← Акыда

Акыда · id 349

تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد

ناصر الدين الألباني

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة رضي الله عن ها بقولها في آخر الحديث الأول: فلولا ذاك أبرز قبره غير انه خشي أن يتخذ مسجدا إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها لجعل قبره ﷺ في أرض بارزة مكشوفة ولكن الصحابة رضي الله عن هم لم يفعلوا ذلك خشية أن بينى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة ويؤيد هذا ماروى ابن سعد (٢ / ٢٤١) بسند صحيح عن الحسن وهو (البصري) قال: ائتمنروا (٣٧) أن يدفنوه ﷺ في المسجد فقال عائشة: إن رسول الله ﷺ كان واضعا رأسه في حجري إذ قال: قاتل الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة قلت: هذه الرواية على إرسالها تدل على أمرين اثنين: أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث انه يشمل المسجد الذي قد يدخل فيه القبر فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني على القبر الثاني: أن الصحابة أقروها على هذا الفهم ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه ﷺ في بيتها فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر أو إدخال القبر في المسجد فالكل حرام لأن المحذور واحد ولذلك قال الحافظ العراقي: فلو بنى مسجدا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط ان يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجدا (٣٨)

стр. 37

قلت: وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام كما تقدم ويأتي ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ: أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا. . . أولئك شرار الخلق. . .) فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخق عند الله تعالى ويؤيده حديث جابر رضي الله عن هـ قال نهى رسول الله ﷺ ان يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه " (٣٩) فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر كما يشمل بناء القبة عليه بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضا يدل عليه لفظ (الاتخاذ) وتؤيده الأدلة الأخرى أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عن من باب أولى ومن البين جدا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بالذات كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودا بالذات بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبا أو إيجابا يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلا بنى مسجدا في مكان قفر غير مأهول ولا يأتيه أحد للصلاة فيه فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد بل هو عندي آثم لإضاعة المال ووضعه الشئ في غير محله فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة فهو من جوامع كلمه ﷺ وقد قال بذلك الإمام الشافعي ﵀ ففي كتابه " الأم " (١ / ٢٤٦) ما نصه: وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى (يعني أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه قال وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء أخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". قال: وأكره هذا للسنة والآثار وأنه كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجدا ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده "

стр. 38

واعلم ان حديث جابر هذا في النهي عن النباء على القبر حديث صحيح لا يرتاب في ذلك ذو علم بطرق التصحيح والتضعيف فلا تغتر باعلال الكوثري له في " مقالاته " (ص ١٥٩) بان " فيه عنعنة أبي الزبير " فإن ابن الزبير قد صرح بالتحديث عند مسلم وكذا احمد وما أعتقد أن هذا يخفى على الكوثري ولكن يفعل ذلك عمدا شأن أهل الأهواء قديما وحديثا يضعفون الأحاديث الصحيحة إذا كانت عليهم ويصححون الأحاديث الضعيفة إذا كانت لهم والكوثري هذا مشهور بذلك عند أهل العلم وقد بينت شيئا من هذا في " الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السئ في الأمة " (الأحاديث ٢٣ و ٢٤ و ٢٥) فليراجع من شاء التأكد مما نقول ويأتيك مثال آخر في هذا الكتاب ويؤيد صحة الحديث أنا أبا الزبير لم يتفرد به بل تبعه سليمان بن موسى عند أحمد وغيره ولما صححه الترمذي قال: " وقد روي من غير وجه عن جابر " وتابعه أيضا أبو نضرة عند ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " (١٠ / ٢٠١ / ١) وله شاهد عن أم سلمة عند أحمد وآخر عند أبي سعيد كما في " الكواكب الدراري " (ق ٨٦٨٧ تفسير ٥٤٨)

стр. 39

فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلا عن بعض أئمة الحنفية فقال في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (١ / ٤٥) : سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم وذلك هو الشرك الجلي وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي ﷺ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود أو لتضحية الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا قلت: والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيما لهم وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى فإنه غير متبادر من قوله ﷺ : " اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة اله فيها على المعاني السابقة تبركا بمن دفن فيها من الأنبياء وإن كان هذا أدى بهم كما يؤدي بغيرهم إلى وقوعهم في الشرك الجلي ذكره الشيخ القارئ

стр. 40

الفصل الثالث

стр. 41

اتخاذ المساجد على القبور من الكبائر بعد أن تبين لنا معنى الاتخاذ الوارد في الأحاديث المتقدمة يحسن بنا أن نقف قليلا عند هذه الأحاديث لنتعرف منها حكم الاتخاذ المذكور مسترشدين في ذلك بما ذكره العلماء حوله فأقول: إن كل من يتأمل في تلك الأحاديث الكريمة يظهر له بصورة لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور يحرم بل كبيرة من الكبائر لأن اللعن الوارد فيها ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله ﵎ لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى مذاهب العلماء في ذلك وقد اتقفت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك ومنهم من صرح بأنه كبيرة وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:

стр. 42

١ - مذهب الشافعية انه كبيرة قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر (١ / ١٢٠) : الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ثم قال (ص ١١١) : [تنبيه] : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث ووجه اتخاذ القبر مسجدا منها واضح لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ففيه تحذير لنا كما في رواية: يحذر ما صنعوا " أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك فيلعنوا كما لعنوا ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وإعظاما ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت فقال بعض الحنابلة:

стр. 43

" قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا به عين المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعا فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ لأنه نهى عن ذلك وأمر رسول الله ﷺ بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره. انتهى " هذا كله كلام الفقيه ابن حجر الهيتمي وأقره عليه المحقق الآلوسي في " روح المعاني " (٥ / ٣١) وهو كلام يدل على فهم وفقه في الدين وقوله فيما نقله عن بعض الحنابلة: والقول بالكراهة محمول على غير ذلك كأنه يشير إلى قول الشافعي " وأكره أن يبنى على القبر مسجد. . " الخ كلامه الذي نقلته بتمامه فيما سبق (ص ٢٧) وعلى هذا أتباعه من الشافعية كما في " التهذيب " وشرحه " المجموع " ومن الغريب أنهم يحتجون على ذلك ببعض الأحاديث المتقدمة مع أنها صريحة في تحريم ذلك ولعن فاعله ولو أن الكراهة كانت عندهم للتحريم لقرب الأمر ولكنها لديهم للتنزيه فكيف يتفق القول ب (الكراهة) مع تلك الأحاديث التي يستدلون بها عليها؟ أقول هذا وإن كنت لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين فقد قال تعالى ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ (٤٠) وهذه كلها محرمات فهذا المعنى والله اعلم هو الذي أراده الشافعي ﵀ بقوله المتقدم " وأكره " ويؤيده انه قال عقب ذلك: " وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء " فإن قوله " أساء " معناه ارتكب سيئة أي حراما فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضا فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد وقربان الزنى وقتل النفس وغير ذلك: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) (٤١) أي محرما

стр. 44

ويؤكد أن هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه أن الأصل في النهي التحريم إلا ما دل الدليل على أنه لمعنى آخر كما صرح بذلك في رسالته " جماع العلم " (ص ١٢٥) ونحوه في كتابه " الرسالة " (ص ٣٤٣) ومن المعلوم لدى كل من درس هذه المسألة بأدلتها أنه لا يوجد أي دليل يصرف النهي الوارد في بعض الأحاديث المتقدمة إلى غير التحريم كيف والأحاديث تؤكد أنه للتحريم كما سبق؟ ولذلك فإني أقطع بأن التحريم هو مذهب الشافعي لا سيما وقد صرح بالكراهة بعد أن ذكر حديث " قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " كما تقدم فلا غرابة إذن إن صرح الحافظ العراقي وهو شافعي المذهب بتحريم بناء المسجد على القبر كما تقدم والله أعلم ولهذا نقول: لقد اخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنى بحجة أن صرح بكراهة ذلك والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (١ / ٤٧٤٨) : نص الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنى ولم يقل قط أنه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله ﷺ وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله﴾ وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه. . .) (٤٢) إلى قوله﴾ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. . .) (٤٣) إلى قوله﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴿ (٤٤)

стр. 45

الأولى: نسبتهم الحديث إلى النبي ﷺ ولا أصل له فيما نعلم الثانية: تفسيرهم للسنة بالمعنى الاصطلاحي غفلة منهم عن معناها الشرعي وما أكثر ما يخطئ الناس فيما نحن فيه بسبب مثل هذه الغفلة ولهذا أكثر ما نبه شيخ الإسلاوم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ﵏ على ذلك وأمروا في تفسير الألفاظ الشرعية بالرجوع إلى اللغة لا العرف وهذا في الحقيقة أصل لما يسمونه اليوم ب " الدراسة التاريخية للإلفاظ " ويحسن بنا ان نشير إلى أن من أهم أغراض مجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة في مصر " وضع معجم تاريخي للغة العربية ونشر بحوث دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وما طرأ على مدلولاتها من تغيير " كما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون ذي الرقم (٤٣٤) (١٩٥٥) الخاص بشأن تنظيم مجمع اللغة العربية (انظر " مجلة المجتمع " ج ٨ ص ٥) . فعسى أن يقوم المجمع بهذا العمل العظيم ويعهد به إلى أيد عربية مسلمة فإن أهل مكة أدرى بشعابها وصاحب الدار أدرى بما فيها وبذلك يسلم هذا المشروع من كيد المستشرقين ومكر المستعمرين

стр. 46

٢ - مذهب الحنفية الكراهة التحريمية والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال به هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه " الآثار " (ص ٤٥) : لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدا والكراهة عن الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم كما هو معروف لديهم وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم كما يأتي

стр. 47

٣ - مذهب المالكية التحريم وقال القرطبي في تفسيره (١٠ / ٣٨) بعد أن ذكر الحديث الخامس:

стр. 48

" قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد "

стр. 49

٤ - مذهب الحنابلة التحريم ومذهب الحنابلة التحريم أيضا كما في " شرح المنتهى " (١ / ٣٥٣) وغيره بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور ووجوب هدهما فقال ابن القيم في " زاد المعاد " (٣ / ٢٢) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله ﵎ نبيه أن يصلي فيه وكيف أنه ﷺ هدمه وحرقه قال: ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله ﷺ فيها مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضررا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام (٤٦) تعطيله إما بهدم أو تحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بذلك وأوجب وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر وحرق حانوت رويشد الثقفي (٤٧) وسماه

стр. 50

فويسقا وحرق قصر (٤٨) سعد لما احتجب عن الرعية وهم رسول الله ﷺ بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة (٤٩) وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (٥٠) . ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة كما لم يصح وقف هذا المسجد وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا أو أوقد عليه سراجا (٥١) فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى "

стр. 51

٥١ - يشيير إلى حديث ابن عباس " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه أبو داود وغيره ولكنه ضعيف السند وإن لهج بذكره كثير من السلفيين فالحق أحق أن يقال وأن يتبع وممن ضعفه من المتقدمين الإمام مسلم فقال في " كتاب التفصيل ":

стр. 52

" هذا الحديث ليس بثابت وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ولا يثبت له سماع من ابن عباس " نفله ابن رجب في " الفتح " كما في " الكواكب " (٦٥ / ٨٢ / ١) وقد بينت ضعف هذا الحديث في " الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السئ في الأمة " رقم (٢٢٥) وقد ذكرت هناك أن الحديث صحيح لغيره إلا اتخاذ السرج فإنه منكر لم يأت إلا من هذا الطريق الضعيف وقد وقفت الآن على خطأ فاحش حول هذا الحديث فجاء في كتاب " القول المبين " لأحد أفاضل العلماء المعاصرين السلفيين ما نصه (ص ٧٩) : وهذا الحديث وإن كان في إسناده عند أصحاب السنن مقال فإن إسناده عند الحاكم خال من هذا المقال لأن طريق الحاكم غير طريقهم قلت: والحديث مدراه عند الحاكم وغيره على أبي صالح عن ابن عباس وقد قال الحاكم عقبه (١ / ٣٧٤) : أبو صالح هو باذام ولم يحتجا به قلت: وهو ضعيف عند جمهور الأئمة ولم يوثقه إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في التهذيب " والعجلي معروف بتساهله في التوثيق كابن حبان ولم نجد للحديث طريقا آخرى لنشد عضده به بعد مزيد البحث عنه ولعل المشار إليه عني بكلامه بعض الشواهد التي ذكرتها هناك لكن هذه ليس فيها ذكر السراج أصلا فهو وهم على وهم فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد اتفاق العلماء على ذلك اعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد سئل ﵀ بما نصه: هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب: الحمدلله اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ﷺ قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا وإن كان المسجد بني على بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه " كذا في الفتاوى له (١ / ١٠٧ / ٢ / ١٩٢) وقد تبنت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد فليراجعها من شاء في " مجلة الأزهر " (ج ١١٢ ص ٥٠١ و ٥٠٣) (٥٢) وقال ابن تيمية في " الاختيارات العلمية " (ص ٥٢) : يحرم الإسراج على القبور واتخاذ القبور المساجد عليها وبينها ويتعين إزالتها ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين ونقله ابن عروة الحنبلي في " الكواكب الدراري " (٢ / ٢٤٤ / ١) وأقره وهكذا نرى أن العلماء كلهم اتفقوا على ما دلت عليه الأحاديث من تحريم اتخاذ المساجد على القبور فنحذر المؤمنين من مخالفتهم والخروج عن طريقتهم خشية أن يشملهم وعيد قوله ﴾ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ﴿ (٥٣) و﴾ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴿ (٥٤)

стр. 53

الفصل الرابع

стр. 54

شبهات وجوابها قد يقول قائل: إذا كان من المقرر شرعا تحريم بناء المساجد على القبور فهناك أمور كثيرة تدل على خلاف ذلك وإليك بيانها: أولا: قوله تعالى في سورة الكهف﴾ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ﴿ (٥٥) وجه دلالة الآية على ذلك: أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى على ماهو مذكور في كتب التفسير فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم وشريعة من قبلنا شرعية لنا إذا حكاها الله تعالى ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة ثانيا: كون قبر النبي ﷺ في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه ﷺ في مسجده ثالثا: صلاة النبي ﷺ في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما قال ﷺ رابعا: ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه خامسا: بناء أبي جندل رضي الله عن هـ مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عن هـ في عهد النبي ﷺ كما جاء في " الاستيعاب " لابن عبد البر سادسا: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبورمساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين فزال المنع

стр. 55

الجواب عن الشبهة الأولى: أما الشبهة الأولى فالجواب عنها من ثلاثة وجوه: الأول: أن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة (٥٦) منها قوله ﷺ : " اعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الأنبياء قبلي. . . (فذكرها وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة " (٥٧) فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا الثاني: هب أن الصواب قول من قال: " شريعة من قبلنا شريعة لنا " فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه وهذا الشرط معدوم هنا لأن الأحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكور كما سبق فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا الثالث: لا نسلم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا:﴾ لنتخذن عليهم مسجدا ﴿فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين وعلى التسليم فليس فيها انهم كانوا مؤمنين صالحين متمسكين بشريعة نبي مرسل بل الظاهر خلاف ذلك قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري في شرح البخاري " (٦٥ / ٢٨٠) من " الكواكب الدراري " (٥٨) " حديث لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث وهو قول الله عزوجل في قصة أصحاب الكهف:﴾ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ﴿فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور وذلك يشعر بان مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى وقال الشيخ علي بن عروة في " مختصر الكوكب " (١٠ / ٢٠٧ / ٢) تبعا للحافظ ابن كثير في تفسيره (٣ / ٧٨) : حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين (٥٩) : أحدهما: أنهم المسلمون منهم والثاني: أهل الشرك منهم فالله أعلم والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لأن النبي ﷺ قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما فعلوا وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شئ من الملاحم وغيرها " إذا عرفت هذا فلا يصح الاحتجاج بالآية على وجه من الوجوه وقال العلامة المحقق الآلوسي في " روح المعاني " (٥ / ٣١) واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطل عاطل فساد كاسد فقد روي. . .) (٥٨) - مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق وهو كتاب عظيم جدا جمع نفائس نادرة من كتب العلماء المتقدمين ورسائلهم التي لم يطبع أكثرها فيما علمت وأنا الان في صدد إخراج هذه الكتب والرسائل في فهرس خاص أضعه لمجلدات هذا الكتاب الموجودة في المكتبة وفي غيرها إن وفقت لذلك. ثم تم الاستخراج المذكور من مجلدات المكتبة فعسى الله أن يوفق للإطلاع على غيرها واستخراج ما فيها من الكنوز (٥٦) - انظر إن شئت المطولات من كتب علم الأصول وخاصة الإحكام " لابن حزم (٥٧) - أخرجه البخاري ومسلم وهو مخرج في " إرواه الغليل " (رقم ٢٨٥) (٥٩) - قلت وحكاهما أيضا ابن الجوزي في تفسيره " زاد المسير " (٥ / ١٢٣ طبعة المكتب الإسلامي) دون أن يرجح أحدهما على عادته

стр. 56

ثم ذكر بعض الأحاديث المتقدمة وأتبعها بكلام الهيتمي في " الزواجر " مقرا له عليه وقد نقلته فيما سبق ثم نقل عنه في كتابه " شرح المنهاج " ما نصه: وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام آخذا من كلام ابن الرفعة في الصلح انتهى ثم قال الإمام الآلوسي: لا يقال: إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا وقد استدل بها فقد روي أنه ﷺ قال: من نام عن صلاة أو نسيها ". (٦٠) الحديث ثم تلا قوله تعالى﴾ وأقم الصلاة لذكري ﴿٢، وهو مقول لموسى ﵇ وسياقه الاستدلال واحتج أبو يوسف على جري القود بين الذكر والأثنى بآية﴾ وكتبنا عليهم ﴿والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي (٦١) بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقا بل إن قص الله تعالى علينا بلا إنكار [فإنكار] رسوله ﷺ كإنكاره (٦٢) . وقد سمعت أنه ﵊ لعن الذين يتخذون المساجد على القبور على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أبنيائهم مساجد والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفا احتجاج الأئمة بها وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوما لا يدل على فعلهم عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده

стр. 57

ومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف التعرض لأصحابه فلم يقبل الأمراء منهم وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتخاذ المساجد على القبور المنهي عنه الملعون فاعله وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريبا من كهفهم وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب ومثل هذا الاتخاذ ليس محذورا إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي فهم فيه كنسبة النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله تعالى على من فيه وسلم ويكون قوله﴾ لنتخذن عليهم ﴿على هذا الشاكلة قول الطائفة (ابنوا عليهم) وإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على كهف فوق الجبل الذي هو فيه وفيه خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم وبنى علي كهفهم مسجدا وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولا فلا يحتاج إليه على ما قيل (٦٣) وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة معولا على الاستدلال بهذه الآية فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهى نهاية ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجا بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيدا وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيسا لبعض على بعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ وابتداع دين لم يأذن به الله ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسل في قبره عليه السلاة والسلام وهو أفضل قبر على وجه الأرض والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه يتولى هداك " قلت: وقد استدل بالآية المذكورة على الجواز المزعوم بل على استحباب بناء المساجد على القبور بعض المعاصرين (٦٤) لكن من وجه آخر مبتدع مغاير بعض الشئ لما سبق حكايته ورده فقال ما نصه "

стр. 58

" وعن الحسن أنه اتخذ (يعني المسجد) ليصلى فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا " قال الآلوسي: وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا أولا وإليه ذهب بعضهم بل قيل: إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من أنصاره. ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شئ بالخرافات والدليل من هذه الآية إقرار الله إياهم على ما قالوا وعدم رده عليهم قلت هذا الاستدلال باطل من وجهين: الأول: أنه لا يصح أن يعتبر عدم الرد عليهم إقرارا لهم إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنهم كانوا كذلك بل يحتمل أنهم لم يكونوا كذلك وهذا هو الأقرب أنهم كانوا كفارا أو فجارا كما سبق من كلام ابن رجب وابن كثير وغيرهما وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقرارا بل إنكارا لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم فلا يعتبر السكوت

стр. 59

عليه إقرارا كما لا يخفى ويؤيده الوجه الآتي: الثاني: أن الاستدلال المذكور إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون بالقرآن فقد دينا ولا يقيمون للسنة وزنا وأما طريقة أهل السنة والحديث الذين يؤمنون بالوحيين مصدقين بقوله ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ". وفي رواية: " ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ". (٦٥) فهذا الاستدلال عندهم والمستدل يزعم أنه منهم باطل ظاهر البطلان لأن الرد الذي نفاه قد وقع في السنة المتواترة كما سيق فكيف يقول: إن الله أقرهم ولم يرد عليهم مع أن الله لعنهم على لسان نبيه ﷺ فأي رد أوضح وأبين من هذا؟ وما مثل من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدمة إلا كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجن الذين كانوا مذللين لسليمان ﵇:﴾ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ﴿ (٦٦) يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير وما يفعل ذلك مسلم يؤمن بحديثه ﷺ وبهذا ينتهي الكلام عن الشبهة الأولى وهي الاستدلال بآية الكهف (٦٧) والجواب عنها وعن ما تفرع منها الجواب عن الشبهة الثانية: وأما الشبهة الثانية وهي أن قبر النبي ﷺ في مسجده كما هو مشاهد اليوم ولو كان ذلك حراما لم يدفن فيه والجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة رضي الله عن هم فإنهم لما مات النبي ﷺ دفنوه في حجرته في التي كانت بجانب مسجده وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان النبي ﷺ يخرج منه إلى المسجد وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم والصحابة رضي الله عن هم حينما دفنوه ﷺ في الحجرة إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدا كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره (ص ٩١٠) ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه سولم إليه فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة فصار القبر بذلك في المسجد (٦٨) ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافا لم توهم بعضهم قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " (ص ١٣٦) :

стр. 60

" وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان آخرهم موتا جابر بن عبد الله وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين والوليد تولى سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك (٦٩) وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في " كتاب أخبار المدينة " مدينة الرسول ﷺ عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن ابن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ وأدخل القبر فيه "

стр. 61

وخلاصة القول أنه ليس لدينا نص تقوم به الحجة على أن أحدا من الصحابة كان في عهد عملية التغيير هذه فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل فما جاء في شريح مسلم " (٥ / ١٣١٤) أن ذلك كان في عهد الصحابة لعل مستنده تلك الرواية المعضلة أو المرسلة وبمثلها لا تقوم حجة على أنها أخص من الدعوى فإنها لو صحت إنما تثبت وجود واحد من الصحابة حينذاك لا (الصحابة) وأما قول بعض من كتب في هذه المسألة بغير علم: فمسجد النبي ﷺ منذ وسعه عثمان رضي الله عن هـ وأدخل في المسجد ما لم يكن منه فصارت القبور الثلاثة محاطة بالمسجد لم ينكر أحد من السلف ذلك فمن جهالاتهم التي لا حدود لها ولا أريد أن أقول: إنها من افتراءاتهم فإن أحدا من العلماء لم يقل إن إدخال القبور الثلاثة كان في عهد عثمان رضي الله عن هـ بل اتفقوا على أن ذلك كان في عهد الوليد بن عبد الملك كما سبق أي بعد عثمان بنحو نصف قرن ولكنهم يهرفون بما لا يعرفون ذلك لأن عثمان رضي الله عن هـ فعل خلاف ما نسبوا إليه فإنه لما وسع المسجد النبوي الشريف احترز من الوقوع في مخالفة الأحاديث المشار إليها فلم يوسع المسجد من جهة الحجرات ولم يدخلها فيه وهذا عين ما صنعه سلفه عمر بن الخطاب رضي الله عن هم جميعا بل أشار هذا إلى أن التوسيع من الجهة المشار إليها فيه المحذور المذكور في الأحاديث المتقدمة كما سيأتي ذلك عنه قريبا

стр. 62

وأما قولهم: " ولم ينكر أحد من السلف ذلك " فنقول: وما أدراكم بذلك؟ فإن من أصعب الأشياء على العقلاء إثبات نفي شئ يمكن أن يقع ولم يعلم كما هو معروف عند العلماء لأن ذلك يستلزم الإستقراء التام والإحاطة بكل ما جرى وما قيل حول الحادثة التي يتعلق بها الأمر المراد نفيه عنها وأنى لمثل هذا البعض المشار إليه أن يفعلوا ذلك لو استطاعوا ولو أنهم راجعوا بعض الكتب لهذه المسألة لما وقعوا في تلك الجهالة الفاضحة ولو جدوا ما يحملهم على أن لا ينكروا ما لم يحيطوا بعلمه فقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه (٧٥ ج ٩) بعد أن ساق قصة إدخال القبر النبوي في المسجد: ويحكي أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا وأنا لا يهمني كثيرا صحة هذه الرواية أو عدم صحتها لأننا لا نبني عليها حكما شرعيا لكن الظن بسعيد بن المسيب وغيره من العلماء الذين أدركوا ذلك التغيير أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار لمنافاته تلك الأحاديث المتقدمة منافاة بينة وخاصة منها رواية عائشة التي تقول: " فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " فما خشي الصحابة رضي الله عن هم قد وقع مع الأسف الشديد بإدخال القبر في المسجد إذ لافارق بين أن يكونوا دفنوه ﷺ حين مات في المسجد وحاشاهم عن ذلك وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه فالمحذور حاصل على كل حال كما تقدم عن الحافظ العراقي وشيخ الإسلام ابن تيمية ويؤيد هذا الظن أن سعيد بن المسيب أحد رواة الحديث الثاني كما سبق فهل اللائق بمن يعترف بعلمه وفضله وجرأته في الحق أن يظن به أنه أنكر على من خالف الحديث الذي هو رواته أم أن ينسب إليه عدم إنكاره ذلك كما زعم هؤلاء المشار إليهم حين قالوا " لم ينكر أحد من السلف ذلك "

стр. 63

والحقيقة أن قولهم هذا يتضمن طعنا ظاهرا لو كانوا يعلمون في جميع السلف لأن إدخال القبر إلى المسجد منكر ظاهر عند كل من علم بتلك الأحاديث المتقدمة وبمعانيها ومن المحال أن ننسب إلى جميع السلف جهلهم بذلك فهم أو على الأقل بعضهم يعلم ذلك يقينا وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من القول بأنهم أنكروا ذلك ولو لم نقف فيه على نص لأن التاريخ لم يحفظ لنا كل ما وقع فكيف يقال: إنهم لم ينكروا ذلك؟ اللهم غفرا ومن جهالتهم قولهم عطفا على قولهم السابق: وكذا مسجد بني أمته دخل المسلمون دمشق من الصحابة وغيرهم والقبر ضمن المسجد لمن ينكر أحد ذلك " إن منطق هؤلاء عجيب غريب إنهم ليتوهمون أن كل ما يشاهدونه الآن في مسجد بني أمية كان موجودا في عهد منشئه الأول الوليد بن عبد الملك ن فهل يقول بهذا عاقل؟ كلا لا يقول ذلك غير هؤلاء ونحن نقطع ببطلان قولهم وأن أحدا من الصحابة والتابعين لم ير قبرا ظاهرا في مسجد بني أمية أو غيره بل غاية ما جاء فيه بعض الروايات عن زيد بن أرقم بن واقد أنهم في أثناء العمليات وجدوا مغارة فيها صندوق فيه سفط (وعاء كامل) وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ﵉ مكتوب عليه: هذا رأي يحيى ﵇ فأمر به الوليد فرد إلى المكان وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة فجعل عليه عمود مسبك بسفط الرأس. رواه أبو الحسن الربعي في فضائل الشام (٣٣) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (ج ٢ ق ٩ / ١٠) وإسناده ضعيف جدا فيه إبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وقال الذهبي " متروك ". ومع هذا فإننا نقطع أنه لم يكن في المسجد صورة قبر حتى أواخر القرن الثاني لما أخرجه الربعي وبن عساكر عن الوليد بن مسلم أنه سئل أين بلغك رأس يحى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثم وأشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي فهذا يدل على أنه لم يكن هناك قبر في عهد الوليد بن مسلم وقد توفي سنة أربع وتسعين ومائة

стр. 64

وأما كون ذلك الرأس هو رأس يحى ﵇ فلا يمكن أن إثباته ولذلك اختلف المؤرخون اختلافا كثيرا وجمهورهم على أن رأس يحيى ﵇ مدفون في مسجد حلب ليس في مسجد دمشق كما حققه شيخنا في الإجازة العلامة محمد راغب الطباخ في بحث له نشره في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (ج ١ ص ٤١ ١٤٨٢) تحت عنوان " رأس يحيى ورأس زكريا " فليراجعه من شاء ونحن لا يهمنا من الوجهة الشرعية ثبوت هذا أو ذاك سواء عندنا أكان الرأس الكريم في هذا المسجد أو ذاك بل لو تقينا عدم وجوده في كل من المسجدين فوجود صورة القبر فيهما كاف في المخالفة لأن أحكام الشريعة المطهرة إنما تبنى عل الظاهر لا الباطن كما هو معروف وسيأتي ما يشهد لهذا من كلام بعض العلماء وأشد ما تكون المخالفة إذا كان القبر في قبلة المسجد كما هو الحال في مسجد حلب ولا منكر لذلك من علمائها واعلم أنه لا يجدي في رفع المخالفة أن القبر في المسجد ضمن مقصورة كما زعم مؤلفوا الرسالة لأنه على كل حال ظاهر ومقصود من العامة وأشباههم من الخاصة بما لا يقصد به إلا الله تعالى من التوجه إليه والاستغاثة به من دون الله ﵎ فظهور القبر هو سبب المحذور كما سيأتي عن النووي ﵀ وخلاصة الكلام أن قول من أشرنا إليهم أن قبر يحيى ﵇ كان ضمن المسجد الأموي منذ دخل دمشق الصحابة وغيرهم لم ينكر ذلك أحد منهم إن هو إلا محض اختلاق

стр. 65

يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما إدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته ﷺ فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه وهو مخالف أيضا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه ولئن كان مضطرا إلى توسيع المسجد فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو رضي الله عن هـ بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة بل قال " إنه لا سبيل إليها " (٧٠) فأشار رضي الله عن هـ إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئا ما فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم قال النووي في " شرح مسلم " (٥ / ١٤) : ولما احتاجت الصحابة (٧١) والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة رضي الله عن ها مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عن هما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد (٧٢) فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى يتمكن أحد من استقبال القبر ونقل الحافظ ابن رجب في " الفتح " نحوه عن القرطبي كما في " الكوكب " (٦٥ / ٩١ / ١) وذكر ابن تيمية في " الجواب الباهر " (ق ٩ / ٢) : أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها وبني عليها حائط آخر صيانة له ﷺ أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا

стр. 66

" إن الصلاة في المسجد الذي به قبر كمسجد النبي ﷺ ومسجد بني أمية لا يقال إنها صلاة في الجبانة فالقبر ضمن مقصورة مستقل بنفسه عن المسجد فما المانع من الصلاة فيه " فهذا قول لم يصدر عن علم وفقه لأن المانع بالنسبة للمسجد الأموي لا يزال قائما وهو ظهور القبر من وراء المقصورة والدليل على ذلك قصد الناس للقبر والدعاء عنده وبه والاستغاثة به من دون الله وغير ذلك مما لا يرضاه الله والشارع الحكيم إنما نهى عن بناء المساجد على القبور سدا للذريعة ومنعا لمثل هذه الأمور التي تقع عند هذا القبر كما سيأتي بيانه فما قيمة هذه المقصورة على هذا الشكل المزخرف إنما هي نوع آخر من المنكر الذي يحمل الناس على معصية الله ورسوله ﷺ وتعظيم صاحب القبر بما يجوز شرعا مما هو مشاهد معروف وسبقت الإشارة إلى بعضه ثم ألا يكفي في إثبات المانع أن الناس يستقبلون القبر عند الصلاة قصدا وبدون قصد ولعل أولئك المشار إليهم وأمثالهم يقولون: لا مانع أيضا من هذا الإستقبال لوجود فاصل بين المصلين والقبر ألا وهو نوافذ القبر وشبكته النحاسية فنقول لو كان هذا المانع كافيا في المنع لما أحاطوا القبر النبوي الشريف بجدار مرتفع مستدير ولم يكتفوا بذلك بل بنو جدارين بمنعون بهما من استقبال القبر. ولو كان وراء الجدار المستدير وقد صح عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي في وسط القبور؟ أو في مسجد إلى قبر؟ قال: نعم كان ينهى عن ذلك أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (١ / ٤٠٤) . فإذا كان هذا التابعي الجليل (عطاء بن أبي رباح) لم يعتبر جدار المسجد فاصلا بين المصلى وبين القبر وهو خارج المسجد فهل يعتبر فاصلا النوافذ والشبكة والقبر في المسجد؟

стр. 67

فهل في هذا ما يقنع أولئك الكاتبين بجهلهم وخطئهم وهجومهم على القول بما لا علم لهم به؟ لعل وعسى وأما المسجد النبوي الكريم فلا كراهة في الصلاة فيه خلافا لما فتروه علينا وسيأتي تفصيل القول فيه في " الفصل السابع " إن شاء الله تعالى على أني لا أريد أن يفوتني أن أنبه القراء الكرام على أن أولئك الكاتبين يعترفون بكلمتهم السابقة في أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر غير محاط بمقصورة أنها صلاة مكروهة لانتفاء العلة التي من أجلها نفوا الكراهة عن الصلاة في مسجد بني أمية بزعمهم فهل لهم أن يجهروا للناس باعترافهم هذا؟ أم هو شئ اضطرهم إلى القول به التهرب من معارضة الأحاديث السابقة علنا وإن كانوا لا يدعون الناس إلى العمل به لغاية لا تخفى على العقلاء؟

стр. 68

قلت: ومما يؤسف له أن هذا البناء قد بني عليه منذ قرون إن لم يكن قد أزيل تلك القبة الخضراء العالية وأحيط القبر الشريف بالنوافذ النحاسية والزخارف والسجف وغير ذلك مما لا يرضاه صاحب القبر نفسه ﷺ بل قد رأيت حين زرت المسجد النبوي الكريم وتشرفت بالسلام على رسول الله ﷺ سنة ١٣٦٨ هـ رأيت في أسفل حائط القبر الشمالي محرابا صغيرا ووراءه سدة مرتفعة عن أرض المسجد قليلا إشارة إلى أن هذا المكان خاص للصلاة وراء القبر فعجبت حينئذ كيف ضلت هذه الظاهرة الوثنية قائمة في عهد دولة التوحيد أقول هذا مع الاعتراف بأنني لم أر أحدا يأتي ذلك المكان للصلاة فيه لشدة المراقبة من قبل الحرس الموكلين على منع الناس من يأتوا بما يخالف الشرع عند القبر الشريف فهذا مما تشكر عليه الدولة السعودية ولكن هذا لا يكفي ولا يشفي وقد كنت قلت منذ ثلاث سنوات في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها " (٢٠٨ من أصلي) : فالواجب الرجوع بالمسجد النبوي إلى عهده السابق وذلك بالفصل بينه وبين القبر النبوي بحائط يمتد من الشمال إلى الجنوب بحيث أن الداخل إلى المسجد لا يرى فيه أي محالفة لا ترضى مؤسسه ﷺ اعتقد أن هذا من الواجب على الدولة السعودية إذا كانت تريد أن تكون حامية التوحيد حقا وقد سمعنا أنها أمرت بتوسيع المسجد مجددا فلعلها تتبنى اقتراحنا هذا وتجعل الزيادة من الجهة الغربية وغيرها وتسد بذلك النقص الذي سيصيبه سعة المسجد إذا نفذ الاقتراح أرجو أن يحقق الله ذلك على يدها ومن أولى بذلك منها؟) ولكن المسجد وسع منذ سنتين تقريبا دون إرجاعه إلى ما كان عليه في عهد الصحابة والله المستعان الجواب عن الشبهة الثالثة وأما الشبهة الثالثة وهي أن النبي ﷺ صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قبر سبعين نبيا فالجواب: أننا لا نشك في صلاته ﷺ في هذا المسجد ولكننا نقول: إن ما ذكر في الشبهة من أنه دفن فيه سبعون نبيا لا حجة فيه من وجهين: الأول: أننا لا نسلم صحة الحديث المشار إليه لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح ولا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به قال الطبراني في معجمه الكبير " (٣ / ٢٠٤ / ٢) : حدثنا عبدان بن أحمد نا عيسى بن شاذان نا أبو همام الدلال نا إبراهيم بن طمهان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: " في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا " وأورده الهيثمي " المجمع " (٣ / ٢٩٨) بلفظ: قبر سبعون نبيا وقال: " رواه البزار ورجاله ثقات " وهذا قصور منه في التخريج فقد أخرجه الطبراني أيضا كما رأيت قلت: ورجال الطبراني ثقات أيضا غير عبدان بن أحمد وهو الأهوازي كما ذكر الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ١٣٦) ولم أجد له ترجمة وهو غير عبدان بن محمد المروزي وهو من شيوخ الطبراني أيضا في " الصغير " (ص ١٣٦) وغيره وهو ثقة حافظ له ترجمة في " تاريخ بغداد " (١١ / ١٣٥) و " تذكرة الحفاظ " (٢ / ٢٣٠) وغيرها لكن في رجال هذا الإسناد من يروي الغرائب مثل عيسى بن شاذان قال فيه ابن حبان في " الثقات ": " يغرب " وإبراهيم بن طمهان قال فيه ابن عمار الموصلي: ضعيف الحديث مضطرب الحديث " وهذا على إطلاقه وإن كان مردودا على ابن عمار فهو يدل على أن في حديث ابن طهمان شيئا ويؤيده قول ابن حبان في " ثقات أتباع التابعين " (٢ / ١) : أمره مشتبه له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء وقد روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الأثبات وقد تفر عن الثقات بأشياء معضلان سنذكره إن شاء الله في كتاب الفصل بين النقلة إن قضى الله سبحانه ذلك وكذلك كل شئ توقفنا في أمره ممن له مدخل في الثقات ولذلك قال فيه الحافظ ابن حجر في " التقريب ": " ثقة يغرب " وشيخ منصور وهو ابن المعتمر ثقة وقد روى له ابن طهمان حديثا آخر في مشيخته (٢٤٤ / ٢) (٧٣) فالحديث من غرائبه أو من غرائب ابن شاذان (٧٤) وأنا أخشى أن يكون الحديث تحرف على أحدهما فقال: " قبر " بدل " صلى " لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث فقد أخرج الطبراني في " الكبير (٣ / ١٥٥١) بإسناد رجاله ثقات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا: صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا. . .) الحديث وكذلك رواه الطبراني في الأوسط " (١ / ١١٩ / ٢زوائده) (٧٥) وعنه المقدسي في " المختارة " (٢٤٩ / ٢) والمخلص في " الثالث من السادس من المخلصيات " (٧٠ / ١) وأبو محمد بن شيبان العدل في " الفوائد " (٢ / ٢٢٢ / ٢) وقال المنذري (٢ / ١١٦) : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن ولا شك في حسن الحديث عندي فقد وجدت له طريقا اخرى عن ابن عباس رواه الأزرقي في " أخبار مكة " (ص ٣٥) عنه موقوفا عليه وإسناده يصلح للإستشهاد به كما بينته في كتابي الكبير " حجة الوداع " (ولم ينجز بعد) ثم رواه الأزرقي (ص ٣٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس به موقوفا. فهذا هو المعروف في هذا الحديث والله أعلم وجملة القول أن الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لصحته فإن صح فالجواب عنه (٧٣) - مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق (٧٥) - مخطوط ناقص الأول والآخر محفوظ في المكتبة الظاهرية ومنه نسخة كاملة في مكتبة الحرم المكي (٧٤) - ثم رأيته قد توبع فقد وقفت على إسناد البزار للحديث في " زوائده " (ص ١٢٣ مصورة المكتب الإسلامي) فإذا هو يقول: حدثنا إبراهيم عن المستمر العروقي ثنا محمد ثنا إبراهيم بن طهمان به وقال البزار " تفرد به إبراهيم عن منصور ولا نعلمه عن ابن عمر باحسن من هذا إسنادا ". وهذه متابعة لا بأس بها العروقي بالقاف صدوق يغرب كما في التقريب ". فالعهدة في الحديث على ابن طهمان وجرى الهيثمي على ظاهر إسناده فقال في " زوائد البزار ": " قلت: هو إسناد صحيح ". ولعل قوله السابق " ورجاله ثقات " أدق لما ذكرنا من الغرابة ذلك لأن مثل هذه الكلمة لا تقتضي الصحة كما لا يخفى على من مارس هذه الصناعة لأن عدالة الر واة وثقتهم شرط واحد من شروط الصحة الكثيرة بل إن العالم لا يلجأ إلى هذه الكلمة معرضا عن التصريح بالصحة إلا لأنه يعلم أن في السند مع ثقة رجاله علةى تمنع من القول بصحته أو على الأقل لم يعلم تحقق الشروط الأخرى فيه فلذلك لم يصرح بصحته وهذه مسألة مهمة طالما غفل عنها المبتدئون في هذا العلم الشريف وغيرهم ولذلك نبهت عليها في مقدمة " تمام المنة على فقه السنة للسيد سابق " هذا ولو كنت متحتجا بما ليس صوابا عندي لا حتججت على تصحيح بعض المعاصرين المقلدين للحديث بأن السيوطي ضعفه بالرمز إليه بالضعف في " الجامع الصغير " وقع ذلك في النسخة المطبوعة بمطبعة بولاق بمصر وفي النسخة التي عليها شرح المناوي وفي نسخة خطية في المكتبة الظاهرية (٢٣٢٩ عام) وغيرها ولكن لا أثق برموز (الجامع الصغير) لأسباب ذكرتها في المقدمة المذكورة آنفا ثم في مقدمته كتابي " صحيح الجامع الغير وزياداته " و " وضعيف الجامع الصغير وزياداته " (وقد تم طبعهما في المكتب الإسلامي ولكن على الرغم من ذلك فالتضعيف وارد عليهم لأنهم لا تحقيق عندهم بل هم مقلدون في كل شئ باعترافهم فغالب الظن أنهم يعتدون بتلك الرموز وعليه فالتضعيف المذكور حجة عليهم إن أنصفوا " من الوجه الآتي وهو: الثاني: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف وقد عقد الأزرقي في تاريخ مكة (٤٠٦ ٤١٠) عدة فصول في وصف مسجد الخيف فلم يذكر أن فيه قبورا بارزة ومن المعلوم أن الشريعة إنما تبنى أحكامها على الظاهر فإذا ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة فلا محظور في الصلاة فيه البتة لأن القبور مندرسة ولا يعرفها أحد بل لولا هذا الخبر الذي عرفت ضعفه لم يخطر في بال أحد أن في أرضه سبعين قبرا ولذلك لا يقع فيه تلك المفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشرفة الجواب عن الشبهة الرابعة وأما ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى فيه فالجواب: لا شك أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة (٧٦) ولكن هذه الفضيلة أصلية فيه منذ رفع قواعده إبراهيم مع ابنه اسماعيل ﵉ ولم تطرأ هذه الفضيلة عليه بدفن إسماعيل ﵇ فيه لو صح أنه دفن فيه ن ومن زعم خلاف ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا وجاء بما لم يقله أحد من السلف الصالح رضي الله عن هم ولا جاء به حديث تقوم الحجة به فإن قيل: لا شك فيما ذكرت ودفن إسماعيل فيه لا يخالف ذلك ولكن ألا يدل هذا على الأقل على عدم كراهية الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟

стр. 69

فالجواب: كلا ثم كلا وهاك البيان من وجوه: الأول: أنه لم يثبت في حديث مرفوع أن اسماعيل ﵇ أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام ولم يرد شئ من ذلك في كتاب من كتب السنة المعتمدة كالكتب السنة ومسند أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة وغيرها ضعيفا بل موضوعا عند بعض المحققين (٧٧) وغاية ما وري في ذلك من آثار معضلات بأسانيد واهيات موقوفات أخرجها الأزرقي في " أخبار مكة " (ص ٣٩ و ٢١٩ و ٢٢٠) فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات (٧٨) . ونحو ذلك ما أورد السيوطي في " الجامع " من رواية الحاكم في " الكنى " عن عائشة مرفوعا بلفظ: إن قبر إسماعيل في الحجر الوجه الثاني: أن القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى فلا ضرر من وجودها في بطن أرض المسجد فلا يصح حينئذ الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على قبور مرتفعة على وجه الأرض لظهور الفرق بين الصورتين وبهذا أجاب الشيخ على القاري ﵀ الله تعالى فقال في " مرقاة المفاتيح " (١ / ٤٥٦) بعد أن حكى قول المفسر الذي أشرت إليه في التعليق: وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا قال القاري: وفيه أن صورة قبر إسماعيل ﵇ وغيره مندرسة فلا يصلح الاستدلال وهذا جواب عالم نحرير وفقيه خريت وفيه الإشارة إلى ما ذكرناه آنفا وهو أن العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأن ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط به حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تنزه عن مثل هذا الحكم لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء كما قال تعالى:﴾ ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ﴿. قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم (٧٩)

стр. 70

قلت: وقولهن " الملعون فاعله " يشير إلى حديث ابن عباس الذي بينت ضعفه فيما سبق (ص ٤٣) فتنبه ومنه قول الشاعر: صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟ خفف الوطأ ما أظن اديم الأرض إلا من هذه الأجساد سر إن استطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد ومن البين الواضح أن القبر إذا لم يكن ظاهرا غير معروفا مكانه فلا يترتب من وراء ذلك مفسدة كما هو مشاهد حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة حتى ولو كانت مزورة لا عند القبور المندرسة ولو كانت حقيقة فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين وهذا ما جاءت به الشريعة كما بينا سابقا فلا يجوز التسوية بينهما والله المستعان الجواب عن الشبهة الخامسة: أما بناء أبي جندل رضي الله عن هـ مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عن هـ في عهد النبي ﷺ فشبهة لا تساوي حكايتها ولولا أن بعض ذوي الأهواء من المعاصرين اتكأ عليها في رد تلك الأحاديث المحكمة لما سمحت لنفسي أن أسود الصفحات في سبيل الجواب عنها وبينا بطلانها والكلام عليها من وجهين: الأول: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به ولم يروه أصحاب " الصحاح " و " السنن " و " المسانيد " وغيرهم وإنما أورده ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير من " الاستيعاب " (٤ / ٢١٢٣) مرسلا فقال: وله قصة في المغازي عجيبة ذكرها ابن إسحاق وغيره وقد رواها معمر عن ابن شهاب. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة عام الحديبية قال: ثم رجع رسول الله ﷺ فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلت قريش في طلبه رجلين فقالا لرسول الله ﷺ : العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلما. فدفعه النبي ﷺ إلى الرجلين فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان فاستله الآخر وقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال له أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الاخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد بعده فقال له النبي ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال يا رسول الله قد والله وفى الله ذمتك: قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فقال النبي ﷺ ويل امه مسعر جرب لو كان معه أحد " فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير. . . وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظا وأكمل سياقا قال:. . . وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبي جندل وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله ﷺ بيده يقرؤه فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبر مسجدا " قلت: فأنت ترى أن هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار انه تابعي صغير سمع من أنس بن مالك رضي الله عن هـ وإلا فهي معضلة وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: " وبنى على قبره مسجدا " لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه بل هو من رواية موسى بن عقبة كما صرح به ابن عبد البر لم يجاوزه وابن عقبة لم يسمع أحدا من الصحابة فهذه الزيادة أعني قوله " وبنى على قبره مسجدا " معضلة (٨٠) بل هي عندي منكرة لأن القصة رواها البخاري في " صحيحة " (٥ / ٣٥١٣٧١) وأحمد في " مسنده " (٤ / ٣٢٨٣٣١) موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة وكذلك أوردها ابن إسحاق في " السيرة " عن الزهري مرسلا كما في " مختصر السيرة " لابن هشام (٣ / ٣٣١٣٣٩) ووصله أحمد (٤ / ٣٢٣٣٢٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (٣ / ٢٧١٢٨٥) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة لإعضالها عدم رواية الثقات لها. والله الموفق الوجه الثاني: أن ذلك لو صح لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين: أولا: أنه ليس في القصة أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي ﷺ علم بذلك وأقره فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم لأن الأحاديث صريحة في أن النبي ﷺ حرم ذلك في آخر حياته كما سبق فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم على فرض صحته عند التعارض وهذا بين لا يخفى نسأل الله تعالى أن يحمينا من اتباع الهوى الجواب عن الشبهة السادسة وهي الزعم بأن المنع إنما كان لعلة وهي خشية الافتتان بالمقبور وقد زالت فزال المنع لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إلى القول بهذه الشبهة إلا مؤلف " إحياء المقبور " فإنه تمسك بها وجعلها عمدته في رد تلك الآحاديث المتقدمة واتفاق الأمة عليها فقال ما نصه (ص ٨١ ١٩) : (٨٠) - ولا تغتر أيها القارئ بما فعله هنا مؤلف " إحياء المقبور " فإنه ساق (ص ٤٤) القصة التي أوردناها في الأعلى من طريق ابن عبد البر غير أن المؤلف حذف من كلامه " وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر " ووصل رواية عبد الرزاق عن الزهري برواية موسى بن عقبة حتى صارتا كأنهما رواية واحدة وبدا للناظر في سياقه أن القصة بناء المسجد على القبر هي من رواية عبد الرزاق عن الزهري وإنما هي من رواية موسى بن عقبة بدون إسناد

стр. 71

ثم وقفت على رواية موسى بن عقبة في " تاريخ ابن عساكر " (٨ / ٣٣٤ / ١) رواه بإسنادين عن عنه عن ابن شهاب مرسلا ومعضلا بلفظ: " وجعل عند قبره مسجدا " وهذا اللفظ لو صح أقل مخالفة لأنه ليس نصا في أن البناء كان على القبر بل عنده وشتان ما بينهما وليس فيه أيضا أن أبا جندل هو الذي بنى المسجد فتأمل

стр. 72

" وأما النهي عن بناء المساجد على القبور فاتفقوا على تعليله بعلتين: إحداهما أن يؤدي إلى تنجيس المسجد (٨١) . . . وثانيهما وهو قول الأكثرين بل الجميع حتى من نص على العلة السابقة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة بالقبر لأنه إذا وقع بالمسجد وكان قبر ولي مشهور بالخير والصلاح لا يؤمن مع طول المدة أن يزيد اعتقاد الجهلة فيه ويؤدي بهم إلى فرط التعظيم إلى قصد الصلاة إليه إذا كان في قبلة المسجد فيؤدي بهم ذلك إلى الكفر والإشراك " ثم ساق شيئا من النقول في العلة المذكورة عن بعض العلماء منهم الإمام الشافعي وقد تقدم نصه في ذلك (ص ٤٣٤٤) ثم قال المؤلف المشار إليه (ص ٢٠٢١) : والعلة المذكورة قد انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين ونشأهم على التوحيد الخالص واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والإيجاد والتصريف () وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها وهو كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين قلت: والجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش أثبت أولا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي ثم أثبت أنها قد انتفت ودون ذلك خرط القتاد أم الأول فإن لا دليل مطلقا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط نعم من الممكن أن يقال: انها بعض العلة وأما حصولها بها فباطل لأن من الممكن أيضا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى كما تقدم في كلام الفقيه الهيتمي والمحقق الصنعاني وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعا وغير ذلك مما قد يبدو للباحث الناقد (٨١) - قلت: وهذه العلة باطلة من وجوه لا مجال لبيانها الآن ومن أدلة ذلك بخصوص قبور الأنبياء أن أجسادهم لا تبلى كما صح عن رسول الله ﷺ فكيف تنجس الأرض بهم

стр. 73

وأما زعمه أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين الخ. فهو زعم باطل أيضا وبيانه من وجوه: الأول: أن الزعم بني على أصل باطل وهو أن الإيمان بأنه الله هو المنفرد بالخلق والإيجاد كاف في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎ وليس كذلك فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كما قال تعالى:﴾ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴿ (٨٢) ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئا لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة وأنكروه على النبي ﷺ أشد الإنكار بقولهم فيما حكاه الله عنهم﴾ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ﴿ (٨٣) . ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله وترك الدعاء والذبح لغير الله وغير ذلك مما خاص بالله تعالى من العبادات فمن جعل شيئا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به وجعل له ندا وإن شهد له بتوحيد الربوبية فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وإفراد الله بذلك وهذا مفصل في غير هذا الموضوع فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية ولا أريد أن أبعد بالقارئ الكريم في ضرب الأمثلة فحسبي هنا أن أنقل ما ذكره المؤلف الذي نحن في صدد الرد عليه فإنه قال بعد أسطر من كلامه السابق (ص ٢١٢٢) : ونراهم (يعني العامة) يحلفون بالأولياء وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولا شك. . . فكثير من جهلة العوام بالمغرب ينطق بما هو كفر صراح في حق مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عن هـ. . . فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام ابن مشيش رضي الله عن هـ أنه الذي خلق الدين والدنيا ومنهم من قال والمطر نازل بشدة: يا مولانا عبد السلام الطف بعبادك فهذا كفر

стр. 74

قلت: فهذا الكفر أشد من كفر المشركين لأن هذا فيه التصريح بالشرك في توحيد الربوبية أيضا وهو مما لا نعلم أنه وقع من المشركين أنفسهم وأما الشرك في الألوهية فهو أكثر في جهال هذه الأمة ولا أقول عوامهم فإذا كان هذا حال المسلمين اليوم وقبل اليوم فكيف يقول هذا الرجل: وقد انتفت العلة برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين ؟ وإذا كان يريد ب " المؤمنين " الصحابة رضي الله عن هم فلا شك أنهم كانوا مؤمنين حقا عالمين بحقيقة التوحيد الذي جاءهم به رسول الله ﷺ ولكن الشريعة الإسلامية شريعة عامة أبدية فلا يلزم من انتفاء العلة ولو ثبت بالنسبة إليهم أن ينتفي الحكم بالنسبة لمن بعدهم لأن العلة لا تزال قائمة والواقع أصدق شاهد على ذلك الوجه الثاني: علمت مما سبق من الأحاديث أن النبي ﷺ حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته بل في مرض موته فمتى زالت العلة التي ذكرها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته ﷺ فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه ﷺ لأن القول بذلك يستلزم بناء على ما سبق من كلامه أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعد في نفوس الصحابة رضي الله عن هم وإنما رسخ بعد وفاته ﷺ ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم وهذا مما لا أتصور أحدا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته ﷺ قلنا: وكيف ذلك وهو ﷺ إنما نهى عن ذلك في آخر نفس من حياته؟ ويؤيده: الوجه الثالث: أن في بعض الأحاديث المتقدمة باستمرار الحكم إلى قيام الساعة كالحديث (١٢) الوجه الرابع: أن الصحابة رضي الله عن هم إنما دفنوه في حجرته ﷺ خشية أن يتخذ قبره مسجدا كما تقدم عن عائشة رضي الله عن ها في الحديث (٤) فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة أنفسهم أو على من بعدهم فإن قيل بالأول قلنا فالخشية على من بعدهم أولى وإن قيل بالثاني وهو الصواب عندنا فهو دليل قاطع على أن الصحابة رضي الله عن هم كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم لا في عصرهم ولا فيما بعدهم فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بين. ويؤيده:

стр. 75

الوجه الخامس: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه مما يستلزم بقاء العلة السابقة وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها وهذا بين لا يخفى والحمدلله وإليك بعض الأمثلة على ما ذكرنا:
следующие страницы →