← Акыда

Акыда · id 35083

شرح كتاب السنة للبربهاري - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (283 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإيمان بالجنة والنار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الجنة والنار حق، وأنهما مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت الأرض السابعة السفلى، وهما مخلوقتان، قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبداً، بقاؤهما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، ودهر الداهرين]. أي: يجب على المسلم الإيمان بالجنة والنار، فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة:٢٥]﴾ [لقمان:٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر:٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر. قوله: (وأنهما مخلوقتان)، أي: مخلوقتان الآن، هذا هو قول أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان، وأنكر المعتزلة خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار. وسبب هذا القول أن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثاً؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهاً لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار. نرد عليهم ونقول: أولاً: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة. ثانياً: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق. ثالثاً: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون. ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها. إذاً هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة. قوله ﵀: (الجنة في السماء السابعة وسقفها العرش) هذا جاء في الحديث، قال النبي ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفها عرش الرحمن)، والنار تحت الأرض السابعة السفلى، ويوم القيامة تبرز وتظهر، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦]، أي في السماء السابعة التي تظهر للناس، وفي الحديث: (يُجاء يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، وتسجر البحار وتكون جزءاً من جهنم، نسأل الله السلامة والعافية. فالجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت الأرض السابعة السفلى. وهما مخلوقتان دائمتان لا تفنيان ولا تبيدان، قد علم الله عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، فالله تعالى قدر المقادير، وخلق للجنة أهلاً، وبعمل أهل الجنة يعملون، وللنار أهلاً، وبعمل أهل النار يعملون، فقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ كل ما يكون في هذا الكون من أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، والإنسان إذا خلقه الله ومضى عليه أربعة أشهر يأتي إليه الملك بأمر الله، فينفخ فيه الروح، ويقول: يا رب! ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الشقاوة؟ ما السعادة؟ ويكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد، ويكتب رزقه وأجله، وبماذا يموت ومتى يموت، هل يموت طفلاً أو شاباً أو شيخاً أو كهلاً، صغيراً أو كبيراً، وما رزقه، هل يرزقه الله الحلال أم الحرام، فالله تعالى يرزق الحلال والحرام، فيقدر لهذا أن يكون رزقه من الحرام، بأن يأكل من الربا، أو من السرقة، أو من الغصب والنهب، فيكون رزقه حراماً، ومنهم من يكون رزقه حلالاً فالرزق والأجل والعمل كل هذا مكتوب. فقد علم الله عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، وهما لا تفنيان أبداً، خلافاً للجهمية حيث يقولون: إن الجنة والنار تفنيان يوم القيامة، وهذا من جهلهم وضلالهم، وهو من أبطل الباطل. أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة في القرن الثالث الهجري يقول: يأتي على الجنة والنار وقت تفنى فيه حركات أهلها ويصبحون مثل الحجارة. وابن القيم ﵀ رد عليه فقال: إذا كانت حركات أهل النار ستفنى فما حال من رفع اللقمة إلى فيه ثم انتهت حركته، هل يبقى على هذه الصورة وقد رفع اللقمة إلى فيه؟ وما حال من يجامع زوجته؟ وما حال كذا، يبين بشاعة هذا المذهب. فالمقصود أن قول هؤلاء الجهمية من أبطل الباطل، وهم كفار، والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق: أن الجنة والنار دائمتان أبداً، لا تفنيان ولا تبيدان، وهما باقيتان -كما قال المؤلف- مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين ودهر الداهرين، يعني: إلى ما لا نهاية.

стр. 37

اختلاف العلماء في الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها بعدما عصى الله ]. هذا الذي ذهب إليه المؤلف ﵀، بأن آدم كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها، وهذا قول قال به بعض أهل العلم، وقيل إنه لم يكن في الجنة الباقية المخلوقة، وإنما في جنة أخرى غير هذه الجنة، والله أعلم. والله تعالى أخبر أنه أدخل الجنة، وأنه أهبط منها، حتى قال بعضهم: إن الجنة التي أخرج منها هي بستان من البساتين، لكن ظاهر الأدلة أنها جنة في السماء، لكن هل هي الجنة الباقية أو غيرها؟ فالله أعلم.

стр. 38

الإيمان بالمسيح الدجال وفتنه العظيمة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالمسيح الدجال]. أي: يجب الإيمان بـ المسيح الدجال، وهو رجل من بني آدم، وجاء في حديث الجساسة، وهو حديث تميم الداري الذي رواه الإمام مسلم: أنهم ركبوا في سفينة، فلعب بهم الموج شهراً، وأنهم أرسوا إلى جزيرة في البحر، فجاءت جساسة وهي الدابة العظيمة التي لا يعرف قبلها من دبرها فقالت: ائتوا إلى هذا الرجل الذي في الدير، فهو إلى أخباركم بالأشواق، فأتوا إليه، فرأوا رجلاً عظيم الخلقة، قد جمعت يداه وغلتا في عنقه، فدخلوا عليه، فجعل يسألهم عن أشياء، حتى سألهم عن النبي ﷺ ، وسألهم عن بحيرة طبرية وعن النخل، وغير ذلك، ثم قالوا له: من أنت؟ قال: قدرتم على خبري، فلما انتهى أخبرهم بأنه المسيح الدجال، وهو حديث صحيح، ثابت في صحيح مسلم؟ والمسيح يخرج في آخر الزمان، وهو أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وسمي المسيح؛ لأن عينه ممسوحة. والمسيح هذا لقب للدجال ولقب لعيسى بن مريم، لكن عيسى مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلال، ومسيح الهدى يقتل مسيح الضلال في آخر الزمان. والمسيح الدجال أعور العين اليمنى -كما قلنا- كأن عينه عنبة طافية، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل واحد، وهو سيخرج في آخر الزمان، وإذا خرج فإنه يدعي أولاً الصلاح، ثم ينتقل فيدعي النبوة، ثم ينتقل فيدعي الربوبية، ويقول للناس: أنا ربكم. وجاء في صحيح مسلم أنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول طوله سنة، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثمائه وخمسة وستين يوماً، ثم اليوم الثاني طوله شهر، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد ثلاثين يوماً، ثم اليوم الثالث طوله أسبوع، تطلع الشمس ولا تغرب إلا بعد سبعة أيام، ثم بقية الأيام السبعة والثلاثين طولها كسائر الأيام، أي: مثل أيامنا هذه. ولا يترك بلداً إلا دخلها إلا مكة والمدينة، فإن عليهما الملائكة تحرسهما، لكنه يأتي إلى السبخة التي قرب المدينة وينعق فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر وكافرة، وكل منافق ومنافقة، وكل خبيث وخبيثة، ولا يبقى في المدينة إلا الصالحون، وحينئذ تنفي المدينة خبثها. والمسيح الدجال له ميزة عظيمة، وفتنته فتنة كبيرة، فإن معه صورة الجنة ومعه صورة النار، ابتلاء وامتحاناً، ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويقطع رجلاً بالسيف ويمشي بين قطعتيه، ثم يقول له قم، فيستوي قائماً. وخروج المسيح الدجال هو العلامة الثانية من علامات الساعة الكبرى، والعلامة الأولى هي خروج المهدي، وهو رجل باسم النبي ﷺ ، وكنيته ككنيته، محمد بن عبد الله المهدي، يبايع له بين الركن والمقام في وقت ليس للناس فيه إمام، والفتنة تحصر الناس إلى جهة الشام، وفي زمانه يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى بن مريم بعد ذلك فيقتل المسيح الدجال، ثم يخرج يأجوج ومأجوج فهذه العلامات متوالية. ولا بد من الإيمان بـ المسيح الدجال وفتنته العظيمة، حتى قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة، أمر أعظم أو أشد من الدجال)، أو كما قال ﵊، ولهذا أمرنا في كل صلاة أن نستعيذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، والأحاديث ثابتة في هذا، فلا بد من الإيمان بالمسيح الدجال.

стр. 39

الإيمان بنزول عيسى ﵇ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت ويدفنه المسلمون]. أي: من معتقدات أهل السنة والجماعة: الإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، وهو العلامة الثالثة من علامات الساعة الكبرى، فالأولى خروج الإمام المهدي، ثم خروج الدجال، ثم عيسى بن مريم. ينزل عيسى بن مريم ﵇ من السماء، وهو حي الآن وموجود، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ثم يموت. وقوله: (خلف القائم) يعني: خلف المهدي الذي هو إمام المسلمين. وجاء في الحديث أنه ينزل في وقت الصلاة، تقام الصلاة فيقدمه إمام المسلمين فيقول: لا، تقدم أنت، إمامكم منكم، تكرمة الله لهذه الأمة، وهذا حق، فلا بد من الإيمان بنزل عيسى بن مريم ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، وفي الحديث يقول النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري: (لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً - وفي رواية - مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)، فإذا نزل عيسى ﵇ فإنه يقوم بكسر الصليب الذي يعبده النصارى؛ ليبين لهم بطلان ما هم عليه من الدين. والنصارى لماذا يعبدون الصليب؟ يقولون: إن عيسى قتل وصلب، فاتخذوا الصليب شعاراً لهم وعبدوه. وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأنه إذا كان نبيهم قتل وصلب، فكيف يعبدون الصليب، ولماذا يعبدونه؟ فإن فعلهم هذا يوحي بأنهم فرحوا بقتله وصلبه، فإنهم إذا كانوا صادقين في محبة نبيهم وتعظيمه فكان يجب عليهم أن يكرهوا الصليب ويبغضوه ويكسروه، فكيف يعبدون الصليب إذا كانوا صادقين. وعيسى ﵇ لم يقتل ولم يصلب في الحقيقة، ولكن الله رفعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوْهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، فإذا نزل ﵇ كسر الصليب، لبيان بطلان ما عليه النصارى من الدين المحرف، وقتل الخنزير أيضاً، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف، يعني النصارى واليهود الآن يخيرون بين الإسلام أو السيف أو الجزية، فهذه الأحكام الثلاثة مستمرة حتى ينزل عيسى، فإذا نزل انتهت الجزية، ولا يبقى إلا الإسلام أو السيف، فقد أخبر النبي ﷺ أنه إذا نزل عيسى انتهى هذا الحكم، وهو قبول الجزية، فالجزية مقبولة من اليهود والنصارى إلى نزول عيسى، فإذا نزل انتهى قبول الجزية، ويبقى حكمان: الإسلام أو السيف. ففي الحديث: (والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)، وفي اللفظ الآخر: (حتى تكون السجدة أحب إليكم من الدنيا وما فيها)، يعني: أن الناس يزهدون في الدنيا لقرب الساعة، وظهور علاماتها الكبرى.

стр. 40

شرح كتاب السنة للبربهاري [٥] أهل السنة والجماعة يؤمنون أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويعتقدون فضل جميع الصحابة ويحترمونهم، ويؤمنون بأنهم متفاوتون في الفضيلة والمرتبة بحسب السبق إلى الإسلام والهجرة وغير ذلك.

стр. 41

تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء]. هذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان، فهم يقولون: الإيمان قول وعمل، والقول المراد به: قول القلب وهو التصديق والإقرار، وقول اللسان وهو النطق. والعمل المراد به: عمل القلب وهو النية والإخلاص والصدق والمحبة والخشية، وعمل الجوارح، فيكون الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح. والسلف لهم عبارات في تعريف الإيمان، منها أنهم يقولون: الإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. ولهم من العبارات: الإيمان قول وعمل، قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح، ومنها قولهم: الإيمان قول وعمل ونية. وقوله: (يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه شيء) الصواب أنه لا بد أن يبقى منه شيء؛ لأنه إذا لم يبق منه شيء فقد وصل إلى الكفر، فهذه العبارة ليست سليمة، وهي قوله: (لا يبقى منه شيء) بل لا بد أن يبقى منه شيء، إلا إذا أراد ذلك بالنسبة للكافر فإن ذلك صحيح، فإنه ينتهي حتى لا يبقى منه شيء بالنسبة للكافر، أما المؤمن فلا بد أن يبقى منه شيء، فإذا كثرت المعاصي والجرائم ضعف الإيمان، حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، أو أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، لكن صاحبه لا يخلد في النار. ولا ينتهي إلا إذا وصل إلى الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، أما المعاصي ولو عظمت فإنها لا تقضي على الإيمان، وهذه البقية من الإيمان هي السبب في خروج العصاة من النار، وفي حديث الشفاعة قال ﷺ : (يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).

стр. 42

عقيدة أهل السنة في الصحابة

стр. 43

مراتب الصحابة في الفضل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضل هذه الأمة والأمم كلها بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أبو بكر وعمر وعثمان، هكذا روي لنا عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله ﷺ بين أظهرنا: إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع النبي ﷺ بذلك فلا ينكره). ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وكلهم يصلح للخلافة. ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، القرن الأول الذي بعث فيهم، المهاجرون الأولون والأنصار، وهم من صلى القبلتين. ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله ﷺ يوماً أو شهراًَ أو سنة، أو أقل من ذلك أو أكثر، نترحم عليهم، ونذكر فضلهم، ونكف عن زللهم، ولا نذكر أحداً منهم إلا بخير، لقول رسول الله ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا). وقال سفيان بن عيينة: من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى]. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ولكن يقال: إن خير هذه الأمة بعد نبيها عيسى ﵇؛ لأنه إذا نزل يكون فرداً من أفراد هذه الأمة المحمدية؛ لأن كل نبي بعثه الله أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وأنت حي لتتبعنه، وقد بعث النبي ﷺ وعيسى حي، لذلك فإنه ينزل في آخر الزمان فيكون فرداً من أفراد هذه الأمة المحمدية، فهو خير هذه الأمة بعد نبيها؛ لأنه نبي وصحابي أيضاً؛ فقد رأى النبي ﷺ ليلة المعراج حياً، وبقية الأنبياء رأوه وقد ماتوا بأرواحهم، أما عيسى فرفع بجسده وروحه؛ لأن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام. فيصدق القول: بأن عيسى خير هذه الأمة، ثم بعد عيسى أبو بكر الصديق، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة: أن خير هذه الأمة أبو بكر بعد الأنبياء، ثم يليه عمر بن الخطاب، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي. والمؤلف ﵀ لم يذكر إلا ثلاثة، وكان ينبغي له أن يذكر الأربعة، فخير هذه الأمة -بعد الأنبياء- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، هكذا. وفي حديث ابن عمر: كنا نقول ورسول الله ﷺ بين أظهرنا: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان -أظن لفظ الأثر فيه (ثم) - فيسمع بذلك النبي ﷺ فلا ينكره. قال المؤلف: (ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي) والصواب أن علياً مع الخلفاء الثلاثة، فهم الخلفاء الراشدون، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، يعني: هم مرتبون في الخلافة وفي الفضيلة، أما ترتيبهم في الخلافة فهذا بالإجماع، وأما ترتيبهم في الفضيلة فاختلف فيه، لأن هناك رواية عن أبي حنيفة أن علياً أفضل من عثمان، وأما الخلافة فالخلافة لـ عثمان ثم علي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هذه المسألة مسألة سهلة، أي: مسألة الخلاف في الفضيلة هل عثمان أفضل أو علي؟ مسألة سهلة، فلا يبدع المخالف ولا يضلل، إنما الذي يبدع ويضلل من خالف في مسألة الخلافة، أي: من قال إن علياً أحق بالخلافة من عثمان، فهذا ضال، بل هو أضل من حمار أهله؛ لأنه تنقص المهاجرين والأنصار؛ لأنهم أجمعوا على تقديم عثمان ومبايعته بالخلافة. والإمام أبي حنيفة قد روي عنه أنه رجع عن هذه الرواية فكان مع الجمهور في أن عثمان أفضل من علي، فيكون إجماعاً للأمة، على أن ترتيبهم في الخلافة وفي الفضيلة، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة: طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، هؤلاء الستة بقية العشرة المبشرين بالجنة، وكلهم يصلح للخلافة، أي: كل واحد من العشرة يصلح أن يكون خليفة. ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب القرن الأول الذين بعث فيهم، وهم المهاجرون الأولون والأنصار، والصواب أن في هذا ترتيباً وأن أفضلهم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، فالترتيب يكون أولاً: الخلفاء الراشدون الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، والسابقون الأولون أفضل من غيرهم.

стр. 44

بيان المراد بالسابقين الأولين والسابقون الأولون هم من صلى القبلتين؛ لأن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة توجه إلى بيت المقدس، فصلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم توجه إلى الكعبة، وهذا على أحد القولين. والقول الثاني: أن السابقين الأولين هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، وهذا هو الصواب، فمن أسلم قبل صلح الحديبية وهاجر وأنفق فهو من السابقين الأولين، ومن أسلم بعد صلح الحديبية فليس من السابقين الأولين. أما القول بأن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين فهذا ضعيف لأمرين: الأمر الأول: أنه لم يأت دليل يدل على أن السابقين الأولين هم الذين صلوا إلى القبليتين. وثانياً: أنه ليس هناك فضل خاص لمن صلى إلى القبلة المنسوخة، فقد فضل الله من أنفق من قبل الفتح وقاتل فقال سبحانه في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، أي: الجنة، فكلهم موعودون بالجنة وإن كانوا متفاوتين. والمراد بالفتح صلح الحديبية لقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، قيل: (ياسول الله! صلح الحديبية أوفتح هو؟ قال: إي والله!) ثم بعد ذلك تأتي المرتبة الثانية للصحابة الذين أسلموا بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة. ثم تأتي المرتبة الثالثة: وهم الصحابة الذين أسلموا بعد فتح مكة، ويسمون الطلقاء. وممن أسلم بعد صلح الحديبية خالد بن الوليد فهو من المرتبة الثانية، وممن أسلم بعد فتح مكة معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد وأبوه أبو سفيان ويقال لهم الطلقاء؛ لقول النبي ﷺ (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وهناك فرق عظيم ومزية بين السابقين الأولين الذين أسلموا قبل صلح الحديبية والذين أسلموا بعدها، حتى إنه لما حصل سوء تفاهم بين عبد الرحمن بن عوف وهو من السابقين الأولين وخالد بن الوليد وقد أسلم بعد صلح الحديبية، فقال ﷺ يخاطب خالد بن الوليد: (لا تسبوا أصحابي)، كلهم صحابة لكن المراد الذين لهم الصحبة الأولى، والذين تقدموا في الصحبة، (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، أي: فلو أنفق عبد الرحمن مداً، ملء الكف أو نصف مد، وأنفق خالد مثل أحد ذهباً لسبقه عبد الرحمن فهذا تفاوت عظيم بين الصحابة، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة، فكيف التفاوت بين الصحابة ومن بعدهم؟ فالصحابة هم خير الناس وأفضل الناس بعد الأنبياء، وهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه والجهاد معه، ونقل الشريعة وحملها وتبليغها للناس، فمن سبهم أو كفرهم فلا يكون مؤمناً بل هو منافق زنديق نسأل الله السلامة والعافية. إذاً قول المؤلف ﵀: (وهم من صلى إلى القبلتين) هذا ضعيف. ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله ﷺ يوماً أو شهراً أو سنة أو أقل من ذلك أو أكثر يعني: الصحابي أفضل ممن جاء بعده، ولا يمكن لأحد أن يلحق الصحابة إلى يوم القيامة. قال المؤلف ﵀: (ترحموا عليهم) يعني: عليك أن تترحم على الصحابة فتقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، وتذكر فضلهم، وتكف عن زلتهم، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: الكف عما شجر بين الصحابة والخلاف الذي وقع بين الصحابة، ونعتقد أنهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وأن لهم من الفضائل والحسنات والسبق إلى الإسلام والجهاد مع النبي ﷺ ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات. إذاً: يجب الكف عن زلاتهم، والذي ينشر معايب الصحابة فهو مريض القلب. (ولا نذكر أحداً منهم إلا بخير؛ لقول رسول الله ﷺ : (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا)، وقال سفيان بن عيينة: من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى) يعني: صاحب بدعة. (وقال النبي ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) هذا الحديث ضعيف باطل سنداً ومتناً، والمؤلف يقول: إنه موضوع، والصواب أنه ضعيف قد لا يصل لدرجة الوضع، ويستدل به أهل أصول الفقه، وهو باطل سنداً ومتناً، أما سنداً فإنه لا يوجد في أي من دواوين السنة الصحيحة، وأما معنى فهو باطل: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فإذا اختلف الصحابة، وقال أحدهما: هذا يجوز، وقال الثاني: لا يجوز، فمن يكون المهتدي؟ مثل نكاح المتعة يقول ابن عباس مثلاً: حلال، وقال عمر: حرام، فيقع الإنسان في حيرة بأي نجم يهتدي. فتبين بهذا أن الحديث ضعيف باطل سنداً ومتناً. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 45

الأسئلة

стр. 46

الدليل على وجود الجنة في السماء السابعة وأن سقفها عرش الرحمن السؤال ما هو الدليل على أن مكان الجنة والنار ما ذكر المؤلف؟ الجواب الدليل حديث: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وسقفه عرش الرحمن) هذا حديث صحيح ثابت، والنار كذلك في أسفل سافلين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]، أي: أسفل سافلين.

стр. 47

بيان الفرق بين عذاب القبر وفتنة القبر السؤال هل هناك فرق بين عذاب القبر وفتنة القبر؟ الجواب نعم، فالعذاب أن يعذب الإنسان ويضرب، ويفتح له باب من النار، والفتنة: الاختبار والامتحان، فيأتي نكير ومنكر يبتليانه ويختبرانه بالسؤال: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ ثم تأتي العقوبة بعد ذلك، فيفتن بالسؤال ثم يعذب، فالعذاب شيء والفتنة شيء. والعذاب نتيجة الفتنة فبعد أن يفتتن يعذب، والفتنة هي الاختبار، فقد يكون مؤمناً وقد يكون كافراً، فالمؤمن يفتن فينجو ويسلمه الله ويجيب، والكافر يفتتن فيهلك، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.

стр. 48

عموم فتنة القبر للبشر السؤال هل هذه الفتنة خاصة بأمة محمد ﷺ ؟ الجواب لا، هي عامة في كل أحد، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].

стр. 49

بيان أن الإيمان قول وعمل واعتقاد السؤال ما حكم من قال إن الإيمان هو التصديق، وعلى ماذا يحمل قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإيمان والتصديق كما قال في الدرر السنية؟ الجواب الإيمان تصديق وعمل فلا بد من هذين الأمرين؛ لأن أصل التصديق في القلب تصديق وإقرار وعمل، والشيخ ما قال: إن الإيمان هو التصديق وإن العمل خارج من التصديق، فهذا قول المرجئة الذين يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب، والعمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان. ضم كلام الشيخ بعضه من بعض حتى يتبين لك الحق، لا تكن مثل من يقرأ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] ويسكت ولا يقرأ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]. اقرأ كلام الشيخ من أوله إلى آخره واجمع بين كلامه تجد الحق، وكلام العلماء يضم بعضه إلى بعض، وكلام الله يضم بعضه إلى بعض، وكلام الرسول يضم بعضه إلى بعض، فلا يأخذ الإنسان ببعض النصوص ويترك البعض الآخر.

стр. 50

قول شيخ الإسلام في مسألة فناء الجنة والنار السؤال ما القول الصحيح الذي ينسب لـ شيخ الإسلام في مسألة الجنة والنار؟ الجواب القول الصحيح أن شيخ الإسلام يقول: إن الجنة والنار مخلوقتان دائمتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، وهو ثابت وواضح.

стр. 51

بيان جهة خراسان السؤال ما صحة ومعنى حديث الرايات السود التي تخرج من خراسان، وأين تقع خراسان، وهل اقتربت الملحمة التي أخبر عنها النبي ﷺ ؟ الجواب خراسان جهة الشرق -جهة إيران- أما الروايات التي جاءت في بعض الأحاديث فالله أعلم بصحتها، ولا شك أنها في آخر الزمان.

стр. 52

بيان معنى حديث: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل) السؤال ما قولكم في قول النبي ﷺ : (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل)، في حديث من لم ينكر المنكر بقلبه؟ الجواب ليس المراد أنه يكون كافراً؛ لأن من لم ينكر المنكر بقلبه يكون عاصياً. فإذا جلس الإنسان مع قوم يشربون الخمر يجب عليه أن ينكر باللسان إن عجز عن الإنكار باليد، فإن عجز فإنه ينكر بالقلب. والإنكار بالقلب معناه: أن يقوم ويتركهم، فإن جلس معهم فليس عنده من الإيمان حبة خردل يتعلق بإنكار المنكر، ويكون حكمه نفس حكم من شرب الخمر في الإثم، ومن جلس مع قوم يكفرون بالله واستطاع أن ينكر ولم ينكر وجلس وسكت، فحكمه في الإثم يكون نفس حكمهم؛ لأنه رضي بالكفر وأقر به، ومن جلس مع قوم يتعاملون بالربا ولم ينكر عليهم فيكون حكمه حكم المرابي، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠].

стр. 53

بيان معنى: (خفيفتان على اللسان) السؤال ورد في الحديث قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن) إلى آخر الحديث، ما المراد باللسان في هذا الحديث؟ الجواب ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن) يعني: أن الله يحبهما، وهما: سبحان الله وبحمده، (خفيفتان على اللسان) حينما تنطق بهما لا تكلفك شيئاً فلا تشعر بجهد وتعب عند النطق بهما، (ثقيلتان في الميزان) ميزان الأعمال، يعني: أن أجرهما عظيم.

стр. 54

حكم مسح الوجه باليدين بعد الانتهاء من الدعاء السؤال ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء؟ الجواب جاء هذا في أحاديث ضعيفة، ولم يرد فيه شيء من الأحاديث الصحيحة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام: إن مجموعها يشد بعضها بعضاً، وإن كانت ضعيفة فترتقي إلى درجة الحسن، فإذا فعله الإنسان في بعض الأحيان فلا بأس، أما أن يداوم على المسح فالأحاديث ضعيفة في هذا.

стр. 55

يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم السؤال من هم قوم يأجوج ومأجوج، وهل يأكلون ويتبايعون؟ الجواب يأجوج ومأجوج من بني آدم، وهما أمتان كافرتان الأولى يقال لها: يأجوج، والثانية: مأجوج، وهم يأكلون مثل غيرهم من بني آدم، وهم يخرجون في آخر الزمان ويفسدون في الأرض، ويشربون المياه، ثم بعد ذلك يهلكهم الله بدعوة عيسى ومن معه من المؤمنين، فيهلكهم الله في ليلة واحدة كنفس واحدة فيكونون كالجبال بعضهم فوق بعض؛ لأنهم أمة كثيرة. ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال (إن الله يقول: يا آدم! أخرج بعث النار، يقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة) فشق هذا على الصحابة فقال النبي ﷺ : (أبشروا فإن منكم واحداً، ومن يأجوج ألفاً) وهذا يدل على الكثرة.

стр. 56

شرح كتاب السنة للبربهاري [٦] يرى أهل السنة والجماعة وجوب نصب إمام، وأنها تجب طاعته بالمعروف، ولا يجوز الخروج عليه إلا إذا كفر كفراً صريحاً، وتجوز مقاتلة الخوارج إذا بدءونا بالحرب.

стр. 57

وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين فيما يحب الله ويرضى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين، ولا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إماماً براً كان أو فاجراً]. المعنى: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة السمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، والمراد بالأئمة ولاة الأمور قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وقال ﵊: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني). لكن هذا مقيد بالأحاديث الأخرى، (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)، وحديث أبي ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) وحديث عوف بن مالك الأشجعي: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة) ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور للمعاصي بل يجب الصبر وعدم الخروج. فالسمع والطاعة تكون لولاة الأمور في طاعة الله، أما المعاصي فلا يطاع فيها، فإذا أمر الأمير شخصاً بشرب الخمر فلا يطيعه، أو أمره أن يقتل أحداً بغير حق لا يطيعه، إذا أمر الوالد ولده بالمعصية فلا يطيعه، وإذا أمر الزوج زوجته بالمعصية فلا يطيعها، وإذا أمر السيد عبده بالمعصية فلا يطيعه، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) لكن لا يتمرد عليه، فليس للرعية أن يتمردوا على الأمير أو ولي الأمر، بل لا يطيعونه في المعصية وما عدا ذلك فيطيعونه، في الأمور المباحة ويطيعونه في طاعة الله ورسوله. وهذا بخلاف أهل البدع، فإنهم لا يسمعون ولا يطيعون لولاة الأمور، كالخوارج، فهم يرون أن ولي الأمر إذا عصى كفر ووجب قتله وخلعه وإزالته من الإمامة، وكذلك المعتزلة فإنهم يرون أنه إذا عصى ولي الأمر وفعل الكبيرة خرج من الإمامة فلا يطيعونه، بل إن من أصول الدين عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه الخروج على ولاة الأمور إذا جاروا وظلموا، والروافض كذلك يرون أنه ليس هناك طاعة إلا للإمام المعصوم، وأما ولاة الأمور الموجودين في كل وقت فهم كفرة فسقة يجب قتلهم وخلعهم وإزالتهم من الإمامة، ولا طاعة إلا للإمام المعصوم، وهم الأئمة الاثنا عشر الذي نص عليهم بزعمهم. قالوا: إن الخليفة بعد النبي ﷺ هو علي، ولكن أهل السنة كفروا وفسقوا وارتدوا وخالفوا النصوص التي تنص على أن الخليفة بعده علي، فولوا أبا بكر زوراً وبهتاناً وظلماً، ثم ولوا عمر زوراً وبهتاناً وظلماً، ثم ولوا عثمان زوراً وبهتاناً وظلماً؛ لأنهم يزعمون أن النبي ﷺ نص على اثني عشر إماماً: علي بن أبي طالب ثم الحسن بن علي ثم الحسين بن علي ثم البقية كلهم من نسل الحسين وهم: علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي الباقر ثم جعفر بن محمد الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم علي بن موسى الرضا ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي ثم الحسن بن علي العسكري ثم المهدي المنتظر الذي دخل سرداباً في العراق سنة ستين ومائتين ولم يخرج إلى الآن، وأبوه الحسن بن علي قد مات عقيماً ولم يولد له، فاختلقوا له ولداً وأدخلوه السرداب قالوا: دخل السرداب وهو ابن سنتين أو خمس يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: مضى عليه أربعمائة سنة ولم يخرج في زمانه، ونحن الآن نقول: مضى عليه ألف ومائتين سنة ولم يخرج حتى الآن. وهو شخص موهوم لا حقيقة له؛ لأن أباه الحسن مات عقيماً ولم يولد له، فهؤلاء الأئمة عند الشيعة وهم منصوصون معصومون. فالروافض يقولون: ليس هناك طاعة إلا للإمام المعصوم، أما الولاة الموجودين كلهم فكفرة ظلمة يجب قتلهم ولا سمع لهم ولا طاعة. إذاً: من عقيدة أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لولاة الأمور فيما يحبه الله ويرضاه -كما قال المؤلف- خلافاً لأهل البدع. فقوله: (ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين)، بمعنى: أنه اجتمع عليه أهل الحل والعقد، وليس المراد بإجماع الناس كل فرد بعينه، بل المراد أهل الحل والعقد ورؤساء القبائل والأعيان والوجهاء فإذا بايعوه تمت البيعة، ولا يشترط أن يبايع كل واحد بعينه، وتسقط الخلافة بالانتخاب والاختيار كما ثبتت الخلافة لـ أبي بكر الصديق ﵁ بالاختيار والانتخاب، وكما ثبتت الولاية أيضاً لـ عثمان باختيار أهل الحل والعقد وبالإجماع، وكما ثبتت الخلافة لـ علي بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد. وتثبت الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق كما ثبتت الخلافة لـ عمر ﵁ بولاية العهد من أبي بكر، وتثبت الخلافة أيضاً بالقوة والغلبة إذا غلب الناس بسيفه وقهرهم بسيفه واجتمعت عليه الكلمة فتمت له البيعة ولا يجوز الخروج عليه.

стр. 58

الأمور التي تثبت بها الخلافة لولي الأمر فتثبت الخلافة لولي الأمر بواحد من ثلاثة أمور: الأمر الأول: الاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، وفي هذه الحالة يجب أن يكون الخليفة من قريش إذا وجد فيهم من يقيم الدين؛ لقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵁: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان) فإن لم يوجد من قريش من يصلح للخلافة فينتخب من غيرها. ثانياً: تثبت الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق. ثالثاً: تثبت الخلافة بالقوة والغلبة، فإذا غلب الناس بسيفه وقوته ولو لم يكن من قريش ثبتت له البيعة؛ ولهذا جاء في حديث أبي ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) لكن لو كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فلا يختارون عبداً حبشياً مجدع الأطراف، إنما يختارون من قريش، فدل على أن الخلافة تثبت بواحد من هذه الأمور الثلاثة. يقول المؤلف: (ولا يحل لأحد أن يبيت ليلة، ولا يرى أن عليه إماماً براً كان أو فاجراً)، فلا يجوز للإنسان أن يبيت وهو لا يرى الإمامة لأحد أي: يعتقد في نفسه أنه ليس عليه إمام، ويرى أن يخلع الإمام، ولا يرى له بيعة، بل على الإنسان أن يرى البيعة لولي الأمر الذي اجتمعت عليه الكلمة براً كان أو فاجراً، براً يعني: تقياً، فاجراً يعني: فاسقاً، خلافاً للخوارج والمعتزلة والروافض الذين لا يرون الإمامة للفاجر؛ لأن الخوارج يرون أن الفاجر يكفر، وإذا كفر وجب قتله وحل دمه وماله ولا يكون إماماً، والمعتزلة عندهم أصل: أن ولي الأمر إذا فجر وفسق يجب الخروج عليه، والروافض لا يرون الإمامة لأهل السنة إطلاقاً، ولا يرون الإمامة إلا للأئمة المعصومين. فإذاً: أهل السنة تميزوا عن أهل البدع، فهم يرون السمع والطاعة لولي الأمر ولو كان فاسقاً فاجراً.

стр. 59

الشروط التي يجوز للرعية أن تخرج على الإمام بها يجوز الخروج عليه بشروط: الشرط الأول: أن يكفر كفراً صريحاً واضحاً لا لبس فيه. الشرط الثاني: وجود البديل المسلم، ووجود القدرة على إزالة الإمام الفاجر الكافر وتولية الإمام العادل، فإذا وجدت هذه الشروط جاز الخروج عليه، وإذا لم توجد فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ لقول النبي ﷺ في الحديث السابق: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، لكن إذا وجدت قدرة، ووجد البديل فيزال الإمام الكافر ويكون بدله إماماً مسلماً، أما إذا زال كافر وجاء بدله كافر مثل ما يحدث في الانقلابات العسكرية في الجمهوريات، فقد يكون الانقلاب على حكومة كافرة فتأتي حكومة أخرى أكفر منها. ولا يجوز الخروج على الحاكم في حال عدم تواجد هذه الشروط، ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية) وهذا فيه دليل على أن الخروج على ولاة الأمور من الكبائر؛ لأنه قال: (فميتته جاهلية). إذاً اصبر وتحمل؛ لأنك إذا أنكرت على ولي الأمر المعصية مثل شرب الخمر، أو أخذ مال شخص بغير حق، أو قتل شخص بغير حق ففيه مفسدة، لكن الخروج عليه يترتب عليه مفسدة أكبر، وهي إراقة الدماء؛ لأن عنده جيشاً، والذين يخرجون كذلك، فيكون الناس فرقتين، فتراق الدماء ويختل الأمن، وتختل أحوال الناس المعيشية في الاقتصاد والزراعة والتجارة والدراسة والاجتماع، ويتربص بهم العدو الدوائر، وتأتي فتن تقضي على الأخضر واليابس، ففسقه ومعصيته مفسدة صغرى، والقاعدة أنه: إذا اجتمع مفسدتان كبرى وصغرى لا يمكن تركهما، ندرأ المفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الصغرى.

стр. 60

الحج والغزو مع الإمام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحج والغزو مع الإمام ماض، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، ويصلى بعدها ست ركعات يفصل بين كل ركعتين، هكذا قال أحمد بن حنبل]. وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الحج والغزو مع الإمام ماض؛ لأن الحج والغزو فرضان يتعلقان بالسفر فلا بد من سائس يسوس فيهما الناس ويقاوم العدو، وهذا يحصل بالإمام الفاجر وبالإمام البر فيحجون مع الإمام ولو كان فاجراً، ويغزون معه ويجاهدون، وهذا خلافاً للخوارج والمعتزلة والروافض فإنهم لا يرون الحج والغزو مع ولي الأمر الفاجر؛ لأنه ليس الإمام عندهم. قوله: (وصلاة الجمعة خلفهم جائزة) أي كذلك الصلاة جائزة خلف الأئمة ولو كانوا فجاراً. ثم قال المؤلف: (ويصلي بعدها ست ركعات) بعد صلاة الجمعة (يفصل بين كل ركعتين هكذا قال أحمد بن حنبل)، فالذي ورد في الأحاديث في صحيح مسلم وغيره أنه يشرع للمسلم إذا صلى الجمعة أن يصلى بعدها أربع ركعات، سواء كان في البيت أو في المسجد، وفي حديث ابن عمر أنه إذا صلى في البيت صلى ركعتين، وإذا صلى في المسجد صلى أربع ركعات، أما قول المؤلف: إنه يصلى بعدها ست ركعات يفصل بين كل ركعتين ونسبه إلى الإمام أحمد بن حنبل، فالصواب أنه يصلي أربع ركعات بسلامين، وأن يصلي أربع ركعات سواء في المسجد أو في البيت، وهذا هو الصواب الذي دلت عليه النصوص، خلافاً لما ذكره المؤلف.

стр. 61

الخلافة في قريش قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم ﵇]. هذا إذا كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فهم يختارون من قريش إذا وجد فيهم من يقيم الدين. أما إذا لم يوجد من يقيم الدين فإنها تكون في غيرهم، لحديث معاوية بن أبي سفيان عند الشيخين: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان) وفي رواية: (ما أقاموا الدين) يعني: ما دام أنه وجد من قريش من يقيم الدين فتكون الخلافة فيهم، فإذا لم يوجد فيهم من يقيم الدين فتكون في غيرهم، فإن لم يكن هناك اختيار للمسلمين وغلب الناس بسيفه وقوته وسلطانه ثبتت له الخلافة. إلى أن ينزل عيسى بن مريم ﵊ من السماء، ونزول عيسى ﵊ من أشراط الساعة الكبرى، وأول أشراط الساعة الكبرى خروج المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى بن مريم وهي العلامة الثالثة، ثم خروج يأجوج ومأجوج. ثم تتوالى الأشراط: الدخان الذي يملأ ما بين السماء والأرض ويصيب المؤمن الزكام، ويصيب الكافر أذى عظيماً، وهدم الكعبة في آخر الزمان من أشراط الساعة الكبرى، ونزع القرآن من الصدور ومن المصاحف إذا ترك الناس العمل به، ثم تأتي الأشراط الأخيرة لقرب الساعة وهي: طلوع الشمس من مغربها ثم خروج الدابة وهي التاسعة، ثم العاشرة، وهي آخرها: خروج نار من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر فتبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا.

стр. 62

بيان أن من خرج على الإمام أنه خارجي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار، وميتته ميتة جاهلية]. من خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي يعني: فهو يدين بدين الخوارج، ويتمذهب بمذهب الخوارج. والخوارج هم: الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ في آخر عهد الصحابة، ولهم عقيدة خبيثة، وهي تكفير المسلمين بالمعاصي، فهم يقولون: إن من فعل الكبيرة كفر وهو مخلد في النار، فالزاني عند الخوارج كافر، وشارب الخمر كافر، والعاق لوالديه كافر حلال الدم والمال، والذي يخرج على إمام من أئمة المسلمين بالمعاصي خارجي على طريقة الخوارج، وقد يكون ليس من الخوارج فيكون من البغاة الذين يخرجون على الإمام، والبغاة: جمع باغٍ، وهم الذين ينقمون على ولي الأمر شيئاً من المعاصي. يقول العلماء: إذا خرجت طائفة من البغاة على ولي الأمر يرسل إليهم من يكشف شبهتهم، وينظر ما هي مطالبهم، فإن كانت مظالم فإنه يزيليها فإن استمروا قاتلهم. ومن خرج عن إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي وقد يكون معتزلياً، وقد يكون رافضياً فكل هؤلاء يخرجون على ولي الأمر؛ لأنه أصبح من الخوارج أو لأنه من البغاة أو لأنه من المعتزلة أو لأنه من الرافضة، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار والأحاديث التي جاء فيها النهي عن الخروج على ولاة الأمور. (وميتته ميتة جاهلية) يشير إلى الحديث: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية). وهذا يدل على أن الخروج على ولي الأمر من الكبائر؛ لكونه توعد بأن تكون ميتته ميتة جاهلية.

стр. 63

تحريم قتال السلطان والخروج عليه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يحل قتال السلطان، والخروج عليهم وإن جاروا، وذلك قول رسول الله ﷺ لـ أبي ذر الغفاري: (اصبر وإن كان عبداً حبشيا) وقوله للأنصار: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض)، وليس من السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدنيا والدين]. لا يحل قتال السلطان، والخروج عليهم وإن جاروا؛ لأن الأحاديث أمرت بالصبر على ولاة أمور الجور، فلا يحل قتالهم فمن قاتلهم فإنه من الخوارج، أو من البغاة، أو من الرافضة، أو من المعتزلة. قوله: وذلك قول الرسول ﷺ لـ أبي ذر: (اصبر وإن كان عبداً حبشيا)، والمؤلف رواه بالمعنى ولفظ الحديث: (أمرني خليلي أن أصبر وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف)، يعني: أن ولي الأمر إذا غلب الناس بسيفه فيجب الصبر عليه وعدم الخروج عليه ولو لم يكن من قريش، لكن لو كان الاختيار للمسلمين فيجب أن يختاروا من قريش. يقول أبو ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) وفي لفظ: (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)، وكذا قوله للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) يعني: سترون من ولاة الأمور من لا يعطيكم حقكم ويؤثر غيركم عليكم فاصبروا يعني: لا تخرجون على ولاة الأمور ولو لم يعطوكم حقكم، فدل على أنه لا يجوز الخروج على السلطان بالمعاصي. قوله: (إنكم ستلقون بعدي أثره) يعني: من يؤثر غيركم عليكم، ولا يعطيكم حقكم، (فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، والشاهد قوله: (اصبروا) دل على عدم جواز الخروج. وليس من السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا؛ لأن قتاله والخروج عليه فيه إراقة الدماء وفيه اختلال الأمن، وحصول المفاسد الكثيرة؛ ولهذا قال المؤلف: (وليس من السنة قتال السلطان فإنه فيه فساد الدين والدنيا) فساد الدين بأن تختل أحوال الناس الدينية فلا تقام الحدود، ولا ينصف للمظلوم من الظالم، فولاة الأمور قد رتب الله عليهم إقامة مصالح عظيمة منها: أن الله تعالى يقيم بهم الأمن، ومنها: أن المظلوم يأخذ حقه من الظالم، ومنها: إقامة الدين للناس مثل: صلاة الجمعة، والعيدين، والجهاد، والحج، وقد يحصل منه ظلم لكن هذا الظلم قليل بالنسبة للمصالح التي علقها الله بولاة الأمور. فلو قيل للناس في ليلة واحدة: كل يفعل ما يشاء، يحصل من الفساد ما الله به عليم؛ ولهذا يقول بعض السلف: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، فالليلة الواحدة التي تكون بلا إمام يحصل فيها فساد كثير من القتل والزنا والسرقة ونهب الأموال إلى غير ذلك؛ لأن ولاة الأمور علق الله بهم المصالح عظيمة ولو كانوا فسقه ولو كانوا جبابرة، فاستتباب الأمن مصلحة عظيمة، وإقامة الحدود مصلحة عظيمة، وإنصاف المظلوم من الظالم مصلحة عظيمة، وإيصال الحقوق إلى أصحابها مصلحة عظيمة، لا تقوم هذه المصالح إلا في حالة وجود الإمام. أما فسقه ففسقه على نفسه، والناس ليس بيدهم إلا النصيحة المبذولة من قبل أهل الحل والعقد، فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب فليس على الناس من ظلمه، وإنما سلط على الناس الظلمة بسبب تفريطهم في أمر الله فعوقبوا، فإذا أراد الناس أن يصلح الله لهم ولاة الأمور فليستقيموا على طاعة الله؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، فجور الولاة مما كسبت أيدي الرعية وما يحصل من الجور به تكفر السيئات، فالجور من جنس المصائب التي تكفر بها السيئات، وفيه تأديب للرجال الصالحين، وعقوبة للعصاة.

стр. 64

بيان جواز قتال الخوارج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم]. يحل قتال الخوارج إذا قاتلوا المسلمين بأنفسهم وأموالهم؛ لأنهم بذلك يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بالمعاصي، فإذا قاتل الخوارج المسلمين قوتلوا كما قاتلهم علي ﵁، وكما جاء في الأحاديث أن النبي ﷺ قال (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، من لقيهم فليقتلهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم) أو كما قال ﵊. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم]. وهكذا فعل الصحابة، فإذا قاتل المسلمون الخوارج ثم هربوا فلا يطلبونهم وإنما يتركونهم، وإذا وجد المسلمون جريحاً من الخوارج فلا يقتلونه ولا يؤخذ فيئهم وأموالهم؛ لأنهم ليسوا كفاراً، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، وهم الذين فارقوهم وهربوا فلا يلحق المسلمون الفارين من الخوارج فإذا فارقوا تركوا، فقد عامل الصحابة الخوارج معاملة العصاة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون، ولما سئل علي ﵁: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. وقال بعض العلماء بكفرهم، واستدلوا بالأحاديث التي قال فيها النبي ﷺ وهي في الصحيحين: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) وفي لفظ: (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه) وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد) فشبههم بقوم عاد وهو قوم كفار. وجاء في حديث عن النبي ﷺ : (من لقيهم فليقتلهم فإن في قلتهم أجراً لمن قتلهم عند الله)، وقالوا: بأن هذه النصوص تدل على كفرهم، وهي رواية عن الإمام أحمد، لكن الجمهور على أنهم عصاة مبتدعة، وهذا هو الذي عمله الصحابة؛ ولهذا ذكر المؤلف: أنه لا يطلب من فارق، ولا يجهز على الجريح، ولا تؤخذ أموالهم، ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم؛ لأنهم عصاة مبتدعة وليسوا كفاراً.

стр. 65

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه لا طاعة لبشر في معصية الله ]. وهذا ثبت بقول النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وقوله ﵊ في حديث آخر: (إنما الطاعة في المعروف)، فلا يطاع أي بشر في المعصية ولو كان أميراً، فإذا أمرك الأمير وقال: اشرب الخمر، فلا تطعه، أو أمرك بالقتل بغير الحق فلا تطعه، أو أمرت زوجة زوجها بالمعصية فلا يطعها.

стр. 66

عدم جواز الحكم على إنسان بالحنة أو النار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، ولا تدري ما يسبق له عند الموت إلى الله من الندم، وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا مات على الإسلام ترجو له رحمة الله، وتخاف عليه ذنوبه]. يقول: (من كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر، فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت، ترجو له الرحمة وتخاف عليه ذنوبه) يعني: أن المعين من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. فإذا رأينا إنساناً مستقيماً على طاعة الله فنرجو له الخير، ونرجو أن يكون من أهل الجنة، ولا نشهد له بها، وإذا رأينا إنساناً عاصياً فنخاف عليه ونخشى عليه من النار ولا نشهد له بالنار، ولا نشهد لأي مسلم بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص كالعشرة المبشرين بالجنة كـ الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وجماعة من الصحابة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، ومن لم تشهد له النصوص فنشهد له بالجنة بالعموم، فكل مؤمن في الجنة، وكل كافر في النار، لكن فلان ابن فلان بعينه نشهد له بالجنة فهذا لا يصح، ونحن لا ندري بهذا الشيء لكن إذا كان فلان ابن فلان بعينه مستقيماً على طاعة الله فنرجو له الخير، ونرجو أن يكون من أهل الجنة وفلان ابن فلان الذي يفعل المعاصي لا نشهد له بالنار لكن نخاف عليه من النار، ولا نشهد لأحد بالنار إلا من عرفنا إنه مات على الكفر وأنه قامت عليه الحجة. فإذا عرفت أن فلاناً يعبد الأصنام وقامت عليه الحجة ومات على ذلك فلا شبهة له فهو من أهل النار، وكذلك اليهود والنصارى نشهد عليهم بالنار. إذاً من كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بخير ولا شر فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت وإنما ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، ولا تدري ما يسبق له عند الموت؛ لأنك لا تدري ما هي الخاتمة، ولا ما يسبق له عند الموت فإذا مات الإنسان على الإسلام فإنك ترجو له رحمة الله، وتخاف عليه ذنوبه.

стр. 67

لكل ذنب توبة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما من ذنب إلا وللعبد منه توبة]. فمن تاب تاب الله عليه، والمهم أن تكون التوبة نصوحاً بأن يندم صاحب الذنب على ما مضى، ثم يعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليه، أما إذا كانت التوبة مؤقتة كأن يتوب في رمضان وهو ينوي أنه يرجع إلى المعاصي بعد انتهاء رمضان فهذه ليست توبة، فلا بد أن يعزم عزماً جازماً على ألا يعود إلى المعصية بعد تركه إياها، والندم عليها. ولا بد من رد المظالم إلى أهلها، وأن تكون التوبة قبل وصول الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فإذا تحققت هذه الشروط فهي توبة نصوح. وأي ذنب ولو كان كفراً أو شركاً فإن له توبة، فقد عرض الله التوبة على أكثر الناس كفراً وهم المثلثة من النصارى الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والرجم حق]. وهو رجم الزاني المحصن، فإذا زنا وثبتت عليه البينة بشهادة أربعة عدول أو بإقراره على نفسه، وكان قد تزوج ولو في العمر مرة ولو لم يكن معه زوجة، وإذا تزوج ولو ليلة واحدة ودخل بها فإنه يسمى محصناً، فإذا زنا بعد ذلك رجم، وإن لم يكن محصناً بأن لم يتزوج فإنه يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً عن البلد، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]. وفي حديث عبادة بن الصامت، قال ﵊: (خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام). فالثيب يرجم بالحجارة حتى يموت، والبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عن البلد عاماً. وقوله: (الرجم حق) هذه من مسائل الفروع، لكن المؤلف نص عليها للرد على الخوارج الذين أنكروا الرجم، بحجة أنه زيادة على القرآن وهم لا يقبلون ما زاد عن القرآن بزعمهم.

стр. 68

بيان أن المسح على الخفين سنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمسح على الخفين سنة]. والأحاديث في ذلك متواترة خلافاً للروافض الذين أنكروا المسح على الخفين، فالعلماء يذكرون المسح على الخفين في كتب العقائد للرد على الروافض الذين ينكرون المسح على الخفين، وكذلك غسل الرجلين في الوضوء وهم يقولون: إن الواجب مسح ظهور القدمين، فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فيمسحونها بعد تبليل أيديهم بالماء، وإذا كان عليهما الخفان وجب خلع الخفين ومسح ظهور القدمين. والأحاديث في المسح على الخفين بلغت حد التواتر حتى إن الذين نقلوا كيفية الوضوء عن النبي ﷺ قالوا: غسلاً للرجلين المكشوفتين ومسحاً للخفين، وأكثر الذين نقلوا نص الآية وهي قوله في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، فالآية متواترة؛ لأن القرآن كله متواتر، لكن تواتر كيفية الوضوء غسلاً ومسحاً أقوى من تواتر نص الآية، وذلك أن الصحابة كلهم يتوضئون، وكلهم شاهدوا غسل الرجلين ومسح الخفين من النبي ﷺ ، ومن لم يشاهد النبي ﷺ فقد نقله عن غيره بخلاف نص الآية، فليس كل أحد يحفظ الآية فالبعض يحفظ الآية والبعض لا يحفظها، أما الوضوء فكلهم يتوضئون وليس هناك أحد لا يتوضأ، فالآية متواترة ونقل كيفية الوضوء أقوى تواتراً وأكثر عدداً من الذين نقلوا نص الآية.

стр. 69

تقصير الصلاة والإفطار أثناء السفر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتقصير الصلاة في السفر سنة]. قصر الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب والفجر فلا يقصران. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصوم في السفر: من شاء صام، ومن شاء أفطر]. والإنسان مخير في الصوم فمن شاء صام ومن شاء أفطر؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يسافر ومعه أصحابه فبعضهم صائم وبعضهم مفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. واختلف العلماء هل الأفضل للمسافر الصوم أو الفطر؟ فقيل الصوم أفضل؛ لأنه أسرع في براءة الذمة، وقيل: الفطر أفضل؛ لأنه أخذ برخصة الله، وقيل: هما سواء. والصواب: إن كان الصوم يشق على المسافر فالفطر أفضل، وإن لم يشق فقيل الفطر أفضل؛ لأنه فيه أخذ برخصة الله، وإن كان الإنسان نشيطاً فله أن يصوم وإن رأى أن يفطر فلا حرج، الأمر في هذا واسع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا بأس بالصلاة في سراويل]. والسروال هو الذي يستر النصف الأسفل من جسم الإنسان، ويضع على كتفيه الرداء ويصلي في رداء وسروال أو رداء وإزار، أو قميص وهو الثوب.

стр. 70

معنى النفاق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنفاق أن تظهر الإسلام وتخفي الكفر]. هذا معنى النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإسلام ويبطن الكفر وصاحبه مخلد في النار، بل في الدرك الأسفل من النار. وهناك كفر عملي وهي المعاصي كالكذب في الحديث، وخلف الوعد، والفجور في الخصومة، والغدر في العهود، وهذا يسمى نفاقاً أصغر، لكن النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ما ذكره المؤلف فهو يظهر الإسلام ويخفي الكفر، وهذا نفاق عبد الله بن أبي وأصحابه.

стр. 71

بيان أن الدنيا دار إسلام ما دامت تقام فيها الشرائع والشعائر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام]. قال الإمام أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أهل السنة: ويرون -أي: أهل السنة- أن الدار دار إسلام لا دار كفر كما رأته المعتزلة، ما دام النداء بالصلاة والإقامة بها ظاهرين وأهلها ممكنين. فإذا كان في البلد من يقيم الإسلام وينادي بالصلاة فهي دار إسلام، فقد كان النبي ﷺ إذا أغار على قوم انتظر فإن سمع النداء تركهم، وإن لم يسمع النداء أغار عليهم؛ لأنهم ليسوا مسلمين. فتكون الدار دار إيمان وإسلام إذا كانت شعائر الإسلام ظاهرة فيها، وإن لم تكن فيها شعائر الإسلام ظاهرة فهي دار كفر. وقال بعضهم: العبرة بالحكم الذي يحكم فيها، فإن كان يحكم فيها بالشريعة فهي دار إسلام، وإن لم يحكم فيها بالشريعة فليست دار إسلام. فمعنى قول المؤلف: (اعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام) يعني: مادام أن شعائر الإسلام ظاهرة كالنداء بالصلاة والإقامة بها وإظهار شعائر الإسلام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمة محمد ﷺ فيها مؤمنون في أحكامهم، ومواريثهم، وذبائحهم، والصلاة عليهم]. يعني: يعاملون معاملة المسلمين، فالمواريث يرث كل واحد من أقاربه، وذبائحهم حلال، ويصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون خلافاً للمعتزلة والخوارج الذين يقولون: ليس هناك دار إيمان ولا إسلام، فإذا كان الناس يفعلون المعاصي فليست دار إسلام، ولا تحل ذبائحهم، ولا يصلى عليهم؛ لأنهم كفار، وهذا هو مذهب الخوارج والمعتزلة والروافض. يقول الشوكاني في السيل الجرار: الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذوناً له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور خصال الكفر فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار، ولا بصولتهم، وإذا كان الأمر بالعكس، فالدار بالعكس.

стр. 72

شرح كتاب السنة للبربهاري [٧] أهل السنة لا يشهدون بكمال الإيمان لأحد حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، ويصلون على المسلم وإن مات محدوداً في زنا ونحوه، ويعملون بالنصوص ولا يخالفونها.

стр. 73

عدم جواز الشهادة لأحد بكمال الإيمان إلا بشروط قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام]. يعني: لا نشهد لشخص بأنه مؤمن إيماناً حقيقياً حتى يوحد الله ويؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم، فيقال له: مؤمن حقاً، ومؤمن كامل الإيمان، أما إذا قصر في شيء من ذلك بأن فعل المحرمات وترك الواجبات فإنها تنتفي عنه حقيقة الإيمان؛ لأنه ناقص الإيمان حتى يتوب، فيقال في المطيع الذي يؤدي الفرائض وينتهي عن النواهي: مؤمن كامل الإيمان أو يقال له: مؤمن حقاً، والعاصي لا يعطى حقيقة الإيمان فلا يقال: إنه مؤمن حقاً، فليس بصادق الإيمان، فإذا أثبت الإيمان فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا تقل: ليس بمؤمن وتسكت؛ لأنك إذا قلت ليس بمؤمن وافقت الخوارج والمعتزلة، وإذا قلت مؤمن وافقت المرجئة فلا بد من القيد فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي تقول: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقاً، هذا معنى قول المؤلف: (ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان) يعني: لا نقول إنه مؤمن حقاً حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام فإن قصر كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان، يعني: الله تعالى أعلم بالشخص هل هو تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما ظهر لك من تضييع شرائع الإسلام، فإذا ظهر لك أنه ضيع شرائع الإسلام وترك بعض الواجبات عرفت أنه ناقص الإيمان.

стр. 74

جواز الصلاة على من مات من المسلمين العصاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة، والسكران وغيره]. كل من مات من أهل القبلة أي: كل من يستقبل القبلة في الصلاة والذكر والذبح ويلتزم بشرائع الإسلام فيشرع أن يصلى عليه وإن كان من العصاة مثل: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه، والسكران وغيرهم من أهل القبلة فهذا ما ذهب إليه المؤلف وهو قول لبعض العلماء. وقال بعض العلماء: إن المرجوم لا يصلى عليه، والزاني والذي يقتل نفسه لا يصلي عليه الأعيان والوجهاء كالعلماء وغيرهم تنفيراً وزجراً للأحياء حتى لا يفعلوا مثل فعلهم، ولكن يصلي عليهم بقية الناس لما جاء في بعض الأحاديث والتي تنص على أن بعض العصاة لا يصلى عليه كالقاتل ومن قتل نفسه، فلا يصلي عليه الوجهاء والأعيان والعلماء، فإذا رأى الحي أن القاتل لا يصلى عليه خاف أن يكون حاله مثله وألا يصلى عليه إذا مات، فيكون زجراً للأحياء، ويصلي عليه بقية الناس، والمؤلف يرى جواز أن يصلى على الجميع ولا فرق، فقال: (الصلاة على من مات من أهل القبلة سنة).

стр. 75

ذكر نواقض الإسلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله ، أو يرد شيئاً من آثار رسول الله ﷺ ، أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة]. يقول: لا نخرج أحداً من الإسلام إلا إذا فعل مكفراً، كأن يرد آية من كتاب الله أو يجحد آية من آيات الله، كأن يرد آية الاستواء وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، لا متأولاً بل جاحداً، وهناك فرق بين المتأول والجاحد، فالمتأول يقول: (استوى) بمعنى: استولى وهذا عاص مبتدع؛ لأنه يعتقد أنها آية، ولا ينكرها ولكنه يؤولها. أما الجاحد فهو ينكر ويعتقد أنها ليست آية، والجاحد يكفر بينما المتأول لا يكفر؛ ولهذا قال المؤلف: (لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله، أو يرد شيئاً من آثار رسوله ﷺ ، كأن يرد حديثاً ثابتاً من الأحاديث المتواترة بعد علمه أنه حديث ثابت متواتر. (أو يذبح لغير الله) إن ذبح لغير الله صار مشركاً كافراً. (أو يصلي لغير الله) إذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام إذا رأيت أحداً يدعو غير الله يقول: يا رسول الله اشفع لي، أو يقول: مدد يا بدوي! مدد يا دسوقي! مدد يا عبد القادر! خذ بيدي، أو يذبح أو عجلاً أو دجاجة للبدوي أو للحسين، أو للرسول أو للنجم أو للقمر، أو ينذر إن شفا الله مريضه ليذبحن خروفاً على روح السيد البدوي، أو على روح الرسول أو يطوف في القبر تقرباً إليه فهذا كافر مشرك، وإذا صلى لغير الله فهو مشرك. إذا فعل الإنسان شيئاً من ذلك وجب عليك أن تخرجه من الإسلام أي: تعتقد جازماً أنه كافر؛ لأنه من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، والتوحيد لا بد له من شيئين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، ومن لم يكفر الكافر لم يكفر بالطاغوت، وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله فيها كفر وإيمان، لا إله: كفر بالطاغوت، إلا الله: إيمان بالله، ومن لم يكفر الكفار والمشركين ويقول: إن النصارى على الحق، ويقول: اليهود على دين، والنصارى على دين، والمسلمين على دين وكل هذه الأديان نزلت من السماء فقد وقع في الكفر، ومن لم يكفره أو شك في كفره فهو كافر مثله، ومن لم يكفر اليهود أو النصارى أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، فإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم، يعني: نسميه مسلماً وتجري عليه أحكام الإسلام. (لا بالحقيقة) فلا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا أدى الفرائض وانتهى عن المحرمات، وإذا كان موحداً لله يؤدي الصلوات والواجبات ويترك المحرمات؛ ولكنه يترك بعض الفرائض أو يقصر فيها أو يفعل بعض المحرمات فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان وليس مسلماً حقاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا) (وينزل يوم عرفة) (وينزل يوم القيامة) (وجهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه)، وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وقوله: (إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة)، وقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) وقول النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة)، وأشباه هذه الأحاديث؛ فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا، لا تفسر شيئاً من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه أو رده فهو جهمي]. يقول المؤلف ﵀: (وكل ما سمعت من الآثار -يعني: من الأحاديث- مما لم يبلغه عقلك فعليك بالتسليم والتصديق) فإذا سمعت شيئاً من الأحاديث عن النبي ﷺ وأنت لا تعرف معناه فقل آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وتسلم فتقول: سلمت وصدقت وآمنت، وأما الكيفية فأفوضها إلى الله ولا تفسرها بهواك، فإن الإيمان بها واجب، ومن فسر شيئاً بهواه أو رده فهو جهمي. وإذا بلغك شيء من الأحاديث وأنت لا تعرف معناه، فعليك أن تسلم بما جاء وتصدق وترضى، وتقول: آمنت وصدقت ورضيت، وأما كيفيتها فأفوضها إلى الله (ولا تفسر شيئاً منها بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب ومن فسر شيئاً منها بهواه أو رده فهو جهمي) ومثل المؤلف ﵀ لهذه الأحاديث بمثل قول النبي ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، فقل: آمنت بالله وتثبت الأصابع لله بنص الحديث السابق على الوجه اللائق به والله أعلم بالكيفية. وقوله: (بين أصبعين) فلا يلزم من البينية المماسة فالسحاب قال الله فيه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، إذاً السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقاً للسماء وليس ملاصقاً للأرض، ولا يلزم منها المماسة. وقوله ﵊ (إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) فنؤمن من خلال هذا الحديث بأن الله ينزل، ولكن الله أعلم بكيفية النزول كما قال الإمام مالك لما سئل في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فنعتقد أن الله ينزل ولا نعلم كيف ينزل، فهو ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته ليس مثل نزول المخلوق، ومن اعتقد أن الله يكون بين طبقتين، وأن السماء تكون فوقه والأرض تحته فقد شبه الله بخلقه، والله تعالى لا يكون فوقه أحد من خلقه فهو فوق المخلوقات ، وسقف المخلوقات ونهايتها عرش الرحمن والله تعالى فوق العرش. وكذلك قوله: (ينزل يوم عرفة إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف ملائكته، يقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم) وينزل يوم القيامة كذلك. وفي حديث جهنم قال ﵊: (لا يزال يطرح فيها) وجاء في لفظ الحديث: (لا يزال يلقى فيها)، والمؤلف روى الحديث بالمعنى ولفظ الحديث: (لا تزال جهنم يلقى فيها من أهلها، وتقول: هل من مزيد هل من مزيد، حتى يضع فيها رب العزة قدمه- وفي لفظ: رجله- فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: حسبي، حسبي) أي: يكفيني يكفيني، وهذا فيه إثبات القدم لله كما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات الرجل لله . وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وهذا الحديث رواه المؤلف بالمعنى، وهو قوله ﵊ (إن الله لا يمل حتى تملوا، ومن أتى إلي يمشي أتيته هرولة)، وهذا كما يليق بجلال الله وعظمته، ومن آثار هذه الصفة أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل. وقوله ﵊: (خلق الله آدم على صورته، طوله في السماء ستون ذراعاً) أي: طول آدم، وهذا فيه إثبات الصورة لله ، فقوله: (خلق الله آدم على صورته) الضمير يعود إلى الله، لما جاء في الحديث الآخر: (خلق الله آدم على صورة الرحمن). وقال بعض الجهمية: إن الضمير يعود إلى آدم، ولهذا لما سأل عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: خلق الله آدم على صورة آدم، قال: هذا قول الجهمية. وقيل: إن الضمير يعود إلى المضروب وهو الوجه فقد جاء في الحديث: قال: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) وهذه أقوال باطلة، والصواب أن الضمير يعود إلى الله، وهذا فيه إثبات الصورة لله كما يليق بجلاله وعظمته. وقول النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة)، وهذا ثابت، وقد جاء هذا الحديث في رؤيا النوم، ورؤيا الأنبياء وحي، قال ﵊: (رأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، في أي شيء يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت، فقلت: يختصم في نقل الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) إلى آخر الحديث. يقول المؤلف: (وأشباه هذه الأحاديث عليك بالتسليم والتصديق والتفويض) والمقصود بالتفويض أن تفوض علم الكيفية ولا تفسر شيئاً منها بهواك، أما المعنى فهو معروف ولا نفوضه، ومن فسر شيئاً من الكيفية أو رده فهو جهمي.
следующие страницы →