنع (١١٢٥) : " متفق عليه ". وهم منه ثم عزاه (ص ٢٨١) لمسلم وحده فأصاب: وله [على علمه وفضله] من مثل هذا التخريج أوهام كثيرة جدا يجعل الاعتماد عليه في التخريج غير موثوق به وأنا أضرب على ذلك بعض الأمثلة الأخرى تنبيها لطلاب العلم ونصحا لهم وإنما الدين النصيحة

стр. 32

١ - قال " ص ٢٠ " روى جابر رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ قال: لا تنتفعوا من الميتة بشئ رواه الدارقطني بإسناد جيد " قلت وهو حديث ضعيف وفي الصحيح ما يعارضه وعزوه للدراقطني وهم لم أجد من سبقه إليه

стр. 33

٢ - قال " ص ٢٨ " لقوله ﷺ : " من استنجى من ريح فليس منا " رواه الطبراني في " معجمه الصغير " قلت وليس هذا في " المعجم " وأنا أخبر الناس به والحمد لله فإني خدمته ورتبته على مسانيد الصحابة وخرجت احاديثه ووضعت فهرسا جامعا لأحاديثه ثم إن الحزم بنسبته إلى النبي ﷺ فيه نظر لأنه من رواية أبي الزبير عن جابر كما أخرجه الجرجاني (٢٧٢) وغيره وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه

стр. 34

٣ - قال " ص ٢٩ " قال النبي ﷺ : لخلوف فم الصائم. . . . " رواه الترمذي قلت: وهو " صحيح البخاري " و " صحيح مسلم "

стр. 35

قال الشيخ علي القاري في " المرقاة " (٢ / ٣٧٢) معللا النهي: لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي ان تكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة (يعني قبلة المصلين) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاء عام قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جدا تمثل صفا من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقا في باخرة وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أن الغالب من هديه ﷺ هو الصلاة على الجنائز في " المصلى " خارج المسجد ولعل من حكمة ذلك إبعاد المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀ ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عن هـ قال: كنت أصلي قريبا من قبر فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر (٣٦) وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاري فإنه ترجم للحديث الأول بقوله " باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور " فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجدا يلزم منه النهي عن بناء المساجد عليه وهذا أمر واضح وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: " قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم "

стр. 36

وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة رضي الله عن ها بقولها في آخر الحديث الأول: فلولا ذاك أبرز قبره غير انه خشي أن يتخذ مسجدا إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها لجعل قبره ﷺ في أرض بارزة مكشوفة ولكن الصحابة رضي الله عن هم لم يفعلوا ذلك خشية أن بينى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة ويؤيد هذا ماروى ابن سعد (٢ / ٢٤١) بسند صحيح عن الحسن وهو (البصري) قال: ائتمنروا (٣٧) أن يدفنوه ﷺ في المسجد فقال عائشة: إن رسول الله ﷺ كان واضعا رأسه في حجري إذ قال: قاتل الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة قلت: هذه الرواية على إرسالها تدل على أمرين اثنين: أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث انه يشمل المسجد الذي قد يدخل فيه القبر فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني على القبر الثاني: أن الصحابة أقروها على هذا الفهم ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه ﷺ في بيتها فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر أو إدخال القبر في المسجد فالكل حرام لأن المحذور واحد ولذلك قال الحافظ العراقي: فلو بنى مسجدا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط ان يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجدا (٣٨)

стр. 37

قلت: وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام كما تقدم ويأتي ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ: أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا. . . أولئك شرار الخلق. . .) فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخق عند الله تعالى ويؤيده حديث جابر رضي الله عن هـ قال نهى رسول الله ﷺ ان يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه " (٣٩) فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر كما يشمل بناء القبة عليه بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضا يدل عليه لفظ (الاتخاذ) وتؤيده الأدلة الأخرى أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عن من باب أولى ومن البين جدا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بالذات كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودا بالذات بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبا أو إيجابا يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلا بنى مسجدا في مكان قفر غير مأهول ولا يأتيه أحد للصلاة فيه فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد بل هو عندي آثم لإضاعة المال ووضعه الشئ في غير محله فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة فهو من جوامع كلمه ﷺ وقد قال بذلك الإمام الشافعي ﵀ ففي كتابه " الأم " (١ / ٢٤٦) ما نصه: وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى (يعني أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه قال وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". قال: وأكره هذا للسنة والآثار وأنه كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجدا ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده "

стр. 38

واعلم ان حديث جابر هذا في النهي عن النباء على القبر حديث صحيح لا يرتاب في ذلك ذو علم بطرق التصحيح والتضعيف فلا تغتر باعلال الكوثري له في " مقالاته " (ص ١٥٩) بان " فيه عنعنة أبي الزبير " فإن ابن الزبير قد صرح بالتحديث عند مسلم وكذا احمد وما أعتقد أن هذا يخفى على الكوثري ولكن يفعل ذلك عمدا شأن أهل الأهواء قديما وحديثا يضعفون الأحاديث الصحيحة إذا كانت عليهم ويصححون الأحاديث الضعيفة إذا كانت لهم والكوثري هذا مشهور بذلك عند أهل العلم وقد بينت شيئا من هذا في " الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السئ في الأمة " (الأحاديث ٢٣ و ٢٤ و ٢٥) فليراجع من شاء التأكد مما نقول ويأتيك مثال آخر في هذا الكتاب ويؤيد صحة الحديث أنا أبا الزبير لم يتفرد به بل تبعه سليمان بن موسى عند أحمد وغيره ولما صححه الترمذي قال: " وقد روي من غير وجه عن جابر " وتابعه أيضا أبو نضرة عند ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " (١٠ / ٢٠١ / ١) وله شاهد عن أم سلمة عند أحمد وآخر عند أبي سعيد كما في " الكواكب الدراري " (ق ٨٦٨٧ تفسير ٥٤٨)

стр. 39

فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلا عن بعض أئمة الحنفية فقال في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (١ / ٤٥) : سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم وذلك هو الشرك الجلي وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي ﷺ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود أو لتضحية الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا قلت: والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيما لهم وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى فإنه غير متبادر من قوله ﷺ : " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة اله فيها على المعاني السابقة تبركا بمن دفن فيها من الأنبياء وإن كان هذا أدى بهم كما يؤدي بغيرهم إلى وقوعهم في الشرك الجلي ذكره الشيخ القارئ

стр. 40

الفصل الثالث
следующие страницы →