← Акыда

Акыда · id 35083

شرح كتاب السنة للبربهاري - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (283 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

توضيح لمسألة التفويض السؤال نريد توضيحاً في مسألة التفويض؟ الجواب إن كان مقصود السائل التفويض في الصفات، أو تفويض المعنى، فهذا باطل، ومذهب التفويض مذهب باطل، والصواب: أن المعاني معلومة، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، وهو الاستقرار والصعود والعلو، لكن الذي يفوض الكيفية، كأن يفوض كيفية الاستواء إلى الله، فهذا صحيح، وأهل السنة يفوضون الكيفية.

стр. 212

بيان أن الرافضة ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة السؤال هل الرافضة يدخلون في الثلاثة والسبعين فرقة التي ذكرها الرسول ﷺ ؟ الجواب لا، فقد ذكر العلماء أنهم يخرجون عنها، فالرافضة والجهمية والقدرية الذين ينكرون علم الله، خرجوا من الاثنتين وسبعين فرقة؛ لأنها فرق مبتدعة، والرافضة والجهمية والقدرية كفرة؛ ولأن الرافضة يكفرون الصحابة ويفسقونهم، والله زكاهم وعدلهم، فهذا تكذيب لله، ومن كذب الله كفر، ولأن الرافضة يعبدون آل البيت وهذا شرك، ولأنهم يكذبون الله في أن القرآن محفوظ، يقولون: بقي الثلث من القرآن غير محفوظ، وهذا كله ردة. كذلك القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم الأشياء قبل كونها، فنسبوا إلى الله الجهل، وهم كفرة، والجهمية كذلك كفرة، يخرجون من الاثنتين وسبعين فرقة، وهكذا أقر أهل العلم.

стр. 213

حكم من يدعي تكليم أرواح الموتى السؤال هل ترسل الأرواح الميتة من قبل الملائكة إلى مريض بالصرع الروحي الخبيث وتتحدث هذه الأرواح الميتة مع القارئ، وتوصيه بأن يستمر في القراءة، وأن يصبر ويتوكل على الله، ويدعي أنه ميت من عهد الصحابة، وأنه مرسل من الملائكة، ويقول المريض: إنه إذا جاءه هذا الميت يأتي على شكل رجل ملتزم ثوبه قصير وله لحية، ويأتي معه نور عظيم، وإنني أرتاح إذا أتاني؛ فإنه يوصيني بتقوى الله ، والصبر والدعاء، فما رأي فضيلتكم في هذا، فأنا محتاج لجواب شافٍ؟ الجواب هذا من الجن، فالأرواح أولاً لا تموت، وإذا مات المؤمن نقلت روحه إلى الجنة، والكافر تنقل روحه إلى النار، وإنما تموت الأجساد، ثم بعد ذلك إذا بعث الله الأجساد عادت الأرواح إليها. وأما هذا الشخص فإنه يأتيه أفراد من الجن ومن الشياطين تتشكل في صورة إنسان قصير الثوب ويشجعه، وبعضهم يأمر بالشرك، ويأمر الزنا، وبعض الذين يقرءون على المريض يتحدث مع الجن ساعة وساعتين، ويخبره بمكان السحر وغيره، وكل هذا غلط؛ لأن الجن لا ندري ما أحوالهم، والجن أضعف عقولاً من الإنس، وقد يكونون منافقين، وقد يقول إنه مستقيم وهو منافق زنديق. فنصيحتي لهذا الشخص أن يتوب إلى الله، ولا يتعلق بهذا الكلام، ويترك هذا العمل.

стр. 214

زواج المسيار والفرق بينه وبين المتعة السؤال ما الفرق بين نكاح المتعة ونكاح المسيار؟ وهل يجوز نكاح المسيار؟ الجواب نكاح المسيار هو نكاح صحيح، وهو يكون بولي، وشاهدي عدل، ومهر، ورضا الزوجة، لكن الزوجة تسقط حقها، كأن تكون محتاجة إلى أن تبقى عند أهلها، فتقول: أسقطت الليلة، وتتفق مع زوجها أن يأتي متى ما شاء: في الأسبوع مرة أو في الأسبوع مرتين، وبعضهن تسقط النفقة أيضاً، كأن تكون مدرسة أو تكون موظفة، وهذا لا بأس به، وهو نكاح صحيح، وتقول: اجلس عند زوجتك وأولادك وأنا أنام عند أهلي. أما نكاح المتعة فهو زنى والعياذ بالله، وهو أن يتفق مع المرأة أن ينكحها يومين أو ثلاثة أيام أو أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين.

стр. 215

بيان أن الاثنتين والسبعين فرقة ليسوا كفاراً السؤال ما معنى: (انقسمت أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، هل يعني ذلك أنهم على الإسلام وأنهم لن يخلدوا في النار؟ الجواب نعم، هذه الفرق عصاة وأهلها متوعدون بالنار لكن ليسوا كفاراً.

стр. 216

بيان أن الملائكة يتنزلون على الموتى من العلماء الصالحين السؤال هل السفر من أجل الصلاة على أهل الفضل والعلم يجوز؟ وهل صحيح أنه تتنزل الرحمات على من يتعهد جنازة العلماء الراسخين والعباد الصالحين؟ الجواب لا أعلم في هذا شيئاً، أما كونها تتنزل إذا كانوا صالحين، فلا شك أن الملائكة تتنزل إذا كانوا علماء صالحين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].

стр. 217

بيان أن السلام على النبي عند قبره لا يشترط فيه هيئة معينة السؤال إذا أراد البعض السلام على رسول الله ﷺ يقف تجاه قبره ثم يسلم عليه، مع أنه أحياناً يكون في آخر المسجد، فما حكم هذا؟ الجواب السنة أن يقف مقابل القبر مستدبر القبلة ويسلم، ثم يتأخر ويسلم عن يمينه، فيسلم على أبي بكر، ثم يتأخر عن يمينه ويسلم على عمر، وإذا صلى وسلم عليه في أي مكان بلغه، سواء في المسجد أو في الشرق أو في الغرب أو في أقصى الدنيا؛ لقول النبي ﷺ : (صلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).

стр. 218

كلام البخاري في مسألة اللفظ السؤال ما هو القول الذي أنكر على البخاري ﵀ في مسألة خلق القرآن؟ الجواب هذه فتنة حصلت بين صفوف المحدثين في مسألة اللفظ، وهي مسألة خاصة بأهل العلم، وذلك في كلمة اللفظ، قالوا: إن بعضهم بدع البخاري أنه قال: (لفظي بالقرآن) كلمة اللفظ، ولم يتكلم فيها السلف، والبخاري ﵀ أراد أن يبين في صحيحه أن أفعال العباد وأقوالهم كلها من كسبهم، والله خلق العباد وخلق أفعالهم وأقوالهم. وبعضهم قالوا: لا، أنت تكلمت في اللفظ، لفظي بالقرآن، وهذا ما تكلم به السلف، والصواب مع البخاري.

стр. 219

حكم الاستعاضة عن القرض السؤال هل يجوز أن أقترض دولارات وأسددها بالريالات بسعر يومها، أفتونا مأجورين؟ الجواب نعم، جاء في الحديث أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن الدراهم تكون في ذمته، أو الدنانير فيقضيها، فقال النبي ﷺ : (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)، فإذا كان لك دنانير على شخص، ثم سلمته دراهم، فيصح ذلك بشرطين: الشرط الأول: أن تعطيه بسعر يومها. والشرط الثاني: ألا يبقى شيئاً. فإذا كان صرف المائة دولار -مثلاً- ألفي ريال سعودي فأعطه ألفين يداً بيد، ولا تفترقا وبينكما شيء، فهذا لا بأس، فإن افترقتما وبينكما شيء فلا يصح، أو أخذتها بغير سعر يومها فلا يصح.

стр. 220

شرح كتاب السنة للبربهاري [١٤] البدع كلها رديئة، فعلى المسلم أن يحذر منها ويتمسك بالقرآن والسنة على ما كان عليه سلف الأمة، وأهل السنة لا يردهم جور السلطان عن إقامة الجمعة معه والجماعة، ولا يحملهم ذلك على ترك السنة.

стр. 221

بيان من يكون مستور الحال من المسلمين قال المؤلف ﵀: [والمستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة]. المستور هو الذي يظهر منه الخير، والمحافظة على الواجبات وترك المحرمات، ولا يظهر منه خلاف ذلك، فيقال له: مستور، أو مستور الحال. ومن ذلك قول العلماء: إن الإمام مستور الحال يصلى خلفه، والإمام المبتدع لا يصلى خلفه، فالمستور الحال هو الذي لم تظهر منه بدعة ولا فجور، وظاهره الخير ولم يظهر منه فسق ولا ريبة ولا يشك فيه.

стр. 222

بيان أن علم الباطن غير الموجود في الكتاب والسنة بدعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب وفي السنة فهو بدعة وضلالة، ولا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه]. وهذا ما تدعيه بعض الفرق كالباطنية، والذين يدعون أن للشريعة ظاهراً وباطناً، ويدعون أن عندهم علم الباطن، وأن الناس عندهم علم الظاهر، وهذا كفر وضلال، فالصلوات الخمس -مثلاً- لها ظاهر وباطن، وظاهرها صلاة المسلمين، وأما الباطن فهي أسماء خمسة، ومن أسمائهم: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحسن. والصيام ظاهره: صيام المسلمين، والباطن: كتمان سر المشايخ. والحج إلى بيت الله الحرام هذا الظاهر، والباطن زيارة مشايخهم وزيارة مشايخ الصوفية وما أشبه ذلك، فلهم ظاهر وباطن. والمؤلف يقول: (كل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب ولا في السنة فهو بدعة وضلالة) وقد يصل إلى الكفر، (ولا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه).

стр. 223

بطلان زواج الهبة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها لا تحل له، يعاقبان إن نال منها شيئاً، إلا بولي وشاهدي عدل وصداق]. (وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها لا تحل له)؛ فإذا فعل بها تكون زانية؛ لأن هبة المرأة نفسها خاص بالنبي ﷺ ، قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] خالصة أي: خاصة. والأصل أن الشريعة عامة إلا ما دل الدليل على التخصيص، فالرسول ﷺ له خصوصية أن تهب المرأة له نفسها، ويزوجه الله إياها، أما غيره فلا، فأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها تكون زانية والعياذ بالله. وأراد المؤلف بذلك الرد على الشيعة والرافضة الذين يحلون نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة أن تهب المرأة نفسها له أياماً أو شهراً أو سنة بدون ولي وبدون شهود. وكذلك الأحناف الذين يقولون: يصح النكاح بلا ولي، وهذا باطل، فقد جاء في الحديث: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها؛ فإن الزانية هي التي تزوج نفسها، وكل نكاح بلا ولي فهو باطل باطل) أو كما جاء عن النبي ﷺ . ولا بد من رضا الزوجة حتى يكون زواجاً شرعياً.

стр. 224

النهي عن الكلام في أصحاب الرسول وما شجر بينهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب النبي ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى؛ لقول رسول ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، قد علم النبي ﷺ ما يكون منهم من الزلل بعد موته، فلم يقل فيهم إلا خيراً. وقوله: (ذروا أصحابي لا تقولوا فيهم إلا خيراً)، ولا تحدث بشيء من زللهم ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدث به؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت]. إذا رأيت الرجل يطعن على أصحاب الرسول ﷺ ، أو يسبهم، أو يكفرهم ويفسقهم، فاعلم أنه رافضي خبيث زنديق، مكذب لله ولرسوله؛ لأن الله تعالى زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، وهو يكفرهم ويفسقهم، فيكون مكذباً لله، وتكذيب الله كفر وضلال؛ ولهذا قال: (فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى؛ لقول الرسول ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)) والمؤلف ذكر أن الحديث حسن. (قد علم النبي ﷺ ما يكون منهم من الزلل بعد موته، فلم يقل فيهم إلا خيراً)، ولهذا قال ﵊: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وفي حديث آخر: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً) يعني: هدفاً للطعن والنيل، (فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم). والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقول النبي ﷺ : (ذروا أصحابي لا تقولوا فيهم إلا خيراً) أي: اتركوا أصحابي، أخرجه البزار بإسناد حسن بنص: (دعوا لي أصحابي)، وقوله: (لا تقولوا فيهم إلا خيراً) أخرجه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، كما في جزء طرق حديث: (لا تسبوا أصحابي) وإسناده ضعيف. (ولا تحدث بشيء من زللهم ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدث به)، أي: لا تحدث بشيء مما حصل من خلاف الصحابة وقتالهم وزللهم؛ فإنهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، وكذلك الحروب التي جرت بينهم، وكما قال بعض السلف: هذه دماء نزه الله أيدينا عنها، فنرجو أن ينزه الله ألسنتنا منها. وقوله: (ولا ما غاب عنك علمه)، أي: الذي لا تعلمه لا تتكلم به، ولا تسمعه من أحد يحدث به، بل إذا سمعت أحداً يحدث به فأنكر عليه؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت الطعن في أصحاب النبي ﷺ فلا بد أن يقع في قلبك شيء، فإذا أردت أن يسلم لك قلبك فلا تسمع أحداً يطعن في أصحاب رسول الله ﷺ ، وإذا سمعت أحداً يطعن فأنكر عليه، وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه مبتدع صاحب هوى. وإذا سمعت رجلاً يطعن في الأحاديث، ويرد الأحاديث والآثار، ويورد غير الآثار، ويعتمد على عقله ولا يريد أن يعتمد على الحديث، فاتهمه على الإسلام، وفي إسلامه دخن، ولا تشك أنه صاحب هوى وصاحب بدعة.

стр. 225

جور السلطان لا يبطل فرضاً وجوره على نفسه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه ﷺ ، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله تعالى، يعني: الجماعة والجمعة معهم، والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات، فشاركه فيه فلك نيتك، وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان. أنبأنا أحمد بن كامل، قال: حدثنا الحسين بن محمد الطبري، قال: أنبأنا مردويه الصائغ، قال: سمعت فضيلاً يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي! فسر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد]. قول المؤلف ﵀: (واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله الذي افترضها على لسان نبيه، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله تعالى، يعني: الجماعة والجمعة معهم، والجهاد معهم، وكل شيء من الطاعات فشاركه فيه فلك نيتك). أي: أن جور السلطان لا يضر الرعية، ولا ينقص من أجورهم، فالفرائض التي افترضها الله والصلاة التي أمروا بها خلف أئمة الجور تامة والأجر تام، والسلطان فجوره على نفسه، ولا يضرك فجوره، لكن أجرك تام إذا صليت الجمعة أو العيدين أو جاهدت معهم أو غزوت معهم، وأما السلطان أو الإمام أو القائد إذا كان فاجراً ففجوره على نفسه ولا يضرك فجوره. ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قال: والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق، وإن كان الواحد المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق كالزنا وغيره، فليس كل ما جاز فيه القتل جاز أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه، إذ فساد القتال أعظم من فساد كبير يرتكبه ولي الأمر. الزاني من الرعية يرجم أو يجلد، وإذا سرق تقطع يده، إذا شرب الخمر يجلد، لكن لو وقع فيه السلطان فشرب الخمر مثلاً فلا يوجد أحد يجلده، فما عليك إلا الصبر، فليس كل ما جاز على الرعية يجوز على السلطان، وعليك أن تجاهد معه ولو كان فاسقاً تقاتل معه تحج معه تصلي خلفه الجمعة، ففسوقه على نفسه وفجوره على نفسه ما دام أنه مسلم، ولا تخرج عليه بمجرد المعصية، ولكن النصيحة مبذولة بقدر الاستطاعة، فإن استجاب فالحمد لله، وإلا فقد أديت ما عليك، ولا تخرج عليه؛ لأن خروجك فساد وشر؛ يسبب إراقة الدماء واختلال الأمن، وضياع الأمة، وما يسبب من تسلط وتدخل الأعداء. (وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله). أي: إذا رأيت شخصاً يدعو على السلطان أو على الإمام: اللهم سلط عليه اللهم أهلكه فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيت رجلاً يدعو للسلطان بالصلاح والمعافاة فاعلم أنه صاحب سنة. (عن فضيل بن عياض أنه قال: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان)، أي: لو كانت لي دعوة مستجابة سأجعلها للسلطان. وذكر في السند (عن أحمد بن كامل، عن الحسين بن محمد الطبري، قال: أنبأنا مردويه الصائغ، قال: سمعت فضيلاً يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان). (قيل له: يا أبا علي! فسر لنا هذا؟) وأبو علي كنية الفضيل بن عياض، (قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد). أي: لو دعوت بها لنفسي لم تتعدني وكان صلاحي مقصوراً على نفسي، لكن إذا دعوتها للسلطان عم الصلاح فصلح السلطان وصلح العباد والبلاد، فصار النفع متعدياً. (فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح)، كما قال الطحاوي ﵀: وندعو لهم -أي: ولاة الأمور- بالصلاح والمعافاة. (ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وجاروا) ثم بين المؤلف السبب وهو: (لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم، وأما الصلاح فصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين). إذاً: ندعو لهم بالصلاح ولو جاروا، لأنهم إذا ظلموا وجاروا فوزرهم لا يتعداهم ولا يمس الناس منه شيء، أما إذا صلحوا فإن الصلاح سيكون لهم وللمسلمين.

стр. 226

وجوب ذكر أمهات المؤمنين بالخير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تذكر أحداً من أمهات المؤمنين إلا بخير]. لأنهن أمهات المؤمنين، وهن زوجات النبي ﷺ في الآخرة ﵅ وأرضاهن، فمن ذكر أمهات المؤمنين بشر فلا يكون هذا إلا لفسقه، ومن رمى عائشة بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.

стр. 227

المحافظة على الفرائض وطاعة السلطان دليل على أن صاحبها صاحب سنة قال المؤلف رحمه تعالى: [وإذا رأيت الرجل يتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان وغيره فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى، وإذا رأيت الرجل يتهاون بالفرائض في جماعة وإن كان مع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى]. أي: إذا رأيت رجلاً يتعاهد الفرائض ويصلي الصلوات الخمس في جماعة خلف الإمام سواء كان الإمام السلطان أو غيره فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. والذي يتهاون بالجماعة صاحب بدعة وهوى.

стр. 228

الحلال بين والحرام بين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحلال ما شهدت عليه وحلفت عليه أنه حلال، وكذلك الحرام، وما حاك في صدرك فهو شبهة]. قوله: (فالحلال ما شهدت عليه وحلفت عليه أنه حلال)، مثال ذلك: ما يحصل لك من المكسب في الزارعة، فهذا تجزم بأنه حلال، بل تحلف أنه حلال، وما يحصل لك من البيع والشراء، وما يحصل لك من الإرث حلال، وما يحصل لك من كسب الإجارة وغيرها، فالحلال ما شهدت عليه وحلفت عليه أنه حلال، وكذلك الحرام، فالحرام هو الذي تجزم بأنه حرام ولا يكون عندك شبهة، مثل الكسب من الربا، والكسب عن طريق السرقة، أو عن طريق الغش، أو عن طريق القمار، فهذا تجزم بأنه حرام. (وما حاك في صدرك فهو شبهة)، فالشيء الذي لا تدري أهو حلال أم حرام؛ وعندك فيه إشكال، فاتركه فهذا شبهة، ومن فعل المشتبه أوصله إلى الحرام، ومن ترك المشتبه صار حاجزاً بينه وبين الحرام. يقول النبي ﷺ : (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمستور من بان ستره، والمهتوك من بان هتكه]. المستور: هو الذي لم يظهر منه بدعة ولا فجور ولا فسق (والمهتوك من بان هتكه)، وهذا من فضح نفسه، كأن يشرب الخمر في الشارع أو يحلق لحيته أمام الناس ويسبل ثيابه أو يتعامل بالربا جهاراً نهاراً، فهذا مهتوك مفضوح فضح نفسه.

стр. 229

علامات أهل الأهواء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشِّبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي. وإذا سمعت الرجل يقول: فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي. وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد، واشرح لي التوحيد، فاعلم أنه خارجي معتزلي. أو يقول: فلان مجبر، أو يتكلم بالإجبار، أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري؛ لأن هذه الأسماء محدثة أحدثها أهل الأهواء]. (إذا سمعت الرجل يقول: فلان مشبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي)؛ لأن الجهمية ينكرون الأسماء والصفات، ويقولون: ليس لله علم ولا سمع ولا بصر، ويقولون: إن من أثبت العلم والسمع والبصر لله فهو مشبه، فإذا رأيت الرجل يقول لمن أثبت الصفات مشبه، فاعلم أنه جهمي أو معتزلي. (وإذا سمعت الرجل يقول: فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي)؛ لأن النواصب ضد الروافض فالروافض: الذين يحبون آل البيت ويغلون فيهم حتى يعبدونهم، والنواصب: هم الخوارج الذين ينصبون العداوة لأهل البيت ويسبونهم، فالروافض يقولون إن أهل السنة نواصب؛ لأنهم لا يحبون أهل البيت، ولأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، فإذا رأيت شخصاً يقول لك: أنت ناصبي فاعلم أنه رافضي؛ لأن الناصبي يقابل الرافضي. (وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد، واشرح لي التوحيد، فاعلم أنه خارجي)، يقصد المصنف ﵀ بالتوحيد توحيد المعتزلة؛ لأن المعتزلة عندهم أصول خمسة، وكل أصل ستروه تحت معنى باطل، وستروا تحت التوحيد: القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة. (أو يقول: فلان مجبر يتكلم بالإجبار أو يتكلم بالعدل فاعلم أنه قدري). القدري هو الذي ينفي خلق الله لأفعال العباد، وهو الذي يتكلم بالعدل. (لأن هذه الأسماء أحدثها أهل الأهواء) أحدثها أهل البدع، فالرافضي يسمي من يوالي الصحابة ناصبياً، والمعتزلي والخارجي يتكلم بالتوحيد، ويزعم أن نفي الصفات هو التوحيد، وكذلك الذي يتكلم بالعدل فهذا قدري، فالقدري يقول: من العدل أن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد حتى لا يعذبهم عليها؛ لأن هذه الأصول محدثة أحدثها أهل الأهواء؛ يعني أهل البدع.

стр. 230

ذكر بعض البلدان التي انتشرت فيها البدع والمحدثات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً، ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً، ولا عن أهل مكة في الصرف شيئاً، ولا عن أهل المدينة في الغناء، لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئاً]. (يقول عبد الله بن المبارك الإمام الورع الزاهد المشهور: (لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً)، أي: فيما يتعلق في رفض الصحابة؛ لأن مذهب الرافضة منتشر في الكوفة، فلا تأخذوا عنهم فيما يتعلق بالصحابة في الرفض، ولكن خذوا عن غيرهم من أهل الحق مع الاستقامة. (ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً)، فيما يتعلق بالسيف والقصاص والقتل والقود لا تأخذوا عنهم؛ لأنهم أهل قتال، ولأنهم قتلوا الحسين فلا تأخذوا عنهم فيما يتعلق بالسيف شيئاً؛ لأنهم يستعملون السيف، فهم متهمون فلا يؤخذ عنهم أحكام القتل والقتال. (ولا عن أهل البصرة في القدر شيئاً)؛ لأن الكلام في القدر اشتهر في البصرة، فلا يؤخذ عن أهل البصرة، وإنما يؤخذ عن غيرهم. (ولا عن أهل مكة في الصرف شيئاً)، الصرف أي: المصارفة وصرف النقود؛ لأنهم يبيحون شيئاً من المصارفة، فلا يؤخذ عنهم. (ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً)؛ لأن أهل المدينة كانوا يبيحون نوعاً من الغناء فلا يؤخذ عنهم. وقال بعض السلف: من تتبع رخص العلماء تزندق، فالذي يتتبع الرخص ويأخذ من كل مذهب المسألة الشاذة ويجمعها ينسلخ من الدين، فتجد المتزندق هو الذي يتبع الأهواء، فيأخذ عن أهل الكوفة الرفض؛ لأنهم يبيحون القدح فيالصحابة، ويأخذ عن أهل الشام أحكام القتال، وأنه يجوز قتل الإنسان ولو لم توجد الشروط الموجية لذلك، ويأخذ من أهل البصرة مذهبهم في القدر، ويأخذ عن أهل خراسان مذهبهم في الإرجاء، ويأخذ عن أهل مكة طريقة تعاملهم في الصرف، ويأخذ عن أهل المدينة مذهبهم في الغناء، فهو بذلك ينسلخ من الدين. فقال: الغناء حلال؛ لأن أهل المدينة يبيحونه، والربا حلال؛ لأن أهل مكة يبيحون الصرف، والإرجاء كذلك جائز؛ لأن أهل خراسان يبيحون الإرجاء، والقدر ليس هناك شيء مقدر؛ لأن أهل البصرة ينفون القدر، وكذلك ما يتعلق بالسيف والقتال لا بأس به؛ لأن أهل الشام يبيحون هذا، فيصبح زنديقاً وينسلخ من الدين.

стр. 231

من علامات السني محبة الصحابة وأئمة السنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، وأنس بن مالك، وأسيد بن حضير فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. وإذا رأيت الرجل يحب أيوباً، وابن عون، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن إدريس الأودي، والشعبي، ومالك بن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة فاعلم أنه صاحب سنة. وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، والحجاج بن المنهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير، وقال بقولهم، فاعلم أنه صاحب سنة]. أي: إذا رأيت الرجل يحب الصحابة: كـ أبي هريرة وأنس بن مالك وأسيد بن حضير فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت يسب الصحابة فاعلم أنه رافضي خبيث من أهل البدع. قوله: (وإذا رأيته الرجل يحب أيوباً) أي: أيوب بن كيسان السختياني، (وابن عون) أي: عبد الله بن عون البصري، (ويونس بن عبيد البصري) (وعبد الله بن إدريس الأودي والشعبي) أي: عامر الشعبي (ومالك بن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة فاعلم أنه صاحب سنة)؛ لأن هؤلاء أئمة علماء ومن أهل السنة، فإذا رأيته الرجل يحبهم فاعلم أنه صاحب سنة.

стр. 232

من أكثر الجلوس مع أهل البدع فهو منهم ومن رد الأثر فهو زنديق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل جالساً مع رجل من أهل الأهواء فحذره وعرفه، فإن جلس معه بعدما علم فاتقه فإنه صاحب هوى. وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا يشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه]. (إذا رأيت الرجل جالساً مع رجل من أهل الأهواء)، أي: من أهل البدع، (فحذره وعرفه)، وفي طبعة: فاحذره واعرفه، أي: إذا رأيت رجلاً يصاحب أهل البدع فانصحه وحذره، فإن استجاب فالحمد لله، وإن استمر في الجلوس معهم فاحذره واعلم أنه صاحب هوى وصاحب بدعة. (وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه). لأنه أنكر السنة، ولا يريد السنة، مع أن السنة وحي ثانٍ لأنه مكذب لله، فقم من عنده ودعه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الأهواء كلها رديئة تدعو كلها إلى السيف]. أي: فالبدع توصل إلى القتال، وتؤدي إلى القتال والحروب بين المسلمين.

стр. 233

الروافض والمعتزلة والجهمية أردأ فرق الضلالة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأردؤها وأكفرها الروافض والمعتزلة والجهمية؛ فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة]. أردى البدع وأكفرها بدعة الروافض والمعتزلة والجهمية، فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة؛ لأن الروافض -كما سبق- يكفرون الصحابة ويفسقونهم، ويعبدون آل البيت، ويزعمون أن القرآن ما بقي منه إلا الثلث، والمعتزلة يثبتون الأسماء وينكرون الصفات، وهذا كفر وضلال، والجهمية ينكرون الأسماء والصفات فهم عطلوا الله وجعلوه معدوماً.

стр. 234

شرح كتاب السنة للبربهاري [١٥] من سب الصحابة وطعن فيهم فإنما أراد الطعن في رسول الله، وفاعل ذلك مبتدع ضال، والبدعة أخطر على دين المرء من المعصية، وقد نهينا عن مجالسة أهل البدع والاستماع إليهم ومجادلتهم.

стр. 235

بيان أن من سب الصحابة إنما سب الرسول الكريم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه من تناول أحداً من أصحاب محمد ﷺ ، فاعلم أنه إنما أراد محمداً ﷺ ، وقد آذاه في قبره]. أي: إذا رأيت الرجل يسب الصحابة فاعلم أنه يريد سب الرسول ﵊، فهو أراد سب الرسول لكنه لم يستطع لنفاقه؛ ولأنه لو سب الرسول كفر في الحال ولكفره الناس، فلما لم يستطع أن يسب الرسول سب الصحابة وسب الصاحب سب لصاحبه، ولذلك يقول القحطاني في نونيته: إن الروافض شر من وطئ الحصى من كل إنس ناطق أو جان مدحوا النبي وخونوا أصحابه فهل يصلح أن تمدح شخصاً وتسب أصحابه؟! فالإنسان على دين صاحبه، لذلك يقول المؤلف ﵀: (واعلم أنه من تناول أحداً من أصحاب محمداً ﷺ ، أي: من تناولهم بالعيب والذنب والسب والشتم (فاعلم أنه إنما أراد محمداً ﷺ ، وقد آذاه في قبره). وإذا ظهر لك من إنسان شيئاً من البدع فاحذره، فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهره. يقول في الحاشية: [قال المصنف ﵀ كما في طبقة الحنابلة ومذهب الإمام أحمد: مثل أصحاب البدع كمثل العقارب، يدفنون رءوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون].

стр. 236

صاحب هوى أشد خطراً على مسلم من صاحب معصية قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقاً فاجراً، صاحب معاصٍ ضالاً وهو على السنة فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته. وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترقاً بالعبادة صاحب هوى، فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه ولا تمش معه في طريق؛ فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه. ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: يا بني! من أين جئت؟ قال: من عند فلان. قال: يا بني! لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بني! زانياً فاسقاً سارقاً خائناً أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان. ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟!]. أي: إذا رأيت الرجل من أهل السنة ملتزماً بالسنة لكنه يفعل المعاصي وفاسقاً وفاجراً فاصحبه واجلس معه؛ فإنه ليس يضرك معصيته. وليس معنى ذلك التهوين من خطر المعاصي، بل المؤلف يريد أن يبين أن البدعة أشد من المعصية، فإذا رأيت الرجل من أهل السنة فهو خير من أهل البدعة ولو فعل المعاصي، فإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً فاصحبه؛ لأنه صاحب سنة، فالفسق يمكن معالجته، لكن المصيبة في صاحب البدعة الذي يظن أنه على الحق فلا يفكر في التوبة. وإذا رأيت الرجل زاهداً متعبداً متقشفاً ولكنه صاحب بدعة فلا تجالسه، فبعبادته لا تنفعه، وليس القصد من هذا التهوين من شأن المعاصي، بل يريد أن يقارن بين السني العاصي وبين المبتدع، فيقول: إن السني العاصي خير من المبتدع؛ لأن المعصية أقل من البدعة. قال: (ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى -أي: صاحب بدعة- فقال: يا بني! من أين جئت؟ قال: من بيت فلان) يعني: المبتدع (قال: يا بني! لأن أراك خرجت من بيت خنثى)، وذلك أن خروجه من هذا البيت معصية، وخروجه من بيت صاحب البدعة قد يوصله إلى البدعة (أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بني! زانياً فاسقاً سارقاً خائناً أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان) أي: بقول واعتقاد أصحاب الأهواء. وليس مقصود يونس بن عبيد التهوين من شأن المعاصي، فالمعاصي والكبائر شأنها عظيم، لكن قصده أن يبين أن البدعة أشد من المعصية. ثم قال: (ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر)، فدل على أن البدعة أشد من المعصية، وخروجه من بيت العاصي أهون من خروجه من بيت المبتدع.

стр. 237

التحذير من أهل البدع في كل زمان قال المؤلف ﵀: [واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس، وممن تسمع، ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم]. قوله: (احذر) هذا تحذير من المؤلف ودليل على نصحه، (ثم احذر) تكرار للأهمية، (أهل زمانك خاصة)، وهذا قاله في القرن الرابع الهجري، فكيف لو رأى القرن الخامس عشر؟! (فإن الخلق كلهم كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم)؛ لكثرة الجرائم والمعاصي.

стр. 238

التحذير ممن يذكر بعض أسماء أهل البدع قال المؤلف ﵀: [وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد، وبشر المريسي، وثمامة، أو أبا هذيل، أو هشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم]. ابن أبي دؤاد) وهو رئيس المعتزلة وكان قاضياً في زمن المأمون، واسمه أحمد بن أبي دؤاد وهو معتزلي؛ وذلك لأن المعتزلة أثروا على المأمون حتى اعتنق مذهب الاعتزال. ومعنى كلامه: أنك إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد بخير فإنه صاحب بدعة، فلو كان صاحب سنة ما ذكر ابن أبي دؤاد المعتزلي بخير. وكذلك بشر المريسي، وهو جهمي تنسب إليه المريسية، فإذا رأيت الرجل يذكره بخير فاتهمه. وثمامة، اسمه: ثمامة بن أشرف البصري وهو من رءوس المعتزلة القائلين بخلق القرآن. وأبو هذيل هو محمد بن الهذيل العلاف البصري وهو رأس المبتدعة. وقوله: (أو هشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم فاحذره، فإنه صاحب بدعة)؛ أي فالذي يثني على ابن أبي دؤاد وهو رئيس المعتزلة، والذي يثني على بشر المريسي فهو جهمي، والذي يثني على ثمامة أو أبا الهذيل فهو معتزلي أو هشام الفوطي أو واحداً من أتباعهم وأشياعهم فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم. فإذا رأيته يذكر هؤلاء المبتدعة بخير فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيته يذكر الأخيار بخير فاعلم أنه صاحب سنة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير ومن ذكر منهم، أي: لا تشاركهم ذكروا أحداً بسوء، فإن ذكروهم بخير فلا بأس. وخلاصة قول المؤلف ﵀: أنك إذا سمعت الرجل يثني على ابن أبي دؤاد أو على المبتدعة وأهل البدع فهو صاحب بدعة؛ لأنهم كانوا على الردة، وأما الذي يذكرهم بخير فاترك هذا الرجل ولا تتكلم معه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمحنة في الإسلام بدعة، وأما اليوم فيمتحن بالسنة؛ لقوله: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته، فتنظر فإن كان صاحب سنة له معرفة صدوق، كتبت عنه، وإلا تركته]. (المحنة في الإسلام بدعة)، مثل المأمون عندما امتحن الناس وقال لهم: قولوا بخلق القرآن ومن لم يقل بخلق القرآن سجنه أو قتله، فهذه محنة، وهذه بدعة. (وأما اليوم فيمتحن بالسنة)، وتنظر فإذا كان هذا الرجل سنياً تأخذ العلم عنه وتستفيد منه، وإذا كان بدعياً فلا تأخذ عنه شيئاً، ولهذا قال: (وأما اليوم فيمتحن بالسنة؛ لقوله: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم). وهذا أخرجه ابن عدي في الكامل وعنه السهمي في تاريخ جرجان، (ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته)، فلا يقبل الحديث إلا ممن تقبل شهادته وهو أن يكون عدلاً ضابطاً. (فتنظر فإن كان صاحب سنة له معرفة، صدوق، كتبت عنه وإلا تركته)، وهكذا ينبغي ألا يقبل الحديث إلا ممن تقبل شهادته، فينظر إن كان صاحب سنة وله معرفة بالحديث وهو صدوق فيكتب عنه وإلا ترك.

стр. 239

التحذير من أهل الكلام والجدال والمراء والقياس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام، والجدال والمراء، والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولاً فتهلك، وما كانت زندقة قط ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة؛ إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس، وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة. فالله الله في نفسك! وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، يعني: للنبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ومن قبلنا لم يدعونا في لبس فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر. وقف عند المتشابه ولا تقس شيئاً]. (إذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام) أي: في الصفات والأسماء والقدر وغيره. (واحذر أصحاب الكلام، وأصحاب الجدال، وأصحاب المراء، وأصحاب القياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب)، وهذا فيه تحذير من البدع وأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والجهمية، وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في قلبك، وهذا أقل الأحوال. (وكفى به قبولاً فتهلك وما كانت زندقة قط ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام والجدال)، فبهذا الكلام والجدال والمراء والقياس وغيره يفتح باب الزندقة والنفاق والبدعة والهوى والضلالة، وهذه أبواب البدع والشكوك والزندقة، فأول من قاس قياساً فاسداً إبليس، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] والقياس الفاسد هو: القياس الذي يصادم النص، وهو فاسد الاعتبار. ثم قال: (الله الله في نفسك)، أي: اعتن بنفسك (وعليك بالأثر، -وفي نسخة: الآثار، وأصحاب الأثر- أي: أصحاب الحديث، (والتقليد فإن الدين إنما هو بالتقليد، أي: للنبي ﷺ ، والمراد: الاتباع، فالتقليد مذموم لكن المؤلف عبر بالتقليد، ولو قال: بالاتباع لكان أحسن. (ومن قبلنا لم يدعونا في لبس)، أي: العلماء الذي سبقونا ما جعلونا في حيرة فقد أوضحوا لنا الأمر، (فقلدهم) أي: اتبعهم (واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر)، أي: لا تتجاوز النصوص من الكتاب أو من السنة، فإذا فعلت شيئاً يجب أن تستدل بالنص، وسؤال أهل العلم. (وقف عند المتشابه)، وتأمل وانظر فلعله يتضح لك، (ولا تقس شيئاً)، برأيك وفهمك وعقلك.

стр. 240

الأمر بالوقوف على المتشابه والنهي عن كلام أهل البدع قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقف عند المتشابه، ولا تقس شيئاً، ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع، فإنك أمرت بالسكوت عنهم، ولا تمكنهم من نفسك، أما علمت أن محمد بن سيرين -في فضله- لم يُجب رجلاً من أهل البدع في مسألة واحدة، ولا سمع منه آية من كتاب الله ، فقيل له، فقال: أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء. وإذا سمعت الرجل يقول: إنا نحن نعظم الله إذا سمع آثار رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه جهمي، يريد أن يرد أثر رسول الله ﷺ ويدفعه بهذه الكلمة، وهو يزعم أنه يعظم الله وينزهه، إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره. أفليس يرد أثر رسول الله ﷺ ؟! وإذا قال: إنا نعظم الله أن يزول من موضع إلى موضع فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره، فاحذر هؤلاء، فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذا الحال، وحذر الناس منهم]. (وقف عند المتشابه ولا تقس شيئاً)، والمعنى: أنه يجب على الإنسان أن يقف عند المتشابه من القرآن والسنة، ولا يتكلم في المتشابه حتى يسأل أهل العلم؛ لأن المتشابه الإضافي يمكن أن يكون متشابهاً عند كل أحد، فالمتشابه يرد إلى المحكم، ويفسر ويضم إليه حتى يتضح المعنى، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧]. أما المتشابه على كل أحد ككل الصفات وكل حقائق الآخرة، فهذا يوكل أمره إلى الله ، ولا يفسر، وإنما يفوض أمره إلى الله . ولهذا قال المؤلف ﵀: (وقف عند المتشابه ولا تقس شيئاً) أي: لا تقس شيئاً من أمور وحقائق الآخرة على أمور الدنيا، فالله تعالى أخبر أن لنا في الآخرة خمراً ولبناً وعسلاً وفاكهة، فهذه التي أخبرنا الله عنها في الآخرة ليست مثل ما عندنا في الدنيا، وإن كان بينهما نوع تشابه يكون في الأسماء ولكنها تختلف، ولهذا قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. قوله: (ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع؛ فإنك أمرت بالسكوت عنهم)، أي: لا ترد على أهل البدع إذا كان الرد لا يفيد معهم، بأن كانوا أهل عناد ولا يقبلون الحق، أما إذا كان يرجى أن ينتفعوا به، فإنه يرد عليهم ويبين لهم الحق لعل الله أن يهديهم، ويناظرون إذا غلب على الظن أن المناظرة تفيد، لكن هذا الكلام محمول على أهل البدع الذين لا تفيد المناظرة معهم، ولا يفيد الكلام معهم. (ولا تمكنهم من نفسك)؛ لأنك إذا مكنتهم من نفسك طمعوا فيك وقد يؤثرون عليك. (أما علمت أن محمد بن سيرين -أي: التابعي الجليل- في فضله لم يُجب رجلاً من أهل البدع في مسألة واحدة، ولا سمع منه آية من كتاب الله ، فقيل له، فقال: أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء)، وهذا أخرجه الدارمي، وابن وضاح في البدع، والآجري في الشريعة، واللالكائي في السنة، وابن بطة في الإبانة الكبرى. فلما كان يسأله رجل من أهل البدع لم يكن يجبه محمد بن سيرين ﵀ ولا يسمع منه آية، فلما سئل، قال: أخاف أن يحرفها فيقع هذا التحريف في قلبي، فإذا كان هذا التابعي الجليل يخاف أن يقع في قلبه شيء من التحريف، فكيف بغيره؟! (وإذا سمعت الرجل يقول: إنا نحن نعظم الله، إذا سمع آثار رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه جهمي يريد أن يرد أثر رسول الله ﷺ ويدفعه بهذه الكلمة، وهو يزعم أنه يعظم الله وينزهه، إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره أفليس يرد أثر رسول الله ﷺ ؟!) هناك اصطلاح عند الجهمية، فإذا سمع الجهمي أو صاحب البدعة حديثاً، كحديث النزول أو حديث الرؤية، قال: إنا نعظم الله، وقصده بذلك: لا نقبل إلا ما في القرآن، وقصده كذلك رد السنة، ورد الأحاديث التي ذكرتها. وإذا قرأت عليه الأحاديث التي فيها إثبات السمع والبصر، قال: إنا نعظم الله، فإذا سمعت هذه الكلمة فاعلم أنه جهمي؛ لأنه يريد أن يرد الأثر والحديث، فكأنه يقول: لا أقبل الحديث وإنما أكتفي بالقرآن، فإذا سمعت الرجل يقول: إنا نعظم الله إذا تلوت عليه الحديث وسمع منك حديث الرؤية وحديث النزول وغيره فاعلم أنه جهمي يريد أن يرد النصوص بهذه الكلمة، وفي الظاهر يزعم أنه يعظم الله وينزهه، ويوهم بذلك. (وإذا قال: إنا نعظم الله أن يزول من موضع إلى موضع)، من قال هذا فقد أراد أن يرد حديث النزول، فإذا تلوت أحاديث النزول قال: إنا نعظم الله أن يزول من موضع إلى موضع، وقصده بذلك إنكار حديث النزول، ولهذا قال المؤلف ﵀: (فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره، فاحذر هؤلاء، فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذا الحال، وحذر الناس منهم)، فاحذر هؤلاء؛ لأن كثيراً من الناس ينطلي عليهم هذا التمويه، وحذر الناس منهم.

стр. 241

الأمر بالكف عن الجدال والمراء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا سألك أحد عن مسألة في هذا الكتاب وهو مسترشد فكلمه وأرشده، وإذا جاءك يناظرك فاحذره؛ فإن في المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب، وقد نُهيتَ عن هذا جداً، يخرجان جميعاً من طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه ناظر أو جادل أو خاصم. قال الحسن البصري ﵀: الحكيم لا يماري ولا يداري في حكمته أن ينشرها، إن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله. وجاء رجل إلى الحسن فقال: أنا أناظرك في الدين، فقال الحسن: أنا عرفت ديني، فإن ضل دينك فاذهب فاطلبه. (وسمع رسول الله ﷺ قوماً على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ فخرج مغضباً فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا بعثت إليكم؛ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟!) فنهى عن الجدال. وكان ابن عمر يكره المناظرة، ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا. وقول الله أكبر من قول الخلق، قال الله ﵎: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]. وسأل رجل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما النَّاشِطَاتِ نَشْطًا؟ فقال: لو كنت محلوقاً لضربت عنقك. وقال النبي ﷺ : (المؤمن لا يماري، ولا أشفع للمماري يوم القيامة، فدعوا المراء لقلة خيره)]. (إذا سألك أحد عن مسألة في هذا الكتاب)، أي: في كتابه هذا (السنة) الذي ذكر فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، (فانظر هل هو مسترشد أو مجادل) فإن كان مسترشداً فكلمه وأرشده وبين له، وإن كان مجادلاً فلا تجبه واحذره. والمقصود: أن الذي يسألك عن مسألة في هذا الكتاب فهو بين أمرين لا يخلو عن أحدهما: إما أنه مسترشد يريد الفائدة، أو مجادل، فإن كان مسترشداً فأرشده ووضح له؛ لأنه يريد الحق، وإن كان مجادلاً مناظراً فلا تجبه واحذره، فإن المناظرة هي المراء والجدال والمغالبة والخصومة، وقد نهيت عن جميع هذا. (وهو يزيل عن طريق الحق)، أي: أن الجدال يبعد الإنسان عن طريق الحق، وهذا محمول على ما إذا كان الجدال لا يفيد، أما إذا غلب على الظن أنه يفيد فإنه يناظر ويبين له الحق لعل الله أن يهديه. أما إذا وجد علامات تدل على أن هذا الشخص لا يريد الحق وأنه معاند فهذا لا يناظر بل يترك، وقد جادل عثمان بن سعيد الدارمي بشر المريسي، وهناك مناظرات حدثت بين العلماء. (وقد نهيت عن جميع هذا، وهو يزيل عن طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه ناظر أو جادل أو خاصم)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وقال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]. فلا بأس بالجدال إذا تعين طريقاً لقبول الحق. (قال الحسن البصري ﵀: الحكيم لا يماري ولا يداري في حكمته أن ينشرها، إن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله)، أي: يترك المراء والجدال، وهذا أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في زوائده على الزهد لـ ابن المبارك، وابن بطة في الإبانة الكبرى، يقول: وهذا إسناده ضعيف، فيه راوٍ مبهم، وهذا محمول على ما إذا كان الجدال لا يفيد. (وجاء رجل إلى الحسن -يعني الحسن البصري - فقال: أناظرك في الدين؟ فقال الحسن: أنا عرفت ديني، فإن ضل دينك فاذهب فاطلبه). أخرجه الآجري في الشريعة، واللالكائي في السنة، وابن بطة في الإبانة، وهو صحيح. والمعنى: أني لا حاجة لي في مناظرتك، فإن كان دينك قد ضاع منك فاذهب فاطلبه وابحث عنه، أما أنا فإني لا إشكال عندي، وليس عندي شك في ديني. ((وسمع رسول الله ﷺ قوماً على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ فخرج مغضباً فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا بعثت إليكم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟!). وجاء في بعض الأحاديث: (أن أحدهم كان يأخذ وينزع بآية وهذا ينزع بآية)، وجاء في بعضها: نفي القدر، (فخرج النبي مغضباً كأنما فقئ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! ما علمتم منه فاعملوا به، وما لم تعرفوا فكلوه إلى عالمه) أو كما قال ﵊. يقول المؤلف عن الحديث: إنه صحيح، وقد أخرجه أحمد وابن ماجة، وفيه النهي عن الجدال. (وكان ابن عمر يكره المناظرة ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا)، أي: إذا كانت المناظرة تؤدي إلى النزاع والشقاق والبغضاء، أما إذا كانت المناظرة تؤدي إلى قبول الحق ومعرفة الحق فإنها مطلوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. (وقول الله أكبر من قول الخلق، قال الله ﵎: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤])، أي: أن قول الله أبلغ من الآثار، وأقوى دليلاً، وفي الآية بيان أن الكفار هم الذين يجادلون في آيات الله. (وسأل رجل عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:٢]؟ قال له: ما (الناشطات نشطاً)؟ فقال عمر: لو كنت محلوقاً لضربت عنقك)، أي: محلوق الرأس؛ لأن الخوارج يحلقون رءوسهم ويتدينون بحلق الرأس ويشددون، فقال عمر له: لو كنت محلوقاً، أي: لو كنت محلوق الرأس لعرفت أنك من الخوارج الذين يجادلون بالباطل، وحينئذ ضربت عنقك. وفي الحديث يقول النبي ﵊ عنهم: (سيماهم التحليق) أي: علامة الخوارج حلق الرأس، والخوارج يتشددون في حلق الرأس. وقصة الرجل الذي سأل عمر صحيحة مشهورة. (وقال النبي ﷺ : (المؤمن لا يماري، ولا أشفع للمماري يوم القيامة، فدعوا المراء؛ لقلة خيره). (المؤمن لا يماري) أي: لا يجادل، وهذا الحديث ضعيف جداً، أخرجه الطبراني في الكبير، والآجري في الشريعة، وابن بطة في الإبانة، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه كثير بن مروان وهو ضعيف جداً، وقال: وفيه كثير بن مروان كذبه يحيى والدارقطني. والمقصود: أن هذا الحديث ضعيف. والجدال فيه تفصيل: فإذا كان بالباطل فقد نهي عن ذلك، وإذا كان يفيد فلا بأس بالجدال لإيضاح الحق.

стр. 242

الأسئلة

стр. 243

ميزان معرفة استحلال المحرمات السؤال من عقيدة السلف: عدم تكفير المسلم بذنب لم يستحله، فهل المراد بالاستحلال أن يتلفظ بأنه استحله، أو يمكن أن يكون الاستحلال بالفعل، أي: هل يمكن أن نستدل من خلال فعله على أنه مستحل؟ الجواب الاستحلال من عمل القلب، وهو أن يعتقد بقلبه أن هذا الشيء حلال، أما الفعل فلا يكفي ليكون ميزاناً للاستحلال؛ لأنه قد يفعله وهو لا يستحله، وإنما فعله طاعة للهوى والشيطان، مثل العصاة الذين يفعلون المعاصي، فشخص زنى يصح أن نقول: هذا عاص، وضعيف الإيمان، ومرتكب لكبيرة، وعليه الوعيد الشديد ويجلد أو يرجم، لكنه إذا اعتقد أن الزنا حلال، فيكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. ومثله كذلك: شخص تعامل بالربا، بدافع الجشع والطمع، فإذا قيل له: لماذا تتعامل بالربا؟ قال أنا محتاج وعندي عائلة، فقل له: هذا حرام، ولا تأكل من مال الحرام، ويكون شخصاً عاصياً، لكن الشخص الذي يقول: إن الربا حلال فهذا كافر، وهذا قول المشركين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. فالاستحلال اعتقاد القلب.

стр. 244

بيان أن من السنة الدعاء لأئمة المسلمين جهاراً السؤال هل من السنة الدعاء للأئمة جهاراً؟ وهل ثبت ذلك عن أحد من السلف؟ الجواب نعم، فقد قال الفضيل بن عياض: لو علمت دعوة صالحة لصرفتها للسلطان، لأنه إذا صلح السلطان صلح العباد والبلاد.

стр. 245

بدعية الدعاء على ولي الأمر السؤال لو دعا رجل على السلطان خفية لمظلمة، فهل يعد مبتدعاً؟ الجواب نعم، لا يدعو عليه وإنما يدعو له بالصلاح، حتى يرد المظلمة.

стр. 246

بيان أن البدعة أعظم من سائر المعاصي السؤال هل البدع أعظم من سائر المعاصي: كالزنا واللواط وغيرها؟ الجواب نعم، هكذا قال العلماء: البدع أشد من الكبائر؛ لأن صاحب المعصية كالسارق وشارب الخمر يعلم أنه عاصٍ وقد يفكر في التوبة ويوفق لها، لكن صاحب البدع يظن أنه على الحق، فإذا نهيته عنها أصر عليها وقال إنها سنة، فلا يفكر في التوبة، ويبقى على بدعته. وتختلف البدع وتتفاوت مثل المعاصي، فمنها ما هو عظيم فاحش ومنها ما هو صغير.

стр. 247

تعريف دار الكفر وبيان حالة كون الدار دار الحرب السؤال لدينا مجموعة من المسلمين -ممن ينتسبون إلى السلفيين- أباحوا السرقة والزنا من الكفار بحجة أنهم في دار حرب، فما هو تعريف دار الكفر ودار الحرب؟ وهل هذا الفعل صحيح؟ الجواب ليس بصحيح، فالكافر الحربي هو الذي يحاربك ويحدث بينك وبينه قتال، فهذا حلال الدم والمال، مثل اليهود الذين يقاتلهم المسلمون في فلسطين فيكون بينهم وبين الفلسطينيين قتال، فهذا كافر حربي، ومثل ذلك قتال المسلمين في الشيشان للروس، فالمسلم في الشيشان إذا وجد روسياً فيجوز أن يقتله؛ لأن دمه وماله حلال. أما الكافر الذي لا يوجد بينك وبينه حرب مثل أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين في ديارهم المسالمة أو دخل البلد وعنده أمان، فهذا لا يجوز قتله، فقد جاء في الحديث: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) فالمعاهد معصوم الدم والمال.

стр. 248

تحريم التعامل بالربا مع الكافر أو غيره السؤال ما هي شروط عمل المسلم تحت الرجل الكافر بالربا والمحرمات، علماً بأن المسلم ليس له أي دخل بهذه المحرمات؟ الجواب لا يجوز للمسلم أن يعمل في الربا تحت كافر أو تحت مسلم، ولا يجوز للمسلم أن يعمل تحت الكافر أيضاً، ومن باب أولى إذا كان عملاً خاصاً بحيث يمتهنه الكافر كأن يكون خادماً للكافر، أو طباخاً عند الكافر، فلا يجوز هذا؛ لأن في هذا امتهاناً للمسلم، لكن العمل العام مثل المؤسسات أو المصانع قد يختلف حكمها، أما أن يعمل في الربا أو يعمل في الرشوة أو القمار فهذا لا يجوز تحت الكافر ولا تحت المسلم مطلقاً.

стр. 249

الدعاء للحاكم الظالم بالصلاح السؤال إذا جار السلطان، وهتك الحرمات، وغصب الأموال والأعراض، فهل يكون الدعاء عليه بالهلاك حينئذ خيراً له حتى لا يزداد إثماً، وخيراً للمسلمين حتى يتخلصوا من شره؟ وكيف نفسر قول النبي ﷺ : (شرار أئمتكم الذين تدعون عليهم وتلعنونهم ويلعنونكم)؟ الجواب إذا كان السلطان هكذا فخير لك أن تدعو له حتى يصلحه الله. أما إذا كان يأخذ مالك، وتدعو عليه فقد تستجاب فيزداد فجوراً ويزيد في ظلمك، لكن عليك أن تدعو له. أما قول النبي ﷺ : (شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ويلعنونكم وتلعنونهم) فالمراد فعل الناس، وأن هذا الواقع، وليس المراد أن يشرع لعنهم، ولهذا سئل بعد ذلك: (أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة).

стр. 250

بيان الأمر بالدعاء لولي الأمر السؤال قال المؤلف: ٠أمرنا بالدعاء لأولياء الأمور) فهل ورد حديث صحيح بهذا الأمر؟ الجواب الأمر بالدعاء لولاة الأمور عام، فقد أمرنا على وجه العموم أن ندعو للمسلمين جميعاً، ولهذا لما عصت دوس قالوا: (يا رسول الله! ادع عليهم؟ وقالوا: هلكت دوس، فقال: اللهم! اهد دوساً وأت بهم) فهداهم الله وجاءوا مسلمين، فدعا لهم النبي ﷺ ، ونحن مأمورون بالدعاء لكل مسلم، والسلطان أولى بأن يدعى له؛ لأن في صلاحه صلاح الرعية.
следующие страницы →