Полный текст (283 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بيان أن الدنيا دار إسلام ما دامت تقام فيها الشرائع والشعائر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام].
قال الإمام أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أهل السنة: ويرون -أي: أهل السنة- أن الدار دار إسلام لا دار كفر كما رأته المعتزلة، ما دام النداء بالصلاة والإقامة بها ظاهرين وأهلها ممكنين.
فإذا كان في البلد من يقيم الإسلام وينادي بالصلاة فهي دار إسلام، فقد كان النبي ﷺ إذا أغار على قوم انتظر فإن سمع النداء تركهم، وإن لم يسمع النداء أغار عليهم؛ لأنهم ليسوا مسلمين.
فتكون الدار دار إيمان وإسلام إذا كانت شعائر الإسلام ظاهرة فيها، وإن لم تكن فيها شعائر الإسلام ظاهرة فهي دار كفر.
وقال بعضهم: العبرة بالحكم الذي يحكم فيها، فإن كان يحكم فيها بالشريعة فهي دار إسلام، وإن لم يحكم فيها بالشريعة فليست دار إسلام.
فمعنى قول المؤلف: (اعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام) يعني: مادام أن شعائر الإسلام ظاهرة كالنداء بالصلاة والإقامة بها وإظهار شعائر الإسلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمة محمد ﷺ فيها مؤمنون في أحكامهم، ومواريثهم، وذبائحهم، والصلاة عليهم].
يعني: يعاملون معاملة المسلمين، فالمواريث يرث كل واحد من أقاربه، وذبائحهم حلال، ويصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون خلافاً للمعتزلة والخوارج الذين يقولون: ليس هناك دار إيمان ولا إسلام، فإذا كان الناس يفعلون المعاصي فليست دار إسلام، ولا تحل ذبائحهم، ولا يصلى عليهم؛ لأنهم كفار، وهذا هو مذهب الخوارج والمعتزلة والروافض.
يقول الشوكاني في السيل الجرار: الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذوناً له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور خصال الكفر فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار، ولا بصولتهم، وإذا كان الأمر بالعكس، فالدار بالعكس.
стр. 72
شرح كتاب السنة للبربهاري [٧]
أهل السنة لا يشهدون بكمال الإيمان لأحد حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، ويصلون على المسلم وإن مات محدوداً في زنا ونحوه، ويعملون بالنصوص ولا يخالفونها.
стр. 73
عدم جواز الشهادة لأحد بكمال الإيمان إلا بشروط
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام].
يعني: لا نشهد لشخص بأنه مؤمن إيماناً حقيقياً حتى يوحد الله ويؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم، فيقال له: مؤمن حقاً، ومؤمن كامل الإيمان، أما إذا قصر في شيء من ذلك بأن فعل المحرمات وترك الواجبات فإنها تنتفي عنه حقيقة الإيمان؛ لأنه ناقص الإيمان حتى يتوب، فيقال في المطيع الذي يؤدي الفرائض وينتهي عن النواهي: مؤمن كامل الإيمان أو يقال له: مؤمن حقاً، والعاصي لا يعطى حقيقة الإيمان فلا يقال: إنه مؤمن حقاً، فليس بصادق الإيمان، فإذا أثبت الإيمان فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا تقل: ليس بمؤمن وتسكت؛ لأنك إذا قلت ليس بمؤمن وافقت الخوارج والمعتزلة، وإذا قلت مؤمن وافقت المرجئة فلا بد من القيد فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي تقول: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقاً، هذا معنى قول المؤلف: (ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان) يعني: لا نقول إنه مؤمن حقاً حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام فإن قصر كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى تام الإيمان أو ناقص الإيمان، يعني: الله تعالى أعلم بالشخص هل هو تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما ظهر لك من تضييع شرائع الإسلام، فإذا ظهر لك أنه ضيع شرائع الإسلام وترك بعض الواجبات عرفت أنه ناقص الإيمان.
стр. 74
جواز الصلاة على من مات من المسلمين العصاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة، والسكران وغيره].
كل من مات من أهل القبلة أي: كل من يستقبل القبلة في الصلاة والذكر والذبح ويلتزم بشرائع الإسلام فيشرع أن يصلى عليه وإن كان من العصاة مثل: المرجوم، والزاني، والزانية، والذي يقتل نفسه، والسكران وغيرهم من أهل القبلة فهذا ما ذهب إليه المؤلف وهو قول لبعض العلماء.
وقال بعض العلماء: إن المرجوم لا يصلى عليه، والزاني والذي يقتل نفسه لا يصلي عليه الأعيان والوجهاء كالعلماء وغيرهم تنفيراً وزجراً للأحياء حتى لا يفعلوا مثل فعلهم، ولكن يصلي عليهم بقية الناس لما جاء في بعض الأحاديث والتي تنص على أن بعض العصاة لا يصلى عليه كالقاتل ومن قتل نفسه، فلا يصلي عليه الوجهاء والأعيان والعلماء، فإذا رأى الحي أن القاتل لا يصلى عليه خاف أن يكون حاله مثله وألا يصلى عليه إذا مات، فيكون زجراً للأحياء، ويصلي عليه بقية الناس، والمؤلف يرى جواز أن يصلى على الجميع ولا فرق، فقال: (الصلاة على من مات من أهل القبلة سنة).
стр. 75
ذكر نواقض الإسلام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله ، أو يرد شيئاً من آثار رسول الله ﷺ ، أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة].
يقول: لا نخرج أحداً من الإسلام إلا إذا فعل مكفراً، كأن يرد آية من كتاب الله أو يجحد آية من آيات الله، كأن يرد آية الاستواء وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، لا متأولاً بل جاحداً، وهناك فرق بين المتأول والجاحد، فالمتأول يقول: (استوى) بمعنى: استولى وهذا عاص مبتدع؛ لأنه يعتقد أنها آية، ولا ينكرها ولكنه يؤولها.
أما الجاحد فهو ينكر ويعتقد أنها ليست آية، والجاحد يكفر بينما المتأول لا يكفر؛ ولهذا قال المؤلف: (لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله، أو يرد شيئاً من آثار رسوله ﷺ ، كأن يرد حديثاً ثابتاً من الأحاديث المتواترة بعد علمه أنه حديث ثابت متواتر.
(أو يذبح لغير الله) إن ذبح لغير الله صار مشركاً كافراً.
(أو يصلي لغير الله) إذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام إذا رأيت أحداً يدعو غير الله يقول: يا رسول الله اشفع لي، أو يقول: مدد يا بدوي! مدد يا دسوقي! مدد يا عبد القادر! خذ بيدي، أو يذبح أو عجلاً أو دجاجة للبدوي أو للحسين، أو للرسول أو للنجم أو للقمر، أو ينذر إن شفا الله مريضه ليذبحن خروفاً على روح السيد البدوي، أو على روح الرسول أو يطوف في القبر تقرباً إليه فهذا كافر مشرك، وإذا صلى لغير الله فهو مشرك.
إذا فعل الإنسان شيئاً من ذلك وجب عليك أن تخرجه من الإسلام أي: تعتقد جازماً أنه كافر؛ لأنه من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، والتوحيد لا بد له من شيئين: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، ومن لم يكفر الكافر لم يكفر بالطاغوت، وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله فيها كفر وإيمان، لا إله: كفر بالطاغوت، إلا الله: إيمان بالله، ومن لم يكفر الكفار والمشركين ويقول: إن النصارى على الحق، ويقول: اليهود على دين، والنصارى على دين، والمسلمين على دين وكل هذه الأديان نزلت من السماء فقد وقع في الكفر، ومن لم يكفره أو شك في كفره فهو كافر مثله، ومن لم يكفر اليهود أو النصارى أو شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت، فإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن مسلم، يعني: نسميه مسلماً وتجري عليه أحكام الإسلام.
(لا بالحقيقة) فلا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا أدى الفرائض وانتهى عن المحرمات، وإذا كان موحداً لله يؤدي الصلوات والواجبات ويترك المحرمات؛ ولكنه يترك بعض الفرائض أو يقصر فيها أو يفعل بعض المحرمات فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان وليس مسلماً حقاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا) (وينزل يوم عرفة) (وينزل يوم القيامة) (وجهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه)، وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وقوله: (إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة)، وقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) وقول النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة)، وأشباه هذه الأحاديث؛ فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا، لا تفسر شيئاً من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه أو رده فهو جهمي].
يقول المؤلف ﵀: (وكل ما سمعت من الآثار -يعني: من الأحاديث- مما لم يبلغه عقلك فعليك بالتسليم والتصديق) فإذا سمعت شيئاً من الأحاديث عن النبي ﷺ وأنت لا تعرف معناه فقل آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وتسلم فتقول: سلمت وصدقت وآمنت، وأما الكيفية فأفوضها إلى الله ولا تفسرها بهواك، فإن الإيمان بها واجب، ومن فسر شيئاً بهواه أو رده فهو جهمي.
وإذا بلغك شيء من الأحاديث وأنت لا تعرف معناه، فعليك أن تسلم بما جاء وتصدق وترضى، وتقول: آمنت وصدقت ورضيت، وأما كيفيتها فأفوضها إلى الله (ولا تفسر شيئاً منها بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب ومن فسر شيئاً منها بهواه أو رده فهو جهمي) ومثل المؤلف ﵀ لهذه الأحاديث بمثل قول النبي ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، فقل: آمنت بالله وتثبت الأصابع لله بنص الحديث السابق على الوجه اللائق به والله أعلم بالكيفية.
وقوله: (بين أصبعين) فلا يلزم من البينية المماسة فالسحاب قال الله فيه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، إذاً السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقاً للسماء وليس ملاصقاً للأرض، ولا يلزم منها المماسة.
وقوله ﵊ (إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) فنؤمن من خلال هذا الحديث بأن الله ينزل، ولكن الله أعلم بكيفية النزول كما قال الإمام مالك لما سئل في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فنعتقد أن الله ينزل ولا نعلم كيف ينزل، فهو ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته ليس مثل نزول المخلوق، ومن اعتقد أن الله يكون بين طبقتين، وأن السماء تكون فوقه والأرض تحته فقد شبه الله بخلقه، والله تعالى لا يكون فوقه أحد من خلقه فهو فوق المخلوقات ، وسقف المخلوقات ونهايتها عرش الرحمن والله تعالى فوق العرش.
وكذلك قوله: (ينزل يوم عرفة إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف ملائكته، يقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم) وينزل يوم القيامة كذلك.
وفي حديث جهنم قال ﵊: (لا يزال يطرح فيها) وجاء في لفظ الحديث: (لا يزال يلقى فيها)، والمؤلف روى الحديث بالمعنى ولفظ الحديث: (لا تزال جهنم يلقى فيها من أهلها، وتقول: هل من مزيد هل من مزيد، حتى يضع فيها رب العزة قدمه- وفي لفظ: رجله- فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: حسبي، حسبي) أي: يكفيني يكفيني، وهذا فيه إثبات القدم لله كما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات الرجل لله .
وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك) وهذا الحديث رواه المؤلف بالمعنى، وهو قوله ﵊ (إن الله لا يمل حتى تملوا، ومن أتى إلي يمشي أتيته هرولة)، وهذا كما يليق بجلال الله وعظمته، ومن آثار هذه الصفة أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل.
وقوله ﵊: (خلق الله آدم على صورته، طوله في السماء ستون ذراعاً) أي: طول آدم، وهذا فيه إثبات الصورة لله ، فقوله: (خلق الله آدم على صورته) الضمير يعود إلى الله، لما جاء في الحديث الآخر: (خلق الله آدم على صورة الرحمن).
وقال بعض الجهمية: إن الضمير يعود إلى آدم، ولهذا لما سأل عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: خلق الله آدم على صورة آدم، قال: هذا قول الجهمية.
وقيل: إن الضمير يعود إلى المضروب وهو الوجه فقد جاء في الحديث: قال: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) وهذه أقوال باطلة، والصواب أن الضمير يعود إلى الله، وهذا فيه إثبات الصورة لله كما يليق بجلاله وعظمته.
وقول النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة)، وهذا ثابت، وقد جاء هذا الحديث في رؤيا النوم، ورؤيا الأنبياء وحي، قال ﵊: (رأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، في أي شيء يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت، فقلت: يختصم في نقل الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) إلى آخر الحديث.
يقول المؤلف: (وأشباه هذه الأحاديث عليك بالتسليم والتصديق والتفويض) والمقصود بالتفويض أن تفوض علم الكيفية ولا تفسر شيئاً منها بهواك، أما المعنى فهو معروف ولا نفوضه، ومن فسر شيئاً من الكيفية أو رده فهو جهمي.
стр. 76
كفر من زعم رؤية الله في الدنيا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله ].
وهذا ما يقوله بعض الصوفية، فبعضهم يزعمون أنهم يرون ربهم، وقالوا: إن كل شيء أخضر قد يكون الله منه، وقال بعض المشبهة -قاتلهم الله- وأكثرهم من غلاة الشيعة: إن الله يرى في الدنيا، وإنه ينزل عشية عرفة على جمل، وإنه يعانق، ويصافح ويسامر، وهذا كله كفر وضلال.
ويقولون كذلك: إن الله على صورة الإنسان، وقال بعضهم: يبكي ويحزن ويندم، كما قالت اليهود قبحهم الله وهذا قول المشبهة من غلاة الشيعة كالبيانية الذين ينتسبون إلى بيان بن سمعان التميمي، والسالمية الذين ينتسبون إلى هشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواربي وهؤلاء كفرة، فالله تعالى فوق العرش: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وفي الحديث: (إن الله يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) وهؤلاء الملاحدة يقولون: إنه ينزل عشية عرفة على جمل ويحاضر ويسامر ويصافح قبحهم الله.
ولهذا قال المؤلف: (ومن زعم أنه يرى ربه في الدنيا فهو كافر) واتفق العلماء على أنه لا يراه أحد في الدنيا، ولا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا سواء كان من الملائكة أو من غيرهم، فقد قال ﵊: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلا يحتمل أحد رؤيته، فقد احتجب الله عن خلقه بحجب، وقد جاء في بعض الآثار: أنها حجب من نار وظلمات وثلوج، والله أعلم بها.
ولما طلب موسى أن يرى ربه في الدنيا قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] وهو صخر أصم ولكنه تدكدك ولم يصمد لرؤية الله، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: غشي عليه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فلا يراك أحد في الدنيا إلا مات، لكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون فيها رؤية الله؛ ولأنها رؤية نعيم خاص بأهل الجنة.
واتفق العلماء على أن الله لا يراه أحد في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في رؤية نبينا ﷺ لربه، واختلفوا هل رآه ليلة المعراج في السماء، على قولين: قيل: إنه رأى ربه، وقيل: إنه لم يره، والصواب أنه لم يره، وقال بعضهم: إنه رآه بعين قلبه، والصواب أنه لم ير ربه في الدنيا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فكلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلاة لكنه لم ير ربه، وهذا هو الصواب.
стр. 77
النهي عن التفكير في ذات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفكرة في الله ﵎ بدعة؛ لقول رسول الله ﷺ (تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الله) فإن الفكرة في الرب تفتح الشك في القلب].
المقصود: التفكر في ذات الله، وليس في صفات الله وعظمته؛ لقول الرسول ﷺ : (تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الله)، أخرجه أبو الشيخ في كتابه العظمة، من حديث ابن عباس مرفوعاً، وإسناده ضعيف ولكن له شواهد أخرى وعلى هذا فيكون بشواهده حسناً لغيره.
فلا يتفكر الإنسان في ذات الله، وإنما يتفكر في صفات الله، فيتفكر في علم الله الواسع وفي عظمته وفي قدرته.
стр. 78
بيان أن المخلوقات غير البشرية مأمورة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الهوام والسباع والدواب كلها نحو الذر والنمل والذباب، كلها مأمورة، لا يعملون شيئاً إلا بإذن الله ﵎].
وقال في نسخة: (لا يعلمون) الصواب: لا يعملون أي عمل ولا أي حركة إلا بإذن الله وبإرادته, أما العلم فهذا معروف أنهم لا يعلمون شيئاً إلا بإذن الله، لكن المقصود العمل، فلا يتحرك أي مخلوق حركة ولا يعمل شيئاً إلا بإذن الله، والمراد: إذن الله الكوني القدري، وكذلك العلم، فالهوام وغيرها لا يعلمون إلا ما علمهم الله.
стр. 79
كفر من أنكر شيئاً من علم الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ قد علم ما كان من أول الدهر، وما لم يكن، وما هو كائن أحصاه الله وعده عداً، ومن قال: إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم].
العلم صفة من صفات الله فمن أنكر علم الله فهو كافر, وهو أول مراتب القدر الأربع، وهو أن تؤمن بأن الله علم ما كان في الأزل -أي: في الماضي- ويعلم ما يكون في الوقت الحاضر، ويعلم ما سيكون في المستقبل، ويعلم المستحيل -أي: يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون- قال الله تعالى عن الكفار لما طلبوا العودة إلى الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] وهذا علم الله بما لم يكن لو كان كيف يكون, وقال أيضاً عن الكفار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] , وقال الله عن المنافقين الذين لم يخرجوا في غزوة تبوك: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧] وهم ما خرجوا ولكن علم الله ما سيكون منهم لو خرجوا, فلا بد من الإيمان بعلم الله تعالى، ومن قال إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم؛ لأنه نسب الله للجهل.
стр. 80
بيان شروط النكاح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق، قل أو كثر، ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له].
الولي: هو ولي المرأة وهو أبوها، ثم جدها، ثم ابنها، ثم ابن ابنها، ثم أخوها الشقيق، ثم أخوها لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم الحاكم بالترتيب, ولا بد من شاهدي عدل؛ لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل، وصداق) فلا بد من أربعة أمور: ولي يعقد النكاح, وزوج يُعقد له النكاح, وشاهدين, ولا بد من صداق وهو المهر الذي يدفع للمرأة قل أو كثر.
قوله: (ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له)، فالتي ليس لها ولي تنتقل إلى السلطان، والسلطان يبعثها إلى الحاكم وهو القاضي، والقاضي يعقد النكاح للمرأة التي لا ولي لها.
стр. 81
لا تحل المطلقة ثلاثاً للأول حتى تنكح غيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره].
إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فقد حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً آخر يدخل بها ويجامعها ثم يطلقها الثاني أو يموت عنها، فتحل للأول، لكن لو تزوجت رجلاً وطلقها قبل الدخول أو لم يدخل بها، بأن كان ممنوعاً ولم يجامعها فلا تحل للأول؛ قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] , ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].
وثبت: (أن رفاعة طلق امرأته ثم تزوجت رجلاً يقال له: ابن الزَبير، وقالت: يا رسول الله! إنما معه مثل هدبة الثوب، -يعني عندما يجامعها- فقال النبي ﷺ : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: الجماع.
فدل على أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا تحل حتى تنكح زوجا ً آخر ويجامعها ثم يطلقها أو يموت عنها، وبشرط ألا يكون محللاً, فإن اتفق مع الزوج أو مع الزوجة على أن يحلل له فهو ملعون، وهو التيس المستعار، ولا تحل للزوج الأول؛ لقول النبي ﷺ : (لعن الله المحلِّل والمحلَّل له) وسماه النبي ﷺ التيس المستعار.
إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً واتفق مع رجل آخر بأن يتزوجها ليلة ويطلقها حتى تحل له, فلا تحل له، فلا بد أن تنكح زوجاً آخر نكاح رغبة لا نكاح تحليل، ولا بد أن يجامعها ثم يطلقها أو يموت عنها, فحينئذ تحل للأول.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 82
الأسئلة
стр. 83
زواج عيسى إذا نزل آخر الزمان وبيان معنى القائم من آل محمد
السؤال
ذكر المصنف ﵀ أن عيسى بن مريم ﵊ يتزوج، ما مستنده في ذلك؟ ومن هو القائم من آل محمد؟
الجواب
عيسى ﵊ ينزل في آخر الزمان ويحكم بشريعة نبينا محمد ﵊، أما قوله (يتزوج) فقد جاء في بعض الأحاديث أنه يتزوج ويولد له وهذا ما أخذه المؤلف، وجاء في بعضها أنه يمكث سبع سنين ثم يتوفاه الله ويموت الموتة التي كتبها الله عليه، أخذاً ببعض الأحاديث، وهذا يحتاج إلى مراجعة الأحاديث في ثبوتها.
وأما القائم من آل محمد فالمراد به المهدي؛ لأنه من سلالة النبي ﷺ من ولد فاطمة، واسمه كاسم النبي ﷺ وكنيته ككنيته، هو محمد بن عبد الله المهدي، يبايع له في آخر الزمان الذي ليس للناس فيه إمام فيحكم بالعدل ثم يخرج في زمانه الدجال، ثم ينزل عيسى.
стр. 84
صبر المؤمن على الحاكم الكافر
السؤال
إذا كان الحاكم كافراً ولا نستطيع تغييره، فهل يلزم الإنسان أن تكون في عنقه بيعة له؟
الجواب
إذا كان كافراً بالشروط التي ذكرها النبي ﷺ : (كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فيصبر الناس عليه، ويبقى على ما كان ليس لك من الأمر شيء، سواء كان في عنقك بيعة له أو ليس في عنقك بيعة، فأنت لا تستطيع أن تعمل شيئاً، وإنما عليك أن تصبر حتى ييسر الله للأمة من يتولى أمرها من المسلمين.
стр. 85
بيان أن البيعة تكون لكل حاكم قطر
السؤال
بالنسبة للبيعة هل تشترط لكل قطر بيعة، أم أنها تكون عامة لإمام المسلمين جميعاً؟
الجواب
تكون بيعة عامة إذا كانت خلافة عامة، وتكون لإمام المسلمين مثل خلافة الخلفاء الراشدين ومثل خلافة خلفاء الدولة الأموية والدولة العباسية ثم الدولة العثمانية, وبعد سقوط الدولة العثمانية قسم الاستعمار بلاد المسلمين إلى دويلات وكل بلد دولة وعليها حاكم، والحكام يحصل بينهم خلاف ونزاع وحروب, فلا يوجد في أي عصر من عصور الدولة الإسلامية مثل هذا العصر الذي تقسم فيه المسلمون إلى دويلات فكل أهل بلد لهم بيعة لإمامهم.
стр. 86
حكم الدعاء للكافرين من حكام المسلمين
السؤال
من معتقد أهل السنة: الدعاء للحاكم وولي الأمر، فهل يجوز الدعاء للكافرين من أولياء الأمور، وهل من السنة المداومة على الدعاء في الخطب؟
الجواب
هذا سيأتي في كلام المؤلف ﵀، فالدعاء لولاة الأمور بالصلاح والمعافاة نقل عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو علمت دعوة صالحة لاختصصت بها السلطان؛ فبصلاحه تصلح الرعية، والكافر يدعى له بالهداية، ولما عصت دوس وقالوا: يا رسول الله! ادع على دوس فقد عصوا، وقال الناس: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً، وائت بهم) فهداهم الله وجاءوا مسلمين تائبين.
стр. 87
ثبوت الخلافة لمن تولى أمر المسلمين بالقوة والغلبة
السؤال
هل تثبت الإمامة بالقوة والغلبة، وهل أجمع العلماء على ذلك؟
الجواب
نعم، فإن الحديث دل عليه وهو قول أبي ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) فلولا أنها تثبت الخلافة ما أمره النبي أن يصبر عليه.
стр. 88
ضوابط الكفر البواح الصادر عن الإمام
السؤال
من قال إن حالات الكفر البواح ثلاث وهي أولاً: كفر الإمام وتصريحه بذلك, ثانياً: أن يقوم نظام الدولة على الكفر, ثالثاً: أن يظهر الكفر في المجتمع ولا يغيره الإمام , فهل هذا صحيح؟
الجواب
الكفر البواح يعرف, وليس خاصاً، فقد يتعلق بنفسه، ويتعلق بأفعاله، ومنها تغيير الأحكام الشرعية في جميع أمور الدولة، وقد قال بعض العلماء: إن هذا من الكفر, وقال آخرون: لابد من قيام الحجة عليه؛ لأنه قد يكون جاهلاً أو قد تكون له شبهه، وقال آخرون كالحافظ ابن كثير وغيره: إنه إذا غير أحكام الشريعة في كل شيء رأساً على عقب فقد بدل الدين، وهذا كفر وضلال.
стр. 89
وجوب هجرة المسلم من البلاد التي لا يستطيع أن يقيم دينه فيها
السؤال
إذا ارتد الإمام وقال: إن الشرع الإسلامي لا يصلح الآن؛ وعجز المسلمون عن خلعه، فهل يهاجر المسلم إلى بلد آخر؟
الجواب
نعم، إذا استطاع المسلمون فتجب عليهم الهجرة وإذا كانت البلاد بلاد كفر، وكان لا يستطيع المسلم أن يقيم فيها فيجب عليه الهجرة عند الاستطاعة , فإن كان من المستضعفين فقد عذره الله, والله تعالى أوجب الهجرة من بلاد الكفار بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧]، وقد نزلت هذه الآية في بعض ضعفاء المؤمنين الذين بقوا في مكة ولم يهاجروا إلى المدينة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء:٩٧] الملائكة تخاطبهم عند الموت, ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧] دل على أن عدم الهجرة, وأن بقاءهم في بلد الشرك من كبائر الذنوب، ثم عذر الله المستضعفين فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩] فهؤلاء معذورون؛ لأنهم لا يستطيعون, فإذا كان لا يستطيع أن يقيم دينه، فيجب عليه أن يهاجر إذا استطاع.
стр. 90
الجمع بين تجويز المؤلف الصلاة بالسراويل وبين قوله: (تسرولوا واتزروا)
السؤال
كيف نجمع بين قول المؤلف: لا بأس بالصلاة بالسراويل, وبين قول النبي ﷺ : (تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب)؟
الجواب
ليس هناك منافاة, فقوله ﵊: (تسرولوا) أمر بارتداء السروال، وقد أجاز المؤلف الصلاة بالسروال, فهما متفقان وليسا مختلفين, وكلاهما أباح الصلاة بالسروال، أما حديث: (تسرولوا واتزروا) فلا أعلم صحته ويحتاج إلى ثبوت، وعلى السائل أن يعزو هذا الحديث حتى ننظر إن كان صحيحاً أو غير صحيح.
стр. 91
حكم الصلاة في السراويل الضيقة
السؤال
هل تجوز الصلاة بالسراويل الضيقة وما يسمى بالسراويل الجنز وغيرها؟
الجواب
لا ينبغي، فالسراويل الضيقة التي تبين مقاطع الجسد وتؤذي الإنسان عند السجود والركوع وعند الوضوء لا يجوز الصلاة بها, بل ينبغي أن يكون السروال واسعاً فضفاضاً مريحاً للإنسان, والجنز إذا كان فيه تشبه بالكفرة فلا يجوز لبسه، لكن السراويل والبنطلونات الآن لم تعد خاصة بالكفار، فقد صارت عامة، كذلك فإذا كان واسعاً فلا بأس بالصلاة به, وإن كانت الصلاة في الثوب أحسن وأريح.
يقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم).
стр. 92
حكم الدول التي تحمي الكفار وتبني الكنائس
السؤال
كثير من البلاد الإسلامية لا يحكم فيها بالشرع الإسلامي, وفيها حماية للكفار وبناء الكنائس على حساب الحكومات وغيرها، فهل هذه بلاد إسلامية أو غير إسلامية؟
الجواب
لا بد من قيام الحجة عليهم ولا بد من كشف الشبهة.
стр. 93
بيان الشيء الذي يتم به وصف البلدة بأنها إسلامية
السؤال
كيف تسمى البلاد الإسلامية، هل بالسكان أم بالدستور أم بالحاكم؟
الجواب
فيه خلاف, فبعض العلماء يقول: العبرة بالمسلمين فإذا كان الحكام مسلمين، يظهرون الإسلام، وإقامة شعائر الإسلام فهي بلاد إسلام.
وبعضهم يقول: العبرة بالحكم، فإذا كان يحكم فيها بالشريعة فهي بلاد إسلام، وإذا كان يحكم فيها بغير الشريعة فليست بلاد إسلام.
стр. 94
حكم تكفير من قتل نفسه
السؤال
ما الفائدة من الصلاة على قاتل نفسه، وقد ثبت بنص الشارع خلوده في النار؟
الجواب
هو ليس بكافر, فالقتل لا يخرج من الملة, ولا يخرج الإنسان من الملة إلا بالشرك, والقتل ليس بشرك إلا إذا استحله, ورأى أن قتل نفسه أو قتل غيره حلال، فهذا كفر؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، أما إذا لم يستحله فهو ضعيف الإيمان ويصلى عليه, فالذي لا يصلى عليه هو الكافر, قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] ثم جاءت العلة ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة:٨٤] فمن كفر بالله ورسوله ومن ثبت كفره فلا يصلى عليه، ومن لم يثبت كفره يصل عليه, والقاتل ما ثبت كفره، إنما هو ضعيف الإيمان, وقد سمى الله القاتل أخاً للمقتول بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] , وهذه أخوة الدين والإيمان.
والخوارج هم الذين يكفرون بالمعاصي, ويقولون: القاتل كافر، والزاني كافر، والسارق كافر, ونحن لا نكفر القاتل إلا إذا استحله, والزاني إذا استحل الزنى وقال إن الزنى حلال، أو الربا حلال كفر, أما إذا اعتقد أن الربا حرام لكن الجشع والطمع غلباه فهذا ضعيف الإيمان.
стр. 95
حكم المحصن إذا زنى دون علمه بالعقوبة
السؤال
إذا زنى المحصن ولم يكن يعلم بعقابه، فهل يعفى عنه، خصوصاً إذا كان كبير السن؟
الجواب
لا يعفى عنه إذا كان يعلم أن الزنا حرام بل يقام عليه الحد, أما إذا كان لا يعلم أنه يجب رجمه وقتله، فهذا ليس عذراً له.
стр. 96
حكم صلاة من به سلس ريح
السؤال
سائل يقول: إنه يعاني من سلس ريح، وإنه يعيد وضوءه كثيراً حتى أصيب بالوسواس، فماذا يفعل؟
الجواب
إذا كان السلس مستمراً فعليه أن يصلي على حاله, ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت ولو خرج منه ريح، وحكمه مثل المستحاضة, أما إذا كان ينقطع عنه خروج الريح في وقت دون آخر فإنه يبطل وضوءه، وعليه أن يعيد الوضوء ويصلي في الوقت الذي ينقطع عنه.
стр. 97
ترتيب أشراط الساعة الكبرى
السؤال
ما هي أشراط الساعة الكبرى مرتبة؟
الجواب
الأربع الأولى: خروج المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى بن مريم، ثم خروج يأجوج ومأجوج، هذه أربعة متوالية مرتبة، وأما الباقي فلا أعلم ترتيبها وهي: خروج الدخان، ونزع القرآن من الصدور ومن المصاحف -والعياذ بالله- وهدم الكعبة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وآخرها النار التي تخرج من قعر عدن هذه عشر.
стр. 98
حكم من سب الله أو رسوله أو دينه
السؤال
ما حكم من سب الله ، ومن سب نبيه ﷺ ، ومن سب دين الإسلام؟
الجواب
هذا كافر بإجماع المسلمين, ومن استهزأ بالله فهو كافر, أو استهزأ بكتاب الله فهو كافر, ومن استهزأ برسول الله فهو كافر بإجماع المسلمين؛ والصواب أنه لا يستتاب بل يقتل ولا تقبل توبته في الدنيا ولو قال إنه تاب؛ لأن كفره غليظ وفي قتله زجر لغيره؛ ولئلا يتجرأ الناس على هذا الكفر الغليظ، وفي الآخرة تقبل توبته بينه وبين الله وهذا هو الصواب من أقوال العلماء، وقال بعض العلماء يستتاب والصواب أنه لا يستتاب في الدنيا لكن في الآخرة إن تاب توبة نصوح فالله يقبل توبته وإن كان كذاباً فهذا حكمه.
стр. 99
حالة ثبوت وصف الإحصان
السؤال
هل يشترط في الإحصان الدخول؟
الجواب
نعم، يشترط في المحصن أن يدخل بزوجته ويجامعها.
стр. 100
ثبوت رؤية الله في المنام
السؤال
هل صحيح أن الإمام أحمد رأى ربه في المنام؟
الجواب
لا أعلم, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن رؤية الله في المنام متفق عليها بين أهل الملل جميعاً وليس هناك أحد أنكرها إلا الجهمية، فمن شدة إنكارهم لرؤية الله أنكروا رؤية الله في المنام, ولكن لا يلزم من ذلك التشبيه, فهو يقول: إن رؤية الإنسان لربه على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده في ربه وعظمته صحيحاً رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان اعتقاده دون ذلك رأى ربه في صورة تناسب حاله وعمله, ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقاداً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة).
ولا يلزم أن يشابه الله ما رآه في منامه.
стр. 101
حكم طاعة الوالدين إذا أمرا الرجل بتطليق زوجته
السؤال
إذا أمرت الأم ابنها بطلاق امرأته فهل يطيعها؟
الجواب
لا بد من التأمل ولا يلزمه طاعة الوالدين، بل يجب عليه أن ينظر: فإن كانت الزوجة مستقيمة وليس عليها ذنب فلا يلزمه طلاقها، ولكن يتلطف مع والدته ويخاطبها بالخطاب اللين وكذلك مع أبيه، ولا يلزمه طلاقها في هذه الحالة إلا إذا كانت تستحق الطلاق, كأن تكون فاجرة أو مؤذية, وبعض الأمهات والآباء عندهم تعنت وعدوان فيعتدي على الزوجة أو يكرهها حقاً فلا يلزم طاعته, لكن عليه أن يتلطف مع والده ومع والدته ويخاطبهما بالكلام الطيب، لأن الوالد له حق عظيم, ولا يلزمه طاعتهما في هذا في الطلاق.
стр. 102
شرح كتاب السنة للبربهاري [٨]
يؤمن أهل السنة والجماعة بكل ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيؤمنون بحرمة دم المسلم، وأن من المخلوقات ما لا يفنى، ويؤمنون بوجوب التسليم لقضاء الله تعالى، وأن الله لا يظلم أحداً، وأن دخول الجنة برحمته.
стр. 103
ما يحل به دم ومال المسلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصان, أو مرتد بعد إيمان, أو قتل نفس مؤمنة بغير حق فيقتل به, وما سوى ذلك فدم المسلم على المسلم حرام أبداً، حتى تقوم الساعة].
قال المؤلف في الفقرة التي قبل هذه: (ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فأراد المؤلف ﵀ الرد على الرافضة الذين يجيزون نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة لا يكون بولي وشاهدي عدل, ونكاحهم نكاح مؤقت, فيتفق الرجل مع المرأة وقد لا يتفق مع وليها, وكذلك الأحناف الذين يقولون: إنه يصح النكاح بدون ولي, وهو يشير إلى حديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) وفي حديث آخر (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل) وفي الحديث الآخر: (لا تزوج المرأة نفسها، ولا تزوج المرأة المرأة، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها).
فلا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وكذلك لا تحل له بعد طلاق الثلاث؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ((فَإِنْ طَلَّقَهَا)) يعني: الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة:٢٣٠] فإذا أبقاها عنده بعد الطلاق الثلاث فإن نكاحه يكون زنا والعياذ بالله؛ ولهذا ذكر المؤلف ﵀ النكاح بولي وحكم الطلاق.
ثم قال: (ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصان, أو مرتد بعد إيمان, أو قتل نفساً مؤمنة بغير حق فيقتل به) , يشير بهذا إلى حديث ابن مسعود ﵁ في الصحيحين: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة) فنفس المسلم معصومة إلا إذا ارتكب واحدة من هذه الثلاث، والإحصان المراد به الزواج، فالمحصن هو الذي تزوج في عمره ولو مرة واحدة، فإذا زنى وكان قد تزوج ولو مرة في العمر ولو لم يكن معه زوجة ولو ليلة واحدة دخل بها على امرأته فيسمى محصناً، فإذا زنى فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت, أما إذا زنى وهو بكر ولم يتزوج فإنه يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً عن البلد.
(أو مرتد بعد إيمان): وهو التارك لدينه المفارق للجماعة، فإذا ارتد المسلم فإنه يقتل لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه).
والثالث: (إذا قتل نفساً مؤمنة بغير حق فإنه يقتل به) , فهذه الثلاث إذا ارتكب المسلم واحدة منها أحل دمه, وما عدا ذلك فهو معصوم الدم والمال؛ ولذلك قال المؤلف: (وما سوى ذلك فدم المسلم على المسلم حرام أبداً، حتى تقوم الساعة).
стр. 104
المخلوقات التي لا تفنى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى، إلا الجنة والنار، والعرش والكرسي، واللوح والقلم والصور، ليس يفنى من هذا أبداً، ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه يوم القيامة فيحاسبهم بما شاء، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ويقول لسائر الخلق ممن لم يخلق للبقاء: كونوا تراباً].
(وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء فإنه يفنى)؛ لقول الله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]؛ ولقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]؛ ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]؛ ولقوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١] فكل شيء يفنى ممن أوجب الله علية الفناء إلا الأشياء التي كتب الله لها البقاء، وهي ثمانية أشياء، ذكر المؤلف منها: الجنة والنار، فهما دائمتان مخلوقتان لا تفنيان، والعرش والكرسي، واللوح والقلم والصور، والمقصود بالصور الأرواح إذا خرجت، إذا خرجت روح الميت نقلت إلى الجنة ولها صلة بالجسد، وروح الكافر تنقل إلى النار ولها صلة بالجسد، والبدن يفنى ويدخل التراب ثم يعيده الله خلقاً جديداً ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور فتعود الأرواح إلى أجسادها مرة أخرى، فالأرواح باقية إما في نعيم أو في عذاب, وقد ذكر المؤلف سبعة أشياء، والثامن هو عجب الذنب وهو آخر فقرة في العمود الفقري، فقد جاء في الحديث: (كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب منه خلق ابن آدم ومنه يركب)؛ ولهذا يقول النووي: ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي نار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم وهذه الأشياء باقية بإبقاء الله لها, والجهم بن صفوان يرى أن الجنة والنار تفنيان, وقد أنكر عليه أهل السنة وبدّعوه وضللوه وكفروه.
(ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه) , وجاء في الحديث أن كل إنسان يبعث على ما مات عليه, فمن مات على الخير يبعث على الخير, ومن مات على الكفر يبعث على الكفر, ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه يوم القيامة ويحاسبهم بما شاء, وجاء في الحديث: (أن الله يحاسب الخلائق في وقت واحد, لا يلهيه شأن عن شأن) فيحاسبهم في وقتهم كما أنه يخلقهم ويرزقهم ويعافيهم ويجيب سؤالهم في وقت واحد.
لكن المخلوق ضعيف، فلو كلمك اثنان أو ثلاثة أو كلمتهم لما استطعت، ولكن الله يفرغ من حسابهم بقدر منتصف النهار, ثم ينتقل أهل الجنة إلى الجنة في وقت القيلولة ويقيلون فيها، قال الله : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤].
(يحاسبهم بما شاء، ففريق في الجنة، وفريق في السعير, ويقول لسائر الخلق ممن لم يخلق للبقاء: كونوا تراباً) جاء في الحديث: أن البهائم تبعث يوم القيامة ويقتص من بعضها البعض حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء, إذا كانت الشاة التي لها قرون نطحت أختها الشاة التي ليس لها قرون, تأخذ حقها منها، فإذا أخذت حقها منها قال الله لها: كوني تراباً، فتكون، وحين ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠].
стр. 105
وجوب الإيمان بالقصاص يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالقصاص يوم القيامة بين الخلق كلهم، بني آدم، والسباع والهوام، حتى للذرة من الذرة، حتى يأخذ الله لبعضهم من بعض, لأهل الجنة من أهل النار, وأهل النار من أهل الجنة, وأهل الجنة بعضهم من بعض, وأهل النار بعضهم من بعض].
وهذا مما يجب الإيمان به, فيجب الإيمان بالقصاص بين الخلق كلهم يوم القيامة، وأن الله تعالى يقتص للخلائق بعضهم من بعض, سواء من بني آدم ومن غير بني آدم ومن السباع والهوام، وحتى للذرة من الذرة إذا اعتدت عليها فيأخذ الله لبعضهم من بعض، وفي الحديث: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) حتى ماتت جوعاً, فالعدوان على الحيوانات فيه إثم، والمرأة دخلت النار بسبب هرة اعتدت عليها وربطتها حتى ماتت جوعاً.
وهذا معنى قول المؤلف: (الإيمان بالقصاص)، أي: يجب على المسلم أن يؤمن بالقصاص يوم القيامة, وأن الله تعالى يقتص للمظلوم من الظالم سواء كان من بني آدم أو من السباع والهوام وحتى للذرة من الذرة, وحتى يأخذ الله لبعضهم من بعض فيأخذ لأهل الجنة من أهل النار.
فإذا كان هناك حق لواحد من أهل النار على واحد من أهل الجنة فإنه سيأخذ حقه منه, وإذا كان هناك حق لواحد من أهل النار على واحد من أهل الجنة فسيأخذه منه، فاليهودي والنصراني غير الحربي مثلاً لا يجوز قتله ولا أخذ ماله بغير حق؛ لقوله ﵊: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) ودمه معصوم، فإذا اعتدى مسلم عليه وقتله أو أخذ ماله أو سرق منه، أو اقترض منه قرضاً ولم يعطه حقه فإن المعاهد يقتص من المسلم يوم القيامة، فدم الكافر حلال وماله حلال إذا كان محارباً وبيننا وبينه حرب وقتال، أما إذا كان ذمياً وليس بيننا وبينه حرب فهو معصوم الدم والمال لا يجوز قتله ولا يجوز أخذ ماله؛ ولهذا قال المؤلف: (حتى يقتص لأهل الجنة من أهل النار, وأهل النار من أهل الجنة, وأهل الجنة بعضهم من بعض, وأهل النار بعضهم من بعض).
وأهل النار كل يأخذ حقه ممن اعتدى عليه من أهل النار، وأهل الجنة كل يأخذ حقه ممن اعتدى من أهل الجنة، وأهل الجنة يأخذون حقهم ممن اعتدى عليهم من أهل النار، وأهل النار يأخذون حقهم ممن اعتدى عليهم من أهل الجنة؛ ولهذا إذا تجاوز المؤمنون الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، وقد قيل إنها طرف الصراط، فيقتص لأهل الجنة بعضهم من بعض، وكل واحد يأخذ حقه قبل أن يدخل الجنة، فإذا اقتص بعضهم من بعض نزع الله الغل من صدورهم، ودخلوا الجنة في غاية من الصفاء وغاية من سلامة الصدور، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
стр. 106
وجوب إخلاص العمل لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإخلاص العمل لله].
يجب إخلاص العمل لله، وهذا شرط في صحة العمل، فلا يصح أي عمل إلا بالإخلاص، فإذا لم يخلص الإنسان عمله لله صار شركاً، وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه يقول الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه أحداً غيري تركته وشركه) وقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] فالعمل لا يصح إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون خالصاً لله فإن لم يكن خالصاً صار شركاً.
والشرط الثاني: أن يكون صواباً على هدي وسنة رسول الله، فإن لم يكن صواباً صار بدعة, وقد جمع الله بين هذين الشرطين في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وهذا شرط الصواب، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وهذا الإخلاص، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢] وإسلام الوجه هو إخلاص العمل لله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] الإحسان: أن يكون العمل صواباً موافقاً للشرع، ودل على الإخلاص أيضاً قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ودل على صواب العمل قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه الشيخان وفي لفظ لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
стр. 107
التسليم والرضا بأقدار الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والرضا بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها, قد علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون, لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, ولا خالق مع الله ].
يستحب للإنسان أن يرضى بقضاء الله، ويجب أن يصبر على حكم الله، والصبر عند المصيبة معناه: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عما يغضب الله، وهذا هو الواجب، فلا يلطم الإنسان خداً ولا يشق ثوباً ولا ينتف شعراً، وهذا من النياحة, فالصبر على أقدار الله واجب، أما الرضا فهو مستحب.
(والإيمان بما قال الله , كذلك يجب الإيمان بشرع الله ودينه، والإيمان بالأوامر والنواهي.
(الإيمان بما قال الله وأخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها).
والإيمان بالقدر له مراتب أربع لا بد منها: المرتبة الأولى: العلم.
والإيمان بأن الله علم كل شيء، فعلم الأشياء قبل كونها في الأزل، وعلم ما يكون منها في المستقبل والحاضر، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
والمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وهو اللوح المحفوظ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢]، وفي الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
والمرتبة الثالثة: الإيمان بإرادة الله الشاملة لكل شيء, فكل شيء في هذا الوجود شاء الله وجوده.
والمرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد.
وهي الإيمان بأن الله خلق كل شيء، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
(قد علم الله ما العباد عاملون) وهذه المرتبة الأولى وهي مرتبة العلم.
(وإلى ما هم صائرون) فقد علم الله ما العباد عاملون في المستقبل، وإلى ما هم صائرون في الآخرة إما إلى جنة أو إلى النار، وهم لا يخرجون من علم الله.
(لا يكون في الأرضين ولا في السموات إلا ما علم الله قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وهو اللوح المحفوظ، ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨].
قوله: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، هذا من الإيمان بالقدر، ولا يجد الإنسان طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وأن الشيء الذي أصابك لا يمكن أن يخطئك وأن تسلم منه ما دام مكتوباً عليك، والشيء الذي يخطئك وتسلم منه لا يمكن أن يصيبك؛ لأن الله قدر ذلك, ولا خالق مع الله ؛ لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فمن قال إن هناك خالقاً مع الله فهو مشرك، وقد أشرك في ربوبية الله.
стр. 108
عدد تكبيرات صلاة الجنازة أربع تكبيرات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتكبير على الجنائز أربع، وهو قول: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله ﷺ ].
ثبت في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات) وهذا هو قول جمهور العلماء وهم مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء كلهم، فهم يرون أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، ومن العلماء من أجاز خمس تكبيرات أو ستاً أو سبعاً, وقد ثبت أن النبي ﷺ كبر على بعض الجنائز خمس تكبيرات، ولكن الجمهور على أربع، قال النووي ﵀: استقرت الشريعة على أربع، وأن هذا كان أولاً، ثم استقرت الشريعة الاقتصار على أربع تكبيرات، والصواب أن المسألة فيها خلاف، لكن الأرجح الذي عليه الجمهور هو الاقتصار على أربع تكبيرات.
стр. 109
وجوب الإيمان بأن مع كل قطرة نازلة من السماء ملك نازل من السماء
قال المؤلف ﵀: [والإيمان بأن مع كل قطرة ملكاً ينزل من السماء، حتى يضعها حيث أمر الله ].
جاء هذا من قول الحسن بن قتيبة والحسن البصري، وذلك أن الله تعالى وكل بالقطر ملكاً وهو ميكائيل، وجبريل موكل بالوحي، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، فهؤلاء الأملاك الثلاثة هم رؤساء الملائكة وهم مقدمون عليهم؛ ولهذا توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة في حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل استفتح بهذا الاستفتاح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
قال العلماء: توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة؛ لأن كل ملك موكل بما فيه الحياة, فجبريل موكل بالوحي الذي فيه حياة القلوب والأرواح, وميكائيل موكل بالقطر والمطر الذي فيه حياة الأبدان والنبات والحيوان, وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه إعادة الأرواح إلى أجسادها فتعود الحياة إلى الأجسام.
стр. 110
وجوب الإيمان بسماع موتى المشركين يوم بدر نداءات النبي الكريم لهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن النبي ﷺ حين كلم أهل القليب يوم بدر -أي المشركين- كانوا يسمعون كلامه].
وهذا ثابت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كلم أهل القليب) وهم الكفرة الذين قتلوا يوم بدر وسحبوا بعد موتهم، وألقوا في بئر بعد أن ظهر نتنهم، فجاءهم النبي ﷺ وناداهم بأسمائهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً).
فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يسمعون؟ وفي لفظ آخر قال: ما تنادي من قوم هلكى؟ فقال النبي ﷺ (والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب أي: في بئر هناك.
فلا بد أن يؤمن الإنسان بأن النبي ﷺ حين كلم أهل القليب يوم بدر-أي المشركين- أنهم كانوا يسمعون كلامه، وهذا مستثنى من كون الميت لا يسمع، فالأصل أن الميت لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] فالميت لا يسمع إلا ما دل الدليل على أنه يسمع، وكذلك ما ورد أن الميت إذا دفنه المشيعون له وتولوا عنه فإنه يسمع قرع نعالهم إذا تولوا, فهذا سماع خاص, وكذلك ثبت أنه يشرع أن يسلم على الميت، وثبت أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ وما عدا ذلك فالأصل أن الميت لا يسمع كلام الناس ولا يدري عن أعمال الناس ولا عن أحوالهم، وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث أن الميت تعرض عليه أعمال أقاربه، وأنه إذا رأى خيراً حمد الله، وإذا رأى سيئاً استغفر, وكذلك عرض أعمال أمة النبي ﷺ عليه، وكل هذا جاء في أحاديث ضعيفة.
следующие страницы →