← Акыда

Акыда · id 35083

شرح كتاب السنة للبربهاري - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (283 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

علماء الطمع سبب ظهور البدع قال المؤلف ﵀: [واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، وهم علماء السوء أصحاب البدع والطمع]. (واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق) كبدعة الخوارج, وفتنة الجهمية، وبدعة القدرية, وبدعة المعتزلة, فلم تنشأ هذه إلا من الهمج، أي: الجهال الذين لا علم عندهم، والذين يتبعون كل ناعق، فكلما سمعوا شيئاً تبعوه سواء كان على الحق أو على الباطل فليس عندهم بصيرة ولا تمييز، فهؤلاء هم سبب انتشار البدعة؛ لعدم بصيرتهم. (فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]) أي: أهل الكتاب ما اختلفوا إلا بعد العلم، والذي حملهم على اختلافهم البغي، وهذا ذم لأهل الكتاب، وهو تحذير لنا -في نفس الوقت- حتى لا نفعل مثل فعلهم فيصيبنا ما أصابهم، قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية:١٧] وسببه: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]. وسبب الاختلاف هم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع من أهل الكتاب، ومن هذه الأمة أيضاً. (وأصحاب الطمع والبدع) هم الذين يختارون الدنيا بالدين والذين يبيعون آخرتهم بدنياهم, فهؤلاء هم الذين تظهر بسببهم البدع، وفيه التحذير من البدع وتحذير أهل العلم من الزيغ والانحراف.

стр. 177

لا يزال الخير في أفراد هذه الأمة قال المؤلف ﵀: [واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، فاستثناهم فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقال رسول الله ﷺ : (لا تزال عصبة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)]. (اعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم ويحيي بهم السنة) أي: أن الأمة لا يزال فيها الخير، لا يرفع من هذه الأمة، وهذه بشارة من النبي ﷺ بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم). وهي بشارة في أن الخير لا ينقطع من هذه الأمة ولا يرفع منها، بل لابد أن تثبت طائفة على الحق إلى يوم القيامة، إلى أن تأتي الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات.

стр. 178

العالم من اتبع العلم والسنن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة، فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب]. (واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب) أي: كون الإنسان يروي الأحاديث، ويكون له شيوخ كثيرون، وأتباع، وقد يكون الإنسان لديه مكتبة كبيرة الحجم مليئة بالكتب، ولكن قد لا يستفيد ولا يقرأ فيها ولا يعمل بما فيها، فالحمار يحمل الأسفار وهي الكتب ولا يستفيد منها, وقد مثل الله تعالى أهل الكتاب بذلك، قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]. قوله: (إنما العالم من اتبع العلم والسنن) فالعالم هو الذي يتبع العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب، إذاً: المهم في العالم اتباع السنة، فمن اتبع السنة فهو العالم، ولو كانت روايته وكتبه قليلة, ومن خالف السنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب.

стр. 179

تحريم الكلام في الدين دون الاستناد إلى حجة من الكتاب والسنة قال المؤلف ﵀: [واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين]. (واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله) كأن يفسر كلام الله برأيه وقياسه وتأويله الفاسد، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن آية في كتاب الله, فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم. قوله: (من غير حجة) أي: من الكتاب ولا (من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم) والقول على الله بما لا يعلم مرتبة فوق الشرك، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك؛ لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، فالشرك قول على الله بلا علم. (ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين) وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].

стр. 180

كل حق مأخوذ من الكتاب والسنة والجماعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحق ما جاء من عند الله ، والسنة: سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان]. (والحق ما جاء من عند الله أي: في كتاب الله وسنة رسوله، فالقرآن وحي والسنة وحي, يقول النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، والله تعالى يقول عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] فالحق ما جاء من عند الله، مما أنزله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . والسنة: سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فإن كل حق فهو مأخوذ من كلام الله وكلام رسوله، ومن الكتاب والسنة، وسنة الرسول ﵊ هي: قوله وفعله وتقريره.

стр. 181

وجوب الاقتصار على ما جاء في الكتاب والسنة والنهي عن التنطع والتعمق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه والجماعة، فلج على أهل البدع كلها، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي)، وبين لنا رسول الله ﷺ الناجين منها فقال: (ما كنت أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستنير، وقال رسول الله ﷺ : (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق)]. (من اقتصر على سنة رسول الله ﷺ وما كان عليه الجماعة من اقتصر على سنة الرسول ﷺ وما كان عليه أصحابه والجماعة فلج) أي: ظفر وفاز بالمطلوب، وفلج غيره، أي: غلب غيره بحجة. والجماعة: هم المؤمنون الذين اجتمعوا على الحق، فإذا اقتصر الإنسان على ما جاء في القرآن والسنة، وعلى ما كان عليه الصحابة فإنه يفلج أهل البدع، أي: يغلبهم بالحجة ويظفر ويفوز ببغيته. (واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله) وهكذا حال المؤمن الذي يلزم الكتاب والسنة والجماعة، فهو يظفر بالمطلوب ويفوز به، ويغلب أهل البدع كلهم، ويستريح بدنه ويسلم له دينه. (لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) وجاء في الحديث السابق. (كلها في النار إلا واحدة) , وبين لنا رسول الله ﷺ الناجي من هذه الفرق بقوله: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهذا (هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستنير)، أي: هذا الذي بينته لك من أنه يجب الاقتصار على السنة والجماعة، والحذر من أهل البدعة هو الشفاء، وهذا هو البيان، وهذا هو الأمر الواضح، وهذا هو المنار المستنير. وقال رسول الله ﷺ : (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق) هذا الأثر نسبه المؤلف إلى النبي ﷺ ، وقد قال في الحاشية: إن هذا ليس من كلام الرسول ﷺ ، ولكنه من قول ابن مسعود. (إياكم والتعمق) أي: أن يتعمق الإنسان ويريد أن يصل إلى ما لم يصل إليه غيره, فيتعمق في السؤال عن الأشياء التي لا يحتاج إليها، وهو قريب من معنى التنطع، فكون الإنسان يتنطع بلسانه ويتعمق بفكره، فيسأل عن أشياء لا حاجة له بها. (وعليكم بدينكم العتيق) أي: القديم.

стр. 182

الأسئلة

стр. 183

بيان الفرق بين زواج المتعة والزواج بنية الطلاق السؤال هل الزواج بنية الطلاق نوع من المتعة، وما حكمه؟ الجواب الزواج بنية الطلاق ليس من المتعة, فهو زواج بولي وشاهدي عدل ورضا المرأة ومهر، لكن أن يضمر في نفسه الطلاق فقد ينفذ هذه النية وقد لا ينفذها، فلا يعلم عنه إلا الله. واختلف العلماء في حكمه: فمنهم من أباحه، ومنهم من منعه, وقد ذكر هذا الخلاف في كتاب المغني، وقد قال من منعه: إن الولي أو الزوجة لو علموا بهذه النية ما زوجوه. ومنهم من قال: إنه لا بأس به، لأن النية وحدها ليس عليها عمل في هذا الباب، وما دام أنه لم يتكلم، وقد يرغب ولا ينفذ هذه النية فلا يؤثر ذلك بخلاف زواج المتعة فهو اتفاق الرجل مع المرأة على أن يتزوجها مدة معينة وهذا زنى.

стр. 184

بيان أن المراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة السؤال ما مراد النبي ﷺ في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) إلى آخر الحديث, هل المراد الخلفاء الأربعة فقط، أم يشمل ذلك كل خليفة كان على نهج النبي ﷺ ، ولو بعد زمن؟ الجواب المراد الخلفاء الراشدون الأربعة, فقد جاء في حديث عنه ﵊: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، ونهايتها كانت خلافة علي ﵁, ونرجع إلى سنة الخلفاء الراشدين الأربعة عند خفاء السنة، لكن لو وجد قول لأحد الخلفاء الراشدين يخالف السنة فيؤخذ بالسنة, وإذا لم يوجد في المسألة نص عن النبي ﷺ ثم وجد قول لأحد الخلفاء الراشدين فإنه يؤخذ بقول الخليفة الراشد.

стр. 185

حكم إلحاق عمر بن عبد العزيز بالخلفاء الذين تتبع سنتهم السؤال هل يعد عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الراشدين الذين تتبع سنتهم؟ الجواب لا، ليس منهم، لكن من العلماء من ضمه إليهم لعدله وورعه, وعمر بن عبد العزيز متأخر فخلافته كانت على رأس المائة هجرية.

стр. 186

حكم تكفير الحاكم بالقوانين الوضعية السؤال هل تحكيم القوانين من الكفر البواح الذي يوجب الخروج على الحاكم مع القدرة؟ الجواب هذا فيه تفصيل: إن كان مستحلاً له ويراه حلالاً فهذا كفر بواح، أما إذا لم يستحله فهذا فيه تفصيل أيضاً: فإن كان في جميع شئون الدولة، وقلب الأحكام رأساً على عقب، قال بعض العلماء: إنه كفر؛ لأنه بدّل الدين، وقال آخرون: لابد من قيام الحجة عليه؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وقد يكون له شبهة, أما إذا كان تحكيم القوانين في بعض القضايا فلا يكفر إلا إذا استحله.

стр. 187

فائدة القول بأن الجنس العربي أفضل من غيره السؤال ما فائدة قولنا: جنس العرب أفضل من جنس العجم، مع أنه لا فضل إلا بالتقوى؟ الجواب هذا من ذكر الشرف الدنيوي والحسب والنسب، وإلا فلا قيمة له، فالنبي ﷺ زوج بنت عمه ضباعة بنت الزبير المقداد بن الأسود وهو من الموالي، وأبو حذيفة زوج بنت أخيه وهي حرة قرشية سالماً مولاه، فلا حرج، وإن كان بعض العلماء قال: إن القرشية لا تتزوج إلا قرشياً، والهاشمية لا تتزوج إلا هاشمياً، وقالوا: إذا كان يحصل بزواجها من غير الهاشمي أو القرشي فتنة فإنه يمنع درءاً للفتنة والمفسدة، وإلا فالأصل أنه لا حرج. وهذا مثل قولك: الذهب أحسن من الفضة، والفائدة من قولك أن تعرف أن هذا أفضل لبساً، وأفضل قيمة وكذلك جنس العرب فهم أفضل في الجملة من العجم من جهة الحسب الدنيوي، ولكن لا ينفع عند الله إلا العمل الصالح، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) والمعنى: أن من أخره العمل بأن كان سيئاً فإن النسب لا يرفعه حتى ولو كان من أولاد الأنبياء، فما نفعت أبا لهب عروبته وقرشيته وأنه من بني هاشم، ولا ضر بلالاً أنه حبشي، ولا صهيباً أنه رومي، فهؤلاء من أولياء الله ومن أهل الجنة, وأبو لهب وأبو جهل في النار وهما قرشيان ونسبهما أرقى نسباً.

стр. 188

الأماكن الصالحة أفضل الأماكن السؤال هل لأهل المدينة فضل في زماننا على غيرهم من أهل الأمصار؟ الجواب لا، يقول النبي: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) لكن سكن المدينة فيه فضل، فقد دعا النبي ﷺ لها بالبركة، أما الأشخاص والذوات ففضلهم إنما يكون بالعمل الصالح سواء كانوا في المدينة أو في غير المدينة، ومشركو قريش سكنوا مكة وهم كفار وأخرجوا النبي ﷺ والصحابة إلى المدينة، ومكة أفضل ولكن سكن فيها الكفرة, والصحابة خرجوا من مكة ومن المدينة وذهبوا إلى الأمصار ونشروا دين الله. وهناك اختلاف بين أفضلية سكان المدينة أو مكة، قال بعض العلماء: سكنى مكة أفضل، وقال بعضهم: سكنى المدينة أفضل، وقال شيخ الإسلام: الأفضل المكان الذي تقيم فيه دينك، وما كان أصلح لقلبك فهو أفضل، ولو كان في أقصى الدنيا, والمكان الذي ترى فيه صلاحاً لدينك هو ما كان أهله من أهل السنة والجماعة، وأهل التوحيد والغيرة، أما المكان المليء بالمعاصي والبدع، والمكان الذي يضعف الدين، فالأفضل أن تسكن في غيره. فإن تساوى وصار صلاح دينك في مكة أو في المدينة أو في غيرها فمكة أفضل، ثم المدينة, وقد يكون في المكان الفاضل منكرات وبدع ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فيضعف دين الإسلام في القلوب، فالأفضل هو المكان الذي ترى فيه صلاحاً لقلبك ولدينك.

стр. 189

القول في تكفير المأمون السؤال سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في شريط يكفر المأمون لقوله بخلق القرآن، فهل يصح هذا عن الشيخ؟ الجواب لم أسمعه، ولكن القاعدة أن المعين لا يكفر بعينه حتى تقوم عليه الحجة، والمأمون قد لبس عليه المعتزلة، وهو الذي أمر بترجمة كتب اليونان والرومان، فدخل على المسلمين منها شر كثير، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون هكذا، ولكنه لم يكفره، حتى إن الإمام أحمد ما كفره ودعا له، وأظنه صلى خلفه وحلله أيضاً؛ لأن له شبهة فقد لبس عليه المعتزلة، ولا أظن أن سماحة الشيخ ابن باز يكفره بعينه.

стр. 190

حكم الخوارج والروافض السؤال هل يصح عن الشيخ ﵀ أنه يكفر الخوارج عامتهم وعلماءهم، وكذلك الخوارج والرافضة؟ الجواب الخوارج فيهم خلاف، وقال الجمهور إنهم مبتدعة, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصحابة عاملوهم معاملة العصاة المبتدعة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون. ولما سئل علي عنهم: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. ومن العلماء من كفرهم، وهي رواية عن الإمام أحمد ﵀، واستدلوا بالأحاديث: (أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وأظن أن سماحة الشيخ يختار القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو القول بكفر الخوارج. والروافض إذا كانوا يكفرون الصحابة ويعبدون آل البيت فهذا كفر, فمن يكفر الصحابة ويفسقهم فهو كافر؛ لأنه مكذب لله؛ ولأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، فمن كفرهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر, وكذلك من عبد آل البيت، وكذلك من قال: إن القرآن محفوظ ولم يبق إلا الثلث، وهذا تكذيب لله، وهو كفر وردة.

стр. 191

شرح كتاب السنة للبربهاري [١٢] استمر الدين صحيحاً لم تدخله البدع والمحدثات منذ وفاة رسول الله ﷺ إلى مقتل عثمان ﵁، ثم افترق الناس وانتشرت الأهواء، ولذا ينبغي أن يحذر المسلم من أهل البدع ولا يجالسهم وأن يتبع أهل السنن والآثار.

стр. 192

الدين الصحيح ما كان من وفاة الرسول إلى قتل عثمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الدين العتيق ما كان من وفاة رسول الله ﷺ إلى قتل عثمان بن عفان ﵁ الله, وكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة وتفرقت واتبعت الطمع والأهواء، والميل إلى الدنيا, فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحابُ رسول الله ﷺ ، أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع فهو كمن أحدثه، فمن زعم ذلك أو قال به فقد رد السنة، وخالف الحق والجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس]. قوله: (واعلم أن الدين العتيق) , يعني: الثابت, وأصل معنى العتيق: القديم، الذي لم يحصل فيه بدع ولا اختلاف. (ما كان من وفاة رسول الله ﷺ إلى قتل عثمان بن عفان ﵁؛ لأن الصحابة اجتمعوا على هذا الدين ولم تدخل الفتن والاختلافات، ولم يتمكن أهل البدع من التسلل إليهم وإحداث الفرقة بينهم منذ وفاة النبي ﷺ إلى قتل عثمان، ثم لما قتل عثمان فتح باب الفتن حتى إن الثوار أحاطوا ببيت أمير المؤمنين عثمان وقتلوه، بعد أن أشاع عبد الله بن سبأ أن أهل البيت مظلومين، وبعد أن أشاعوا عيوباً لـ عثمان ﵁, فتجمع عدد من السفهاء في الشام وفي مصر وفي الكوفة، ثم جاءوا وأحاطوا ببيت أمير المؤمنين وقتلوه ﵁، فحصلت الفتن، وخرجت الخوارج، ووجدت الشيعة، فكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة، وبعد ذلك بايع أكثر أهل الحل والعقد أمير المؤمنين علياً ﵁، وامتنع أهل الشام مع معاوية عن البيعة وحصل الخلاف والفرقة, ثم ظهرت الخوارج. (وتحاربت الأمة وتفرقت، واتبعت الطمع والأهواء، والميل إلى الدنيا)، والمراد غير الصحابة, فقد اتبع الناس الطمع والأهواء والميل إلى الدنيا ممن دخلوا في الإسلام حديثاً، ومن الشباب الذين نشئوا، أما الصحابة فلهم فضلهم ولهم سابقتهم وجهادهم واجتهادهم ﵃ وأرضاهم. (فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ لا يرخص للإنسان في البدع التي أحدثوها في شيء لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ . (أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع) كذلك أن يدعو الإنسان إلى بدعة أحدثها سابق له. (فإذا دعا إلى البدعة التي أحدثها غيره فهو كمن أحدثها)؛ لأن الراضي كالفاعل، ولأن الداعي إلى الشيء راضٍ به, فمن أحدث بدعة فهو مبتدع، ومن دعا إلى بدعة سابقة فهو كمن أحدثها. (فمن زعم ذلك أو قال به) يعني: من دعا إلى البدع التي أحدثها غيره (فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة) , والجماعة هي ما كان عليه رسول الله وأصحابه، (وأباح البدع) حيث إنه دعا إليها أو أحدثها. (وهو أضر على هذه الأمة من إبليس) وهذا الكلام فيه نظر، فكون الذي يدعو إلى البدعة أخطر على الأمة من إبليس فيه نظر؛ لأن البدعة لا تكفر صاحبها فلا يكون أضر من إبليس؛ لأن إبليس يدعو إلى الكفر، فكل كفر وكل زندقة وكل إلحاد وكل شر وفساد يدعو إليه إبليس، فلا يقال: إن من دعا إلى البدعة أضر على هذه الأمة من إبليس, لأن إبليس يدعو كل أحد، ولأنه يدعو إلى الكفر وإلى الإلحاد، وهو فوق البدعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن عرف ما ترك أصحاب البدع من السنة وما فارقوا فيه فتمسك به فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، وحقيق أن يتبع، وأن يعان، وأن يحفظ، وهو ممن أوصى به رسول الله ﵌]. أي: أن من عرف السنة التي تركها أصحاب البدع، وفارقوا فيها الجماعة، فتمسك بها، فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، فالشخص الذي ينظر إلى السنة التي تركها أصحاب البدع ثم يتمسك بها، وينظر إلى السنة التي فارقها أهل البدع فيتمسك بها، هو صاحب سنة وصاحب جماعة. (وحقيق أن يتبع وأن يعان) أي: جدير وينبغي أن يتبع، وأن يعان ويحفظ؛ لكونه لزم السنة. (وهو ممن أوصى به رسول الله ﷺ ؛ فقد أوصى بلزوم الجماعة، وأوصى باتباع الحق، وأوصى بقبول الحق ممن جاء به.

стр. 193

أصول البدع والأهواء أربعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلموا رحمكم الله أن أصول البدع أربعة أبواب: انشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى، ثم يصير كل واحد من البدع يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة قالة، وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله]. وهنا لم يذكر الأربعة أبواب، لكن ذكرها سيأتي فيما بعد. وقال عبد الله بن المبارك: أصل اثنين وسبعين هوى أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة أهواء تشعب اثنان وسبعون هوى، وهذه الأربعة هي: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج. وهذه هي أصول البدع، فالقدرية هم الذين أنكروا القدر ونفوا قدر الله، والمرجئة هم الذين نفوا أن الأعمال مطلوبة. وذكر غيره أن أصول البدعة خمسة وزاد الجهمية، ثم تتشعب بقية الفرق، وتكون ثلاثة وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة. قوله: (انشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى)، أي: تفرع من الفرق الأربع اثنان وسبعون فرقة، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة). ثم يصير كل واحد من البدع يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة قالة)، وهذا التحديد فيه نظر، فالمقالات ليس لها حد، والأقوال لا تنحصر، ومعنى الكلام: أن الفرقة تتشعب إلى أقوال متعددة، فقد تكون فرقة واحدة لها عدة أقوال، وكلها ضلالة وكلها في النار إلا واحدة، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فلا يصح تحديد الأقوال، أما الفرق فالرسول حددها وأنها ثلاث وسبعون فرقة. (وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب)، والضمير يعود إلى الواحدة التي سلمت من النار. وقوله: (من آمن بما في هذا الكتاب)، أي: كتاب المؤلف، فمن اعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة وهو الناجي إن شاء الله. وكان الأفضل بالمؤلف أن يقول: إن شاء الله أن من آمن بما في هذا الكتاب واعتقده من غير ريبة ولا شكوك فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله، ليجعل بذلك الخيار لله. وكان أولى بالمؤلف قبل ذلك أن يقول: وهو من آمن بالكتاب والسنة، وعمل بالكتاب والسنة، واستقام على الدين. وهذا أولى من قوله: (وهو من آمن بما في هذا الكتاب)؛ لأن هذا الكتاب من وضعه، ووضع البشر معرض للخطأ، وفيه أقوال ضعيفة كما سمعتم، وأقوال مرجوحة. ولكنه استثنى وقال في آخر كلامه: (إن شاء الله).

стр. 194

أسباب نشوء البدع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلاماً مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه لم تكن بدعة]. والمؤلف في قوله السابق يقول إنه سيبين سبب البدع، ويقول إن سبب البدع: أن أهل البدع ولدوا وشققوا الكلام، وتكلموا في شيء ليس فيه أثر عن رسول الله ولا عن أصحابه. (لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها)، أي: وقفوا عند السنة، وهي سنة النبي ﷺ ، وعند النصوص، ولم يتجاوزوها إلى محدثات الأمور لم تحصل البدع، لكن مقصود المؤلف ﵀ أنهم وقفوا عند محدثات الأمور، أي: قبل أن تحدث البدع، ولم يتجاوزوا النصوص من الكتاب والسنة إلى محدثات الأمور. (ولم يولدوا الكلام، مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ولا عن الصحابة لم تكن بدع)، فهذه أسباب البدعة.

стр. 195

ذكر بعض نواقض الإسلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمناً حتى يصير كافراً، إلا أن يجحد شيئاً مما أنزل الله، أو يزيد في كلام الله، أو ينقص، أو ينكر شيئاً مما قاله الله ، أو شيئاً مما تكلم به رسول الله ﷺ ]. أي: ليس بين العبد وبين الكفر إلا إذا فعل هذه الأمور. والمعنى: أن المؤمن يحكم عليه بالإيمان إلا أن يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، أو أن يفعل كفراً أو ردة. ومثل للأشياء التي يرتد بها الإنسان، فقال: (إلا أن يجحد شيئاً مما أنزل الله)، أي: يجحد آية من آيات الله، كأن يجحد آية الاستواء، أو يجحد فرضاً من فرائض الإسلام، أو يجحد خبراً أخبر الله به، أو يجحد الجنة أو النار وينكر وجودها، أو يزيد في كلام الله متعمداً، فمن زاد في كلام الله حرفاً ونسبه إلى كلام الله كفر، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] أو ينقص شيئاً من كلام الله فيحذف شيئاً من كلام الله متعمداً، أو ينكر شيئاً مما قال الله ، أو ينكر شيئاً من كلام الرسول بعد ثبوته، فيكون كافراً؛ لأن الأصل أن المؤمن يبقى على إيمانه، إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو مكفراً من المكفرات السابقة.

стр. 196

وصية المؤلف بالأخذ بما في هذا الكتاب وتبليغه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاتق الله رحمك الله وانظر لنفسك، وإياك والغلو في الدين، فإنه ليس من طريق الحق في شيء. وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى، وعن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه، وعن التابعين، وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع. فاتق الله يا عبد الله! وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضا بما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة، فعسى الله أن يرد به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته؛ فينجو به. فاتق الله، وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به، فإنه دين الله ودين رسول الله ﷺ ، فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب؛ فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله ﵎ إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر، كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها، إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئاً من السنة في ترك بعض، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها، فعليك بالقبول، ودع عنك المحك واللجاجة؛ فإنه ليس من دين الله في شيء، وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله]. هذه نصيحة من المؤلف، يقول: (اتق الله رحمك الله)، أي: اجعل بينك وبين غضب الله وسخطه وناره وقاية تقيك، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له والعمل بالسنة وترك البدعة، وطريق التقوى أن تعبد الله مخلصاً له الدين، وأن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وحينئذ تكون قد اتقيت الله. (وانظر لنفسك) أي: انظر لنفسك الشيء الذي يخلصك من عذاب الله وسخطه، وهو لزوم الكتاب والسنة، والبعد عن البدع. (وإياك والغلو في الدين)، لا تغل بأن تتجاوز الحد في الأقوال والأفعال، قال الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]. (فإنه ليس من طريق الحق في شيء)، أي: أن الغلو ليس من طريق الحق. (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله، وعن رسول الله، وعن أصحابه، وعن التابعين، وعن القرن الثالث، وعن القرن الرابع)، وهذا الكلام فيه مبالغة من المؤلف ﵀؛ لأن هناك بعض المسائل ضعيفة كما مر معنا، وليس لها دليل في الكتاب، أو ليس لها دليل في السنة، فالمراد أغلب ما وصفت لك، فأغلب ما في هذا الكتاب له دليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الصحابة، أو من التابعين. (فاتق الله يا عبد الله!) فكرر الأمر بالتقوى لأهميتها، والتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وكلامه عام، فكل مؤمن هو عبد الله. (وعليك بالتصديق والتسليم وعدم الاعتراض) أي: التصديق لكلام الله وكلام رسوله، والتسليم لأمر الله وأمر رسوله. (والتفويض)، أن يفوض الإنسان علم ما لا يعلم إلى الله، كتفويض كيفية الصفات وكيفية أمور الآخرة إلى الله. (والرضا بما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة فعسى يرد الله به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته فينجو)، المؤلف يأمر ببث هذا الكتاب. (فاتق الله وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب)، وهذا أيضاً مبالغة من المؤلف؛ لأن هذا الكتاب فيه بعض الأمور التي ليس لها دليل، والمراد أغلب ما في هذا الكتاب. ثم قال: (فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب، وبثه) أي: نشره. (وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسوله)، وهذا غلط من المؤلف، فهذا الكتاب ليس دين الله ودين رسوله، فدين الله ورسوله ما جاء في القرآن العزيز، وسنة رسوله، أما هذا فكلام المؤلف ﵀، وفهمه من نصوص الكتاب والسنة، وهو من وضع البشر، والبشر يخطئون ويصيبون. ثم قال المؤلف: (فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين)، وهذا فيه مبالغة من المؤلف، فقد مرت معنا أشياء ضعيفة تخالف الصواب، وليس معنى ذلك أن الإنسان لو خالف في مسألة أو مسألتين أو بعض المسائل أنه يخرج من الدين، ولا يدين لله بدين، فلا يكون ذلك إلا إذا أشرك وفعل ناقضاً من نواقض الإسلام. ومن الخطأ أن يجزم المؤلف فيقول: (من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين)، فقد ذكر في الكتاب مثلاً مسألة تحريم زواج امرأة بغير ولي، والحنفية يرون جواز ذلك، فلا يعني هذا كفرهم. (وقد رده كله) فمن استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب ألزمه المؤلف بأنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، وهذا ليس بصحيح، بل قد يخالف الإنسان شيئاً من هذا الكتاب مما ليس عليه دليل، أو مستنداً إلى حديث ضعيف، فيخالفه، ولا يلزمه أنه رده كله، فإذا رد الأشياء الضعيفة لا يلزم من هذا أنه رده كله. ثم شبه ذلك فقال: (كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله ﵎، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر) وهذا صحيح، فمن آمن بجميع ما قال الله ثم شك في حرف متعمداً وليس له شبهة، أو شك في حرف من كلام الله فقد رد القرآن كاملاً. قال (كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بالنية، وإخلاص اليقين)، لا بد أن يقولها الإنسان عن صدق وإخلاص، كما جاء في الحديث: (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي لفظ: (مخلصاً)، وفي لفظ: (غير شاك، دخل الجنة). (كذلك لا يقبل الله شيئاً في ترك بعض)، وهذا ليس بصحيح، بل إذا ترك بعض المسائل الفرعية لا يلزم من ذلك أن يكون قد ترك الدين. (ومن ترك شيئاً من السنة فقد ترك السنة كلها)، هذا أيضاً ليس بصحيح، بل قد يترك الإنسان بعض السنة، فيترك من السنة مثلاً إعفاء اللحية، فلا يلزم أنه إذا حلق اللحية قد ترك الدين كله، وترك السنة كلها، بل إنه عاصٍ. (فعليك بالقبول، ودع عنك المحك واللجاجة)، أي: اترك اللجاجة والخصومة والجدال، (فإنه ليس من دين الله في شيء)، يعني: الجدال والخصومة، (وزمانك خاصة زمان سوء)، وهذا في زمان المؤلف، في القرن الرابع الهجري، فكيف لو رأى القرن الخامس عشر؟! (فاتق الله)، أي: بالاستقامة على دين الله، وإخلاص العبادة لله، وحتى تسلم من غضب الله.

стр. 197

التحذير من الخوض في الفتن الواقعة بين المسلمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا وقعت الفتنة، فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج فيها، ولا تقاتل فيها، ولا تهو ولا تشايع ولا تمايل، ولا تحب شيئاً من أمورهم، فإنه يقال: من أحب فعال قوم -خيراً كان أو شراً- كان كمن عمله، وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته]. (إذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة) أي: كالقتال بين المسلمين، فالزم بيتك ولا تخرج مع الفتنة، وهذا مأخوذ من حديث: (إياك والقتال في الفتنة). وجاء في الحديث الحسن: (كسروا جفون سيوفكم في وقت الفتنة). وفي الحديث الآخر: (فتنة القائم فيها خير من الماشي، والقاعد خير من القائم)، وفي الحديث الآخر: (إذا وقعت الفتنة كن كخير ابني آدم، كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل). (ولا تكن مع الناس في القتال) أي: لا تشترك معهم في الفتنة كما جاء في الحديث: (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام). (وفر من جوار الفتنة)، فلا تكن بجوارها، سواء كانت هذه الفتنة: فتنة الحروب، أو فتنة الشبهات، أو فتنة الشهوات. (وإياك والعصبية) أي: لا تتعصب لقبيلتك، ولا لأقاربك. (وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة)، ولو كان قتال العصبية فهذا من الفتن، وهو من الأعمال الكفرية، قال ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). (فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج فيها)، أي: في الفتنة، ولا تقاتل فيها، (ولا تهو بأن تحب القتال، ولا تشايع)، وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]. (ولا توافق أهل الباطل)، من شايع أهل الفتن وافقهم، فلا تهو الفتنة ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئاً من أمورهم، ولا من أمور أهل العصبية وأهل الجاهلية وأهل البدع. (فإنه يقال: من أحب فعال قوم -خيراً كان أو شراً- كان كمن عمله). ثم دعا المؤلف ﵀ قال: (وفقنا الله وإياك لمرضاته)، وهو ما يرضي الله وهو التوحيد، وإخلاص الدين له، ولزوم السنة وترك البدعة، (وجنبنا وإياكم معصيته) من البدع والمنكرات.

стр. 198

التحذير من كثرة النظر إلى النجوم ومجالسة أهل الكلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واله عما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة. وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس]. (أقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة)، أي: لا تنظر في النجوم. والنظر في النجوم له أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: النظر في النجوم معتقداً أنها مؤثرة في الحوادث الأرضية، من الحروب، والأمراض، والأمطار، وغلاء الأسعار، وقيام الدول وزوالها، وهذا شرك أكبر في الربوبية، وهو شرك قوم إبراهيم ﵊ الذين بعث فيهم وهم الصابئة، فقد كان يعتقد الواحد منهم أن النجوم هي المؤثرة في الحوادث الأرضية. الحالة الثانية: أن ينظر في النجوم ويدعي بها علم الغيب، ولا يعتقد أنها مؤثره، بل يعتقد أن المؤثر هو الله، لكن يستدل بها على دعوى الغيب، فإذا اجتمعت النجوم أو افترقت، أو غابت أو طلعت، استدل بذلك على علم الغيب، وقال: إذا طلع النجم الثاني نزل المطر، أو غاب النجم الثاني ارتفعت الأسعار، أو إذا طلع النجم الثاني ولد عظيم أو مات عظيم، وهذه أيضاً دعوى بعلم الغيب، وهي كفر. الحالة الثالثة: أن ينظر في النجوم ليستدل به على معرفة القبلة، وينظر في النجوم حتى يعرف وقت زوال الشمس فيصلي الظهر، ينظر في النجوم ليعرف الطرق في البر أو في البحر، فهذا لا بأس به في أصح أقوال العلماء، ومع ذلك فإن بعض العلماء منع ذلك. والنوع الأخير يقال له: علم التسيير، فتنظر في النجوم لمعرفة فصول السنة، ومعرفة أوقات البذر للفلاحين والمزارعين، ومعرفة أوقات الصلوات، ومعرفة الطرق التي يهتدى بها في البر أو في البحر، فهذا لا بأس به. أما النوع الأول والثاني فيقال له: علم التأثير، وهذا هو معنى قول المؤلف: (أقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة). (واله عما سوى ذلك)، أي: تشاغل واترك ما سوى ذلك؛ فإنه يدعو إلى الزندقة، والزندقة هي النفاق. (وإياك والنظر في الكلام) أي: الخوض في الكلام مثل ما خاض الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فقد تكلموا في الصفات وفي الأسماء. (والجلوس إلى أصحاب الكلام) فلا تجلس معهم؛ لئلا يضروك ويعدوك. (وعليك بالآثار وأهل الآثار) أي: النصوص والأحاديث، (وإياهم فاسأل)، أي: اسأل أهل الحديث، فإذا أشكل عليك شيء فاسأل أهل الحديث؛ لأن كل مسألة تحتاج إلى دليل من الحديث، (ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس). وقد ذكر المحقق قول الإمام الشافعي قال: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام. وقال الإمام أحمد ﵀: لا يفلح صاحب الكلام أبداً. وقال الإمام أحمد أيضاً: لا تجالسوا أصحاب الكلام، وإن ذبوا عن السنة. وكل هذا فيه تحذير من أهل الكلام.

стр. 199

بيان أن الخوف أفضل طريقة لعبادة الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ما عُبِدَ الله بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقة والحياء من الله ﵎]. فالإنسان يعبد الله بالخوف، ويعبده أيضاً بالرجاء والحب، وهذه أركان العبادة، فالإنسان يخاف من ذنوبه ومعاصيه، إلا أن هذا الخوف يرافقه الرجاء؛ حتى لا يكون سوء ظن بالله؛ لأنه لو لم يكن معه رجاء لصار الخوف يؤدي به إلى القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وسوء الظن بالله، لكن الرجاء يمنعه. وكذلك على الإنسان أن يرجو الله، إلا أن هذا الرجاء يرافقه خوف؛ ولو لم يكن كذلك لاستخف الإنسان إتيان المعاصي. ولهذا يقول العلماء: إنه لا بد من هذه الأركان الثلاثة: حب، وخوف، ورجاء، ومن عبد الله بواحد منها فإنه لم يعبد الله، فمن عبد الله بالحب وحده كان زنديقاً، فهذه طريقة الزنادقة الصوفية، كما يذكر في كتب الوعظ عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه. وهذا غلط، فالله تعالى قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عن المتقين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] فلا بد من الرجاء والخوف. وطريق الخوف والحزن والشفقة والحياء من الله ﵎، كما سبق أنه لا بد أن يكون مع الخوف رجاء وحب؛ لأن الخوف وحده يوصل إلى التشاؤم، وسوء الظن بالله والقنوط، ولا بد أن يكون مع الرجاء خوف حتى لا يسترسل الإنسان في المعاصي.

стр. 200

التحذير من الجلوس مع من يعبدون الله بالحب فقط قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب، فإن هؤلاء كلهم على الضلالة]. قوله: (احذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة)، وهم الصوفية، فهم يدعون إلى المحبة فقط، بدون خوف وبدون رجاء، كما يروى عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه. وبعضهم يذكر العشق والعياذ بالله، ولم يأت في وصف المحبة العشق، إنما جاءت المحبة والود والخلة، فالصوفية يزعمون أن عندهم الشوق إلى الله وعشق الله، قبحهم الله. فالمؤلف يقول: احذر أن تجلس مع من يدعو إلى هذا؛ لأنهم على الباطل، ومن يخلو مع النساء أيضاً؛ لأنها وسيلة للفاحشة، قال ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). قوله: (وطريق المذهب) لعله يقصد مذهب الصوفية، فمن يدعو إلى الشوق وحده، ومن يخلو بالنساء فهو على ضلالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن الله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومنَّ من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلاً منه]. (واعلم) أي: تيقن، وهو حفظ الذهن الجازم، (رحمك الله) دعاء بالرحمة، أي: أسأل الله أن يرحمك، (أن الله ﵎ دعا الخلق كلهم إلى عبادته)، وهذا لا شك فيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣]، فالله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، فكلهم مأمورون بتقوى الله وعبادته. فمنهم من منَّ الله عليه بالإسلام -تفضلاً منه- فأسلم. ومنهم من كفر.

стр. 201

شرح كتاب السنة للبربهاري [١٣] من منهج السلف الكف عما شجر بين الصحابة من خلاف وقتال، ويصلون خلف كل مسلم إلا أن يكون مبتدعاً فلا يصلى خلفه إلا أن لا يوجد إلا هو فيصلى خلفه، أما من كانت بدعته كفرية فلا يصلى خلفه.

стр. 202

النهي عن الكلام فيما شجر بين الصحابة من خلافات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير ﵏ أجمعين، ومن كان معهم، ولا تخاصم فيهم، وكل أمرهم إلى الله تبارك تعالى، فإن رسول الله ﷺ قال: (إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني). وقوله: (إن الله تبارك تعالى نظر إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم)]. (والكف عن حرب علي ومعاوية)، إذا يجب عليك أن تكف عن الكلام في الحروب التي حصلت بين علي ومعاوية، ولا تتكلم فيهم؛ فإن هذا وقع عن اجتهاد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. وكذلك ما حصل بين عائشة وطلحة والزبير لما جاءوا إلى المطالبة بدم عثمان، ثم وقعت واقعة الجمل، وكذلك من كان معهم، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم فيهم. والصحابة رضي الله عليهم هم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر الاجتهاد وفاته أجر الصواب، ولهم من الحسنات والسبق إلى الإسلام، وصحبة رسول الله ﷺ ، والجهاد في سبيله، ونشر دين الإسلام، ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات. وهذه الأخبار التي تذكر في كتب التاريخ منها ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها ما له أصل لكن زيد فيه ونقص، ومنها ما هو صحيح، والصحيح أنهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر. فلا تخاصم، وكل أمرهم إلى الله، أي: فوض أمرهم إلى الله، فإن رسول الله ﷺ قال: (إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني))، وهذا الحديث لا أعلم ثبوته. فقوله: (أصحابي) جمع صاحب، والصاحب: هو من صحب النبي ﷺ ، ومن لقي النبي ﷺ مؤمناً ولو لحظة ومات على الإسلام. (وأصهاري) يعني: أنسابه من أقارب زوجاته، أو أزواج بناته وأقاربه، سواء كانوا من أقارب زوجاته، أو أقارب أزواج بناته. (وأختاني) الأختان هم أقارب الزوجة. لكن هذا الحديث لا يصح، وقدر وردت أحاديث أخرى منها قوله ﵊: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وجاء حديث آخر: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم). قوله: (وقوله ﷺ : (إن الله ﵎ نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم)) هذا ثابت في صحيح البخاري، في باب فضيلة أهل بدر، والعلماء يقولون: الخلفاء الراشدون أفضل الصحابة، ثم بقية العشرة، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم أهل بدر. وقول الله تعالى: (اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم)، ليس إذناً بالمعاصي، بل إن المعنى: أن أهل بدر مسددون، وأن الواحد منهم إذا وقعت منه زلة لا بد أن يتوب، أو يطهر بأن يقام عليه الحد، أو يغفر الله له، وإلا فإن الواحد منهم ليس بمعصوماً، ولهذا لما كتب حاطب بن أبي بلتعة للمشركين بخبر النبي ﷺ متأولاً، وجاء إلى النبي ﷺ وسأله، وقال: يا رسول الله! لا تعجل علي، فإني ما فعلت ذلك كفراً وارتداداً عن دين الله، ولا رضاً بالكفر، ولكن أردت أن أتخذ يداً عندهم فيحمون بها عشيرتي وأهلي، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق فإنه قد خان الله ورسوله، فقال النبي ﷺ هذا الحديث: (وما يدريك يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: (أما إنه قد صدقكم) وقبل النبي ﷺ عذره، ومنع قتله، فلم يقتله وقد تجسس على المسلمين، ومن تجسس على المسلمين يقتل، وحاطب تجسس على المسلمين، ولم يقتله النبي ﷺ لأمرين: الأمر الأول: أنه صادق متأول. والأمر الثاني: لأنه شهد بدراً. لكن لو تجسس رجل على المسلمين وأخبر الكفار مثلاً بأخبار المسلمين، وقال: إنه متأول مثل حاطب، فلا يكون مثل حاطب، وهذا خاص بـ حاطب، فيقتل من تجسس على المسلمين.

стр. 203

حرمة أموال المسلمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه، ولا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه؛ فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرده على أربابه، فأخذت حراماً]. قوله: (واعلم) أي: تيقن، (رحمك الله): دعاء بالرحمة، (أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)، وهذا لفظ حديث يقول منه النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه). والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. (وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه) أي: لا يحل لأحد أن يأكل منه شيئاً إلا بإذنه. (فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرد على أربابه فأخذت حراماً)، أي: إذا كان رجل معه مال حرام فهو ضامن، أي: قد ضمنه، كأن يسرق مالاً من شخص، أو يجحد ديناً، فيكون ضامناً، فلا بد أن يؤديه إلى صاحبه، فإذا جئت إلى شخص ووجدت معه مالاً حراماً، فلا يجوز لك أن تأخذ المال؟ وإذا قال رجل: أريد أن آخذه، فلا يجوز؛ فإنه عسى أن يتوب هذا الرجل أي: الذي أخذ المال الحرام، فيريد أن يرد المال على أربابه أي: أصحابه، فتكون أخذت حراماً لا يحل لك؛ لأمرين: الأمر الأول: أن هذا الشخص الذي أخذ المال الحرام ضامن له. الأمر الثاني: أنه عسى أن يتوب فيرده إلى أصحابه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمكاسب مطلقة، ما بان لك صحته فهو مطلق، إلا ما ظهر فساده، وإن كان فاسداً يأخذ من الفساد ممسكة نفسه، ولا تقول: أتركُ المكاسب وآخذُ ما أعطوني، ولم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا. وقال عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس]. (المكاسب مطلقة) أي: أصلها على الحل، (ما بان لك صحته فهو مطلق)، أي: فلك أن تأخذه، فالأصل في البيع الحل، إلا ما دل الدليل على تحريمه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] فالمكاسب مطلقة، ما بان لك صحته فهو حلال، إلا ما ظهر فساده كالربا والرشوة والغش والخداع. (وإن كان فاسداً يأخذ من الفاسد ممسكة نفسه)، أي: إذا لم يجد مالاً حلالاً يأخذ من الحرام، وهو المال الفاسد الضروري، وهو المال الذي يمسك به نفسه ويقيم به أوده، ولا يأخذ زيادة على ذلك. فلو فرضنا أنه عم الحرام الأرض ولا يوجد مال حلال، فعليه أن يكسب ولكن بقدر ما يأكل ولا يكسب تجارة من المال الفاسد، وهذا معنى قوله: (وإن كان فاسداً يأخذ من الفساد ممسكة نفسه)، يعني: يأخذ من المال الفاسد الضروري ليمسك به نفسه. (ولا تقول: أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني)، لا تقول: إذا عم الأرض الكسب الخبيث، فلا أكسب ولكن أتكفف الناس فإذا أعطوني أخذت، فهذا لا يجوز، فكونك تكسب مالاً ولو كان رديئاً بقدر ما تقيم به نفسك، خير لك من أن تسأل الناس، ولهذا قال المؤلف: (لم يفعل هذا الصحابة، ولا العلماء إلى زماننا هذا)، أي: يتركون الكسب الرديء ويسألون الناس. (ويقول عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس)، أي: دنيء في طبعه مثل كسب الحجام وغيره، فكونه يكتسب من الحجامة أحسن من كونه يسأل الناس، ولهذا قال ﵊: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيبيع فيكف وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، وهذا الأثر الذي ذكره المؤلف أخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال، وكيع بن الجراح.

стр. 204

حكم الصلاة خلف المبتدع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت خلفه، إلا أن يكون جهمياً فإنه معطل، وإن صليت خلفه فأعد صلاتك، وإن كان إمامك يوم جمعة جهمياً وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك، وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة فصل خلفه ولا تعد صلاتك]. قوله: (والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت خلفه)، أي: خلف البر والفاجر، إلا أن يكون مبتدعاً بدعته مكفرة، فالصلاة خلف الفاسق والمبتدع فيها تفصيل عند أهل العلم. فقد اختلف العلماء في الصلاة خلف الفاسق والمبتدع الذي لا يصل فسقه ولا بدعته إلى الكفر، قال العلماء: إن كان إمام المسلمين فيصلى خلفه والصلاة صحيحة، أو كان لا يوجد في البلد إلا مسجد واحد وإمامه فاسق أو مبتدع فتصلي خلفه، ومن لم يصل خلفه فهو مبتدع، يعني: إما أن تصلي خلفه، وإما أن تصلي في البيت، وإن صليت في البيت فأنت مبتدع. أما إذا وجد مسجد آخر إمامه عدل، وصليت خلف المبتدع والفاسق، فإن كانت تحصل بذلك فتنة أو مفسدة، فصل خلف المبتدع درءاً للمفسدة، وإن كانت لا تحصل فتنة أو مفسدة، فصل خلف السني. أما الصلاة خلف الفاسق ففيها قولان لأهل العلم: فقد قال بعض أهل العلم: لا تصح، وهو مذهب الشافعية والأحناف. وقال آخرون وهم الحنابلة: تصح الصلاة خلف الفاسق. والصواب أنها تصح؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: (يصلون لكم) يعني: أئمة المسلمين، (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم). وقد صلى الصحابة خلف الحجاج بن يوسف الثقفي وكان فاسقاً ظالماً يقتل الكثير، فقد قتل الألوف، وصلوا خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر حين كان أمير الكوفة. أما إذا كانت البدعة والفسق تؤدي بصاحبها إلى الكفر، فلا تصح الصلاة، فالقاعدة تقول: الصلاة خلف الكافر لا تصح بالإجماع، وإذا صليت وجب أن تعيد الصلاة، مثل وثني يدعو غير الله، وهذا يوجد بكثرة في بعض البلدان، كقبوري يدعو غير الله، أو يذبح للأولياء، أو ينذر لغير الله، أو يطوف بغير بيت الله، فهذا لا تصح الصلاة خلفه، وإذا صليت وأنت لا تدري ثم علمت تعيد الصلاة. (أو كان جهمياً)، وهو من يقول: إن الله في كل مكان، فهذا لا تصح الصلاة خلفه، أو قدري يقول: إن الله لا يعلم الأشياء قبل كونها، أو رافضي، لا تصح الصلاة خلفهم فهم كفرة، فإذا صليت خلف رافضي أو قدري أو جهمي أو قبوري وثني، فلا تصح صلاتك. وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت خلفه، إلا أن يكون جهمياً)؛ لأن الجهمي كافر، ومثله القبوري والقدري والرافضي؛ فإنه معطل، (وإن صليت خلفه فأعد الصلاة). (وإذا كان إمامك يوم جمعة جهمياً، وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك)، والفائدة من الصلاة خلفه مع أنك ستعيد الصلاة هي أن تأمن شره، لأنك لو لم تصل خلفه فيعاقبك، أو تحصل فتنة بذلك، فصل خلفه ثم أعدها في البيت، أما إذا لم تحصل فتنة بذلك فصل في البيت ولا تصل خلفه. (وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة فصل خلفه ولا تعد الصلاة).

стр. 205

التسليم على قبري أبي بكر وعمر عند زيارة قبر النبي الكريم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما في حجرة عائشة مع رسول الله ﷺ ، قد دفنا هناك معه، فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما واجب بعد رسول الله ﷺ ]. وهذا ثابت، أن حجرة عائشة دفن فيها الرسول ﷺ ، ثم دفن فيها أبو بكر، ثم دفن عمر، وكأن هناك بعض الناس ينكر ذلك. (فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما واجب بعد رسول الله)، والصواب أنه ليس بواجب بل سنة، فزيارة قبر النبي ﷺ وزيارة قبري أبي بكر وعمر والسلام عليهما سنة، ومن فعلها أثابه الله، ومن ترك فلا حرج، وهذا إذا كان في البلد. أما أن يسافر من بلد إلى بلد لزيارة القبر فهذه بدعة؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى). فإذا جئت وزرت المسجد وصليت في المسجد النبوي ركعتين، فإنك تزور قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه، وتسلم عليهما، وتقول: السلام عليك يا رسول الله! أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله خيراً عن أمتك، وجزاك أفضل ما يجزي نبياً عن أمته، وتصلي على النبي ﵊. ثم تسلم على أبي بكر قائلاً: السلام عليك يا خليفة رسول الله! رحمك الله ورضي عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً، ثم السلام على عمر. وكان ابن عمر إذا قدم من سفر يأتي ويقول: السلام يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف ولا يزيد. فالسلام سنة وليس بواجب، أما قول المؤلف: (واجب) ليس بصحيح.

стр. 206

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إلا من خفت سيفه أو عصاه]. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتغير المنكر باليد إذا استطعت، فإن عجزت فباللسان، فإن عجزت فبالقلب مع البعد عن المعصية؛ لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). قوله: (إلا من خفت سيفه أو عصاه)، أي: من إذا غيرت منكراً بيدك ضربك بسيفه أو عصاه، فإذا أنكرت عليه باللسان وخفت سيفه أو عصاه فأنكر بالقلب، وابتعد عن المكان.

стр. 207

بيان أن السلام على الجميع ووجوب صلاة الجماعة والجمعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتسليم على عباد الله أجمعين، ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع، والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم، وما سوى ذلك فلا عذر له. ومن صلى خلف إمام فلم يقتد به فلا صلاة له. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف]. (التسليم على عباد الله أجمعين)، تسلم على كل من لقيت، فبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، وهذا خطأ، فالسلام من أسباب المحبة، ومن أسباب دخول الجنة، قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم في صحيحه. وسلم على كل مسلم إلا إذا عرفت أنه ليس بمسلم فلا تبدأه بالسلام؛ لقوله ﵊: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فإذا سلم عليك فتقول: وعليك، ولا تكمل، لقوله ﵊: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم). (ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع)؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، قال: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] والنبي ﷺ لم يرخص لـ ابن أم مكتوم وهو أعمى وكان رجلاً ضعيفاً شاسع الدار، وذلك لما قال له النبي: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) وأمر الله بصلاة الجماعة، فمن ترك الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع عاص. (والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد أو خوف من سلطان ظالم) خاف أن يقتله، (وما سوى ذلك فلا عذر له)، والصواب أن هناك أعذاراً أخرى غير هذه منها: المطر الذي يبل الثياب، وخوف الإنسان على ماله، وأن يدافعه الأخبثان، ومن أكل كراثاً أو ثوماً أو بصلاً قال فيه النبي ﷺ : (فلا يقربن مسجدنا) ولا يحل له أنه يأكله ليكون له عذر في ترك صلاة الجماعة. (ومن صلى خلف إمام ولم يقتد به فلا صلاة له)، يجب على المصلي أن ينوي الاقتداء بالإمام، ولا تصح الصلاة ممن لم يفعل ذلك، (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب)، كما سبق في حديث أبي سعيد، وهو درجات، فتنكر باليد ثم باللسان ثم بالقلب. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع علماً نافعاً وعملاً صالحاً.

стр. 208

الأسئلة

стр. 209

الفرق بين الخوارج والروافض السؤال هل هناك فرق بين الخوارج والروافض؟ الجواب هما متضادان، فالخوارج ضد الروافض، والروافض ضد الخوارج. والخوارج هم الذين يكفرون المسلمين بالكبائر، وينصبون العداوة لأهل البيت، ولذلك يسمون نواصب. والروافض يغلون في أهل البيت، فيعبدونهم ويغلون في حبهم، والنواصب يكفرون أهل البيت، فإذاً هما متضادان.

стр. 210

حكم الإكثار من الكلام على الروافض السؤال رجل يكثر الكلام على الروافض، وليس لديه إلا هذا الموضوع، فهل هو على صواب أم على خطأ؟ الجواب ينظر ما هو الشيء الذي يتكلم فيه، فإن كان الذي يتكلم فيه موافقاً للنصوص فهو على الصواب، وإن كان غير ذلك فهو مخالف، وينبغي له أن يتكلم عن الفرق الأخرى: القدرية والخوارج والمعتزلة والجهمية.

стр. 211

توضيح لمسألة التفويض السؤال نريد توضيحاً في مسألة التفويض؟ الجواب إن كان مقصود السائل التفويض في الصفات، أو تفويض المعنى، فهذا باطل، ومذهب التفويض مذهب باطل، والصواب: أن المعاني معلومة، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، وهو الاستقرار والصعود والعلو، لكن الذي يفوض الكيفية، كأن يفوض كيفية الاستواء إلى الله، فهذا صحيح، وأهل السنة يفوضون الكيفية.

стр. 212

بيان أن الرافضة ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة السؤال هل الرافضة يدخلون في الثلاثة والسبعين فرقة التي ذكرها الرسول ﷺ ؟ الجواب لا، فقد ذكر العلماء أنهم يخرجون عنها، فالرافضة والجهمية والقدرية الذين ينكرون علم الله، خرجوا من الاثنتين وسبعين فرقة؛ لأنها فرق مبتدعة، والرافضة والجهمية والقدرية كفرة؛ ولأن الرافضة يكفرون الصحابة ويفسقونهم، والله زكاهم وعدلهم، فهذا تكذيب لله، ومن كذب الله كفر، ولأن الرافضة يعبدون آل البيت وهذا شرك، ولأنهم يكذبون الله في أن القرآن محفوظ، يقولون: بقي الثلث من القرآن غير محفوظ، وهذا كله ردة. كذلك القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم الأشياء قبل كونها، فنسبوا إلى الله الجهل، وهم كفرة، والجهمية كذلك كفرة، يخرجون من الاثنتين وسبعين فرقة، وهكذا أقر أهل العلم.

стр. 213

حكم من يدعي تكليم أرواح الموتى السؤال هل ترسل الأرواح الميتة من قبل الملائكة إلى مريض بالصرع الروحي الخبيث وتتحدث هذه الأرواح الميتة مع القارئ، وتوصيه بأن يستمر في القراءة، وأن يصبر ويتوكل على الله، ويدعي أنه ميت من عهد الصحابة، وأنه مرسل من الملائكة، ويقول المريض: إنه إذا جاءه هذا الميت يأتي على شكل رجل ملتزم ثوبه قصير وله لحية، ويأتي معه نور عظيم، وإنني أرتاح إذا أتاني؛ فإنه يوصيني بتقوى الله ، والصبر والدعاء، فما رأي فضيلتكم في هذا، فأنا محتاج لجواب شافٍ؟ الجواب هذا من الجن، فالأرواح أولاً لا تموت، وإذا مات المؤمن نقلت روحه إلى الجنة، والكافر تنقل روحه إلى النار، وإنما تموت الأجساد، ثم بعد ذلك إذا بعث الله الأجساد عادت الأرواح إليها. وأما هذا الشخص فإنه يأتيه أفراد من الجن ومن الشياطين تتشكل في صورة إنسان قصير الثوب ويشجعه، وبعضهم يأمر بالشرك، ويأمر الزنا، وبعض الذين يقرءون على المريض يتحدث مع الجن ساعة وساعتين، ويخبره بمكان السحر وغيره، وكل هذا غلط؛ لأن الجن لا ندري ما أحوالهم، والجن أضعف عقولاً من الإنس، وقد يكونون منافقين، وقد يقول إنه مستقيم وهو منافق زنديق. فنصيحتي لهذا الشخص أن يتوب إلى الله، ولا يتعلق بهذا الكلام، ويترك هذا العمل.

стр. 214

زواج المسيار والفرق بينه وبين المتعة السؤال ما الفرق بين نكاح المتعة ونكاح المسيار؟ وهل يجوز نكاح المسيار؟ الجواب نكاح المسيار هو نكاح صحيح، وهو يكون بولي، وشاهدي عدل، ومهر، ورضا الزوجة، لكن الزوجة تسقط حقها، كأن تكون محتاجة إلى أن تبقى عند أهلها، فتقول: أسقطت الليلة، وتتفق مع زوجها أن يأتي متى ما شاء: في الأسبوع مرة أو في الأسبوع مرتين، وبعضهن تسقط النفقة أيضاً، كأن تكون مدرسة أو تكون موظفة، وهذا لا بأس به، وهو نكاح صحيح، وتقول: اجلس عند زوجتك وأولادك وأنا أنام عند أهلي. أما نكاح المتعة فهو زنى والعياذ بالله، وهو أن يتفق مع المرأة أن ينكحها يومين أو ثلاثة أيام أو أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين.

стр. 215

بيان أن الاثنتين والسبعين فرقة ليسوا كفاراً السؤال ما معنى: (انقسمت أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، هل يعني ذلك أنهم على الإسلام وأنهم لن يخلدوا في النار؟ الجواب نعم، هذه الفرق عصاة وأهلها متوعدون بالنار لكن ليسوا كفاراً.
следующие страницы →