← Акыда

Акыда · id 35083

شرح كتاب السنة للبربهاري - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (283 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح كتاب السنة للبربهاري [١] الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، فلا قيام لأحدهما دون الآخر، ومن كفر بالسنة أو زعم أنه لا حاجة إليها فقد مرق من الدين وخلع ربقة الإسلام.

стр. 2

شرح مقدمة الكتاب

стр. 3

تعريف السنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فسوف نشرح -إن شاء الله- كتاب السنة للعالم الفاضل الحنبلي أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري وقد سمي بـ البربهاري نسبة إلى الأدوية التي تجلب من الهند، والمتوفى سنة (٣٢٩) هجرية، فهو من علماء القرن الرابع والقرن الثالث الهجريين. وقد سمى هذه الرسالة: شرح السنة، والسنة هي ما جاء به الرسول ﵊ من الوحي عن الله ، وهي الوحي الثاني، وتشمل: مسائل الاعتقاد، ومسائل الفقه، قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالسنة وحي ثانٍ، وقال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. والسنة عند العلماء القدامى تشمل قول النبي ﷺ وفعله وتقريره، وتشمل الواجب والمستحب، واصطلح المتأخرون من الفقهاء والأصوليين على إطلاق السنة على المندوب والمستحب. ومراد المؤلف ﵀ بقوله: شرح السنة، ما جاء به الرسول ﵊ من مسائل الاعتقاد والإيمان والجنة والنار، ومسائل الفقه أيضاً، ويشمل ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره، كما يبين المؤلف ﵀ حيث يقول: السنة هي الإسلام والإسلام هو السنة، وقد قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقد ثبت في صحيح البخاري أن عبد الله بن مسعود ﵁ جاءته امرأة وكان قد قال ﵁: لعن الله النامصة والمتنمصة، وما لي لا ألعن من لعن الله. فجاءت امرأة فقالت: إنك تقول إن لعن النامصة في القرآن، وإني قرأت ما بين اللوحين فلم أجد فيه ما ذكرت من لعن النامصة. فقال ﵁: إن كنت قرأته فقد وجدته، أما تقرئين قول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤]. ومن أنكر السنة وزعم أنه لا يعمل بها أو أنه لا حاجة إليها فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد بين بعض السلف أن السنة هي التي توضح المشكل من القرآن وهي التي تقيد المطلق، وهي التي تخصص العام، ففي القرآن العظيم وجوب الصلاة، لكن ليس فيه بيان عدد الصلوات وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، وإن كان قد يؤخذ هذا من قوله تعالى إجمالاً: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]. وليس في القرآن بيان عدد ركعات صلاة الظهر، ولا عدد ركعات صلاة العصر، ولا عدد ركعات صلاة المغرب، ولا عدد ركعات صلاة العشاء أو صلاة الفجر. وقد أوجب الله في القرآن الزكاة، ولكن ليس في القرآن بيان اشتراط وجوب النصاب وبيان اشتراط الحول. وفي القرآن بيان وجوب الحج، وليس فيه تفصيل المناسك، وأنه يجب على الإنسان أن يقف بعرفة في اليوم التاسع وأنه ركن الحج الأعظم، ويجب عليه أن يقف بمنى ومزدلفة وأن يرمي الجمار. فمن يزعم أنه لا يحتاج إلى السنة فلا دين له، وكما سيأتي أن السنة تقضي على القرآن والقرآن لا يقضي على السنة، ولهذا ألف العلماء الكتب في العقائد وفي مسائل الإيمان ودخول الأعمال في مسمى السنة، كما ألف الإمام أحمد ﵀ كتاب السنة، والسنة لابنه عبد الله، والسنة لـ ابن أبي عاصم، ومنها ما ألفه المؤلف. فالمقصود أن السنة اسم عام يشمل مسائل الإيمان ومسائل التوحيد ويشمل الفروع والأصول، ولهذا فإن المؤلف ﵀ ذكر في هذا الكتاب جملاً كثيرة من مسائل التوحيد والإيمان، وجملاً كثيرة من مسائل الفقه، وهذه المسائل والموضوعات كثيرة جداً، ولو أردنا أن نتوقف طويلاً عند كل مسألة لما تجاوزنا الصفحة الأولى من الكتاب أو لما تجاوزنا مسألة أو مسألتين، ولكننا إن شاء الله نتكلم على كل مسألة بما يغلب على الظن أن فيه الفائدة، ونحاول أن نأتي على جميع المسائل بحول الله وقوته مع بيان وإيضاح المراد باختصار غير مخل حتى تعم الفائدة إن شاء الله تعالى، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في العمل والصدق في القول، ونعوذ بالله من فتنة القول كما نعوذ به من فتنة العمل، ونسأله أن يثبتنا وإياكم على دينه القويم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4

تعريف الحمد والفرق بينه وبين الثناء والمدح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومن علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط]. ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بالحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز، فالله تعالى افتتح كتابه بالحمد لله رب العالمين، والحمد هو الثناء على المحمود بالصفات والنعم المتعدية مع حبه وإجلاله، بخلاف الثناء على المحمود بالصفات الثابتة الملازمة التي لا تتعدى فإنه يسمى مدحاً، فالثناء على المحمود بالصفات الاختيارية التي يفعلها باختياره يسمى ثناء، والثناء عليه بالصفات الملازمة التي لا تكون له باختيار يسمى مدحاً، ولا يسمى حمداً. والحمد أكمل من المدح، فأنت تمدح الأسد بأنه قوي، ولا يسمى هذا حمداً؛ وتمدح الرجل بالكرم والشجاعة والإحسان فيكون هذا حمداً؛ لأن هذه الصفة باختياره وقعت منه باختياره. والله تعالى له جميع المحامد، ملكاً واستحقاقاً، فهو ذو العبودية والألوهية على خلقه أجمعين وما في العباد من نعمة فمن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، فالله تعالى هو المحمود؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة وبما أنعم به على عباده ، فجميع أنواع المحامد لله ملكاً واستحقاقاً، ولهذا استفتح الله تعالى كتابه العزيز بالحمد لله رب العالمين، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ثناء بعد ثناء. قال المؤلف ﵀: (الحمد لله الذي هدانا للإسلام) وهذه من النعم المتعدية، قال تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فهذه من النعم العظيمة التي لا يحمد بها إلا الرب ، فلولا هداية الله لنا بالإسلام لما كنا مهتدين، لكنه هدانا ، فنحمده على نعمة الإسلام ونسأله أن يثبتنا عليها حتى الممات.

стр. 5

تعريف الإسلام والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والخضوع والذل، والانقياد لله تعالى بالتوحيد، وأداء الأوامر واجتناب النواهي. وسمي الإسلام إسلاماً لما فيه من الاستسلام والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، فالمسلم منقاد مستسلم لأمر الله خاضع ذليل، فالإسلام هو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص والبراءة من الشرك وأهله، ولهذا قال المؤلف ﵀: (الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا به) ولا شك أن الله تعالى هو الذي من علينا، والعباد ليس لهم حق على الله، لكن الله هو الذي تفضل عليهم وأنعم عليهم، فالله تعالى له النعمة وله الفضل، فنحمده سبحانه أن هدانا للإسلام ومن علينا بالإيمان، كما قال الله في ضعفاء الإيمان في سورة الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. ثم قال المؤلف ﵀: (وأخرجنا في خير أمة) يعني: فنحمد الله على هذه الأمور، نحمد الله على أن هدانا للإسلام وأخرجنا في خير أمة وهي أمة محمد ﷺ ، كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وهذه الخيرية إنما حصلت للأمة بالإيمان بالله ورسوله وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، فمن حقق هذه الصفات حصلت له الخيرية، ومن ضيع هذه الصفات فاتته الخيرية. والإيمان بالله هو أصل الدين وأساس الملة، ولكن قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الآية لأهميتهما وعظم شأنهما، ولأنهما قوام الدين، فالدين كله أمر ونهي، فأنت تأمر نفسك بالخير وتنهاها عن الشر، وتأمر غيرك بالخير وتنهاه عن الشر، فتأتمر بالأوامر، وتنهى نفسك عن النواهي، وتأمر غيرك بالأوامر وتنهاه عن النواهي، ولهذا قدم الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآية، وإن كان الإيمان بالله هو أصل الدين وأساس الملة. ثم قال المؤلف ﵀: (فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط)، وهذا دعاء المؤلف ﵀ لطالب العلم، فهو يعلمك وينصحك ويدعو لك، فقد سأل لنفسه ولإخوانه وللطلبة، قال: (نسأله التوفيق لما يحب ويرضى)، يعني: نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والذي يحبه ويرضاه هو ما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله، فهو يحب من عباده أن يعبدوه ويوحدوه ويخلصوا له العبادة ويمتثلوا الأوامر ويجتنبوا النواهي. التوفيق: يعني الإعانة الإلهية، وهو إعانة يخص الله بها المؤمن، والتوفيق من الله والإعانة من الله، فالإعانة نعمة جليلة خص الله بها المؤمن دون غيره، وحبب إليه الإيمان وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، كما قال : ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨]، فالمؤمن له نعمة جلية فقد أنعم عليه نعمة جلية وخصه بها دون الكافر، فلولا الإعانة من الله لما اهتدى المهتدون، ولهذا سأل المؤلف ﵀ الإعانة والتوفيق من الله. قال: (ونسأله سبحانه التوفيق لما يحب ويرضى) أي: من الأقوال والأعمال، فيفعل المسلم ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال ويترك ما يسخطه من الأقوال والأعمال، ولهذا قال: (والحفظ مما يكره ويسخط) يعني: نسأل الله أن يحفظنا مما يكره ويسخط وهي النواهي، وأعظمها الشرك بالله ، ثم العدوان على الناس في الدماء والأموال، والعدوان على الناس في الأعراض، فهذا دعاء عظيم جعله المؤلف ﵀ في مقدمة هذه الرسالة بعد حمد الله والثناء عليه. ثم بعد ذلك شرع المؤلف ﵀ في تفاصيل مسائل السنة.

стр. 6

بيان مدى تلازم وترابط السنة والإسلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اعلموا أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر]. يقول المؤلف ﵀: (اعلموا) يعني: أيها المخاطبون ومن يقرأ هذا الكتاب من طلبة العلم اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هو الإسلام؛ لأن السنة هي التي جاء بها الرسول ﵊، وهي وحي ثانٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. إذاً: السنة هي الإسلام، والإسلام: هو الاستسلام لله تعالى والخضوع والذل والانقياد وفعل الأوامر والنواهي، والرسول ﷺ جاء بالقرآن وبالسنة، فالإسلام هو السنة؛ لأن السنة توضح القرآن وتفسره وتبين المشكل وتقيد المطلق وتخصص العام، فهي مرتبطة بالقرآن ولا يمكن فصلها عنه أبداً، فالإسلام هو السنة؛ لأن من ألغى السنة فقد ألغى الإسلام وبطل إسلامه، فمثلاً: لو أراد إنسان أن يفصل السنة عن الإسلام فكيف سيصلي؟ لا يستطيع أن يصلي، فهل في القرآن تحديد للأوقات؟ وذكر عدد الركعات؟ وكيف يزكي وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يبيع ويشتري، وكيف يتعامل مع الناس؟ فالقرآن مجمل، والسنة هي التي فصلت ووضحت وقيدت. فالإسلام هو السنة يعني: مع القرآن؛ لأنها مرتبطة بالقرآن ولا يمكن فصلها عنه، والنبي ﷺ جاء بالقرآن وجاء بالسنة، قال ﵊: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، ولهذا قال: (اعلموا) والعلم: هو حكم الذهن الجازم، فيقال له علم ويقال له يقين، بخلاف الشك والتردد فلا يسمى علماً، ولا يقيناً؛ لأن الذهن يتردد في صحته. ولهذا قال: (اعلموا) يعني: تيقنوا أيها المسلمون! ويا طلاب العلم! أن الإسلام هو السنة، وتيقنوا أن السنة هي الإسلام وأنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، وأن من ألغى السنة فلا إسلام له، ومن ألغى الإسلام فلا سنة له، فالإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، فلا يقوم أحدهما إلا بالآخر، لا إسلام لمن ترك السنة ولا سنة لمن ترك الإسلام. وبهذا يتبين أن من زعم أنه لا يحتاج إلى السنة فهو كافر، وهناك طائفة يسمون أنفسهم القرآنيين، ويزعمون أنهم يعملون بالقرآن ولا يعملون بالسنة، وهذا كفر وضلال، فقد جاء في الحديث ما معناه أن النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم جالساً على أريكته -أو متكئاً على أريكته- يأتيه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا في كتاب الله من حلال أحللناه، وما وجدنا في كتاب الله من حرام حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وبهذا يتبين ارتباط الإسلام بالسنة وارتباط القرآن بالسنة وأنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، فمن زعم أنه يعمل بالقرآن ولا يحتاج إلى السنة فهو كافر.

стр. 7

بيان وجوب لزوم الجماعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب عن الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً]. قوله: (ومن السنة لزوم الجماعة)، يعني: لزوم جماعة المسلمين، وجماعة المسلمين هم الصحابة والتابعون وتابعوهم والأئمة من بعدهم، فيجب على المسلم أن يلزم جماعة المسلمين ولا يشذ عنهم في الاعتقادات وفي الأعمال وفي الأقوال وفي الأفعال، قال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فمن زعم أنه مخالف لجماعة المسلمين فهو متبع لغير سبيل المؤمنين وهو متوعد بأن يوليه الله ما تولى ويصليه جهنم. والجماعة هم الصحابة والتابعون، وهم الذين يعملون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي، ويحذرون من البدع في الأقوال والأعمال والاعتقادات والنيات، قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وفي لفظ: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة). وروي هذا الحديث بألفاظ متعددة، وفيه أنه يجب لزوم الجماعة، وهي الفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة وهم أهل الحق، قال ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎. فإذاً: من السنة لزوم الجماعة ولزوم الجماعة هو العمل بالسنة، والعمل بما كان يعمل به جماعة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهم أهل الحق، ولزوم طريقتهم في الاعتقادات وفي الأعمال وفي الأقوال، ولهذا قال المؤلف ﵀: (فمن رغب عن الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالاً مضلاً) فمن رغب في غير جماعة المسلمين وفارقها فهو كافر؛ لأنه خرج عن الطريق المستقيم الذي كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة، فالصحابة والتابعون والأئمة يعتقدون ما جاء في الكتاب والسنة من توحيد الله والإخلاص في الدين له، والإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله، فيمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي، فمن رغب عن الجماعة خالفهم في الاعتقاد وخالفهم في الأعمال، ومن خالفهم فقد خرج من الإسلام وكان ضالاً مضلاً.

стр. 8

أساس الجماعة هم الصحابة وما كانوا عليه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب محمد ﷺ ، ورحمهم الله أجمعين وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار]. الأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب رسول الله، وهم أهل السنة والجماعة، أي: أن الجماعة هم المجتمعون على الحق، وأول المجتمعين على الحق هم الصحابة في هذه الأمة، أي: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الاعتقادات والأعمال والأقوال هو الأساس الذي تبنى عليه الجماعة. فإذاً: أهل السنة والجماعة هم الصحابة وهم الفرقة الناجية، ومن قال إن الفرقة الناجية طائفة وأهل السنة طائفة فقد أخطأ، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحق، فأهل السنة والجماعة هي الفرقة التي توصف بكل هذه الأوصاف، فتوصف بأنها الجماعة، وتوصف بأنها الفرقة الناجية، وتوصف بأنها أهل السنة والجماعة، ويدخل فيهم دخولاً أولياً الصحابة والتابعون ومن بعدهم. (والأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب رسول الله ﷺ ورحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع)، بل قد يقال إنه يكفر؛ لأن الذي نقل إلينا الشريعة هم الصحابة والتابعون، فقد نقلوا إلينا القرآن ونقلوا إلينا السنة، فمن زعم أنه لا يؤخذ عن الصحابة فقد كفر، فليس له طريق إلا طريق الصحابة؛ لأنهم نقلة الشريعة، ونقلة الدين، ولهذا فإن من طعن فيهم فقد طعن في الدين. بعض الفرق الضالة كالرافضة يطعنون في الصحابة ويكفرونهم ويفسقونهم، وهذا كفر وضلال؛ لأن الطعن في الصحابة طعن في الدين الذي حملوه، فالذي يقول إن الصحابة كفروا وارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ فقد طعن في الدين الذي حملوه، ولهذا فإن من كفر الصحابة وفسقهم فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، فقد زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، ومن كذب الله كفر، وإذا كانوا كفاراً فكيف يوثق في دين حمله كفار وفساق؟! فالطعن في الصحابة زندقة وكفر وضلال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال عمر بن الخطاب ﵁: لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بُينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر؛ وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع]. هذا القول وهذا الأثر عن عمر ﵁ وقد ذكر المحقق أن الذي أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى من طريق الأوزاعي وأن إسناده منقطع، ولكن له شواهد عن السلف وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها ويحسب أنه هدى، وأيضاً معناه صحيح. فهذا القول عن عمر ﵁ حتى ولو لم يصح سنده فمعناه صحيح دلت عليه النصوص، يقول عمر بن الخطاب ﵁: (لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى)، أي: أنه لا يعذر الإنسان في الضلالة التي يرتكبها يظن أنها من الهدى، ولا في الهدى الذي يتركه يحسب أنه ضلالة؛ لأنه من الواجب على الإنسان أن يسأل عن دينه، وأن يسأل عما أشكل عليه ولاسيما بعد بعثة النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت الحجة، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. وقد بعث الرسول. وكما أن الإنسان يسأل عن دنياه إذا أراد أن يشتري سلعة فيسأل أهل الخبرة، فعليه أن يسأل عن دينه وعما أشكل عليه، فلا عذر له؛ في العمل بما يخالف شرع الله وهو يستطيع أن يسأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ولهذا قال عمر ﵁: (فقد بُينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر) أي: ببعثة الرسول ﷺ وبنزول القرآن، إنما يعذر الذي لم يبلغه القرآن ومن كان قبل بعثة النبي ﷺ ، فأهل الفترات هم الذين يعذرون، ولهم أحكام خاصة جاءت بها النصوص، وهي أنهم يمتحنون يوم القيامة، وكذلك من لم يبلغه شيء من القرآن. أما من يعيش بين المسلمين ويسمع القرآن والرسول ﵊ فقد بُينت الأمور وثبتت الحجة والقرآن يتلى والسنة موجودة بين الناس، فلا عذر في هذه الحالة، قال ﵊ في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، ولهذا قال: (وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله وتبين للناس فعلى الناس الاتباع). السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله ولم يبق شيء إلا وقد بُين في السنة وفي الكتاب العزيز واجتمع المسلمون من الصحابة والتابعين على العمل بهذا الدين، فمن ترك السنة والجماعة بعد وضوح ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

стр. 9

الدين وحي من الله لم يوضع على آراء الرجال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله! أن الدين إنما جاء من قبل الله ﵎، لم يوضع على أقوال الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك، فقد بين رسول الله ﷺ لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم. والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من أمر الدين فقد كفر]. يقول المؤلف ﵀: (واعلم رحمك الله)، وهذا من باب التنبيه، يعني: اجزم وتيقن بهذا الأمر الذي سأبينه لك؛ لأن العلم هو حكم الذهن الجازم. وقوله: (رحمك الله)، هذا خبر بمعنى الدعاء، أي: أسأل الله أن يرحمك، وهذا من نصح المؤلف فهو يعلمك ويدعو لك. قوله: (اعلم رحمك الله أن الدين، إنما جاء من قبل الله ﵎ لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله) يعني: تيقن واجزم أن الدين إنما جاء من الله؛ لأن الدين وحي الله إلى رسوله ﷺ ، فقد أوحى إليه القرآن وأوحى إليه السنة، والدين هو ما جاء في القرآن والسنة، وهو من قبل الله لم يوضع على عقول الرجال وآراؤهم، فعقول الرجال وآرائهم لم يجعلها الله هي الميزان الذي يرجع إليه، وإنما الميزان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالدين إنما جاء من قبل الله تعالى بالوحي المنزل على نبيه قرآناً وسنة وعلمه عند الله وعند رسوله. ثم قال: (فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك)، أي: لا تتبع الهوى؛ لأن اتباع الهوى ضلال، ولهذا قال الله تعالى لنبيه داود: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]، فمن اتبع شيئاً بهواه مرق من الدين ومن مرق من الدين خرج من الإسلام، ولا حجة له في هذه الحالة. وقد بين المؤلف السبب بقوله: (فقد بين رسول الله ﷺ لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة)، إذاً: ليس هناك حجة لمن خرج عن الدين؛ لأن الرسول ﷺ بين لأمته السنة وأوضحها لأصحابه، والرسول ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فقامت الحجة على الناس. قوله: (وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله)، أي: المراد بالسواد الأعظم الحق وأهله، فأهل الحق هم السواد الأعظم، (عليك بالسواد الأعظم)، كما جاء في بعض الأحاديث الأمر بلزوم السواد الأعظم، والمراد بالسواد الأعظم من ثبت على الحق ولو كان واحداً، كما قال بعض السلف: إذا كنت على الحق فأنت الجماعة ولو كنت وحدك، وليس المراد أن الحق يعرف بكثرة الناس، بل إن الكثرة في الغالب تكون هالكة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. والسواد الأعظم يكثرون ويقلون، ففي عهد النبي ﷺ كان الصحابة هم السواد الأعظم، وفي عهد التابعين كان التابعون هم السواد الأعظم، وفي عهد تابعيهم والأئمة وهكذا، وفي بعض الأزمنة يكون على الحق واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وقد يكون على الحق جماعة متفرقون قلة، فيكون في هذا البلد أفراد وفي هذا البلد أفراد وفي هذا البلد أفراد، فهم الحق وهم السواد الأعظم، وفي آخر الزمان وفي وقت الفتن وقبيل خروج الدجال يجتمعون في الشام. وأهل السواد الأعظم هم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق وهم أهل السنة وهم الجماعة، وقد يكون الإنسان من أهل السنة والجماعة وهو مزارع أو تاجر أو جزار أو سباك وقد يكون محدثاً وفقيهاً، ومقدم أهل السنة والجماعة أهل الحديث وأهل العلم وأهل الفقه وأهل البصيرة ومن كان على طريقتهم، ولهذا قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث -يعني الجماعة- فلا أدري من هم! فيكون في مقدمتهم أهل الحديث وكل من تبعهم فهو منهم، ومقدمتهم الأولى الصحابة والتابعون ومن تبعهم من الأئمة. قال المؤلف ﵀: (فمن خالف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من أمر الدين فقد كفر) وهذا كلام مجمل من المؤلف ﵀، أن من خالف رسول الله ﷺ في أمر من أمور الدين فقد كفر؛ لأنه إذا خالف في أمر من الأمور الاعتقادية بأن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام، أو أشرك في العبادة، أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فقد كفر، وقد يكون كفره كفراً أصغر، كما إذا حلف بغير الله أو طعن في النسب أو ناح على الميت؛ كما قال ﵊: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، وكذا من قال لأخيه: يا كافر، والقتال بين المسلمين، فكل هذه أعمال كفريه، لكنها لا تخرج من الملة، وقد يكون دون ذلك فيكون مخالفة، فكلام المؤلف مجمل ليس على إطلاقه وفيه تفصيل، فإن المخالفة قد تكون كفراً أكبر وقد تكون كفراً أصغر، وقد تكون بدعة، وقد تكون معصية.

стр. 10

شرح كتاب السنة للبربهاري [٢] لابد للمسلم أن يحفظ دينه من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها، فإنه لا يتم إسلام مسلم حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً.

стр. 11

كل بدعة ضلالة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار]. يقول المؤلف ﵀: (واعلم) وهذا من باب التنبيه كي يجذب انتباه الذهن، ومعناه: اجزم وتيقن أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فكل بدعة تحدث يموت مثلها من السنة، فالسنة تقابل البدعة والبدعة تقابل السنة، وإذا أحيت سنة ماتت البدعة المقابلة لها، وهذا شيء واضح لا شك فيه. ثم قال: (فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة وأهلها في النار)، هذا مأخوذ من الأحاديث التي جاء فيها التحذير من البدع، قال ﵊: (وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة) وفي لفظ آخر: (وكل بدعة ضلالة) وفي رواية النسائي: (وكل ضلالة في النار). وثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فكل عمل وكل حدث في الدين يخالف أمر الله وأمر رسوله فهو بدعة.

стр. 12

صغير البدع يقود صاحبها إلى كبيرها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت وصارت ديناً يدان بها، فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام]. أي أن المؤلف يقول: إن عليك أن تجتنب البدع حتى ولو كانت صغيرة، ولو كانت بدعة قولية، مثل ما يقوله بعض الناس: كأن ينطق بالنية حينما يصلي، فإذا صليت بجواره فإنه يقول: نويت أن أصلي فرض الظهر أربع ركعات خلف هذا الإمام، وإذا أراد أن يصوم، قال: نويت أن أصوم هذا اليوم من رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإذا أراد أن يطوف بالبيت قال: نويت أن أطوف بالبيت سبعة أشواط طواف العمرة أو طواف الوداع، أو نويت أن أسعى بين الصفا والمروة مع الحج، وهذه بدعة ليس لهم عليها دليل، ولهذا قال بعض السلف: لو عمرت عمر نوح ثم فتشت في الكتاب والسنة لم تجد دليلاً يدل على شرعية النطق بالنية، فهذه بدعة صغيرة يتساهل بها بعض الناس، لكن قد تجره إلى البدع الكبار. وكذلك أيضاً بعض الناس إذا توضأ فإنه يأتي بأذكار لا أصل لها، فإذا غسل وجهه قال: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه، وإذا غسل يده اليمنى قال: اللهم أعطني كتابي بيميني وهذه بدعة لا أصل لها، فالمؤلف ﵀ يقول: (احذر صغار المحدثات من الأمور فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً)، فالصغير يجر إلى الكبير. ثم قال المؤلف: (وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها)، يقول: كل بدعة حينما تحدث تكون صغيرة تشبه الحق من وجه فيغتر بها بعض الناس فيدخلون فيها فإذا دخل ما استطاع الخروج منها، وهكذا ينتقل من بدعة إلى بدعة حتى يصل إلى الكفر نعوذ بالله، ولهذا قال المؤلف ﵀: (فعظمت وصارت ديناً يدان بها)؛ بسبب الإلف والاعتياد، فهو يبتدع أولاً بدعة صغيرة ويغتر بها، ثم لا يستطيع الخروج منها، ثم تعظم وتصير ديناً اعتاده الناس فخالف الصراط المستقيم وخرج بذلك من الإسلام. فمثلاً بعض الناس في بعض المجتمعات اعتادوا أن المرأة لا تحتجب عن أقاربها من بني عمها وجيرانها، فالمرأة تسلم على ابن عمها وتكشف له وجهها وتسافر معه وقد تأكل معه، وابن خالها وجارها، لكن إذا خرجت للشارع تتحجب، وزوج الأخت لا تحتجب عنه، فبعض الناس إذا نهيته قلت: يا فلان! لا يجوز لك أن تترك امرأتك تسلم على جارك أو تسلم على أخيك وتكشف له وجهها، فيقول: لا نستطيع تركه فقد نشأنا عليه، ولهذا قال المؤلف ﵀: (إن البدعة تعظم وتصير ديناً يدان بها) لا يستطيع الفكاك عنها، لكن لو جاهد نفسه وكان شجاعاً قوياً في الحق لنصح أهله وجاره وابنه وبني عمه وبني خاله ويقول: هذا لا يجوز وهو محرم ولا يجوز للمرأة أن تكشف لهم وجهها، لكن هذا التساهل الذي نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير جعل هذه البدعة أو هذه المعصية لا يستطيع الإنسان الفكاك عنها، وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀: (وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع الخروج منها فعظمت وصارت ديناً يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام)، يعني: أن هذه البدعة وإن كانت صغيرة فقد خالف صاحبها بها الصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو العمل بالسنة وترك البدعة. وقد تجر هذه البدعة الصغيرة إلى ما هو أكبر منها، وصدق الشاعر حين قال: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر فحينما يأتي الرجل الأجنبي إلى امرأة فيقول: السلام عليكم، تقول: عليك السلام، وما عندهم أحد، ثم يكلمها، فهذا كلام، ثم لقاء، حتى يصل إلى فعل الفاحشة حتى يصل إلى الزنا، وأول شيء كان كلاماً، نظرة فسلام فكلام ثم لقاء، نظرة أولاً نظر إليها، ثم سلم عليها، ثم صار بينهما الكلام ثم لقاء، وهكذا يتدرج الإنسان من المعصية إلى المعصية، فكذلك البدعة ينتقل من بدعة إلى بدعة إلى بدعة حتى يصل إلى الكفر، فيخرج بذلك عن الإسلام كله، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فانظر رحمك الله! كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا يدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم به أحد من أصحاب النبي ﷺ أو أحد من العلماء فإن أصبت فيه أثراً عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئاً فتسقط في النار]. قول المؤلف ﵀: (فانظر رحمك الله) بمعنى تأمل، وليس المراد النظر بالعينين، وإنما المراد النظر بالقلب، كقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]. (رحمك الله)، هذا من نصح المؤلف ﵀ أن يسأل لك الرحمة، يعني: اللهم ارحمه. ومعنى كلامه: إذا رأيت أهل زمانك يتكلمون في شيء أو يعملون شيئاً فتأمل ولا تستعجل ولا تدخل في شيء من هذه الأمور، ولا تتكلم في هذا الشيء الذي تكلموه ولا تعمل هذا العمل الذي عملوه إلا بعد أن تتأمل، وتسأل وتنظر، وإذا كنت طالب علم فابحث في كتب العلم ومع أهل العلم، فانظر هذا الأمر الذي يعمله الناس مثل رفع اليدين في الدعاء أو الزيارة والصلاة في المقبرة، فإذا رأيت بعض الناس يصلي عند المقبرة وأنت لا تدري ما الحكم، فانظر وتأمل ولا تستعجل فتصلي عند القبر تقليداً لمن يفعل ذلك، حتى تنظر وتتأمل هل تكلم فيه أصحاب رسول الله ﷺ أو أحد من العلماء، فإن وجدت فيه أثراً فتمسك به، وإن وجدت أن هذا العمل مشروع فاعمل به، وإذا وجدتهم ينهون عنه ويحذرون منه فاتركه. (ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئاً فتسقط في النار) يعني: أن المعاصي توصل إلى النار، فعلى الإنسان ألا يعمل شيئاً ولا يقل شيئاً إلا بدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة إلى القبور بقوله: (لا تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا إليها)، ونهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة، فالصلاة في المقبرة من وسائل الشرك وهذا حرام. إذاً: لا تفعل شيئاً تقليداً لمن فعله، فكل عمل لابد أن تنظر فيه وتتأمل وتعمل بالسنة ولا تجاوزه إلى غيرها فتسقط في النار، والمعنى: أن البدع والمعاصي توصل إلى النار وهي بريد الكفر.

стр. 13

حالات من خرج عن الطريق المستقيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين: أما أحدهما: فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير فلا يقتدى بزلته فإنه هالك. وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه ويبين لهم قصته؛ لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك]. (اعلم) يعني: تيقن (أن الخروج من الطريق يكون على وجهين) يعني: الذي خرج عن الطريق المستقيم وخالف السنة له حالتان: الحالة الأولى: (رجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير فلا يقتدى بزلته فإنه هالك)، هذا النوع من الناس أو هذه الحالة هو من لا يريد إلا الخير فلا يقتدى بزلته فإنه هالك، يعني: أنه لم يتعمد ترك الحق ولكنه خالف الحق، فهذا لا يقتدى به ولو كان من الصحابة أو التابعين. وأما قول المؤلف ﵀ (فإنه هالك) فهذا فيه تفصيل: إن كان عالماً مجتهداً واجتهد وهذا هو الذي وصل إليه باجتهاده فهو مأجور على اجتهاده وخطؤه مغفور، ولكن لا نقتدي به وإنما نترحم عليه ما دام أننا عرفنا أنه مخالف للنص حتى ولو كان من الصحابة. ومثال ذلك: أن أصحاب النبي ﷺ في حجة الوداع منهم من أحرم بحج فقط ومنهم من أحرم بعمرة وحج، ومنهم من أحرم بالحج مفرداً، ومن أحرم متمتعاً بالعمرة إلى الحج، ومنهم من أحرم بالعمرة مفرداً، فلما قربوا من مكة أمر ﵊ الذين لم يسوقوا الهدي أن يقلبوا إحرامهم إلى عمرة، ثم لما طافوا وسعوا عند المروة حتم عليهم وألزمهم أن يتحللوا فتحللوا كلهم إلا من ساق الهدي؛ وذلك لإزالة اعتقاد الجاهلية؛ فقد كان أهل الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأراد النبي ﷺ أن يزيل اعتقاد أهل الجاهلية وأمرهم أن يجعلوها عمرة، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا: يا رسول الله! أيذهب أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً، فخطبهم، وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت. تطييباً لخواطرهم، لأنهم كانوا في الجاهلية لا يعتمرون في وقت الحج. فأخذ العلماء من هذا مشروعية فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي، وقالوا: إن هذا هو الأفضل، ولا شك أنه الأفضل، وقد أفتى بذلك علي ﵁ وأبو موسى الأشعري وابن عباس، ثم اجتهد الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم أبو بكر وعمر وعثمان وصاروا بعد وفاة النبي ﷺ يفتون الناس أن يحرموا بالحج مفردين، وقالوا إن العمرة يؤتى بها في وقت آخر حتى يستمر الإحرام ولا يزال هذا البيت يحج ويعتمر، وقالوا: إن اعتقاد أهل الجاهلية زال، فكانوا يفتون الناس بالحج مفردين، وبقي ابن عباس وعلي يفتيان بالتمتع. ولما اختلف علي وعثمان، فقال علي لـ عثمان: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد. وكذلك أبو موسى الأشعري، حتى إن جماعة ناظروا ابن عباس، وقالوا له: كيف يا ابن عباس! تأمر بالعمرة وأبو بكر وعمر يأمران بالحج؟ فاشتد ابن عباس ﵁ في الإنكار عليهم؛ لأنهم خالفوا السنة، فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر. فهذا قول للخلفاء الثلاثة وقد اجتهدوا ﵃، لكن الصواب مع ابن عباس، ومع علي، ومع أبي موسى الأشعري، فمن خالف السنة باجتهاد فهذا له أجر على اجتهاده كالصحابة ومن بعدهم من العلماء، وقال ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر). يقول المؤلف ﵀: (فإنه هالك) وهذا فيه تفصيل، فإن كان متعمداً ترك الحق فهذا هالك، أما إذا كان عن اجتهاد فليس بهالك. والحالة الثانية: قال: (وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين فهذا ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة)، فإذا عاند الحق وترك الحق عن هوى لا عن اجتهاد بل عن اتباع للهوى فهو ضال مضل، وهو شيطان مريد في هذه الأمة، هذا إذا كانت مخالفته كبيرة توصل إلى هذا الحد، أما إذا كانت مخالفة يسيرة فقد لا يكون بهذا الوصف، حيث إن هذا الوصف من قوة المؤلف ﵀، وشدته على أهل البدع، وقوة الدفاع عن الحق، ولشدة تحذيره من أهل البدع وإلا هذا فيه تفصيل أيضاً، فالذي خالف الحق في بعض المسائل الواردة في السنة مثل رفع اليدين في الصلاة، أو جلسة الاستراحة وغيرها من المسائل التي لا توصل إلى هذا الوصف فيكون قد خالف السنة ولا يكون بهذا الوصف، وإن كان قد خالف الحق في المسائل التي خلافها مؤثر حتى يكون فاعلها ضالاً مضلاً فهو بهذا الوصف. فيجب على الإنسان أن يحذَّر من البدع ويحذَّر من أهل البدع وأهل الضلال حتى لا يقعوا في بدعته فيهلكون.

стр. 14

بيان أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله! أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذبهم، وكفى بهذا فرقة وطعناً عليهم، وهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس فيه]. قوله: (اعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً) فلابد أن يكون مصدقاً أي: مقراً ومعترفاً بما جاء عن الله وجاء عن رسول الله ﷺ ، يكون لسان حاله ومقاله: آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وبذلك يتم إسلام العبد ويكون متبعاً للرسول ﷺ مصدقاً مسلماً مسلِّماً، فمن لم يصدق بالباطن يكون منافقاً، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فهم يقولون: آمنا بألسنتهم وما هم بمؤمنين بقلوبهم، وقال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]. لا يتم إسلام العبد حتى يكون مسلِّماً لأمر الله وأمر رسوله ولا يكون معترضاً، فمن اعترض على أمر الله وعلى أمر رسوله فهذا كفر وضلال، فإبليس قابل أمر الله بالاعتراض والرد وهو لم يكذب بل هو مصدق لكنه معترض على الله ورد أمر الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:٣٤] وهذا اعتراض ورد لما أمره الله بالسجود لآدم ما أنكر أمر الله، وهو معترف أن هذا أمر الله، لكنه اعترض ورد أمر الله لأن آدم مخلوق من الطين وهو مخلوق من النار، والنار أحسن من الطين وأفضل ولا يمكن أن يخرج بزعمه عن الفاضل إلى المفضول ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فكفر وطرد من رحمة الله بالرفض والرد والاعتراض على الله. (فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد ﷺ فقد كذبهم) أي: من زعم أن هناك شيئاً ما نقله الصحابة ولا وصل إلى أيدينا من الدين فقد كذب الصحابة. ثم قال: (وكفى به فرقة وطعناً عليهم) من كذب الصحابة فقد أعظم الطعن عليهم، ومن كذب الصحابة فهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس منه.

стр. 15

نفي وجود القياس في السنة أو ضرب الأمثال أو اتباع الأهواء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله! أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف ولا شرح ولا يقال: لم ولا كيف]. قال: (واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس) يعني: المراد بالقياس القياس الفاسد وهو الذي يعارض به النصوص مثل قياس إبليس، فهو أول من قاس القياس الفاسد، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، ولهذا قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. والقياس الفاسد: هو أن يستعمل القياس مقابل النص، فإذا جاءك نص فلا تقس، ومثال ذلك: حرم الله تعالى الربا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، فالمشركون قاسوا وقالوا: إن البيع مثل الربا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وهذا القياس فاسد مقابل النص، فالنص هو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، فالقياس الفاسد هو الذي يكون في مقابلة النصوص، فإبليس كان عنده نص وهو: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤]، فقام بالقياس الفاسد وهو: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. ولهذا قال المؤلف ﵀: (واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال)، يعني: لا يضرب لكلام الله وكلام رسوله الأشباه والنظائر، فيقول: إن هذا مثل كذا وهذا مثل كذا فيكون حكمه كذا، فأمر الله وأمر رسوله يتلقى بالتصديق والقبول والامتثال، ولا تتبع فيه الأهواء، فالله تعالى حرم عليك الربا، لكن الإنسان يهوى أن يتعامل بالربا حتى يحصل له ربح، فهذه شهوة وهوى فاترك الهوى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، وقدم أمر الله وأمر رسوله على الهوى. (وإنما هو التصديق بآثار الرسول ﷺ بلا كيف ولا شرح)، يعني: لا يقال: لم، ولا كيف؟ فإذا جاءتك النصوص فلا تعترض، لا تقول: لم ولا كيف؟ لا يقال: لم في الأفعال، وكيف في الصفات، فلا تقول: لماذا أوجب الله علينا الصلوات الخمس، لماذا لم يجعلها ست صلوات؟! لماذا جعل الله هذا فقيراً وهذا غنياً، وهذا طويلاً وهذا قصيراً، وهذا ملكاً وهذا مملوكاً؟! و الجواب لأن الله حكيم ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]؛ لكمال حكمته ولا تقل: الله استوى على العرش، كيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف يتكلم؟ لا تقل شيئاً، فهو ينزل بلا كيف، ويتكلم بلا كيف، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم -أي: معلوم في اللغة العربية- والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فالواجب على المسلم التصديق بآثار الرسول ﷺ بلا كيف ولا شرح يخالف النصوص، أو يكون فيه اعتراض على أمر الله وأمر رسوله.

стр. 16

الجدال والمراء يقدح في قلب صاحبه الشك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة]. (والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث) يعني: الخصام والنزاع والجدال في أمور الدين وفي مسائل الاعتقاد بدعة محدثة. (يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة)، حتى ولو أصاب صاحبه الحق فلا ينبغي للإنسان أن يتكلم في الصفات وفي مسائل الدين بالشبهة التي توقع الشك، ولهذا كان السلف ﵏ يكرهون الكلام في الصفات وفي الأفعال، وكانوا لا يودون الكلام فيها، لكن لما تكلم أهل الباطل وأهل البدع بالباطل اضطر العلماء إلى الرد عليهم، وإلا فالأصل أنه لا يتكلم فيها، فقد كان أحد الصحابة إذا وقع في نفسه الشك كتم، واستعظم الكلام فيه وحاربه، ولهذا لما قال الصحابة: (يا رسول الله! إن الإنسان يجد في نفسه ما لأن يخر من السماء خير له من أن ينطق به -وفي لفظ- لأن يكون حمماً خيراً له من أن ينطق به، قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)، أي إن كتم الوسوسة ومحاربتها واستعظام الكلام بها صريح الإيمان، لكن المتأخرين صاروا يتكلمون بالوساوس وكتبوها وألفوها فحصلت الشكوك والبدع، فاضطر العلماء إلى الرد عليها. وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 17

الأسئلة

стр. 18

بيان خطأ من فرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية السؤال ما رأي فضيلتكم فيمن يفرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟ الجواب هذا غلط كما سبق، فالطائفة المنصورة هم أهل الحق وهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم، كما بين ذلك الإمام شيخ الإسلام ﵀ في رسالته (العقيدة الواسطية) الرسالة عظيمة التي تكتب بماء الذهب، فقال: إن أهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة وهم أهل الحق وهم الصحابة والتابعون، فهذا التفريق لا وجه له.

стр. 19

ضابط الإطلاق الذي ذكره المصنف في قوله: (فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين) السؤال ما ضابط هذا الإطلاق الذي ذكره المصنف ﵀ في قوله: (فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام)؟ الجواب ضابطه النصوص وما دلت عليه النصوص؛ لأن المروق من الدين يكون مروقاً، وما لم تدل عليه النصوص أنه لا يكون مروقاً فلا يكون مروقاً. السؤال: ما معنى قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قال: لابد من إقامة الحجة المعتبرة في الحكم على الإنسان، وكذلك قوله ﵀: وأنا وإن كنت لا أكفر الرجل الذي يطوف حول قبر البدوي، فكيف أكفر من هو دونه؟ الجواب: المراد من ذلك أن من جهل شيئاً وكان هذا الشيء الذي يجهله من الأمور الدقيقة الخفية على مثله فإنه لابد أن تقام عليه الحجة، أما من أنكر أمراً واضحاً لكل أحد فلا يعذر، إنما الذي يعذر من جهل شيئاً من الأمور الدقيقة الخفية الذي مثله يجهل ذلك، أما من كان يعيش بين المسلمين ويفعل الكفر فلا يعذر، وهذا يختلف باختلاف المجتمعات، مثال ذلك: لو تعامل إنسان بالربا في مجتمعنا المسلم، وظل عائشاً فيه عمراً طويلاً، فلما أنكرنا عليه تعامله بالربا قال: أنا جاهل، لا أدري أن الربا حرام، فهذا ليس بمعذور؛ لأن مثل هذا لا يجهل، لكن إذا أسلم شخص في أمريكا وبعد عشرة أيام رأيناه يتعامل بالربا، فأنكر عليه، فيقول: أنا جاهل لا أدري، فنقول: كلامه صحيح فهذا جاهل؛ لأنه عاش في مجتمع ربوي ولا يعلم هذا.

стр. 20

حكم إهداء ثواب قراءة القرآن السؤال إهداء ثواب قراءة القرآن، هل فعله الصحابة؟ الجواب هذه المسألة خلافية بين أهل السنة والجماعة، فمن العلماء فمنهم من قال: إن ثواب القراءة يصل، ومنهم من قال: لا يصل، والأصل في هذا أن النصوص إنما جاءت بإهداء ثواب الدعاء والصدقة والحج والعمرة، وبعض العلماء قاس عليها إهداء ثواب القراءة، وإهداء ثواب الصيام، والذكر، وتلاوة القرآن، وبعض أهل العلم قال: لا نقيس؛ لأن العبادات توقيفية. والصواب أنه يقتصر على هذه الأمور الأربعة: الدعاء والصدقة والحج والعمرة ومنه الأضحية، وأما إهداء ثواب القراءة أو إهداء ثواب الصيام، فهذا ليس عليه دليل إلا الصيام الواجب؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن عائشة ﵂: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، فإذا كان الصيام الواجب أو صيام نذر أو كفارة فيصوم، أما صيام تطوع أو إهداء ثواب القراءة أو إهداء التسبيح والتهليل فهذا ليس عليه دليل، فالأرجح والأفضل في هذا أنه يقتصر على ما جاءت به النصوص.

стр. 21

حكم رفع اليدين أثناء الدعاء السؤال ما حكم رفع اليدين في الدعاء، وقد جاء في حديث معناه: أن الإنسان إذا رفع يديه إلى السماء ودعا الله فإن الله لا يردهما خائبتين، فما توجيه هذا الحديث؟ الجواب رفع اليدين من أسباب قبول الدعاء، كما جاء في الحديث: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) فإذا صلى الإنسان مثلاً رفع يديه ودعا في الضحى أو في الليل أو في أي وقت فهذا من أسباب قبول الدعاء، إلا في المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ يديه فلا نرفعها، مثل الدعاء بين السجدتين في الصلاة، فلو رفع الإنسان يديه وقع في بدعة؛ لأن هذا ما ورد عن الرسول ﷺ ، أو الدعاء في آخر التشهد فلا ترفع يديك، والدعاء بعد الفريضة كذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، كذلك رفع اليدين أثناء الدعاء في خطبة الجمعة فهذا بدعة؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ لا من الخطيب ولا من المصلي إلا إذا استسقى الإمام فإنه يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم. والخلاصة في هذا أن رفع اليدين من أسباب قبول الدعاء إلا في المواضع التي ثبت أن النبي ﷺ لم يرفع فيها فلا نرفع أيدينا فيها.

стр. 22

حكم التلفظ بالنية السؤال نجد أن موقف علماء أهل السنة قد اختلف في بعض مسائل العقيدة بعد انتشار البدع، كما في مسألة التلفظ، فما هو الضابط في ذلك؟ الجواب الضابط كما قال الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فتعرض أقوال العلماء على النصوص فما وافقها قُبل وما خالفها رد، وفي مسألة التلفظ إن كان مقصود السائل التلفظ بالنية فهذا ليس عليه دليل، وإن قال به بعض الفقهاء المتأخرين وحجتهم أنه يتلفظ بالنية استحباباً حتى يتوضأ القلب واللسان، لكن هذا الاستحباب لا دليل عليه.

стр. 23

شرح كتاب السنة للبربهاري [٣] من معتقدات أهل السنة والجماعة الإيمان بصفات الله تعالى دون تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والإيمان بأن القرآن كلام الله، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه ومنكر ونكير.

стр. 24

الإيمان بصفات الله سبحانه وأفعاله بدون تكييف ولا تمثيل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن الكلام في الرب تعالى محدث]. هذه عادة المؤلف ﵀، يقول في أول كل فقرة جديدة: (اعلم) يعني: تيقن تيقناً جازماً، فهو يدعو ويسأل من الله الرحمة لطالب العلم. وقوله: أن الكلام في الرب، يعني: ما يتكلم به أهل الكلام في الخوض في الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله بغير علم، فمنهم من تكلم في الرب فقال: إنه ليس فوق العرش والعياذ بالله، ومنهم من قال: إنه في كل مكان، فهذا كله محدث، وهو كفر وردة والعياذ بالله. فالجهمية الذين يقولون: إن الرب ليس فوق العرش وإنما هو في كل مكان، وكذلك من ينفي النقيضين عن الله، يقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، هذا الكلام في الرب كفر وضلال، بل الرب فوق العرش، مستو على عرشه، بائن من خلقه. فكلام الجهمية في هذه المسألة محدث، وكذلك كلامهم وكلام المعتزلة في نفي الأسماء والصفات، وكذلك كلام الأشاعرة في نفي الصفات ما عدا الصفات السبع، وكذلك نفيهم للإرادة الدينية، ونفي المعتزلة للإرادة الكونية، كل هذا محدث، وهذا المحدث منه ما هو كفر ومنه ما هو دون الكفر. فلم يكن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم يتكلمون في الرب بما تكلم به هؤلاء، فالرب أثبت لنفسه الأسماء والصفات، وأثبت أنه فوق العرش، فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، فهؤلاء المبتدعة تجاوزوا ما وصف به الرب نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، فكان كلامهم محدثاً. فهو بدعة، وهذه البدعة إما أن تكون مكفرة، كبدعة الجهمية الذين يقولون: إنه ليس فوق العرش، وإنما هو في كل مكان، وإما أن تكون بدعة غير مكفرة كبدعة الأشاعرة الذين يتأولون بقية الصفات ما عدا الصفات السبع، ولهذا قال المؤلف ﵀: [واعلم رحمك الله أن الكلام في الرب محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بينه رسوله ﷺ لأصحابه] وهذا كما قال بعض السلف: لا يوصف الرب إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فلا يتجاوز القرآن والحديث. ولهذا قال المؤلف ﵀: [ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بينه رسوله ﷺ لأصحابه، وهو جل ثناؤه واحد، فهو واحد في ذاته، وواحد في أسمائه وصفاته وأفعاله، وواحد في ألوهيته، وواحد في ذاته، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢]. واحد في أسمائه وصفاته أي: ليس له مثيل، ولا يشبه أحداً من خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو واحد في ألوهيته، فلا يستحق العبادة أحد غيره. فهو سبحانه واحد، وهو الأحد، وهو الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، فهو صمد في نفسه، وتصمد إليه الخلائق في حوائجها، ولا نظير ولا مثيل ولا سمي ولا ند له، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. قال المؤلف ﵀: [ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان]. قوله: (ربنا أول بلا متى) يعني: لا يوجه إليه هذا السؤال، فلا يقال: متى كان؟ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو واجب الوجود بذاته، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال الله في كتابه المبين: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. فهذان اسمان متقابلان لأوليته وأبديته: (الأول والآخر)، وهذان اسمان متقابلان لفوقيته وعلوه: (الظاهر والباطن) وهو سبحانه لا يشبهه شيء من خلقه. وقد فسر النبي ﷺ هذه الأسماء الأربعة في حديث الاستفتاح الصحيح، حيث قال ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر). ولهذا قال المؤلف ﵀: (ربنا أول بلا متى)، يعني: لا يوجه هذا السؤال إليه، فلا يقال متى كان، (وآخر بلا منتهى)، كما ورد في الحديث الذي قدمناه آنفاً. يعلم السر وأخفى، فصفة العلم من صفاته ، والذي أخفى من السر هو حديث النفس، فهو سبحانه يعلم الكلام الذي تتكلم به سراً، ويعلم ما هو أخفى من ذلك، وهو ما تحدث به نفسك، كما قال : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وكما أخبر الله في خطابه لموسى ﵊: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥]. وقوله رحمه الله تعالى: (وعلى عرشه استوى) أي: أن الله سبحانه استوى على العرش، والاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله ، وكلها جاءت بلفظ الاستواء، وتعدت بعلى التي تفيد العلو والارتفاع، وهذه المواضع جاء ذكرها في سورة الأعراف وفي سورة يونس وفي سورة طه وفي سورة الفرقان وفي سورة السجدة، وفي سورة الحديد، والموضع السابع في سورة الرعد، وكلها فيها التصريح بأنه سبحانه استوى على العرش، ومع ذلك أنكر الاستواء أهل البدع من الجهمية والأشاعرة والمعتزلة، وقالوا معنى استوى: استولى، وهذا لا شك أنه تحريف لمعنى استوى، فإن الله تعالى لو أراد بمعنى استوى: استولى فليس عاجزاً أن يقول: الرحمن على العرش استولى، أي: لو أراد هذا المعنى لبين ذلك. ولأن (استوى) يختلف معناها عن استولى، فمعنى استوى: استقر وارتفع وصعد، واستولى تتضمن نقصاً في حق الرب، وذلك أنه لا يقال للشيء استولى إلا بعد أن كان عاجزاً ثم غلب غيره واستولى عليه، وهل العرش حاول أحد أن يغالب الله عليه؟! وهل كان الله عاجزاً عن الاستيلاء ثم استولى بعد ذلك؟! فلا يقال استولى إلا في حق من كان عاجزاً ثم غلب، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق. فهذا التحريف الذي جاء به أهل البدع يعتبر زيادة في كلام الله، ولهذا قال العلماء: إن هذه اللام الزائدة، وهي تحريف لكلام الله ومحادة له ورسوله، وهذه صفة اليهود حين قال الله لهم: قولوا حطة، فقالوا: حنطة، زادوا حرفاً واحداً، ولهذا يقول العلماء: لام الجهمية كنون اليهود، حين قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨]، أي: قولوا: حط عنا يا الله ذنوبنا واغفرها لنا، فزادوا في كلام الله، واستهزءوا، وقالوا: حنطة، فزادوا نوناً. وكذلك الجهمية أخبر الله عن نفسه أنه استوى على العرش، فزادوا لاماً وقالوا: استوى بمعنى استولى، نسأل الله السلامة والعافية. وقوله: (على عرشه استوى) وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان، المعنى: أن الله تعالى استوى فوق العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، فهو فوق العرش ، فله علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، أما علمه فهو في كل مكان، يعلم ما في لجة البحار، وما في ظلمات البر والبحر، ويعلم السر، ويعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. فهو سبحانه فوق العرش وعلمه في كل مكان.

стр. 25

لا يقال في صفات الله: كيف، ولا في أفعاله: لِمَ ؟ قال المؤلف ﵀: [ولا يقول في صفات الرب تعالى لم؟ إلا شاك في الله ﵎]. أي: لا يقول في صفات الرب كيف، كأن يقول: كيف استوى؟ أو كيف ينزل؟ أو كيف يعلم؟ أو كيف يسمع؟ أو كيف يبصر؟ فهذا السؤال اعتراض، فلا يوجهه إلى الرب إلا شاك في الله، أما المؤمن المتيقن فلا يوجه هذا السؤال في صفات الله، بل يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على لسان رسول الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. وكذلك لا يوجه لأفعال الله هذا السؤال لم فعل كذا؟ لم قال كذا؟ لم شرع كذا؟ لم أغنى هذا، ولم أفقر هذا؟ فهذا السؤال باطل، فالسؤال بلِمَ لا يوجه إلى أفعال الله، والسؤال بكيف لا يوجه إلى صفات الله. فالذي يوجه هذا السؤال: كيف ولم، يقول عنه المؤلف إنه شاك في الله ﵎، أما المتيقن والمسلم فإنه إذا بلغه النص في صفات الله يقول: آمنت بالله ورسوله، سلمت، ولا يقول كيف؟ وكذلك إذا بلغه شيء من أفعال الله فلا يقول: لم، بل يسلم ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي.

стр. 26

القرآن الكريم كلام الله ليس بمخلوق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره وليس بمخلوق؛ لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر]. القرآن كلام الله وتنزيله ونوره ليس بمخلوق، وهو صفة من صفاته جل وعلا، وهذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. فالقرآن كلامه وتنزيله، أنزله على نبيه ﷺ وحياً بواسطة جبرائيل، كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. فالقرآن كلام الله وتنزيله قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة:٤٨]، وقال: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، وقال: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١ - ٢]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي فيها بيان أن القرآن كلام الله وتنزيله، نزل به جبريل ﵊ على قلب محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]، فمن قال إنه مخلوق فقد كفر، وهذا هو قول الأئمة كلهم؛ لأن القرآن الكريم صفة من صفات الله تعالى، فمن قال إنه مخلوق فقد كفر؛ لأنه جعل صفات الله من جنس المخلوقات، وهذا كفر والعياذ بالله، كما قال الإمام أحمد والشافعي وغيرهم، قالوا: من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر، وهذا على وجه العموم، أما الشخص بعينه فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة. إذاً: فالقرآن من الله وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، كلهم قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكلهم قالوا: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر. وقوله: المراء فيه كفر، يعني: الجدال في القرآن كفر؛ لأنه يوقع في الضلال، وفي البدعة.

стр. 27

رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الآخرة حق

стр. 28

الأدلة على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالرؤية يوم القيامة يرون الله بأبصار رءوسهم وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان]. يعني: يجب على المسلم أن يؤمن برؤية الله تعالى يوم القيامة، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصار رءوسهم، والنصوص في إثبات الرؤية كثيرة من القرآن العزيز ومن السنة المطهرة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فالأولى: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضارة والبهاء والحسن، بالضاد أخت الصاد، والثانية: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، بالظاء يعني: تنظر إلى ربها. قال العلماء: إن هذه الآية صريحة في أن الرؤية تكون بالعين التي في الوجه؛ لأن الله تعالى أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله، أي: أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محل العين، وعداه بأداة (إلى) الصريحة في النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب. وهكذا أخذ الكلام من قرينة تدل على اختلاف موضعه وحقيقته، فدل ذلك على أن المراد النظر بالعين التي في الرأس إلى الرب سبحانه. وأهل البدع يفسرون قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] ويؤولونها بتأويلات باطلة، فبعضهم يقول: ناظرة إلى ثواب ربها، وبعضهم فسرها بالنضرة والنعيم. ومن الآيات الدالة على الرؤية كذلك قوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فدل على أن المؤمنين ليسوا بمحجوبين، وقوله سبحانه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، جاء تفسير (مزيد) بالنظر إلى وجه الله الكريم. وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، جاء تفسير هذه الآية بهذا في صحيح مسلم، من حديث صهيب ﵁. والسنة جاءت بإثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، والنصوص في هذا متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد، قال العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه (هادي الأرواح إلى بلاد الأفراح): رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد، وقال: إن أهل السنة والجماعة يتلون هذه النصوص ولا شيء أقر لأعينهم من ذلك، فهم يتلونها ويستدلون بها، ويورثها السابق للاحق، ويرويها المتأخر عن المتقدم.

стр. 29

الإيمان بالميزان يوم القيامة والأدلة على ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان وله لسان]. هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فهم يؤمنون بالميزان يوم القيامة، أي: أن هناك ميزاناً توزن فيه أعمال العباد وأقوالهم. والله تعالى قادر على أن يزنها، فهي توزن ولو كانت أعراضاً، فإن الله تعالى يجعلها أجساماً، وتكون الخفة والثقل على حسب صلاح العمل، فالذي أعماله صالحه فإنها تثقل في الميزان، والذي أعماله غير صالحة فإنها تخف في الميزان. ومن معتقد أهل السنة والجماعة، أن الميزان له لسان وله كفتان، كما جاء في حديث ابن عباس: (الميزان له لسان وكفتان)، وجاء في بعض الأحاديث أن كفتي الميزان كأطباق السماوات والأرض، فهو ميزان حسي، له كفتان ولسان، توزن فيه الأعمال، ويوزن فيه الأشخاص أيضاً على حسب العمل، كما قال الله تعالى عن الكفرة: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة). وثبت في الحديث الصحيح أن عبد الله بن مسعود ﵁ كشفت الريح عن ساقيه، وكان دقيق الساقين ﵁، فضحك الصحابة، فقال النبي ﷺ : (لم تضحكون؟ قالوا: من دقة ساقيه يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد). واختلف العلماء هل هو ميزان واحد، أو أن هناك موازين متعددة، فمن العلماء من قال: إنه ميزان واحد، ومنهم من قال: هي موازين متعددة، لكل شخص ميزان، ولكل أمة ميزان، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ومن قال إنه ميزان واحد أجاب عن ذلك بأنها جمعت باعتبار الموزون، وإلا فهو ميزان واحد. فالمقصود أنه ميزان حسي، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وخالف في ذلك أهل البدع كالمعتزلة، فقالوا: ليس هناك ميزان حسي وإنما هو ميزان معنوي، وحجتهم في ذلك قالوا: الرب لا يحتاج إلى الميزان؛ لأنه ليس عاجزاً، والميزان لا يحتاج إليه إلا البقال والفوال، أما الرب فلا يحتاج إلى الميزان، فأنكروا الميزان، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأنهم يعملون عقولهم في النصوص، فهذا من أبطل الباطل، فإن هناك ميزاناً حسياً توزن فيه الأعمال والأشخاص، فمن ثقلت موازينه فهو من السعداء، ومن خفت موازينه فهو من الأشقياء، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧]، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ١١]، ويوزن فيه الخير والشر. هذا هو الصواب، أنه ميزان حسي له لسان وكفتان خلافاً للمعتزلة القائلين بأنه ميزان معنوي.

стр. 30

من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر ومنكر ونكير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بعذاب القبر ومنكر ونكير]. أي: من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر، والإيمان بمنكر ونكير. وكان ينبغي للمؤلف أن يقول: والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، ولكنه لم ينص على النعيم لأنه يقابل العذاب، وإذا ثبت العذاب ثبت النعيم، قال الله تعالى في شأن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فقول الله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٤٦]، دل على أن العرض الأول في القبر، وهو قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، أي: قبل يوم القيامة؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]، فهذا عذاب القبر. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، فيضربون وجوههم وأدبارهم أي: عند التوفي، فهذا من عذاب القبر ونعيمه. ومن السنة نصوص كثيرة، بل إنها قد تبلغ حد التواتر، من ذلك أن النبي ﷺ -كما ثبت في الصحيحين وغيرهما- قال: (إذا صلى أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، وقال ﵊: (استعيذوا بالله من عذاب القبر). وثبت في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). وكذلك أيضاً ما جاء في حديث البراء وغيره: (أن المؤمن يوسع له في قبره مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الريح يؤنسه، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، والفاجر أو الفاسق يضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويأتيه رجل قبيح الوجه، منتن الريح، فلا يزال يروعه ويوحشه، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث) كل هذا يدل على إثبات عذاب القبر ونعيمه، فهو حق. ثم قال المؤلف ﵀: (ومنكر ونكير)، يعني: يجب الإيمان بمنكر ونكير، وهما ملكان يسألان الإنسان في القبر، كما جاء في بعض الأحاديث: (إن المؤمن إذا وضع في قبره جاءه ملكان، يقال لأحدهما المنكر، ويقال للآخر النكير، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فأما المؤمن فيثبته الله فيقول: ربي الله، ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد ﷺ ، ما دينك؟ فيقول: الإسلام. وأما الكافر فلا يستطيع أن يجيب -ولو كان من أصلح الناس في الدنيا نعوذ بالله- فإذا قال له: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، من نبيك؟ هاه هاه لا أدري، ما دينك؟ هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته). وجاء في حديث البراء: (أنه يضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل من خلق الله إلا الثقلين) فلا بد من الإيمان بمنكر ونكير وأنهما الفتانان.

стр. 31

شرح كتاب السنة للبربهاري [٤] من معتقدات أهل السنة الإيمان بحوض رسول الله ﷺ وشفاعته والإيمان بالصراط والإيمان بالأنبياء جميعاً والملائكة ونزول عيسى وخروج الدجال.

стр. 32

الإيمان بحوض النبي ﷺ يوم القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ولكل نبي حوض إلا صالح ﵇ فإن حوضه ضرع ناقته]. أي: من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بحوض النبي ﷺ ، فقد جاء في كثير من الأحاديث إثبات حوض النبي ﷺ ، وأنه حوض عظيم، يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر من الجنة، وورد أن طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، والآنية التي يشرب فيها عدد نجوم السماء، وهو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين على حوض نبينا ﷺ . والأحاديث التي جاءت في إثبات الحوض كثيرة تبلغ حد التواتر، وأنكرها أهل البدع من المعتزلة وأشباههم، وهذا من جهلهم وضلالهم. ونحن نعلم أن الأحاديث المتواترة قليلة، تقارب أربعة عشر حديثاً، أما أكثر السنة فقد ثبتت بخبر الأحاد؛ لأن خبر الواحد إذا صح سنده واتصل وعدل رواته وجب العمل به في العقائد والأحكام جميعاً، وأكثر ما في الصحيحين -صحيح البخاري وصحيح مسلم - أخبار آحاد. فالمتواتر هو الذي يرويه جماعة كثيرون يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، عن جماعة آخرين، من أول السند إلى منتهاه ويسندونه إلى محسوس، وما كان دون ذلك فهو خبر الواحد، حيث رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو ما دون التواتر. فالأحاديث في إثبات الحوض متواترة، والأحاديث المتواترة قليلة -كما قلنا- تقارب أربعة عشر حديثاً منها حديث الحوض، وحديث الشفاعة، ومنها حديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومنها حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ومنها حديث النهي عن الصلاة بعد العصر. فالأحاديث في إثبات الحوض متواترة، ومع ذلك أنكرها المعتزلة وأهل البدع، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فيجب الإيمان بحوض نبينا ﷺ . قول المؤلف: (ولكل نبي حوض) جاء هذا في بعض الأحاديث عن النبي ﷺ ، يقول شيخ الإسلام: صح هذا من حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: (إن لكل نبي حوضاً، وأنهم يباهون أيهم أكثر وارداً، وإني أرجو الله أن أكون أكثرهم وارداً). وقوله: (إلا صالح النبي ﷺ ؛ فإن حوضه ضرع ناقته) يعني: أن نبي الله صالحاً ليس له حوض، اكتفاء بالناقة التي أعطيها في الدنيا، فقد كانت تشرب المياه يوماً وتعطيهم من اللبن بقدر ما شربت، وفي اليوم التالي تترك الماء لهم، قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]. لكن الحديث الذي فيه أن صالحاً ﵊ ليس له حوض، وأن حوضه ضرع ناقته، لم يصح عن النبي ﷺ ، بل إنه حديث موضوع، وعلى هذا فيكون نبي الله صالح له حوض كغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكأن المؤلف ﵀ لم يعتن بالبحث عن سند هذا الحديث، إما لأنه لم يتيسر له مراجعة الحديث، أو لغير ذلك من الأسباب.

стр. 33

الإيمان بالشفاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بشفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين الخاطئين يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا وله شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً]. أي: يجب على المسلم أن يؤمن بشفاعة نبينا ﷺ للمذنبين الخاطئين، والخاطئون بمعنى المذنبين، لكن الخاطئ غير المخطئ؛ لأن المخطئ هو الذي فعل الشيء من غير تعمد، وهو قد يغفر له، مثل قتل الخطأ، بخلاف الخاطئ، فإن الخاطئ هو المذنب العاصي المتعمد، فهو أشد إثماً من المخطئ. ففرق بين الخاطئ والمخطئ، ولهذا قال الله تعالى في سورة الحاقة: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٧] أي: المذنبون، أما المخطئ فهو الذي فعل الشيء عن غير عمد. وقد جاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، أي: من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون مصلون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها، فهذا دخل النار لأنه مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على الربا من غير توبة، وهذا مات على عقوق الوالدين من غير توبة، هذا مات على قطيعة الرحم من غير توبة، وهؤلاء العصاة الموحدون منهم من يعفو الله عنه من أول وهلة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومنهم من يعذب في قبره وتسقط عنه عقوبة جهنم بعذاب القبر، كما في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة). ومنهم من تصيبه الأهوال والشدائد في يوم القيامة، ويكون ذلك تكفيراً لذنوبه، ومنهم من يستحق دخول النار ثم يشفع فيه قبل أن يدخلها، ومنهم من يدخل النار، ولا بد أن يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فقد تواترت الأخبار بهذا. ونبينا ﷺ يشفع أربع شفاعات، في كل مرة يحد الله له حداً بالعلامة، فقد ورد في بعضها أن النبي ﷺ يشفع فيشفعه الله فيمن كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، وفي بعضها مثقال نصف دينار، وفي بعضها: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي بعضها: أخرج من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من إيمان، فهذه أربع شفاعات للنبي ﷺ للمذنبين الذين استحقوا دخول النار. وجاء في بعضها أن في المرة الأولى يقال له: أخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي المرة الثانية: أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وفي المرة الثالثة: أخرج من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان. ويشفع كذلك بقية الأنبياء، والملائكة والشهداء والصالحون والأفراط، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فيخرج قوماً من النار لم يعملوا إحساناً قط، يعني: لم يعملوا ما هو زيادة عن التوحيد والإيمان، كل هذا تواترت به الأحاديث. ومع كون الأحاديث متواترة في هذا فقد أنكرها الجهمية والمعتزلة والخوارج، وقالوا: إن العاصي مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها أبد الآباد، فالخوارج قالوا: من زنى كفر ويخلد في النار، من سرق كفر ويخلد في النار، من أكل مال اليتيم كفر، من عق والديه كفر، وهكذا، فحكموا على العصاة بالكفر والخلود في النار، والمعتزلة حكموا عليهم بأنهم خرجوا من الإيمان ولكنه لم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فقالوا: إنه يخلد في النار. فأنكر عليهم أهل السنة، وبدعوهم وضللوهم. الآن قد يوجد بعض الناس ممن يتأثر بمذهب الخوارج، فبعض الناس وخاصة الشباب تجدهم يكفرون بعض الناس بالمعاصي، فكل من حكم بغير ما أنزل الله كفروه، وكل من فعل معصية كفروه، فهذا الفكر جاء إليهم من الخوارج، فإن العاصي لا يكفر، بل نقول: العاصي ضعيف الإيمان، أو ناقص الإيمان، يقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يعني: وهو مؤمن كامل الإيمان، فنفى عنه كمال الإيمان ولم ينف عنه الإيمان، بدليل أن الله أثبت الأخوة بين القاتل والمقتول، مع أن القاتل مرتكب لكبيرة من الكبائر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. فالإيمان بشفاعة الرسول ﷺ للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة حق، وكذلك شفاعة غيره، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. قال ﵊: (إن كل نبي تعجل دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، أما الكافر الذي مات على الكفر، فلا حيلة فيه ولا شفاعة له، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فهذا في أهل الكفر. والخوارج والمعتزلة أخذوا النصوص التي في الكفرة وجعلوها في العصاة الموحدين، ولهذا قال المؤلف ﵀: (الإيمان بشفاعة الرسول ﷺ للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم)، يعني: من داخل جنهم. وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون يشفعون، والصديق: على وزن فِعِّيل، وهو من قوي تصديقه وإيمانه بالله، فأحرق بقوة تصديقه الشبهات والشهوات، ومقدمهم فينا الصديق الأكبر أبو بكر، ودرجتهم أعلى من الشهداء، ولما اهتز أحد وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر قال النبي ﷺ : (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد)، فدرجة الصديقين فوق درجة الشهداء. ثم بعدها درجة الشهداء، والشهيد: هو الذي بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فإنه بذل أغلى ما يملك وهي نفسه التي بين جنبيه، فقاتل أعداء الله، لإعلاء كلمة الله. ثم بعد ذلك درجة الصالحين من المؤمنين على تفاوتهم فيما بينهم، فمنهم السابقون، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، فالسابقون في أعلى الدرجات، وهم الذين داوموا على الفرائض والنوافل، وتركوا المحرمات والمكروهات، والمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الفرائض وترك المحرمات، ولم يفعلوا النوافل وقد يفعلون بعض المكروهات، والظالمون لأنفسهم موحدون مؤمنون، لكنهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء عندهم أصل الصلاح وأصل التقوى، فينفعهم هذا الصلاح والتقوى في عدم الخلود في النار، ولكنهم قد يدخلون النار ويعذبون، لكن في النهاية مآلهم إلى الجنة والسلامة. وقول المؤلف: (ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء) يعني: الله تعالى يتفضل بعد ذلك على من يشاء، فيخرج برحمته بقية أهل التوحيد الذين لم يشفع فيهم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً). وهذا قد جاءت فيه الأحاديث التي أثبتت أن المؤمنين العصاة الذين دخلوا النار يحترقون فيها ويصيرون فحماً، وأنهم يخرجون من النار ضبائر ضبائر -أي: جماعات جماعات- بعدما صاروا فحماً، وأنهم يموتون فيها إماتة، كل هذا ثبت في صحيح مسلم وغيره، وأنهم بعد أن يخرجوا من النار يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، يعني: البذرة، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة.

стр. 34

الإيمان بالصراط وما جاء فيه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم]. يجب على المؤمن أن يؤمن بالصراط، وهو جسر منصوب على متن جهنم، وهذا الجسر حسي لا معنوي، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، فمن تجاوز الصراط وصل إلى الجنة، ومن سقط سقط في النار، والعياذ بالله. فقد جاء في الأحاديث: أن الناس يمرون على حسب أعمالهم، وأن الزمرة الأولى يمرون كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير، ثم كأجاود الخيل عدواً، ثم كالرجل الذي يعدو عدواً، أي يركض ركضاً، ثم كالرجل الذي يمشي مشياً، ثم كالرجل الذي يزحف زحفاً، على حسب الأعمال، وعلى الصراط كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، فناج مكلم، ومكردس على وجهه في النار، ونبينا ﷺ قائم على الصراط يقول: (اللهم سلم سلم). فيجب الإيمان بالصراط، وأنه صراط حسي حقيقي، ومن استقام على الصراط المستقيم في هذه الدنيا -وهو توحيد الله، وإخلاص الدين لله، وأداء الواجبات وترك المحرمات- مر على الصراط الحسي كالبرق، ومن تنكب الصراط وانحرف عنه في الدنيا لم يستطع المرور على الصراط الحسي في الآخرة، بل يسقط في جهنم، فالصراط صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فالصراط في الدنيا هو دين الإسلام. والصراط الذي جاء على متن جهنم جاء وصفه في الأحاديث أنه أحر من الجمر، وأحد من السيف، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، ولهذا قال المؤلف ﵀: (والإيمان بالصراط على جهنم) يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم.

стр. 35

الإيمان بالأنبياء والملائكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالأنبياء والملائكة]. أي: يجب الإيمان بالأنبياء والملائكة، فالإيمان بالأنبياء والرسل أصل من أصول الدين، وأصل من أصول الإيمان، والإيمان بالملائكة كذلك، فلا يصح الإيمان إلا به، فمن أنكر الملائكة أو أنكر واحداً من الملائكة كفر، ومن أنكر الأنبياء أو أنكر واحداً من الأنبياء كفر. قال الله تعالى في آية البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، هذه خمسة أصول، والأصل السادس جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وفي حديث جبرائيل المشهور حين كان يسأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).

стр. 36

الإيمان بالجنة والنار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الجنة والنار حق، وأنهما مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت الأرض السابعة السفلى، وهما مخلوقتان، قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبداً، بقاؤهما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، ودهر الداهرين]. أي: يجب على المسلم الإيمان بالجنة والنار، فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة:٢٥]﴾ [لقمان:٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر:٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر. قوله: (وأنهما مخلوقتان)، أي: مخلوقتان الآن، هذا هو قول أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان، وأنكر المعتزلة خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار. وسبب هذا القول أن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثاً؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهاً لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار. نرد عليهم ونقول: أولاً: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة. ثانياً: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق. ثالثاً: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون. ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها. إذاً هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة. قوله ﵀: (الجنة في السماء السابعة وسقفها العرش) هذا جاء في الحديث، قال النبي ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفها عرش الرحمن)، والنار تحت الأرض السابعة السفلى، ويوم القيامة تبرز وتظهر، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦]، أي في السماء السابعة التي تظهر للناس، وفي الحديث: (يُجاء يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، وتسجر البحار وتكون جزءاً من جهنم، نسأل الله السلامة والعافية. فالجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت الأرض السابعة السفلى. وهما مخلوقتان دائمتان لا تفنيان ولا تبيدان، قد علم الله عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، فالله تعالى قدر المقادير، وخلق للجنة أهلاً، وبعمل أهل الجنة يعملون، وللنار أهلاً، وبعمل أهل النار يعملون، فقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ كل ما يكون في هذا الكون من أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، والإنسان إذا خلقه الله ومضى عليه أربعة أشهر يأتي إليه الملك بأمر الله، فينفخ فيه الروح، ويقول: يا رب! ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الشقاوة؟ ما السعادة؟ ويكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد، ويكتب رزقه وأجله، وبماذا يموت ومتى يموت، هل يموت طفلاً أو شاباً أو شيخاً أو كهلاً، صغيراً أو كبيراً، وما رزقه، هل يرزقه الله الحلال أم الحرام، فالله تعالى يرزق الحلال والحرام، فيقدر لهذا أن يكون رزقه من الحرام، بأن يأكل من الربا، أو من السرقة، أو من الغصب والنهب، فيكون رزقه حراماً، ومنهم من يكون رزقه حلالاً فالرزق والأجل والعمل كل هذا مكتوب. فقد علم الله عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، وهما لا تفنيان أبداً، خلافاً للجهمية حيث يقولون: إن الجنة والنار تفنيان يوم القيامة، وهذا من جهلهم وضلالهم، وهو من أبطل الباطل. أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة في القرن الثالث الهجري يقول: يأتي على الجنة والنار وقت تفنى فيه حركات أهلها ويصبحون مثل الحجارة. وابن القيم ﵀ رد عليه فقال: إذا كانت حركات أهل النار ستفنى فما حال من رفع اللقمة إلى فيه ثم انتهت حركته، هل يبقى على هذه الصورة وقد رفع اللقمة إلى فيه؟ وما حال من يجامع زوجته؟ وما حال كذا، يبين بشاعة هذا المذهب. فالمقصود أن قول هؤلاء الجهمية من أبطل الباطل، وهم كفار، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق: أن الجنة والنار دائمتان أبداً، لا تفنيان ولا تبيدان، وهما باقيتان -كما قال المؤلف- مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين ودهر الداهرين، يعني: إلى ما لا نهاية.

стр. 37

اختلاف العلماء في الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها بعدما عصى الله ]. هذا الذي ذهب إليه المؤلف ﵀، بأن آدم كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها، وهذا قول قال به بعض أهل العلم، وقيل إنه لم يكن في الجنة الباقية المخلوقة، وإنما في جنة أخرى غير هذه الجنة، والله أعلم. والله تعالى أخبر أنه أدخل الجنة، وأنه أهبط منها، حتى قال بعضهم: إن الجنة التي أخرج منها هي بستان من البساتين، لكن ظاهر الأدلة أنها جنة في السماء، لكن هل هي الجنة الباقية أو غيرها؟ فالله أعلم.

стр. 38

الإيمان بالمسيح الدجال وفتنه العظيمة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالمسيح الدجال]. أي: يجب الإيمان بـ المسيح الدجال، وهو رجل من بني آدم، وجاء في حديث الجساسة، وهو حديث تميم الداري الذي رواه الإمام مسلم: أنهم ركبوا في سفينة، فلعب بهم الموج شهراً، وأنهم أرسوا إلى جزيرة في البحر، فجاءت جساسة وهي الدابة العظيمة التي لا يعرف قبلها من دبرها فقالت: ائتوا إلى هذا الرجل الذي في الدير، فهو إلى أخباركم بالأشواق، فأتوا إليه، فرأوا رجلاً عظيم الخلقة، قد جمعت يداه وغلتا في عنقه، فدخلوا عليه، فجعل يسألهم عن أشياء، حتى سألهم عن النبي ﷺ ، وسألهم عن بحيرة طبرية وعن النخل، وغير ذلك، ثم قالوا له: من أنت؟ قال: قدرتم على خبري، فلما انتهى أخبرهم بأنه المسيح الدجال، وهو حديث صحيح، ثابت في صحيح مسلم؟ والمسيح يخرج في آخر الزمان، وهو أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وسمي المسيح؛ لأن عينه ممسوحة. والمسيح هذا لقب للدجال ولقب لعيسى بن مريم، لكن عيسى مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلال، ومسيح الهدى يقتل مسيح الضلال في آخر الزمان. والمسيح الدجال أعور العين اليمنى -كما قلنا- كأن عينه عنبة طافية، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل واحد، وهو سيخرج في آخر الزمان، وإذا خرج فإنه يدعي أولاً الصلاح، ثم ينتقل فيدعي النبوة، ثم ينتقل فيدعي الربوبية، ويقول للناس: أنا ربكم. وجاء في صحيح مسلم أنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول طوله سنة، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثمائه وخمسة وستين يوماً، ثم اليوم الثاني طوله شهر، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثين يوماً، ثم اليوم الثالث طوله أسبوع، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد سبعة أيام، ثم بقية الأيام السبعة والثلاثين طولها كسائر الأيام، أي: مثل أيامنا هذه. ولا يترك بلداً إلا دخلها إلا مكة والمدينة، فإن عليهما الملائكة تحرسهما، لكنه يأتي إلى السبخة التي قرب المدينة وينعق فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر وكافرة، وكل منافق ومنافقة، وكل خبيث وخبيثة، ولا يبقى في المدينة إلا الصالحون، وحينئذ تنفي المدينة خبثها. والمسيح الدجال له ميزة عظيمة، وفتنته فتنة كبيرة، فإن معه صورة الجنة ومعه صورة النار، ابتلاء وامتحاناً، ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويقطع رجلاً بالسيف ويمشي بين قطعتيه، ثم يقول له قم، فيستوي قائماً. وخروج المسيح الدجال هو العلامة الثانية من علامات الساعة الكبرى، والعلامة الأولى هي خروج المهدي، وهو رجل باسم النبي ﷺ ، وكنيته ككنيته، محمد بن عبد الله المهدي، يبايع له بين الركن والمقام في وقت ليس للناس فيه إمام، والفتنة تحصر الناس إلى جهة الشام، وفي زمانه يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى بن مريم بعد ذلك فيقتل المسيح الدجال، ثم يخرج يأجوج ومأجوج فهذه العلامات متوالية. ولا بد من الإيمان بـ المسيح الدجال وفتنته العظيمة، حتى قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة، أمر أعظم أو أشد من الدجال)، أو كما قال ﵊، ولهذا أمرنا في كل صلاة أن نستعيذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، والأحاديث ثابتة في هذا، فلا بد من الإيمان بالمسيح الدجال.

стр. 39

الإيمان بنزول عيسى ﵇ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت ويدفنه المسلمون]. أي: من معتقدات أهل السنة والجماعة: الإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، وهو العلامة الثالثة من علامات الساعة الكبرى، فالأولى خروج الإمام المهدي، ثم خروج الدجال، ثم عيسى بن مريم. ينزل عيسى بن مريم ﵇ من السماء، وهو حي الآن وموجود، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ثم يموت. وقوله: (خلف القائم) يعني: خلف المهدي الذي هو إمام المسلمين. وجاء في الحديث أنه ينزل في وقت الصلاة، تقام الصلاة فيقدمه إمام المسلمين فيقول: لا، تقدم أنت، إمامكم منكم، تكرمة الله لهذه الأمة، وهذا حق، فلا بد من الإيمان بنزل عيسى بن مريم ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، وفي الحديث يقول النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري: (لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً - وفي رواية - مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)، فإذا نزل عيسى ﵇ فإنه يقوم بكسر الصليب الذي يعبده النصارى؛ ليبين لهم بطلان ما هم عليه من الدين. والنصارى لماذا يعبدون الصليب؟ يقولون: إن عيسى قتل وصلب، فاتخذوا الصليب شعاراً لهم وعبدوه. وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأنه إذا كان نبيهم قتل وصلب، فكيف يعبدون الصليب، ولماذا يعبدونه؟ فإن فعلهم هذا يوحي بأنهم فرحوا بقتله وصلبه، فإنهم إذا كانوا صادقين في محبة نبيهم وتعظيمه فكان يجب عليهم أن يكرهوا الصليب ويبغضوه ويكسروه، فكيف يعبدون الصليب إذا كانوا صادقين. وعيسى ﵇ لم يقتل ولم يصلب في الحقيقة، ولكن الله رفعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوْهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، فإذا نزل ﵇ كسر الصليب، لبيان بطلان ما عليه النصارى من الدين المحرف، وقتل الخنزير أيضاً، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف، يعني النصارى واليهود الآن يخيرون بين الإسلام أو السيف أو الجزية، فهذه الأحكام الثلاثة مستمرة حتى ينزل عيسى، فإذا نزل انتهت الجزية، ولا يبقى إلا الإسلام أو السيف، فقد أخبر النبي ﷺ أنه إذا نزل عيسى انتهى هذا الحكم، وهو قبول الجزية، فالجزية مقبولة من اليهود والنصارى إلى نزول عيسى، فإذا نزل انتهى قبول الجزية، ويبقى حكمان: الإسلام أو السيف. ففي الحديث: (والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)، وفي اللفظ الآخر: (حتى تكون السجدة أحب إليكم من الدنيا وما فيها)، يعني: أن الناس يزهدون في الدنيا لقرب الساعة، وظهور علاماتها الكبرى.

стр. 40

شرح كتاب السنة للبربهاري [٥] أهل السنة والجماعة يؤمنون أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويعتقدون فضل جميع الصحابة ويحترمونهم، ويؤمنون بأنهم متفاوتون في الفضيلة والمرتبة بحسب السبق إلى الإسلام والهجرة وغير ذلك.
следующие страницы →