← Язык

Язык · id 35073

البلغة الى أصول اللغة

صديق حسن خان

Полный текст (258 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

البُلغة الى أصول اللغة لمحمد صديق حسن خان بهادر القنّوجي البخاري الهندي (١٣٠٧هـ) تحقيق ودراسة رسالة تقدمت بها الطالبة سهاد حمدان أحمد السامرائي إلى مجلس كلية التربية للبنات في جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد خطاب العمر صفر ١٤٢٥هـ - نيسان ٢٠٠٤م

стр. 2

المقدمة الحمد لله الذي تفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة. وبعد، فاللغة العربية لا تنفك تؤلف الكتب اللغوية الكثيرة والعديدة فيها؛ لتحمي نفسها من نسيان الأيام وتغيير اللسان، حتى أضحت كنزاً كبيراً يصوغه علماء الشرق كيفما أرادوا، يحرسونها من الضياع والفقدان في كل البلدان فألفوا فيها قديماً وحديثاً، فأصبحت أجمل حديثٍ يتناقله الباحثون والدارسون. ومن بين الكتب، كتابٌ أردت دراسته وتحقيقه لأنه أحد تواليف فقه اللغة، وهو (البُلغة الى أصول اللغة) لمحمد صديق حسن خان بهادر القَنُّوجي البخاري الهندي، وهو من علماء القرن الثالث عشر للهجرة ملك مملكة بهويال الهندية. والذي دعاني الى تحقيقه كونه من مؤلفات فقه اللغة التي تعد قليلة قياساً بالنحو والصرف، وقيمة الكتاب التي امتازت بالتنوع، والشمول، والإيجاز. ومنهجي في هذا البحث يعتمد على دراسة وصفية وتحليلة ثم تحقيق ما خَلّفه محمد صديق حسن خان. اشتملت الدراسة على مبحثين، تناولت في المبحث الأول: سِيرة محمد صديق حسن خان، حيث تكلمت فيه على: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه وشيوخه، وتلاميذه، وأسرته، وعلمه، ومكانته وقدرته العلمية، وصفاته وأقوال العلماء فيه. وأحصيت مؤلفاته التي غصت بها كتب التراجم المختلفة، واعتمدت في ترجمة حياته على ما ذكره عن نفسه، فهو من أولئك الذين ترجموا لأنفسهم. وتكلمت في المبحث الثاني: أولاً: على منهجه العام في مؤلفاته. ثانياً: على منهجه في الباب الأول، ويتضمن خطبة الكتاب، ومنهجه في المقدمة، ووصف عام للباب الأول، وما أرآده لكتابه، وما نقله وما خالف فيه السيوطي، ومناقشة آرائه. ثالثاً: على منهجه في الباب الثاني: وتضمن مصادر حظيت بالإهتمام ومصادر لم يذكرها المؤلف، والمصادر الجديدة، ومن ثم أهمية الكتاب ونسختي البُلغة، ومنهج التحقيق، والخاتمة. اشتمل الكتاب الذي حققته على بابين، الأول: في موضوعات فقه اللغة، والآخر: في ذكر عددٍ من المصادر اللغوية، وخاتمة الكتاب التي جاءت في اعجاز القرآن. واعتمدت على مصادر كثيرة، منها: الصاحبي في فقه اللغة، والخصائص، والمزهر، وكشف الظنون، وإيضاح المكنون، فضلاً عن مصادر أخرى، وفي موضوعات متنوعة بعيداً عن اللغة العربية كأمثال مصادر أصول الفقه وغيرها، مما أعطى الموضوع صعوبة ناتجة عن اتساعه وضخامته.

стр. 3

ولكون الموضوع في التحقيق، فقد تطلب دقةً وعمقاً في التوثيق والتنظيم، وتحري الصحة والضبط بالرجوع الى المصادر التي وثقت منها، ومن بين الصعوبات صعوبة الحصول على المصادر، وقلتها وعدم تمكني من الحصول على النسخة الأصلية لعدم توافرها بعد أن بحثت عنها في أكثر من مكتبة، فضلاً عن تنوع الموضوع ما بين لغة وتراجم وخاتمة في الإعجاز. وأخيراً أتوجه بالشكر والعرفان لمن قرأ البحث، وقَوَّمه الأستاذ المشرف الدكتور أحمد خطاب العمر وأدعو له بالصحة، وطول العمر. وأشكر لوالديّ وأدعو لهما بالصحة وطول البقاء. وأشكر للسيد عز الدين الغلام الرفاعي الذي زودني بالنسخة الأولى من (البُلغة الى أصول اللغة) وشكري الجزيل لمدير مكتبة الشيخ عبد القادر الكيلاني الذي ساعدني في الحصول على النسخة الثانية، المصورة، وأشكر لأساتذة قسم اللغة العربية في كلية التربية للبنات وأشكر لأسرة مكتبة كلية التربية للبنات، ومكتبة سامراء العامة، ولكل من ساعدني من الأساتذة والزميلات والطالبات والمعارف من الناس تسهيل مهمة انجاز البحث. وعذراً إن كنت قصرت هنا أو هناك في هذه الرسالة أو بدت فيها هنات، فلا يملك الإنسان من كل أمره الكمال، بل الكمال لله وحده، وأسأله سبحانه أن يجعل جهدنا وبحثنا خالصاً لوجهه، وختام الكلام الصلاة والسلام على سيد الأنام محمد وعلى آله وصحبه. الطالبة سهاد حمدان أحمد السامرائي ٢٩/صفر/١٤٢٥هـ - ٢٠/ ٣ /٢٠٠٤ م

стр. 4

التمهيد البُلغة لغة: بَلَغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبلاغاً، وصل وانْتَهى، وهذا بلاغٌ وبُلْغَة وتَبَلُّغٌ أي: كفاية، وتَبَلّغَ بالقليل أكتَفَى به.

стр. 5

والبُلْغةُ: ما يُتَبَلَّغُ به من العيش ولا فضلَ فيه (١). مما سبق يتبين أن البُلغة: اكتفاء الشيء عن غيره، واكتماله بحيث إن المرء لا يحتاج الى سواها، فهي مكتملة كافية لا فضلِ فيها ولا زآئد عنها. ومن هذه المادة أخذَ محمد صديق حسن خان (ـ ١٣٠٧هـ) عنوان كتابه (البُلغة الى أصول اللغة) والذي نحن بصدد دراسته وتحقيقه وتقديمه الى الدارسين كتاباً من كتب فقه اللغة العربية. وألحق أن هذا المصطلح قد استعاره كثيرون سبقوا هذا المؤلف ووضعوه عنوانات لمؤلفاتهم في مختلف الفنون اللغوية، والصرفية، والفقهية، والطبية، والتاريخية، وعلم الحديث، والأصول، والأخلاق، والتصوف. وقد وجدت أن أول من استخدم هذا المصطلح هو في غير اللغة العربية وتتبعت ذلك في كتاب كشف الظنون وإيضاح المكنون وهذه بعض المؤلفات في غير اللغة العربية مرتبة حسب قدمها. ١. " البُلغة في حفظ الصحة: للشيخ أحمد بن إبراهيم ابن الجزار الأفريقي (ـ٤٠٠هـ) " (٢). ٢. " بلغة المقاصد في التصوف: لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري الشافعي (ـ ٤٦٥هـ) " (٣). ٣. " بُلغة المستعجل في التاريخ: لأبي عبد الله محمد (بن فرج بن عبد الله) بن أبي نصر الحميدي الأندلسي (ـ ٤٨٨هـ) " (٤). ٤. " البُلغة في الفروع: لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي، ابن الجوزي البغدادي الحنبلي (ـ ٥٩٧ هـ) " (٥). ٥. " بلغة الساغب وبغية الراغب في الفروع: تأليف فخر الدين أبي عبد الله محمد بن الخضر الحراني الحنبلي (ـ٦٢١هـ) " (٦). ٦. " بلغة الغواص في الأكوان الى معدن الاخلاص: للشيخ محيي الدين محمد علي، ابن العربي (ـ ٦٣٨هـ) " (٧).

стр. 6

٧. " بلغة الظرفاء الى معرفة الخلفاء: للشيخ أبي الحسن الروحي (ـ ٦٤٠هـ) " (١). ٨. " البلغة والإقناع في حل شبه مسألة السماع: للشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي الحنبلي (ـ ٧١١هـ) " (٢). ٩. " بلغة السؤال عن مراتب أهل الكمال: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد التونسي المعروف بابن زغدان المالكي (ـ٨٨١هـ) " (٣). ١٠. " بلغة المحتاج في مناسك الحاج: لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ـ٩١١ هـ) " (٤). ١١. " بلغة الحثيث الى علم الحديث: تأليف أبي عبد الله محمد العيزري فرغ منها سنة (١٠٧٩هـ) " (٥). ١٢. بلغة الأريب في مطلع آثار الحبيب: للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي الحنفي المصري (ـ ١٢٠٥هـ) (٦). وممن ألّف في موضوع اللغة العربية وكان أسبق من غيره في استخدام هذا المصطلح أبو يوسف يعقوب بن أحمد الكردي (الأديب النيسابوري) (ـ٤٧٤هـ) في كتابه البلغة في اللغة (٧). وهناك (البُلغة) دون معرفة موضوعها: لأبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني المعروف بإمام الحرمين (ـ٤٧٨هـ)، ولأبي العباس أحمد بن محمد الجرجاني الشافعي (ـ٤٨٢هـ) ولأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ـ٥٣٨هـ) (٨). والبُلغة في أساليب اللغة: لابن الأنباري أبي البركات عبد الرحمن (ـ٥٧٧هـ) وبُلغة المحب في المذكر والمؤنث، لابن الأنباري أيضاً (٩). والبُلغة الى أصول اللغة، جرجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤م).

стр. 7

والبُلغة في شذور اللغة، مجموعة رسائل باعتناء الأب لويس شيخو (١). والبُلغة الى أصول اللغة: لمحمد صديق حسن خان وهو الكتاب الذي بين أيدينا (٢). ومما سبق يتبين ان هذا المصطلح قلما استعمله علماء اللغة مقارنة بعلماء الفقه والحديث والأصول، عدا ما استعمله أبو البركات الأنباري. وأول ما استخدم في الطب إلا إنَّ المشهور من هذه المؤلفات هو كتاب البُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة: لمجد لدين الفيروزآبادي (ـ٨١٧هـ) (٣).

стр. 8

المبحث الأول سيرة محمد صديق حسن خان نبذة تاريخية: علاقة الهند بالحضارة العربية الإسلامية: حياته: اسمه، كنيته، لقبه، نسبه مولده ونشأته أسرته علمه، مكانته وقدرته العلمية صفاته وأقوال العلماء فيه مؤلفاته

стр. 9

نبذة تاريخية: علاقة الهند بالحضارة العربية الإسلامية: الهند تلك الأرض البعيدة عن مهد الإسلام إلا إنها لم تكن بعيدة عن روحه وفلسفته، وعلى الرغم من عدم وجود " رواية صحيحة نستطيع ان نعتمد عليها، تفيد أن أحداً من الصحابة قد وصل الى الهند داعية للاسلام في عهد الرسول ﷺ ولكن توجد بعض الروايات التي تفيد وصول بعض الصحابة الى الهند في عهد سيدنا عمر ﵁ " (١). حتى رواة الأحاديث، قيل أنهم دخلوا السند، عندما انتصرت عليها عساكر إسلامية في عهد الحجاج سنة (٧١١م) حينما أرسل حملة بقيادة محمد بن قاسم الى مصب السند واحتل المسلمون اقليم السند، واتصل هؤلاء الرواة بالهند، بشكل مباشر أو غير مباشر منهم نفران أو ثلاثة، وهم أبو حفص بن ربيع، وهو من تابعي التابعين ومن ثقات الرواة، ومنهم أبو معشر مولى أم موسى (٢). إلا أنَّ دخول الاسلام الى الهند بشكل مباشر كان على يد سلطان أفغانستان سبكتجين في أوآخر القرن العاشر للميلاد (٩٨٦ م) حيث بدأ الأفغان والترك بشن الغزوات والغارات على الهند، حتى سيطروا عليها ونشروا الإسلام فيها (٣). والذي يهمنا هو دور العلماء الهنود في رفد الحضارة الإسلامية فقد وضعت الهند مؤلفات إسلامية عربية عن طريق علمائها الأجلاء الذين اسهموا في نشر الفكر الإسلامي وتطوره. ومن أشهر علماء الهند حسن بن الحسن الصغاني (ـ٦٥٠هـ) صاحب العباب وكتابه أسنى الأعمال وأثمنها براعة، وصاحب كنز العمال للبرهان بوري (ـ٩٧٥ هـ) حيث قيل أنه أكثر من التصنيف فيقال عن كتبه الموضوعة أنها تزيد على المائة، ومن أكثر علماء الهند شهرة عبد الحق الدهلوي (ـ١٠٥٢هـ) كان محدثاً بارعاً بارزاً في عصره وضع كتاباُ في الحديث هو: (لمعات التنقيح على مشكاة المصابيح) (٤)، فضلاً عن محمد صديق حسن خان القنّوجي الذي اشتهر بكثرة التأليف وها نحن بصدد درآسته.

стр. 10

محمد صديق حسن خان / حياته / مؤلفاته اسمه و كنيته و لقبه و نسبه محمد بن صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القَنُّوجي البخاري هذا اسمه كما نقلته عدد من كتب التراجم (١) وكما هو مثبت على نسخة ب و ق من كتاب البُلغة الى أصول اللغة. وفي كتابه أبجد العلوم حين ترجم لنفسه ذكر صديق بن حسن بن علي الحسيني القَنّوجي البخاري (٢)، ونقل تلميذه نعمان الآلوسي (ـ١٣١٧ هـ) هذا الاسم في (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (٣) وصاحب حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (٤) ومصحح الروضة الندية شرح الدرر البهية (٥) أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي وكلاهما صحيح، فشأن الهنود المسلمين أن يضعوا اسم محمد على أسماء علمائهم. ويعد محمد صديق حسن خان من رجال النهضة الإسلامية المجددين، ونعته تلميذه نعمان الآلوسي، بشيخنا الإمام الكبير، السيد العلامة الأمير البدر المنير، البحر الحبر في التفسير، والحديث والفقه والأصول، والتاريخ والأدب والشعر والكتابة، والتصوف والحكمة والفلسفة وغيرها (٦). كنيته: أبو الطيب ولقبه: القَنّوجي: نسبة الى مدينة قَنّوج (٧) في بلاد الهند. نسبه: يعود نسبه كما نقل ذلك عن نفسه " الى الإمام زين العابدين علي بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه " (٨).

стр. 11

مولده ونشأته: ولد محمد صديق حسن خان سنة (١٢٤٨هـ)، ببلدة بريلِّي (١) موطن جده القريب من جهة الأم، ثم جاءت به أمه من بريلِّي الى بلدة قَنّوج موطن آبائه الكرام، ذوي العلاء والإحترام ولما طعن في السنة السادسة انتقل والده الشريف الى رحمة الله، وبقي في حجر أمه يتيماً ونشأ على العفاف والطهارة (٢). وهو من بيت من بيوت العلم " أخذ العلم من أكابر أطراف وطنه ثم ارتحل الى مدينة دهلي، وهي إذ ذاك مشحونة بعلماء الدين " (٣). شيوخه وتلاميذه: اخذ عن شيوخ مدينة دهلي في المعقول والمنقول ولا سيما من آخرهم وأفضلهم الشيخ محمد صدر الدين خان الدهلوي تلميذ عبد العزيز بن مسند الوقت الأجل أحمد ولي الله المحدث الدهلوي (ـ١١٧٦هـ) (٤). أشار المؤلف الى شيوخه من بلاد اليمن والهند حيث قال: " واستفاد العلوم الملية من التفاسير والأحاديث، وما يليهما من مشيخة اليمن الميمون والهند منهم: الشيخ القاضي حسين ابن محسن السبعي الأنصاري تلميذ الشيخ الماهر محمد بن ناصر الحازمي (ـ ١٢٨٣هـ) تلميذ القاضي الإمام العلامة المجتهد الرباني محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني (ـ١٢٥٥هـ). وهؤلاء من علماء اليمن. والشيخ المعمر الصالح عبد الحق بن فضل الله الهندي (ـ١٠٥٢ هـ) والشيخ التقي محمد يعقوب المهاجر الى مكة المكرمة أخو الشيخ محمد اسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى (ـ١٢٠٠هـ) وكلهم أجازوا له مشافهة وكتابة اِجازة مأثورة عامة تامة " (٥). وأشار الى شيوخه السيد نعمان الآلوسي حيث قال: " ارتحل الى بهويال (٦) وسافر الى الحجاز، وحجَّ وزار النبي ﷺ وأخذ من علماء اليمن الميمون تلاميذ العلامة المجتهد المطلق: محمد بن علي الشوكاني (رحمه الله تعالى) وجمع في ذلك كتاباً

стр. 12

سماه (سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند) ذكر من أخذ عنه ومن أجاز له، والأسانيد التي تلقاها عن شيوخه وبقي عاكفاً في الحرمين نحو ثمانية أشهر " (١). واستجاز منه " المحدث الفاضل الشيخ يحيى بن محمد بن أحمد بن حسن الحازمي قاضي عدن أجاز له حسب اقتراحه في ذي الحجة سنة (١٢٩٥هـ)، والشيخ العلامة زينة أهل الإستقامة السيد نعمان الآلوسي خير الدين الآلوسي زادة مفتي بغداد أجاز له سنة (١٢٩٦هـ) " (٢). ثم عاد الى بهويال بعد رجوعه من الحج طلباً للمعيشة ففاز بثروة وافرة (٣) قال في ترجمة نفسه: " ثم ألقى عصا التسيار والترحال بمحروسة بهويال من بلاده مالوة الدكن فنزل بها نزول المطر على الدمن وأقام بها وتوطن وأخذ الدار والسكن، وتمول وتولد واستوزر وناب وألّف وصنف، وعاد الى العمران من بعد خراب وكان فضل الله عليه عظيماً جزيلاً" (٤) لقد جعلته ملكة مملكة بهويال وهي شاهجان بيكم ويقال إنها ملكة إقليم الدكن وزيراً لها وتزوج بها سنة (١٢٨٨هـ) فلقبَّ بنوابَّ عالي الجاه أمير الملك خان بهادر (٥). واستوطن واستقر هنالك بنشر العلم ويفيد العلماء وينصر السنة المطهرة ويروِّج كتبها ويؤلف (٦). أسرته: والده: خرج محمد صديق حسن من أسرة في مدينة قَنّوج اشتهرت بالعلم كما ينقل ذلك في ترجمة والده فقال: " سيدي الوالد الماجد المرحوم حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القَنّوجي، وهو ابن السيد الأمير الكبير نواب أولاد علي خان بهادر أنورجنك، المتوفى بأرض حيدر آباد الدكن جده القريب السيد أبو عبد الله جلال الدين حسين المعروف بمخدوم جهانيان جهان كشت، ونسبه الأقصى ينتهي الى سيدنا زين العابدين علي أصغر بن الحسين الشهيد بكربلاء " (٧).

стр. 13

أخذ أوائل العلوم من الشيخ عبد الباسط القنوجي ورحل الى لكنؤ (١) بعد وفاة الشيخ فاكتسب عن الشيخ محمد نور وغيره من علماء عصره وسافر في سنة (١٢٣٣هـ) الى دهلي وتلمذ على الشيخ عبد العزيز، والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ الأجل الشاه ولي الله المحدث الدهلوي. وأخذ الاجازة لكتب التفسير والحديث وغيرهما وصحب السيد العارف أحمد البريلوي مجدد المائة الثالث عشر، وبايعه واستفاض منه فيوضاً كثيرة، وجاهد معه في سبيل الله وصار خليفة له في دعوة الحق الى دين الله تعالى فرجع الى الوطن وتمكن به للدرس والإفادة والوعظ الى آخر العمر، وكان في التقوى والديانة واتباع الحق واقتداء الدليل وردّ الشرك والبدع، قدرة كاملة. وله مؤلفات بالألسنة الثلاثة: الهندية، والفارسية، والعربية. منها: راه سنت، وهداية المؤمنين. نور الوفاء من مرآة الصفا. رسالة في معنى الكلمة الطيبة. رسالة في رد التعزية والضريح. رسالة في آداب التذكير. رسالة في آداب البيعة. كتاب في الحدود والقصاص سماه بالإختصاص. وتقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين الى غير ذلك مما يعسر عدّها، توفي سنة (١٢٥٣هـ) (٢). ويبدو بأن شيوخ المؤلف محمد صديق حسن خان هم أيضاً كانوا شيوخ والده وخاصة في علم الحديث فهم أسرة تتوارث العلم وخاصة علم الفقه والحديث وعلوم الشريعة.

стр. 14

أخوه الكبير: السيد أحمد بن حسن بن علي العرشي القنوّجي، نقل ترجمته محمد صديق حسن خان حيث ذكر أنه كان فاضلاً بارعاً في العقليات والنقليات، ولد في التاسع عشر من رمضان يوم السبت سنة (١٢٤٦هـ). أخذ العلوم والفنون الدرسية من بلاد شتى وأساتذة متعددين كبلدة دهلي وغيرها، تلمذ على المولوي عبد الجليل الكولي، وأجاز له الشيخ العارف عبد الغني المجددي الدهلوي نزيل المدينة المنورة، وسمع منه الحديث المسلسل سنة (١٢٧١هـ) (١). وكان ناظماً للقصائد باللغة الفارسية والعربية، نظمه رائق، وشعره فائق يربو على نظم الأدباء المتقدمين والبلغاء المتأخرين، وذكر محمد صديق حسن خان جملة صالحة منها في كتابه (إتحاف النبلاء) وتذكرته المسماة (بشمع انجمن) كما كانت له اليد الطولى في الرد على المقلدة كما يلوح ذلك من كتابه (حديث الأذكياء) الملقب بالشهاب الثاقب، توفي وهو في طريقه الى الحج في بلدة برودة من أرض كجرات حيث مرض بالحمى وأنجرَّ الى الاسهال وكان هنالك الوباء فتوفي في التاسع من جمادى الأولى يوم الجمعة من شهور سنة (١٢٧٧هـ)، وكان عمره ثلاثين سنة، فحزنت عليه أمه وقد ذكر محمد صديق حسن خان حزنه الشديد على أخيه حيث قال: وكنت إذ ذاك ببلدة بهويال المحمية والله يعلم ماذا صبّ عليّ من المصائب والأحزان والنوائب، ولا مفر لأحد من تقدير العزيز العليم (٢). زوجه: شاهجان بيكم شاهجان بيكم بنت جهانكيرخان المتخلصة (بعفت) ملكة بهويال من ممالك الهند (٣) ترجم لها محمد صديق حسن خان في كتابه (أبجد العلوم) حيث قال: ولدت بحصن إسلام نكر على ثلاثة فراسخ من بهويال سنة (١٢٥٤هـ)، وجلست مجلس أبيها بالإستحقاق وهي ابنة تسع سنين سنة (١٢٦٣هـ)، وأتت إليها خلعة فاخرة من جهة الملكة البريطانية حاكمة الهند والانكلند، وربت في حجر أمها نواب سكندر بيكم (اقتدار) وحَصّلت الفنون الفارسية، وتعلمت الخط والكتابة، وامتازت بالقدرة على ترجمة القرآن، وتحرير الرسائل الدينية، وتقرير المسائل الدولية، يضرب بها المثل في الذكاء والحفظ والكرم والرحمة والجود (٤).

стр. 15

قال عمر رضا كحالة فيها: " أميرة من أميرات الهند أدارت إمارة بهويال إدارة صالحة وساستها سياسة رشيدة، فرتعت البلاد في بحبوحة من العدل والرفاهية، وانصرفت الى إنجاز جميع القضايا المتراكمة وعددها ٤٠٨٦، وذلك بسبب طول مرض والدتها وغيابها في مكة لأداء فريضة الحج " (١). توفيت والدتها سنة (١٢٨٥هـ) فجلست على مسند الرياسة، وشرفت محل السياسة من جهة الأبوين، وهي من الطبقة العليا في الهند، كما نقل ذلك محمد صديق حسن (٢) "وتجولت في بلاد إماراتها سنة (١٢٨٧هـ - ١٨٦٩م) لتشرف على حالة الفلاحين بنفسها وتتحق الشكاوى الكثيرة التي قدمت إليها على موظفي الحكومة وأذاعت بياناً قالت فيه: إنها مستعدة لسماع كل شكوى تقدم إليها، ومن كان يشتكي أمراً، فليتقدم بلا خوف ولا وجل، وقد اعتادت أن تباشر أعمال الحكومة بنفسها يومياً من الساعة التاسعة حتى الثانية عشرة صباحاً ومن الساعة الثالثة الى الساعة السادسة مساء، فكانت تفض جميع المراسلات بنفسها، وكانت تستقبل الناس سافرة حتى وفاة زوجها الأول سنة (١٢٨٥هـ-١٨٦٧م)، ثم عادت فأسدلت الحجاب لما تزوجها وزيرها السيد محمد صادق سنة (١٢٨٨هـ-١٨٧١م)، وعلى الرغم من حجابها كانت تعلم بكل شاردة وواردة من أخبار وشؤون بلادها " (٣). وقال محمد صديق حسن خان: تزوجت بي بعد ما أجازته بذلك السلطنة البريطانية في عهد حكومة لارد ميو حاكم الهند نزيل دار الامارة في كلكته. وكان لها تقديرٌ كبيرٌ عند وزراء وأمراء وجنرالات بريطانيا حيث أعطوها الهدايا النفيسة، كما أرسل إليها خطاب ووسام من الدرجة الأولى من السلطان عبد الحميد خان ملك الدولة العثمانية (٤). وقد أشاد محمد صديق حسن خان بأعمالها، فذكر بأنها عمرت الديار، وقررت الوظائف، وغرست الحدائق والأشجار، وأحدثت العمائر الكبار، وأعطت الفقراء والمحاويج وقررت لهم الوظائف، وأعطت العفاة الواردين بمملكتها من الحجاج والغزاة والمسافرين. وكان لها إهتمامٌ بالجانب العلمي والفكري والديني، فأحيت المدارس العلمية بعد دروسها وتبابها، وبَنتْ المساجد العظيمة، وأحيت السنن وأماتت البدع وقلعت أسباب الفجور والفسوق وجمعت من نفائس الكتب على اختلاف أنواعها، وتباين علومها وما يعظم قدره

стр. 16

ويجل وصفه، وأعطت الطلبة الوفاء من المصاحف والرسائل الدينية مجاناً، وأعطت الطلبة والمساكين الأموال والأقمشة والبيوت (١). قال ليبل غرفن: إنها أميرة تدير أمور الحكومة من وراء حجاب لكنها تعلم كل صغيرة وكبيرة من أخبار البلاد، وهي بلا استثناء أقدر امرأة في الهند في عصرها، وبالحقيقة إن مقدرتها الطبيعية تفوق مقدرة كثيرين من الأمراء الرجال الذين يحكمون اليوم، وهي سريعة الخاطر جداً حتى إن من يخاطبها يجب أن يكون على جانب عظيم من الذكاء ليستطيع مجاراتها في الحديث توفيت في ١٦ حزيران سنة (١٣١٨هـ - ١٩٠١م) (٢). قال محمد صديق حسن خان: " لها يد عاملة في النظم فارسياً كان أو هندياً ويمنى جارحة في النثر انشاءاً سوياً، ونظمها مضبوط في ديوان الشعر، وفي تذكرة الشعراء " (٣). لها مؤلفات هي: تاج الاقبال في تاريخ بهويال بلسان أردو في مجلد مطبوع. تهذيب النسوان. خزينة اللغات (٤). وربما أطلت في ترجمة حياتها؛ وذلك لدورها في رفد الحركة العلمية عن طريق تشجيع الطلبة بمساعدتهم من الناحية المادية، والعلمية ولدورها في طبع مؤلفات محمد صديق حسن خان ونشرها بين الأقطار العربية والاسلامية حتى إنّ مؤلفاته كانت تطبع في دار الرياسة نفسها ببلدة بهويال، وقسطنطينية، وكذلك مؤلفات أولاده . كما انها جمعت كثيراً من العلماء وهم غرباء من بلاد شتى في بلدة بهويال، وكانوا ملازمين للرياسة اجتمعوا على سدتها مستجدين للعطاء كما نقل ذلك محمد صديق حسن خان (٥). أولاده: ١. ولد المؤلف الكبير: أبو الخير مير نور الحسن خان الطيب، ولد ببلدة بهويال سنة (١٢٧٨هـ)، نشأ على الطاعة والصلاح، وشغل العلم بقدر الاستطاعة، وبرع في الذكاء والفطرة. تلمذ على جمع من أهل العلم الحاضرين ببلدة بهويال الملازمين للرئاسة، منهم: الشيخ المفتي محمد أيوب، والشيخ المولوي أنور علي المراد آبادي، والمولوي إلهي

стр. 17

بخش الفيض آبادي، والمولوي محمد بشير الدين العثماني القَنّوجي، والشيخ العالم محمد بشير السهسواتي، وشيخ والده المحدث حسين بن محسن الأنصاري اليماني، ووالده محمد صديق حسن خان، له تأليفات منها: رسالة النهج المقبول من شرائع الرسول. وكتاب عرف الجادي من جنان هدى الهادي، وهما في فقه السنة. وتذكرة في شعراء الفرس سماه نكارستان سخن. وتذكرة أخرى في شعراء الهند. له شعر حسن بالفارسية وكلام بليغ في العبائر الأدبية، جمع له والده من الكتب النفيسة العزيزة الوجود خزينة، ومن الأموال المحللة عدة يعيش بها، وخاطبته الرئيسة شاهجان بيكم (بالخان) ترجم له والده في إتحاف النبلاء، وشمع انجمن للشعراء (١). ٢. ولد المؤلف الصغير: أبو نصر مير علي حسن خان الطاهر، ولد ببلدة بهويال سنة (١٢٨٣هـ) ونشأ بها في أرغد نعمة وأطيب أمنية، قرأ الفارسي على الحكيم المولوي محمد أحسن البلجرامي، مؤلف ارتنك فرهنك وأخذ الصرف والنحو. يحفظ من النظم العربي والفارسي قسطاً كبيراً، حرر تذكرة لشعراء الفرس سماها صبح كلشن، وإليه ينسب شرح المرقاة في المنطق، استفاده من المولوي إلهي بخش الفيض آبادي شيخ أخيه الكبير، له حواشٍ على مؤلفات والده كما لأخيه، ورسالة في حكم التقليد كما لأخيه في الاجتهاد طبعتا في مطبعة الجوائب بالقسطنطينية، عليه شفقة من ملكة بهويال وخاطبته (بالخان)، وأعطته من المعايش ما يكفي لمؤن الزمان، وذكر المؤلف بأنه أحبُّ أولاده إليه لكنه قليل الاعتناء بالعلم، ثم قال: وكم دعوت له ولأخيه وأخته في الحرمين الشريفين وأماكن الإجابة، ترجم له والده في اتحاف النبلاء، وشمع انجمن (٢). علمه: جمع محمد صديق حسن خان في اكتسابه العلم بين الأخذ عن الشيوخ والأخذ عن الكتب في مختلف العلوم فلم يترك علماً من العلوم الاّ وطالعه، ولا فناً من الفنون إلاّ ومَرَّ عليه، وهذا واضح في تنوع مؤلفاته حيث يخبرنا عن اكتسابه العلم بمطالعته: " كتباً كثيرة ودواوين شتى في العلوم المتعددة، والفنون المتنوعة ومرّ عليها مروراً بالغاً على اختلاف أنحائها، وأتى عليها بصميم همته وعظيم نهمته بأكمل ما يكون حتى حصل منها على فوائد

стр. 18

كثيرة وعوائد أثيرة، أغنته عن الاستفادة عن أبناء الزمان، وأقنعته عن مذاكرة فضلاء البلدان " (١). كما جمع من نفائس العلوم، والكتب ومواد التفسير، والحديث وأسبابها ما يعسر عدّه ويطول حده، أهلته لتدوين أحكام الكتاب العزيز، وعلوم السنة المطهرة من العبادة والمعاملة وغيرها خالصة عن آراء الرجال نقية عن أقوال العلماء في كتبه المختصرة والمطولة كالروضة الندية ومسك الختام شرح بلوغ المرام وعون الباري وفتح البيان ورسالة القضاء والإفتاء والإمامة والغزو والفتن والنار (٢). وكان جمعه للأحكام التي نطقت بها أدلة الكتاب وحجج السنة من غير تعصب لعالم من أهل العلم ومذهب من المذاهب وألفّ في كل باب من أبواب الشريعة الحقة الصادقة المحمدية ما لم يؤلف مثله لهذا العهد الأخير، وانتفع به أجيال من الناس كثير (٣). مكانته وقدرته العلمية: ذكر عن مقدرته العلمية تلميذه نعمان الآلوسي: " بأنه فصيح سريع القراءة، سريع الكتابة، سريع الحفظ والمطالعة " (٤)، وقال عنه آخرون: وفي الكتابة سرعة عجيبة، وفي التأليف ملكة غريبة بحيث يكتب الكراريس العديدة في يوم واحد ويصنف الكتب الضخمة في أيام قليلة (٥). وكانت له مكانة مرموقة عند الملوك والسلاطين في ذلك العهد لسعة علمه حيث أهدى الى السلطان عبد الحميد خان ملك الدولة العثمانية تفسيره (فتح البيان في مقاصد القرآن) وكتب اليه كتاباً في ذلك، فجاء من الباب العالي جوابٌ عليه مع وسامٌ من الدرجة الثانية المسمى (بمجيدية). فهذا المؤلف قد فتح الله عليه كما يقول بنفسه " من المال الكثير، والحكم الكبير، والآل السعداء، والأخلاف الصلحاء، والنسب الحميد، والحسب المزيد ما يقصر عن كشفه

стр. 19

لسان اليراع، ولو كشف عنه الغطاء ما ازداد الواقف عليه الا يقيناً وأن يأباه بعض الطباع " (١) مع ما أبتلي به " من سياسة الرياسة وقلة الشغل بالعلم والدراسة وفقد الأحبة والأنصار الا عداء الجاهلين بالقضايا والأقدار " (٢) ثم استدرك فقال: الحمد لله الذي جعله محسوداً ولم يجعله حاسدا، وخلقه صابراً شكوراً ولم يخلقه فظاً غليظ القلب عانداً، لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله (٣). وقام مقام السيدة شاهجهان بيكم في إنفاذ الأوامر السُنية، وفي الأمور الدولية، وانتفع الناس بجوده وبذله وعلمه وحكمه وفضله، وذلك لأنه كان مليئاً بالعلوم، متضلعاً منها بالمنطوق والمفهوم، مجتهداً في اشاعتها، مجدداً لاذاعتها وأحيا السنن الميتة في ذلك المكان بالأدلة البيضاء من السنة والفرقان، فهو سيد علماء الهند في زمانه وابن سيدهم الذي برع فضلاً في عصره وأوانه (٤). صفاته وأقوال العلماء فيه لقد نعتته بعض التراجم " بمحيي السنة قامع البدعة شريف النجار عظيم المقدار الذي افتخرت به بهويال على جميع الأقطار، وانتشرت بوجوده علوم السنة والآثار، وصنف في ذلك الأسفار الكبار " (٥). أكثرت المصادر من الثناء على محمد صديق حسن خان ولكن أكثر الأقوال أهمية ما ذكره تلميذه نعمان؛ لصلته المباشرة به فذكر مقدرته العلمية وصفاته الأخلاقية والخلقية ومدحه وأثنى عليه كثيراً فقال: " اذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح، ويحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه، وما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضاراً للسنة المطهرة وعزوها منه، هذا مع ما هو عليه من الكرم والجود والشجاعة، وجمع الفؤاد والبراعة، والفراغ من ملاذ النفس، ومن خالطه وعرفه ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني الى التغالي فيه " (٦). وقال عنه " لا يبالي في الله لومة لائم من أهل الابتداع، ولا يمنعه صولة صائل في تحرير الحق الحقيق بالاتباع ولا يناظر أحداً من الناس، ولا يخاطبهم بشيء من الرد لكونهم

стр. 20

مكابرين لا مناظرين، وجاهلين لا عالمين، وليس له خصوم إلا بعض المقلدة وأهل البدعة المقصرين عن بلوغ رتبته في الدنيا والدين " (١). وكان متواضعاً لكل الناس ويرى نفسه كأحد المعلمين ويتحاشى عن الدنيا وزخارفها ويتجافى بقلبه عن مراقيها (٢). ومما ذكر عن صفاته الخُلقية أنه كانت لديه مناظرات في الفقه بين الشيخ عبد الحي أبو الحسنات اللكنوي (ـ ١٣٠٤هـ) وانجرت الى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لما توفي الشيخ عبد الحي تأسَّف - السيد صِدّيق حسن خان - بموته تأسفاً شديداً وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغَيبة (٣). قال عبد الفتاح أبو غُدَّة: " لقيت في رحلتي الى الهند وباكستان في سنة (١٣٨٢هـ) حفيد صديق حسن خان: الشيخ رشيد الحسن فحدّثني أن السيد أمَرَ بإغلاق بلدة بهوبال التي هو مَلكُها ثلاثة أيام حُزناً على الشيخ أبي الحسنات! وقال: اليوم مات ذوقُ العلم! وما كان بيننا من منافسات إنما كان للوقوف على المزيد من العلم والتحقيق " (٤). وأما عن صفاته الخِلقية فتحدث عنها فقط تلميذه نعمان الآلوسي فقال: هو أبيض ربعة من القوم، قليل الشيب، شعره الى شحمة أذنيه، ولبعضهم كتاب وسيط في ترجمته سماه: قطر الصِّيب في ترجمة الامام أبي الطيب (٥)، وتَرجَم له أحمد فارس الشدياق (٦) (ـ١٣٠٥هـ) صاحب المواهب وكنز الرغائب في قرة الأعيان ومسرة الأذهان في مآثر الملك الجليل النواب محمد صديق حسن خان (٧). وربما أطلت في حياته وذلك لتوفر مصادر غزيرة المعلومات عنه وعن مؤلفاته جعلتني لا أضيع كلمة واحدة أراها مهمة.

стр. 21

مؤلفاته: ألّف محمد صديق حسن خان كتباً في مختلف العلوم والمعارف، كما أسلفنا وبلغات ثلاث العربية والفارسية والهندية (الأردوية)، وقد طبعت أغلبها واشتهرت " وسارت بها الركبان الى أقطار العالم من العرب، والعجم كالحجاز واليمن وما إليها ومصر، والعراق والقدس، وطرابلس، وتونس، والجزائر، ومدن الهند، والسند، وبلغار، ومليبار، وبلاد الفرس " (١). وطبعت مؤلفاته في بهويال ومصر والقسطنطينية والشام، وكانت منسوبة إليه مطبعة معنونة (بالصديقية)، ويبدو ان جميع كتبه مطبوعة. وقد كتب إليه كما يقول بنفسه علماء الآفاق ومحرروها ومحدثو الديار ومفسروها كتباً كثيرة أثنوا فيها على تلك التواليف (٢). وذكر تلميذه نعمان ان مؤلفاته تربو على ستين كتاباً، وقد سرد أسماء كتبه صاحب المواهب وكنز الرغائب، في كتاب قرة الأعيان ومسرة الأذهان، وانتقد بعض مصنفاته أبو الحسنات عبد الحي اللكنوي في كتابين له (إبراز القي في شفاء العي، وتذكرة الراشد لرد تبصرة الناقد) (٣). وتنقل بعض المصادر المتأخرة التي أشارت الى وفاة محمد صديق حسن خان ان مصنفاته بلغت ٢٢٢ مصنفاً، فيها ٤٠ باللغة العربية و ٤٥ بالفارسية و٨ و١٠٣ باللغة الهندية (أوردو) (٤). وهذه مؤلفاته مرتبة حسب التسلسل الألفبائي: - أبجد العلوم (ع) (٥) جمعه مؤلفه سنة (١٢٩٠هـ) جزء ٣ طبعة بهويال (١٢٩٦هـ) وجملة صحائفه ٩٧٠ (٦). - إتحاف النبلاء المتقين باحياء مآثر الفقهاء المحدثين (ف) (٧).

стр. 22

- الاحتواء على مسألة الاستواء (هـ) (١). - الادراك لتخريج أحاديث رد الإشراك (ع) (٢). - الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة (ع). زعم صاحب معجم المطبوعات أنه كتاب العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة وهو أيضاً مؤلف بالعربية بهويال (١٢٩٣هـ) ص٦٨،استانة (١٢٩٣هـ) ص١٦٤ (٣). - أربعون حديثاً في فضائل الحج والعمرة (ع) (٤). - إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ (ف) (٥). - الاقليد لأدلة الاجتهاد والتقليد (في علم الأصول) مطبعة الجوائب- استانة (١٢٩٥هـ) (٦) - الاكسير في أصول التفسير (ف) (٧). - اكليل الكرامة في تبيان مقاصد الامامة (ع) بهويال (١٢٩٤هـ) ص ٢٤٨ (٨). - الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح (ع)، طبع حجر بالهند - بهامش جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (٩). - بدور الأهلة من ربط المسائل بالأدلة (ف) (١٠). - بغية الرائد في شرح العقائد (ف) (١١). - البُلغة الى أصول اللغة (ع)، بهويال (١٣٩٤هـ)، ص١٥٤ ومطبعة الجوائب استانة (١٢٩٦هـ) ص ١٨٩ (١٢). - بلوغ السول من أقضية الرسول (ع) (١٣).

стр. 23

- التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول (١). - تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي ﷺ (هـ) (٢). - ثمار التنكيت في شرح أبيات التثبيت (ف) (٣). - الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة (ع) (٤). - حجج الكرامة في آثار القيامة (ف) (٥). - الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون (ع) (٦). - حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة (ع) مطبعة الجوائب استانة (١٣٠١هـ) ص٤٢٤ (٧). - حصول المأمول من علم الأصول (ع)، مطبعة الجوائب سنة (١٢٩٦هـ) ص ٢١٤ (٨). - الحطة بذكر الصحاح الستة (ع)، طبعة الهند سنة (١٢٨٣هـ) (٩). - حل الأسئلة المشكلة (ف) (١٠). - خبية الأكوان في إفتراق الأمم على المذاهب والأديان (ع) (١١). - خلاصة الكشاف (ع) وهو مختصر الكشاف للزمخشري (ـ٥٣٨هـ) لكناهور سنة (١٢٨٩هـ) ص ٣٤٢، وذكر صاحب الأعلام: أنه في اعراب القرآن (١٢). - الدين الخالص: وعَدّه صاحب معجم المطبوعات العربية منسوباً لصديق حسن خان وقال: وهو لأحد تلامذة ابن تيمية (ـ٦٢٢هـ) جزء٢دهلي٢/سنة (١٣٠١هـ) وطبع بهامش الجزء الثاني من كتاب اكتفاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية (١٣).

стр. 24

- دليل الطالب الى أرجح المطالب (ف) (١). - ذخر المحتي من آداب المفتي (ع) (٢). - رحلة الصديق الى البيت العتيق (ع)، طبعة الهند سنة (١٢٨٩هـ) (٣). - الروضة الندية شرح الدرر البهية (ع) طبعة بولاق سنة (١٢٩٧هـ) ص ٤١٧ وسنة (١٣١٧هـ) ص ٤١٧ (٤). - رياض الجنة في تراجم أهل السنة (ع) (٥). - السحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم (ع) وهو القسم الثاني من أبجد العلوم (٦). - السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن حجاج، طبعة الهند سنة (١٣٠٢هـ) (٧). - سلسلة العسجد في ذكر مشائخ السند (ف) (٨). - شمع أنجمن در ذكر شعراء زمن (ف) (٩). - الصافية في شرح الشافية (ف) في علم الصرف (١٠). - ضالة الناشد الغريب من بشرى الكئيب في شرح المنظوم المسمى بتأنيس الغريب (ف) (١١). - الطريقة المثلى في الارشاد الى ترك التقليد، استانة سنة (١٢٩٦هـ) ص٥٩ (١٢). - ظفر اللاضي بما يجب في القضاء علي القاضي (ع) (١٣). - العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة (ع) يقول صاحب معجم المطبوعات العربية: أنه كتاب الإذاعة المذكور سابقاً (١٤).

стр. 25

- العلم الخفاف من علم الإشتقاق (ع) - (في علم الصرف) مطبعة الجوائب سنة (١٢٩٦هـ) ص٤٨ (١). - عون الباري بحل أدلة البخاري (ع) أربع مجلدات طبعة بهويال سنة (١٢٩٩هـ) ص٧٥٠ - وطبع بهامش نيل الأوطار للشوكاني طبعة بولاق سنة (١٢٩٧هـ) (٢). - غصن البان المورق بمحسنات البيان (ع) مطبعة الجوائب سنة (١٢٩٦هـ) ص ١٠٢ وفي الهند سنة (١٢٩٤هـ) (٣). - الغنة ببشارة أهل الجنة (تصوف) طبعة بولاق سنة (١٣٠٢هـ) ص١٠٨ (٤). - غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري (هـ) (٥). - فتح البيان في مقاصد القرآن (ع)، عشرة أجزاء، طبعة بولاق سنة (١٣٠٠هـ) (٦). - فتح العلام بشرح بلوغ المرام، بجزئين طبعة بولاق سنة (١٣٠٢هـ) ص ٣٤٨ و٤٠٦ (٧). - فتح المغيث بفقه الحديث (هـ) (٨). - الفرع النامي من الأصل السامي (ف) طبعة الهند سنة (١٢٩١هـ) (٩). - قصد السبيل الى ذم الكلام والتأويل (ع) (١٠). - قضاء الإرب في مسألة النسب - من جهة الأم والأب (ع) طبعة الهند سنة (١٢٨٣هـ) (١١). - قطف الثمر من عقائد أهل الأثر (ع) (١٢).

стр. 26

- كشف الالتباس عما وسوس به الخناس في رد الشيعة بالهندية (١). - لف القماط على تصحيح بعض ما استعملته العامة من الأغلاط (ع) طبعة بهويال سنة (١٢٩١ هـ) ص ٢٦٨ (٢). - لقطة العجلان مما تمس الى معرفته حاجة الانسان (ع)، طُبع مع خبيئة الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان، مطبعة الجوائب سنة (١٢٩٦هـ) ص٣١٨ وفي الهند سنة (١٢٩١هـ) (٣). - مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام (ع) (٤). - مراتع الغزلان من تذكار أدباء الزمان (ع) (٥). - مسك الختام من شرح بلوغ المرام (ف) مجلدان ضخمان (٦). - منهج الوصول الى إصلاح أحاديث الرسول (ف) (٧). - الموعظة الحسنة بما يخطب به شهور السنة (ع)، طبعة بولاق سنة (١٣٠١هـ)، طبعة الهند (١٢٩٥هـ) ص٣٣٠ (٨). - نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار، مطبعة الجوائب سنة (١٣٠١هـ) ص٤٠٤ (٩). - نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان (ع)، مطبعة الجوائب سنة (١٢٩٦هـ) ص١١٢ (١٠). - نفح الطيب من ذكر المنزل والحبيب (١١).

стр. 27

- نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (ع)، طبعة لكناهور سنة (١٢٩٢هـ) (١). - هداية السائل الى أدلة المسائل (ف) (٢). - الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم المنثور منها والمنظوم، وهو القسم الأول من كتاب أبجد العلوم (ع) (٣). - يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار (ع) طبعة بهويال سنة (١٢٩٤هـ) ص ١٣٥ (٤).

стр. 28

المبحث الثاني منهجه في البُلغة إلى أصول اللغة أولاً: منهجه العام ثانياً: منهجه في الباب الأول ثالثاً منهجه في الباب الثاني

стр. 29

أولاً: منهجه العام تميزت مؤلفات محمد صديق حسن خان بالتنوع حيث صنَّف في فنون عدة، وكانت له منهجية واضحة هي: الجمع والتوليف والتنوع في الموضوعات، وعدّ المؤلف مصنفاته توليفاً حيث قال: " وكتب إليه علماء الآفاق ومحرروها ومحدثو الديار ومفسروها، كتباً كثيرة أثنوا فيها على تلك التواليف " (١). وغالباً ما يذكر في مقدمات كتبه منهجه وما وضعه في كتابه من ذلك (الروضة الندية شرح الدرر البهية) وهو شرح على (الدرر البهية للقاضي الشوكاني) حيث يقول: "جعلته شرحاً ممزوجاً، وصيرته على منواله منسوجاً مستوعباً للفظه ومعناه، ومستصحباً لفحاويه ومبناه، مضيفاً إليه مذاهب الفقهاء ليظهر ضعفها أو قوتها، عند تقابل الأدلة وتعارضها بالآراء لا للأخذ بها على ما كان بأي حال، فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال ثم زدت عليه أشياء من حاشية المتن على شفاء الأوام التي سماها وبل الغمام، ومن غيرها عند النظر الثاني في هذا الكتاب. . .، هذا وقد أمليت هذا الشرح على طريق الارتجال بالاستعجال، ارشاداً إلى طرق من العلم طالما تركت، وهزاً لطبائع جامدة طالما ركدت " (٢). فمنهجه التوليف فهو يجمع، ويضمن، ويشرح ويكون أحياناً في كتاب واحد ونرى ذلك في " نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار، قال مؤلفه: جمعت هذا السفر المختصر وجئت بما تيسر لي وحضر بتجريد كتاب الأذكار عما زاد على أحاديث الدعوات والأذكار من دقائق الفقه ومهمات القواعد. . .، وضممت إليه ما في العدة وشرح التحفة والكلام الطيب وغيرها من الفوائد " (٣). وفي كتابه (حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة) وصف مادة جمعه وسبب التأليف وهو بذلك يشرح منهجه في مقدمة الكتاب حيث يقول: " فهذا كتاب وسط في جمع آيات بينات، نزلت في أمور النساء وشؤونهن، وأحاديث طيبات، وردت في أطوارهن وفنونهن، أخذتها من الكتاب العزيز استقراء، وزدت عليها تفسير بعضها من فتح البيان، وهو الكتاب الأول من هذا المسطور، ثم أتبعتها أحاديث من الصحاح، والسنن، وموطأ

стр. 30

مالك، وكتاب رزين، وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري (ـ٦٥٦هـ) ﵁ وهو الكتاب الثاني من هذا المزبور، وذكرت في خاتمة هذا الكتاب ما تخصصت به النساء من دون الرجال، وتميزت به منهم في مراتب الاهمال والأعمال، فجاء هذا السفر بحمده تعالى جامعاً لأشتات هذه الأبواب على نسق لم يسبق اليه " (١). ألفه نزولاً عند رغبة السيدة شاهجهان بيكم زوجته حيث يقول: " دعتني إلى تأليفه صاحبتي وعيبتي في حضرتي وغيبتي تاج الهند نواب شاهجهان بيكم، وهي من اللائي ملكن ناصية الحكومة والولاية في مملكة بهوبال المحمية منذ سنة (١١٢٠هـ)، وإنما حملها على اقتراح ذلك على أنها لما تلت القرآن الكريم مع ترجمته بلسانها وقرأت بعض كتب الحديث كمشكاة المصابيح وأتقنت بيانها سألتني أن أفرد لها ما نزل وورد فيهن من نصوص الكتاب والسنة بحيث لا يترك ذلك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فنهضت لذلك الخطب الخطير والأمر الكبير، وانتدبت إليه بإتيان ما تيسر عجالة، وضبطته في سلاسل التحرير " (٢) فطريقة التوليف هذه تبدو بسيطة ويختفي فيها المؤلف وهذا غير صحيح، فهي تحتاج الى تبويب وتنسيق وابتكار جديد في الترتيب يتلاءم مع سبب التأليف، والموضوع، وعصر المؤلف، فكتاب (أبجد العلوم) لمحمد صديق حسن خان مقسم على ثلاثة أقسام: الأول: في (الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم) من حيث الفلسفة، والتوحيد، واللغة، والتاريخ. الثاني: (السحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم). الثالث: (الرحيق المختوم من ترجم أئمة العلوم) وهو من الكتب المفيدة جمعه سنة (١٢٩٠هـ) (٣). وله تفسيرٌ موسومٌ (بفتح البيان في مقاصد القرآن) وهو الجامع بين الرواية الصحيحة والدراية الصريحة (٤)، وهو التفسير الذي أهداه للسلطان العثماني عبد الحميد خان كما مرّ سابقاً. وكتابه (غصن البان المورق بمحسنات البيان) ألفه باللسان العربي، يشتمل على ثلاثة علوم: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وفيه ثلاثة وعشرون نوعاً من البديع منقولة من لغة الهند (٥).

стр. 31

هذا التنوع في التأليف ناتج من اطلاعه وثقافته الواسعة فهو يؤلف بثلاث لغات، فضلاً عن مقدرته في التوليف وذكائه الذي أسعفه؛ فكثرت مؤلفاته وانتشرت وتوزعت حتى ذاع صيته بين البلاد، فكان القرآن الكريم سنده في كل ما ولف، والحديث النبوي الشريف وكتب الفقهاء؛ لذلك نراه امتلك أسلوبا متراصفاً فصيحاً جاءت كلماته في مواضعها، وعبر عن الفكرة التي يريد طرحها بوضوح واختصار. ثانياً: منهجه في الباب الأول: خطبة البُلغة: تقدم في الباب الأول من البُلغة، خطبة الكتاب التي تقابل المقدمة في الوقت الحاضر، والمقدمة في البُلغة مقابلة للتمهيد إلاّ أنها أي (مقدمة البُلغة) أكثر اتساعاً وتفصيلاً. ففي الخطبة ذكر محمد صديق حسن خان منهجه وسبب التأليف ومادة جمعه، وأِشار إلى عناية علماء السلف المبرزين وجلة من الخلف المتقنين بعلم اللغة، لكن لم يعنَ بأصولها وارتيادها كما يشير إلاّ واحد من الفحول هو السيوطي (ـ٩١١ هـ) ووسمها بالأنواع خلافاً لصاحب البُلغة التي عدّها أصولاً وأسماها (البُلغة إلى أصول اللغة) (١)، فالسيوطي حاكى به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع كما يشير إلى ذلك في المزهر وكذا صاحب البُلغة (٢). وقد وجدت أن السيوطي قد أخذ منهج كتابه هذا في كل تقسيماته وأنواعه الخمسين من كتاب معرفة علوم الحديث للإمام الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري (ـ٤٠٥هـ). فمثلاً في النوع الثامن: وهو المرسل، والتاسع: وهو المنقطع لدى الامام النيسابوري، يماثل النوع الرابع: وهو معرفة المرسل والمنقطع لدى السيوطي (٣)، وفي النوع الخامس والعشرين في معرفة الأفراد من الأحاديث للامام النيسابوري، يماثل النوع الخامس عشر في معرفة المفاريد لدى السيوطي (٤) وهكذا لو تتبعنا العنوانات والأنواع في كلا المصدرين من معرفة علوم الحديث والمزهر في علوم اللغة وأنواعها، لوجدناها متماثلة لكن الأولى في الحديث والثانية في اللغة.

стр. 32

منهجه في المقدمة: ذكر محمد صديق حسن خان في المقدمة تعريف القدماء للغة وهو قول ابن جني ... (ـ٣٩٢هـ): أصوات يعّبر بها كلُّ قوم عن أغراضهم ونحوه (١)، والذي قال بمثله أبو الوفا الهوريني (٢) وبما يقاربه حد الفن الذي على ما يبدو لم يتطرق إليه العلماء السابقون على هذه الشاكلة وكأنه أحد تعريفات علم البلاغة بقوله: " علم يبحث فيه عن مفردات الألفاظ الموضوعة من حيث دلالتها على معانيها بالمطابقة " (٣). وعرفه صاحب الكشف بأنه " علم باحث عن مدلولات جواهر المفردات وهيئآتها الجزئية " (٤) وتعريف الكشف يُعد أحد التعاريف المحدثة لعلم اللغة فقد خلط صاحب البُلغة بين تعريفات القدماء والمحدثين إلا أنه لم يرجح أحداً منها على الآخر، ذلك اشارة إلى صحة جميعها. وفي موضوع آخر من المقدمة وهو تصريف اللغة أطال فيه خلافاً للسيوطي في المزهر (٥)، بايراده كلاماً للقدماء والمحدثين في حين محمد صديق حسن خان قد أراد من كتابه أن يكون كتاباً لغوياً خالصاً من الصرف بحذف ما أورده المزهر من الموضوعات الصرفية، ويبدو أنه عدها موضوعاً محتاجاً للمناقشة. وأورد في مسألة وضع اللغة ما قيل فيها من اصطلاح وتوقيف والاختلافات الموجودة في هذه القضية (٦)، ولم يرجح أحدهما على الآخر. وهذه المقدمة السالفة الذكر تتكون من اثنتي عشرة مسألة في وصف اللغة وحدها وتصريفها وبعض مبادئ هذا العلم، وهي عند السيوطي تندرج ضمن النوع الأول من معرفة الصحيح ويقال له الثابت والمحفوظ (٧). وسبب اختيار محمد صديق حسن خان للمزهر؛ لتنوعه وسعته ولاحتوائه على: "نفائس كثيرة تهتزها الطباع ولطائف شريفة تطرب لها الأسماع. . . فأردت انتقاءه على ذلك

стр. 33

النظام وأفرغته في قالب الايجاز بحسن الانسجام " (١) كما قال المؤلف، والسبب الذي دفعه للايجاز والاختصار هو تقاصر الدارسين عن استيعاب مجمل اللغة لضيق المجال حيث يقول: " لتقاصر هِمم أبناء الزمان عن بلوغ ذروة الكمال وتقاعدهم عن التمسك بأذيال كمال العرفان لضيق المجال مع التزام اتمام المعاني، وابرام قواعد المباني، لخصته مطروح الزوائد مجموع الفوائد، مع زيادة نزرة امتلأ بها الوطاب، وتصرف يسير اعتلى منه الخطاب، كذكر الكتب المؤلفة في هذا العلم وغير ذلك مما أوردته في هذا السفر المستطاب وأسميته (البُلغة إلى أصول اللغة) مضمناً إياه مقدمة وبابين وخاتمة " (٢). ففي عبارات خطبة الكتاب (المقدمة) يظهر لنا منهج كامل يمثل بدايات التأليف المنهجي الحديث نوجزها بالآتي: أولاً: مدح لعلم اللغة وثناء ووصف لأهميته واعتناء العلماء به. ثانياً: شرحٌ في الخطبة (المقدمة) لطريقته في التأليف، والمادة التي جمع منها كتابه، والزيادات التي أضافها إليه وما تصرف به، وتسمية الكتاب. ثالثاً: سبب التأليف. رابعاً: تنسيقه وترتيبه للكتاب حيث جاء كما يقول مضِّمنا إياه مقدمة وبابين وخاتمة. وصف عام للباب الأول: تناول المؤلف كل موضوعات فقه اللغة ومصطلحاته متأثراً بمنهج المزهر، وصاحب المزهر بدوره تأثر بابن فارس، فذكر محمد صديق حسن خان خمسين مسألة من مسائل فقه اللغة وأوردها كالآتي: الاولى: معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت، فيقول: " وأمثلة هذا النوع كثيرة قال في الجمهرة: زعموا أن الشطشاط طائر وليس بثبت " (٣). الثانية: في معرفة المتواتر والآحاد: ويقول " أما المتواتر فلغة القرآن وما تواتر من ألسنة وكلام العرب " (٤). الثالثة: معرفة المرسل والمنقطع: يقول فيه " المرسل هو الذي انقطع سنده نحو أن يروى لابن دريد (ـ ٣٢١هـ) عن أبي زيد (ـ٢١٥هـ) " (٥).

стр. 34

الرابعة: في معرفة الأفراد ويقال له الآحاد: " وهو ما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة " (١). الخامسة: في معرفة من تقبل روايته ومن ترد وفيها سبع مسائل منها: أن تؤخذ اللغة سماعاً من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة (٢). السادسة: في معرفة طرق الأخذ والتحمل وهي ستة منها: السماع، القراءة، السماع على الشيخ بقراءة غيره، الاجازة، والكتابة، والوجادة (٣). السابعة: معرفة المصنوع: يقول فيه " الشعر مصنوع مُفْتَعل موضوع كثير لا خير فيه ولا حجة في غريبه " (٤). الثامنة: معرفة الفصيح: يقول فيه: " إن مدار الفصاحة في الكلمة على كثرة استعمال العرب لها " (٥). التاسعة: معرفة الفصيح من العرب يقول فيه: " أفصح الخلق على الإطلاق سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ حبيب رب العالمين جلَّ وعلا " (٦). العاشرة: معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات: يقول فيه: الضعيف ما انحطَّ عن درجة الفصيح، والمنكر منه أقلَ استعمالاً مثاله بلق الدابة، وهذا لا يعرف في أصل اللغة والمتروك ما كان قديماً من اللغات ثم تُرك واستعمل غيره (٧). الحادية عشرة: معرفة الردئ المذموم من اللغات: مثاله الكَشْكَشة، والكسكسة، والعنعنة، والفحفحة مثالها في لغة قيس وتميم كعنك في انك، وعسلم في أسلم (٨). الثانية عشرة: معرفة المطرد والشاذ: يقول فيه: هما على أربعة أضرب: مُطّرد في القياس والاستعمال، ومُطّرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومُطّرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعاً (٩). الثالثة عشرة: معرفة الحوشي، والغرائب، والشواذ، والنوادر: يقول فيه " وحوشيُّ الكلام وَحْشيّة وغريبه، والغرائب جمع غريبة وهي بمعنى الحوشىّ " (١٠).

стр. 35

الرابعة عشرة: معرفة المستعمل والمهمل مثال المهمل: " كجيم تؤلِّف مع كاف أو كاف تقدّم على جيم، وكعين مع غين، وحاء مع هاء أو غين " (١). الخامسة عشرة: معرفة المفاريد وهو المسموع الفرد وأحواله وهل يقبل الاحتجاج به (٢). السادسة عشرة: معرفة مختلف اللغة: ولها وجوه أحدها: الاختلاف في الحركات نحو نَستْعين بفتح النّون وكسرها (٣). السابعة عشرة: معرفة تداخل اللغات: يقول: إذا اجتمع في الكلام الفصيح لغتان فصاعداً جاز للحاجة إليه في أوزان أشعار العرب (٤). الثامنة عشرة: معرفة توافق اللغات: مثاله: ما وقع في القرآن من نحو المشكاة والقِسْطاس، والاستبرق، لا نُسَلِّم إنها غير عربية بل غايته إنَّ وضع العرب فيها وافق لغة أخرى (٥). التاسعة عشرة: معرفة المعرب: هو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها منها طه، والطور، واليم (٦). العشرون: معرفة الألفاظ الاسلامية يقول فيه " كان مما جاء في الاسلام ذكر المؤمن، والمسلم، والكافر، والمنافق. . . ومما جاء في الشرع الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة " (٧). الحادية والعشرون: معرفة المولد: وهو ما أحدثه المولدون الذين لا يُحْتَجُ بألفاظهم مثاله الطنز، والبرجاس، والتشويش (٨). الثانية والعشرون: معرفة خصائص اللغة: وقصد به ما للعرب من الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير، والاتساع، والترادف في اللغة، والعروض وغيرها من سنن العرب في الكلام (٩).

стр. 36

الثالثة والعشرون: معرفة الاشتقاق: يقول فيه: إنّ العرب تشْتقُ بعض الكلام من بعض، وإنّ اسم الجِنَّ مشتق من الاجتنان (١). الرابعة والعشرون: معرفة الحقيقة والمجاز: وفيه يقول: " الحقيقة: الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة، ولا تمثيل، ولا تقديم وتأخير فيه كقول القائل: أِحْمَدُ الله على نِعَمه وإحسانه، وأما المجاز: ففيه تشبيه واستعارة وكف كقولنا: عطاءُ فلانٍ مُزنٌ " (٢). الخامسة والعشرون: معرفة المشترك: وهو اللفظ الواحد الدالُّ على معنيين مختلفين فأكثر دلالةً على السواء عند أهل تلك اللغة، ولم يذكر مثالاً عليه (٣). السادسة والعشرون: معرفة الأضداد: يقول فيه: من سنن العرب في الأسماء أن يُسموا المتضادين باسم واحد نحو: الجَوْن للأسود والأبيض (٤). السابعة والعشرون: معرفة المترادف: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد: نحو: السيف، والمُهَنَّد، والحسام (٥). الثامنة والعشرون: معرفة الاتباع: وهو أن تتبَع الكلمةُ الكلمةَ على وزْنها أو رويِّها اشباعاً وتأكيداً، وذلك كقولهم: عطشان نطشان (٦). التاسعة والعشرون: معرفة العام والخاص: فالعام ما وضُع عامّاً واستعمل عامّاً فمن ذلك: كلّ ما علاكَ فأظلك فهو سماء، وأما ما وضع في الأصل خاصاً ثم استعمل عاماً فهو كثير كالوِرْد، فإن أصله إتيان الماء، ثم صار اتيان كلِّ شيءٍ وِرْداً (٧). الثلاثون: معرفة المطلق والمقيد: يقول فيه: الأسماء التي لا تكون الا باجتماع صفات وأقلها ثنتان من ذلك: المائدة لا يقال لها مائدة حتى يكون عليها طعام (٨). الحادية والثلاثون: معرفة المشجر: مثاله: العين: عين الوجه، والوجه: القصد والقصد: الكَسْر. . . الخ (٩).

стр. 37

الثانية والثلاثون: معرفة الابدال: هو ابدال الحروف واقامة بعضها مقام بعض كَمَدَحَه ومَدَهَه، وفرس رِفَلّ، ورِفَنّ (١). الثالثة والثلاثون: معرفة القلب: وذلك يكون في الكلمة، ويكون في القصَّة فأما الكلمة فكقولهم: حَبَذَ وجَذَبَ (٢). الرابعة والثلاثون: معرفة النحت: يقول فيه: " العرب تَنْحَت من كلمتين كلمةً واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك كرجل عَبْشمِيّ منسوب الى اسمين، والحيعلة من (حَيَّ عَلَى) " (٣). الخامسة والثلاثون: معرفة الأمثال: وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام كقولهم: اعط القوس بارِيها (٤). السادسة والثلاثون: معرفة الآباء والأمهات والأبناء والبنات والاخوة والأخوات والأذواء والذوات مثاله على ذلك قولهم: نارُ أبي حُباحِبَ، وأم النجوم، وابن ذكاء، وبنات بخر، وتركته أخا الخير، ولقيته أول ذات يَدِين، وذو النورين، وذات الجنادع (٥). السابعة والثلاثون: معرفة ما ورد في وجهين بحيث يؤمن فيه التصحيف: مثاله: رجل صُلْب صَلْت، ويحوس ويجوس (٦). الثامنة والثلاثون: معرفة ما ورد بوجهين بحيث إذا قرأه الألثغ لا يعاب: مثاله ما ورد بالراء والغين، أو بالراء واللام، أو بالزاي والذال، من ذلك اللَّهْس لغة في اللَّحْس أو هَهّة، وإناء تَلِع لغة في تَرِع أو لثغة (٧). التاسعة والثلاثون: معرفة الملاحن والألغاز: يقول فيه: وقد كانت العرب تتعّمد ذلك وتقصده إذا أرادت التَّوْرية أو التعمية، وهو من اللحن مثاله: ما كَلَمْتُه: أي ما جَرَحته (٨). الأربعون: في معرفة الأشباه والنظائر: يقول: وفيه تُعْرَف نوادر اللغة وشواردها ولا يقوم به إلاّ مضطلع بالفن واسع الاطلاع، كثير النظر والمراجعة مثاله الأوزان والأبنية

стр. 38

المستثناة، والألفاظ التي استعملت معرفة لا تدخلها الألف واللام منها: شُعْوب: اسم للمنيَّة وغيرها كثير (١). الحادية والأربعون: في معرفة آداب اللغوي: يقول فيه: أول ما يلزمه الإخلاص وتصحيح النية، والتبحر في علم اللغة، وحفظ أشعار العرب ... الخ (٢). الثانية والأربعون: في معرفة كتابة اللغة: وهو في الاختلاف في أول من كتب الكتاب العربي، فيروى أن أول من كتب الكتاب العربيُّ والسُّرياني، والكتب كلها آدم ﵇ قبل موته بثلاثمائة سنة، وقيل إن الخط العربي توقيفٍ (٣). الثالثة والأربعون: معرفة التصحيف والتحريف: وهو ما صحفه أهل الأرب من الشعر والألفاظ، مثاله: صحف الخليل يوم بغاث (بالغين المعجمة) وإنما هو بالمهملة (٤). الرابعة والأربعون: معرفة الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء: وهو يختص ببيان مراتب اللغويين من الأئمة البصريين، والكوفيين، وبيان أسانيدهم ووفياتهم وكناهم (٥). الخامسة والأربعون: معرفة الأسماء والكنى والألقاب والأنساب: وهو نوعان: أحدهما: فيما يتعلق بأئمة اللغة والنحو كالدؤلي، والثاني: فيما يتعلق بشعراء العرب (٦). السادسة والأربعون: معرفة المؤتلف والمختلف: وهو ما يتعلق بأئمة النحو واللغة كالأنباري والإبياري، وما يتعلق بشعراء العرب، وما يتعلق بالقبائل (٧). السابعة والأربعون: معرفة المتفق والمفترق: وهو فيما يتعلق بأئمة النحو واللغة كالأخفش، والثاني: يتعلق بشعراء العرب، والثالث: يتعلق بالقبائل (٨). الثامنة والأربعون: معرفة المواليد والوفيات: مثاله: ولد أبو الأسود الدؤلي في الجاهلية، ومات في الطاعون الجارف سنة تسع وستين (٩).

стр. 39

التاسعة والأربعون: معرفة الشعر والشعراء يقول فيه: الشعر كلام موزون مقفى دالُّ على معنى، ويكون أكثر من بيت (١). الخمسون: في معرفة أغلاط العرب: مثاله: هَمْزُهُم مصائب وهو غلط منهم (٢). ما أراده لكتابه: أراد محمد صديق حسن خان لكتابه أن يكون مُلخصاً مقتضباً لا يعالج إلاّ القضايا اللغوية، حيث يقول: " لخصته مطروح الزوائد مجموع الفوائد " (٣) من ذلك حذفه للقضايا الصرفية، والزائدة على اللغة لديه، فمثلاً في الأصل السادس عشر من معرفة مختلف اللغة ذكر عدة وجوه لكنه لم يشر إليها كلها فحذف الهمز والتليين والاختلاف في الحرف الساكن، والتحقيق والاختلاس، والاختلاف في الزيادة، وغيرها (٤). وحذفه للأمثلة الكثيرة في معرفة الاتباع فأشار إلى ذلك بقوله " وأمثلة الإتباع كثيرة ذكرها السيوطي في المزهر " (٥) فاكتفى عن أن يورد تلك الأمثلة في كتابه. وفي معرفة المؤتلف والمختلف حذف الأمثلة المتعلقة بشعراء العرب والقبائل إلا المثال منها والمثالين (٦)، وكذلك الحال في الاضمار في معرفة خصائص اللغة فقد اختصره اختصاراً شديداً، وفيه أمثلة عدة من القرآن والشعر، واقتصر على مثال واحد لكونه موضوعاً بلاغياً، وكذلك في موضوع آداب اللغوي ذكر من عجز لسانه عن الإبانة عن تفسير اللفظ فعدل إلى الاشارة، والتمثيل وإذا كان له مخالف فلا بأس بالتنبيه على خلافه دون أن يعطي مثالاً فأحياناً يعطي مثالاً وأحياناً لا (٧). ومما استغنى عنه: القضايا الصرفية فحذف كثيراً من التفصيلات الصرفية في موضوع الأشباه والنظائر، ولم يشر إلا إلى الأوزان، فحذف الصرف مثلما حذف القضايا غير اللغوية (٨).

стр. 40

لقد أدرك محمد صديق حسن خان أن الدارس والطالب لا يستطيع أن يُلمَ بكل الموضوعات التي طرحها كتاب المزهر لسعته فعمد إلى الانتقاء منه، وأضاف إليه بعض الموضوعات، لكنه حذف نسبة الأقوال إلى أصحابها مما دعاني للرجوع إلى المزهر لمعرفة مصادر الكلام المراد توثيقه. ما نقله وما خالف فيه السيوطي من بين القضايا التي نقلها محمد صديق حسن خان كلاماً للمناوي (١) في شرحه على القاموس، وهو بذلك يدمج في كتابه كما مرَّ سابقاً بين القديم والحديث وينقل من مؤلفات المحدثين ما يتصل بالموضوع حيث يقول: " من منافع فن اللغة: التوسع في المخاطبات، والتمكن من إنشاء الرسائل بالنظم والنثر، ومن عجائبه التصرف في تسمية الشيء الواحد بأسماء مختلفة؛ لاختلاف الأحوال كتسمية الصغير من بني آدم: ولداً وطفلاً، ومن الخيل: فلواً ومهراً، ومن الإبل: حواراً وفصيلاً، ومن البقر: عجلاً، ومن الغنم: سخلة وحملاً وعناقاً، ومن الغزال: خشفاً ورشاً، ومن الكلاب: جرواً، ومن السباع: شبلاً، ومن الحمير: حجشاً وتولباً وهنبراً،، وتقول نبح الكلب، وصرخ الديك، وهمهم الأسد وزأر، وهيثم الريح، وكَطَعنة بالرمح، وضربة بالسيف، ورماه بالسهم، ووكزه باليد وبالعصا " (٢) فوضع محمد صديق حسن خان هذه العبارة في وصف اللغة وعدَّ اللغة " باباً واسعاً لا يحيط به إنسان ولا يستوفي التعبير به لسان، ولولا معرفة المترادفات لما اقتدر صاحب القاموس على ما أجاب به علماء الروم عن معنى. . . الخ " (٣). والحكاية في البُلغة تدل على سعة وتمكن صاحب القاموس حتى يستطيع ان يجيب عن اللغز بآخر مثله مستعملاً اللغة العربية بما أمدته من مرادفات. وأما القضايا التي خالف فيها السيوطي: ففي موضوع الترادف، فقد أورد الألفاظ المترادفة والمتواردة فقال: " فالمترادفة: كما يسمى الخمر: عَقَاراً وَصهْباء، وقَهْوَة، والسبع: لَيْثاً، وأسداً وضِرْغاماً، والمتواردة: هي التي يقام لفظ مقام لفظ لمعان متقاربة يجمعها معنى واحد، كما يقال: أُصلح الفاسَد، ولمّ الشّعث، ورتَقَ الفتق، وشَعَبَ الصَّدع " (٤) فالمترادف والمتوارد لديه نقيض ما أورده السيوطي، فالسيوطي عدَّ المتواردة: تسمى الخمر: عَقاراً وصهباء ... الخ، والمترادفة: هي التي يقام لفظ مقام لفظ ... الخ، وقال
следующие страницы →