← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

حدّ السّرقة تعريف السّرقة: السرقة لغةً: أخْذ الشيء المحرَز من الغير؛ من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء (١). أجمع العلماء على قطع اليد في السرقة لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ... ﴾ (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "تقطع اليد في رُبع دينار فصاعداً" (٣). أنواع السرقة (٤) والسرقة أنواع: ١ - ما يوجب التعزير: وهي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إِقامة الحد، وقد قضى رسول الله ﷺ بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.

стр. 2137

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرين (٣) فبلغ ثمن المجنّ (٤) فعليه القطع" (٥). وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً من مُزَيْنة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة (٦) الجبل، فقال: "هي وَمثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشيَة قَطعٌ، إِلا فيما آوَاه المُراحُ (٧). فَبَلغَ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يَبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه

стр. 2138

غرامةُ مِثْليِه، وجَلَدَات نَكَال" (١). قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: "هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيِه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال" (٢). وعن رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كَثَر (٣) ". (٤) ٢ - ما يوجب الحدّ وهي التي يجب فيها قطع اليد. ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن (٥) ولا مُنْتهب (٦)

стр. 2139

ولا مختلس (١) قطع (٢) ". (٣) قال ابن القيم ﵀: "وأمّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قطْع المختلس، والمنتهب، والغاصب، فمِن تمام حكمة الشارع أيضاً؛ فإِنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإِنه ينقُب الدور، ويهتك الحِرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطْعه، لسَرَق الناس بعضهم بعضاً، وعظُم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإِن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويُخلّصوا حقّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم.

стр. 2140

وأمّا المختلس فإِنّه إِنّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكّن به المختلس من اختلاسه، وإِلا فمع كمال التحفُّظ والتيقُّظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه، وأيضاً فالمختلس إِنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالباً، فإِنه الذي يغافلك، ويختلس متاعك في حال تخلّيك عنه، وغفلتك عن حِفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب. وأمّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال". (١) هل في جحد العارية حدّ ؟ *اختلف العلماء في حُكم جاحد العارية، فقال الجمهور لا تُقطع يده؛ لأن القرآن والسنّة أوجبا القطع على من سرق، والجاحد للعارية ليس بسارق! * (٢). وذهب الإِمام أحمد (٣) وإِسحاق وجمْع من العلماء إِلى قطع يده لحديث عائشة ﵂ "أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي

стр. 2141

سرقت فقالوا: من يكلّمُ فيها رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إِلا أسامة حِبّ (١) رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إِنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم (٢) الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقَت لقطع محمد يدها" (٣). وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمرَ النبي ﷺ أن تُقطَع يدها ... " (٤). قال الإِمام ابن حزم ﵀ بعد تفصيل ومناقشة للآراء المخالفة في "المحلى" (٣/ ٤١٤): "فتُقطع يد المستعير الجاحد؛ كما تقطع من السارق -سواءٌ بسواء- .... ". ولا شك أن الحديث هو الفيصل فقد نزّل الجحد منزلة السرقة، وقد كان القطع لأجل الجحد، ورواية "سرقت" تفسير للفظ "تستعير المتاع وتجحده". قال الإِمام الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٧/ ٣٠٨):

стр. 2142

" .. فالحق قطع جاحد الوديعة؛ ويكون ذلك مُخصِّصاً للأدلة الدالة على اعتبار الحرز، ووجهه أن الحاجة ماسّة بين الناس إِلى العارية، فلو علم المعير أن المستعير إِذا جحَد؛ لا شيء عليه؛ لجَرّ ذلك إِلى سد باب العارية وهو خلاف المشروع". الصفات التي يجب اعتبارها في السارق (١): *١ - أن يكون السارق بالغاً عاقلاً؛ فلا حدّ على مجنون ولا صغير إِذا سرق؛ لأنهما غير مُكَلَّفين ولكن يُؤدّب الصغير إِذا سرَق. ولا يُشترط في السارق الإسلام؛ فإِذا سَرق الذّمي أو المرتدّ فإِنه يُقطع، كما أنّ المسلم يُقطَع إِذا سرَق من الذمّي. [أقول: هذا لعموم النصوص الواردة في عقوبة السارق والسارقة من غير استثناء؛ فتُؤخذ على عمومها]. ٢ - الاختيار؛ بأن يكون السارق مختاراً في سرقته، فلو أُكره على السرقة؛ فلا يُعدّ سارقاً؛ لأن الإِكراه يسلبه الاختيار، وسلْب الاختيار يُسقِط التكليف. ٣ - ألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة، فإِن كانت له فيه شُبهة؛ فإِنه لا يقطَع، ولهذا لا يقطع الأب ولا الأمّ بسرقة مالِ ابنيهما.* (٢). فعن جابر بن عبد الله ﵁ "أنّ رجلاً قال: يا رسول الله إِنّ لي

стр. 2143

مالاً وولداً. وإِنّ أبي يريد أن يجتاحَ مالي. فقال: أنت ومَالُك لأبيكَ" (١). وجاء في "السيل الجرّار": (٤/ ٣٦٧) قوله: "ولا يقطع والد لولده وإنْ سفُل". أقول: لا شك أنّ حديث: "أنت وَمالُكَ لأَبيكَ" يكون شبهة أقلّ أحْوَاله، وهو حديث تقوم به الحجّة، وقد عضده حديث: "كُلُوا مِنْ كَسبِ أولادكم" وأمّا الولد إِذا سرق مال والده فلا شبهة له، وهو مشمول بالأدلة الموجبة للحد على السارق. قلت: ويرى شيخنا ﵀ أنه لا بدّ من تقييد هذا بالحاجة، والله أعلم بالصواب. فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ أولادكم هِبَةُ الله لكم ﴿يَهَبُ لمن يشاء إناثاً ويَهَبُ لمن يشاء الذّكور﴾ فهم وأموالهم لكم إِذا احتجتُم إِليها" (٢). قال شيخنا ﵀: "وفي الحديث فائدة فقهية هامة قد لا تجدها في غيره، وهي أنه يبين أنّ الحديث المشهور: "أنت ومالك لأبيك" (٣) ليس على إِطلاقه، بحيث أنّ الأب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا وإِنما يأخذ ما هو بحاجة إِليه". انتهى.

стр. 2144

قلت: لذلك كان يرى ابن حزم ﵀ قطع الأب والأم لغير حاجة فقد قال في "المحلى" (١٣/ ٣٨٥): " ... فصحّ أن القطع واجب على الأب والأمّ، إِذا سرقا من مال ابنهما؛ ما لا حاجة بهما إِليه". والذي يترجح لديّ عدم إِقامة الحدّ على الأب للشبهة المعلومة، فإِن الوالد لا يُقتل بولده، -كما سيأتي إِن شاء الله تعالى في حدّ القتل (١) -. وسيأتي الآن بعد سطرٍ -بإِذن الله سبحانه- عدم قطع الخادم؛ فالأب من باب أولى. والله -تعالى- أعلم. ولا يقطع الخادم الذي يخدم سيده. فعن السائب بن يزيد؛ أنّ عبد الله بن عمرو الحَضرمي جاء بغلام له إِلى عمر بن الخطاب فقال له: "اقطع يد غلامي هذا فإِنه سرق، فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهماً. فقال له عمر: أرسِله فليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم" (٢). وعن عمرو بن شرحبيل قال: "جاء معقل المزنيّ إِلى عبد الله فقال: غلامي سرق قبائي، فاقطعه، قال عبد الله: لا؛ مالك بعضُه في بعض".

стр. 2145

وفي لفظ "مالك سرق بعضه بعضاً؛ لا قطع عليه" (١). الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق: *١ - أن يكون ممّا يُتَموَّل ويُملَك ويَحل بيعه، وأخذ العِوض عنه، فلا قطع على من سَرق الخمر والخنزير؛ حتى لو كان المالك لهما ذمّيّا؛ لأن الله -تعالى- حرّم ملكيتهما والانتفاع بهما؛ بالنسبة للمسلم والذّمي على السواء. وكذلك لا قطع على سارق أدوات اللهو؛ مثل العود والكمنج والمزمار (٢)؛ لأنها آلات لا يجوز استعمالها، وأمّا الذين يُبيحون استعمالها؛ فهم يتفقون مع مَن يُحرّمها في عدم قطع يد سارقها، لوجود شبهة، والشبهات مُسقِطةٌ للحدود* (٣). ٢ - أن يكون في حرز (٤)، فشَرْط القطع؛ الإِخراج من الحرز -كما تقدم- قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١١/ ١٨٥): "والحرز مشروطٌ؛ فلا قطع إِلا فيما سرق من حرزٍ، والمعتبر فيه العُرف؛ ممّا عدّه أهل العُرف حرزاً لذلك الشيء؛ فهو حِرزٌ له، ومالا؛ فلا .. " (٥).

стр. 2146

قلت: وهذا مأخوذٌ باستقراء الأحاديث والآثار؛ كما هو بيّن. ٣ - أَلاّ يقل الشيء المسروق عن ربع دينار من ذهب أو ما يعادلها كما في الحديث "تُقطع اليد في ربع دينار" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "لم تُقطع يَد السارق في عهد رسول الله ﷺ في أقلّ مِن ثمن المجنّ (٢) جَحَفة (٣) أو ترس، وكلاهما ذو ثمن" (٤). وفي رواية عنها أيضاً؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقطَع يد السارق فيما دون المِجَنّ، قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار" (٥). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "قطع سارقاً في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم" (٦). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لعَن الله السارق

стр. 2147

يسرق البيضة (١) فتُقَطَع يده، ويَسرِق الحبل فتُقطع يده". قال الأعمش: كانوا يرَون أَنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرَون أنه منها ما يساوي دراهم (٢). وجاء في "الفتح": " ... وحاصلُه أَنّ المراد بالخبر؛ أنّ السارق يسرق الجليل فتُقطع يده، ويسرق الحقير فتُقطع يده، فكأنّه تعجيزٌ له وتضعيفٌ لاختياره؛ لكونه باع يده بقليل الثمن وكثيره". وقد ثبت في السُّنة المطهرة عدم القطع في الثمر والكثر (٣). عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثَمر ولا كَثَر" (٤). وذكر بعض الفقهاء أن فيه شبهة الشركة العامّة، لقول رسول الله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار" (٥).

стр. 2148

ما يُعتبر في الموضع المسروق منه (١): وأمّا الموضع المسروق منه، فإِنه يُعتبر فيه الحرز. والحِرز؛ هو الموضع المعدّ لحفظ الشيء؛ مثل الدار، والدّكان، والاصطبل، والمراح، والجرين (٢)، ونحو ذلك. واعتبار الشرع للحرز؛ لأنه دليل على عناية صاحب المال به، وصيانته له، والمحافظة عليه من التعرض للضياع. ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلاً من مُزَيْنة أتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله! كيف ترى حريسة الجبل، فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه غرامةُ مِثلْيِه، وجَلَدَات نَكَال. قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففِيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامة

стр. 2149

مِثليْه وجَلَداتُ نَكَال" (١). قال ابن القيّم ﵀: "فإِنه ﷺ أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة، وأوجبه على سارقه من الجرين. وعند أبي حنيفة ﵀ أنّ هذا لنقصان ماليته؛ لإسراع الفساد إِليه وجعَل هذا أصلاً في كل ما نقصت ماليته بإِسراع الفساد إِليه. وقول الجمهور أصح؛ فإنه ﷺ جعل هذا له ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها، وهي ما إِذا أكل منه بفيه، وحالة يُغرم مثليه ويُضرب من غير قطْع، وهي ما إِذا أخرجه من شَجَره وأخذه، وحالة يقطع فيها وهو ما إِذا سرقه من بيدره؛ سواء أكان قد انتهى جفافه، أم لم ينته. فالعبرة بالمكان والحرز، لا بيبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه ﷺ أسقط القطع عن سارق شاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عَطَنها، (٢) فإِنه حرز". انتهى. الإِنسان حِرْز نفسه: والإِنسان حِرْزٌ لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه، سواء كان في المسجد أم في خارجه، فمن جلس الطريق ومعه متاعه فإِنه يكون مُحرَزاً به.

стр. 2150

عن صفوان بن أميّة ﵁ قال: "كنت نائماً في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهماً، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع. قال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال "فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به" (١). المطالبة بالمسروق شرطٌ في القطع: للحديث السابق وفيه شكوى صفوان ﵁ على الرجل، وحين طلب العفو عن السارق قال له رسول الله ﷺ : "فَهَلاَّ كان هذا قبل أن تأتيني به". ففيه جواز العفو وعدم رفْعه إِلى وليّ الأمر. المسجد حرزٌ: قد تقدم حديث صفوان بن أميّة ﵁ قال: "كنت نائماً في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمن ثلاثين درهماً، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله ﷺ فأمر به ليقطع، قال: فأتيته ... ". وعن ابن عمر ﵄ " أن النبي ﷺ قطع يد رجل سرق تُرْساً من صُفَّةِ النساء؛ ثمنه ثلاثة دراهم" (٢).

стр. 2151

جاء في عون المعبود (١٢/ ٣٥): "صُفّة النساء بضم الصاد وتشديد الفاء: أي الموضع المختصّ بهن في المسجد وصُفّة المسجد: موضع مُظلّل منه. قاله الشوكاني". السرقة من الدار: وعلى ما مضى من التفصيل فإِنّ الدار لا تكون حرزاً إلاَّ إِذا كان بابُها مغلقاً والله أعلم-. بمَ يثبثُ حدّ السرقة ؟ يثبتُ حدّ السرقة بشهادة عدلين أو بالإِقرار. إِذا تراجع الشاهدان في الشهادة بعد إِقامة الحدّ: عن مطرِّفٍ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنه سرق، فقطعه عليّ، ثمّ جاءا بآخر، وقالا: أخطَأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذَ بديَة الأول وقال: لو علمتُ أنكما تعمّدتما لقطعتكما" (١). وفي لفظ: "وأغرمهما دية الأول" (٢). إِذا عُلم كذب الشاهِدَين أقيم عليهما الحدّ: أفاد الأثر السابق أنه إِذا عُلم كذب الشاهدين؛ أقيم عليهما الحد، وفيه قول علي ﵁: "لو علمتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتكما".

стр. 2152

هل يتوقف الحدّ على طلب المسروق منه ؟ نعم؛ يتوقّف الحد على مطالبة المسروق منه، وقد تقدم قول صفوان ﵁ حين سُرقت منه الخميصة- أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال رسول الله ﷺ : "فَهَلاَّ كان هذا قبل أنْ تأتيني به". ومما يدّل على أن الحد يتوقف على طلب المسروق منه؛ ما ثبت عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "تعافوا (١) الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب" (٢). هل يُلقّن القاضي السارق ما يُسقط الحدّ ؟ للقاضي أن يُلقّن السارق ما يُسقط الحدّ، فليس المراد الحدّ في نفسه، ولكن المراد التوبة والإِقلاع عن التعدّي على النّاس، فمن لم يعِ هذه المعاني فإِن الحدود تزجره وتكفّه عن اقتراف هذه العاصي. عن القاسم بن عبد الرحمن أن عليّاً ﵁ أتاه رجل فقال: "إِني سرقت، فطرَده ثمّ عاد مرة أخرى فقال: إِني سرقت فأمَرَ به أن يُقطَع". وفي لفظ: "لا يقطع السارق حتى يشهد على نفسه مرتين" حكاه أحمد في رواية مهنا (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ " أنه أُتي بجارية سوداء سرقت، فقال

стр. 2153

لها: سرقتِ؟ قولي لا، فقالت: لا، فخلّى سبيلها" (١). وعن عطاء قال: "كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ ولا أعلمه إِلا سمّى أبا بكر وعمر" (٢). وفي سؤال أبي بكر وعمر ﵄: أسرقْت؟ مجال لقول: لا، فهذا ضرْب من ضروب التلقين. والله -تعالى- أعلم. عقوبة السرقة: إِذا ثبتت السرقة وجَب إِقامة الحد على السارق؛ لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ... ﴾ (٣). فتقطع يده اليمنى من مفصِل الكفّ. قال الإِمام القرطبي ﵀ في تفسير الآية السابقة: "فإِذا قطعت اليد أو الرجل؛ "فإِلى أين تقطع؟ فقال الكافة: تقطع من الرسغ والرجل من المفصِل ... ". وذكر الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلى" تحت المسألة (٢٢٨٨) (١٣/ ٤٠٤) صِفة القطع وأنها من المفصِل وذكر بعض الآثار عن عمر ﵁ وغيره من السلف. وقال ﵀: "وهكذا وجدنا الله -تعالى- إِذا أمَرَنا في التيمم بما

стр. 2154

أمَرَ، إِذ يقول -تعالى-: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١). ففسّر رسول الله ﷺ مراد الله -تعالى- بذكر الأيدي هاهنا، وأنه الكفان فقط، على ما قد أوردناه". ثم قال (ص ٤٠٥): "وإِنْ سرق الحُر؛ قُطعت يده من الكوع وهو المفصل" (٢). وجاء في رسالة "منزلة السُّنة في الإِسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن" (ص ٧) لشيخنا ﵀: "وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ... ﴾. مثالٌ صالح لذلك (٣) فإِنّ السارق فيه مطلق كاليد، فبيَّنت السُّنّة القولية الأول منهما، وقيَّدتْه بالسارق الذي يَسرق ربع دينار بقوله ﷺ : "لا قطع إِلا في ربع دينار فصاعداً". أخرجه الشيخان. كما بيّنت الآخر بفِعله ﷺ أو فِعْل أصحابه وإِقراره، فإِنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل -كما هو معروف في كتب الحديث- بينما بيّنَت السنة القولية اليد المذكوره في آية التيمم: ﴿فَامسَحُوا بوجوهكمْ وأيْدِيكمْ﴾ (٤) بأنها الكف أيضاً بقوله ﷺ : "التيمم ضربة للوجه والكفين" أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمّار بن ياسر ﵄".

стр. 2155

حسْم (١) يد السارق إِذا قُطعت: إِذا قُطعت يد السارق وجَب حسْمها، لأنّ حدّه قطع اليد، وعدم الحسم قد يُفضي إِلى الموت والهلاك. وفي (باب الحرابة) تحت عنوان: (عدم حسم المحاربين من أهل الردّة) سيأتي -إن شاء الله تعالى- حديث أنس ﵁ وفيه: "فقَطَع أيديهم وأرجلهم وسَمل أعينهم ثم لم يحسِمهم". فدلّ هذا على أن الأصل في قطع اليد هو الحسم، لكن هؤلاء المحاربين لم يُحسموا لشناعة جريمتهم. فائدة: *والمرأة كالرجل في الحدود كُلّها، كما في النصوص والآثار؛ وأمّا حديث النهي عن قتل النساء؛ فذلك إِنّما هو في حال الحرب؛ لأجل ضعفهنّ وعدم مشاركتهنّ في القتال* (٢). فعن رباح بن ربيع قال: "كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى النّاس مجتمعين على شيء، فبعَث رجلاً فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء، فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتُقاتل. قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: قلْ لخالد لا يَقْتُلَنّ امرأةً، ولا عَسيفاً (٣) " (٤).

стр. 2156

الردَّة والزّندقة

стр. 2157

الردّة: الردّة من قولك: ردَدَت الشيء: أرُدُّه؛ كأنّه ردَّه إِلى كُفره فارتدّ، أي: فرجع وردّ نفسه (١). وقال في "المغني" (١٠/ ٧٤): "الردّة: هي الرجوع عن دين الإِسلام إِلى الكُفر، قال الله -تعالى-: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢). وقال النّبيّ ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣). وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إِجماعاً". وفيه أيضاً (١٠/ ٧٤): "فمن أشرك بالله -تعالى- أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو قال اتخذ صاحبة أو ولداً، أو جحد نبياً أو كتاباً من كتب الله أو شيئاً منه، أو سبَّ الله ورسوله كَفَر". *ولا يجوز إِيقاع حُكم التكفير على أيّ مسلم؛ إِلا مَن دلّ الكتابُ والسّنة على كُفره دلالةً واضحة صريحة بيّنة؛ فلا يكفي في ذلك مجرّدُ

стр. 2158

الشبهة والظنّ. وقد يَرِد في الكتاب والسّنة؛ ما يُفهم منه أن قولاً ما أو عملاً أو اعتقاداً كُفرٌ؛ مخرجٌ من الإِسلام، لكن ليس لنا أن نكفِّر به أحداً بعينه؛ إِلا إِذا أقيمت عليه الحُجّة؛ بتحقيق الشروط: علماً وقصداً واختياراً وانتفاء للموانع، وهي عكس هذه وأضدادها، وهي الجهل والذهول والإِكراه* (١). فمن سجد عند صنم وهو لا يعلم أنه صنَم، أو نطق كلمةً مِن كلمات الكُفر وهو في ذهول؛ كأن يقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك، أو أُكره على ذلك وقلبه مطمئنٌ بالإِيمان فإنه لا يكفُر. قال الله -تعالى-: ﴿مَن كفَر بالله من بعد إِيمانه إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان ولكن من شرح بالكُفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ أليم﴾ (٢). وقد نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر ﵁ (٣). وقد يكون المرء حديث عهدٍ بالإِسلام؛ فما وقع منه من بعض الكفر؛ فإِنه يُعذَر؛ حتى يبلغه ذلك.

стр. 2159

ومن الأمثلة الدالّة على الكفر (١): ١ - إِنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، مثل: إِنكار وحدانية الله، وخلقه للعالم، وإِنكار وجود الملائكة، وإِنكار نبوة محمد ﷺ ، وأن القرآن وحي من الله، وإِنكار البعث والجزاء، وإِنكار فرضية الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ٢ - استباحة محرّم أجمعَ المسلمون على تحريمه، كاستباحة الخمر، والزنى، والربا، وأكل الخنزير ... ٣ - تحريم ما أجمع المسلمون على حله، كتحريم الطيبات. ٤ - سبِّ النّبيّ ﷺ أو الاستهزاء به، وكذا سبّ أي نبيّ من أنبياء الله. ٥ - سبِّ الدين، والطعن في الكتاب والسّنة، وتفضيل القوانين الوضعية عليهما. ٦ - ادعاء فرد من الأفراد، أن الوحي ينزل عليه. ٧ - إِلقاء المصحف في القاذورات، وكذا كتب الحديث؛ استهانة بها، واستخفافاً بما جاء فيها. قلت: وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٦٢٩) تحت عنوان "والساب لله أو لرسوله أو للإِسلام أو للكتاب أو للسُّنة، والطاعن في الدين، وكل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح، ففاعلها مرتدّ حده حده ... ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ أنّ أعمى كانت له أمّ ولد،

стр. 2160

تشتم النبيّ ﷺ ، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هَناك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فَعَل ما فَعَل لي عليه حقّ؛ إِلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل، حتى قَعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها. فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا أنّ دمها هدر" (٢). ثمّ ذكَر حديث أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر فتغيّظ على رجل، فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه. فقام فدخل فأرسل إِليّ فقال: ما الذي قلت آنفاً؟ قلت: ائذَنْ لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلاً لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر

стр. 2161

بعد محمد ﷺ . (١) وقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أن من سبّ النبي ﷺ وجَبَ قتْله، ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمّة الشافعية في كتاب الإِجماع؛ أنّ مَن سبّ النبي ﷺ بما هو قذْفٌ صريحٌ كَفَر باتفاق العلماء .... قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتْله إِذا كان مسلماً. وإِذا ثبت ما ذكَرنا في سبّ النبي ﷺ فبالأولى مَن سبّ الله ﵎ أو سب كتابه، أو الإِسلام، أو طعن في دينه وكفَر، من فعل هذا لا يحتاج إِلى برهان. قال صاحب "الروضة": "وقريب من هذا مَنْ جَعلَ سبّ الصحابَة شعاره ودثاره، فإِنه لا مقتضى لسبّهم قطّ، ولا حاملَ عليه أصلاً؛ إِلا غشّ الدين في قلب فاعلِهِ وكراهة الإِسلام وأهله، فإِنّ هؤلاء هم أهله على الحقيقة؛ أقاموه بسيوفهم، وحفظوا هذه الشريعة المطهرة، ونقلوها إِلينا كما هي، فرضي الله عنهم وأَرضاهم وأقمأ (٢) المشتغلين بثلبهم، وتمزيق أعراضهم المصونة". التحذير من التكفير: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل قال لأخيه يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما" (٣).

стр. 2162

تجاوز الله -تعالى- عن العبد ما حدّث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم: عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "إِن الله تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم" (١). وعنه ﵁ قال: "جاء ناس من أصحاب النّبيّ ﷺ فسألوه: إِنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإِيمان" (٢). وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال النّاس يتساءلون حتى يقال: هذا، خَلَقَ الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجَد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله" (٣). أحكام المرتدّ والمرتدّة واستتابتهم: قال الإِمام البخاري ﵀: حُكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٤). قال الله -تعالى-: ﴿إِن الذين كفروا بعد إِيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ (٥).

стр. 2163

وقال ابن عمر والزهري وإِبراهيم: "تُقْتل المرتدة" (١). وقال -تعالى-: ﴿ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ (٢). أمّا العقوبة العاجلة في الدنيا، فهي القَتل. فعن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "مَن بدَّل دينه فاقتلوه" (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحِلّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله؛ إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (٤). وعن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلّ دم امرئ مسلم إِلا بإِحدى ثلاث؛ رجل زنى بعد إِحصان فعليه الرجم، أو قتل عمداً فعليه القَوَد، أو ارتد بعد إِسلامه فعليه القتل" (٥).

стр. 2164

وعن أبي هريرة ﵁ " قال: لما توفي النّبيّ ﷺ واستُخلف أبو بكر، وكفَر من كَفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تُقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله؛ فمن قال: لا إِله إِلا الله عصَم مني ماله ونفسه إِلا بحقه وحسابه على الله". قال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إِلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنه الحقّ" (١). عن أبي موسى قال: "أقبلتُ إلى رسول الله ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- قال: قلت: والذي بعثكّ بالحقّ؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إِلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس- إِلى اليمن. ثمّ اتّبَعَه معاذ بن جبل، فلمّا قدم عليه ألقى له وسادةً قال: انزل، فإِذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثمّ تهوّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتَل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات).

стр. 2165

فأمر به فقُتلَ، ثمّ تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي" (١). *وإذا ارتد المسلم ورجع عن الإِسلام؛ تغيرت الحالة التي كان عليها وتغيرت تبعاً لذلك المعاملة التي كان يُعامل بها وهو مسلم، وثبتت بالنسبة له أحكام، نجملها فيما يأتي: ١ - العلاقة الزوجيّة: إِذا ارتد الزوج أو الزوجة، انقطعت علاقةُ كلٍّ منهما بالآخر؛ لأن ردّة أي واحد منهما موجبة للفرقة بينهما، وهذه الفرقة تُعَدُّ فسخاً، فإِذا تاب المرتد منهما، وعاد إِلى الإِسلام، كان لا بدّ من عقدٍ ومهر جديدَين، إِذا أرادا استئناف الحياة الزوجيّة. ٢ - ميراثه: عن أسامة بن زيد ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٢). وجاء في "السيل الجرار" (٤/ ٥٨٠): "وأمّا كونه يَرثه ورثته المسلمون؛ فلا أعرف لهذا وجهاً، ولا أجد عليه دليلاً، والأدلّة مُصرِّحة بأنه لا توارث بين مسلم وكافر على العموم، ولا يصلح للتخصيص إِلا دليلٌ تقوم به الحُجّة. ولا حُجّة فيما يروى عن بعض الصحابة، فإِنّ ذلك محمولٌ على الاجتهاد،

стр. 2166

واجتهاد الصحابي لا يُخصِّص ما ثبَت عن رسول الله ﵌ بإِجماع المسلمين". ٣ - فَقْد أهليته للولاية على غيره: وليس للمرتد ولاية على غيره، فلا يجوز له أن يتولى عقد تزويج بناته، ولا أبنائه الصغار، وتعدّ عقوده بالنسبة لهم باطلة؛ لسلب ولايته لهم بالرِّدّة* (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٢). قتل الخوارج والملحدين بعد إِقامة الحُجّة عليهم (٣): وقول الله -تعالى-: ﴿وما كان اللهُ ليضل قوماً بعد إِذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون﴾ (٤). قال البخاري ﵀: "وكان ابن عمر يراهم (٥) شرار خلْق الله،

стр. 2167

وقال: إِنهم انطلقوا إِلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين" (١). وعن علي ﵁ إِذا حدثْتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، فوالله لأنْ أخرّ من السماء أحبّ إِليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإِنّ الحرب خُدعةٌ، وإِني سمعت رسول ﷺ يقول: "سيخرج قومٌ في آخر الزمان، حُدَّاث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إِيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين؛ كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإِنّ في قتلهم أجراً لمن قتَلهم يوم القيامة" (٢). وانظر ما جاء في "صحيح البخاري" (٣) إِن -شئت- (باب من ترك قتال الخوارج للتألّف، وأن لا ينفر الناس عنه) وما قاله الحافظ ابن حجر ﵀. الزنديق تعريفه: الزنديق هو الذي يُظهر الإِسلام ويُبطن الكفر، ويعتقد بطلان الشرائع، فهذا كافر بالله وبدينه، مُرتدّ عن الإِسلام أقبح رِدّة؛ إِذا ظهر منه ذلك بقولٍ أو فِعل (٤). وإِذا اعترف بأنّ القرآن حق وما فيه من ذكر الجنة والنّار حق لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنّار هي الندامة

стр. 2168

التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار فهو الزنديق (١)، فكلّ من أنكَر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب ... سواءٌ قال: لا أثق بهؤلاء الرواة أو قال: أثق بهم، لكن الحديث مؤول. ثمّ ذكر تأويلاً فاسداً لم يُسمَع ممن قبله؛ فهو الزنديق. وكذلك من قال في الشيخين أبي بكر وعمر مثلاً: ليسا من أهل الجنّة مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: إِن النّبيّ ﷺ خاتم النبوة ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنّبيّ، وأما معنى النبوة وهو كون الإِنسان مبعوثاً من الله -تعالى- إِلى الخلق مفترض الطاعة، معصوماً من الذنوب ومن البقاء على الخطأ فيما يرى فهو موجود في الأئمة بعده فذلك هو الزنديق. وقد اتفق جماهير المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتْل من يجري هذا المجرى والله -تعالى- أعلم (٢). وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٧/ ٤٧١): "ولما كثُرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ "الزنديق" وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلَّم الناس في الزنديق: هل تُقبَل توبته في الظاهر إِذا عُرف بالزندقة، ودُفِع إِلى ولي الأمر قبل توبته؟

стр. 2169

فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أنّ توبته لا تُقبَل والمشهور من مذ هب الشافعي: قَبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصل. والمقصود هنا: أن الزنديق في عُرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النّبيّ ﷺ ، وهو أن يُظهر الإِسلام ويُبطن غيره، سواء أبطَن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان مُعطلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة. ومن النّاس من يقول: "الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يُسمّى الزنديق في اصطلاح كثيرٍ من أهل الكلام والعامّة، ونقَلَة مقالات الناس. ولكنّ الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حُكمه: هو الأول؛ لأنّ مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومَن أظهَر ذلك أو أسرَّه. وهذا الحُكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإنْ تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة فإِن الله أخبَر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإِيمان بقوله: ﴿إِنْما النسيء زيادةٌ في الكفر﴾ (١)، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ (٢).

стр. 2170

فهذا "أصلٌ" ينبغي معرفته فإِنه مهمّ في هذا الباب؛ فإِنّ كثيراً ممن تكلم في "مسائل الإِيمان والكفر" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أنّ الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإِجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإِسلام. ومن تدبر هذا، علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالاًّ عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقاً زنديقاً يُظهِر خلاف ما يبطن. وقال ﵀ (١١/ ٤٠٥): "وَمن جحَد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحَد تحريمَ بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حِلّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يُستتاب فإِنْ تاب وإلا قُتل، وإِنْ أضمَر ذلك كان زنديقاً منافقاً، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يُقتل بلا استتابة، إِذا ظهر ذلك منه". انتهى. هل يُقتل الساحر ؟ لا شكَّ أنَّ السحر من الموبقات والمهلكات. فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النَّفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتَولِّي يوم الزَّحف،

стр. 2171

وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (١). وقد اختلف العلماء في حدِّ الساحر؛ وقد جاء في "المرقاة" (٧/ ١١٦): "في شرح السنَّة: اختلفوا في قتْله، فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أنَّه يُقْتل. ورُويَ عن حفْصة: أنَّ جارية لها سَحَرَتْها فَأَمَرَت بها فقتلتْها، ورُوي أنَّ عمر ﵁ كتَب: "اقتلوا كلّ ساحر وساحرة". قال الرَّاوي: فقتلنا ثلاث سواحر (٢). وعند الشافعي: يُقتل إِنْ كان ما يَسحر به كُفراً إِن لم يتب، فإِن لم يبلغ عمله الكفر فلا يُقتل، وتعليم السحر ليس كفراً عنده إِلا أن يَعتقد قلْب الأعيان. قال القاضي: الساحر إِذا لم يتمّ سحرُه إِلا بدعوة كوكبٍ أو شيء يوجب كفراً؛ يجب قتْله، لأنَّه استعان في تحصيله بالتَّقرُّب إِلى الشيطان مما لا يستقِلّ به الإِنسان، وذلك لا يتسبَّب إِلا لمن يُناسبُه في الشرارة وخُبث النَّفس". وعن عمرو بن دينار، سمع بجالة يحدِّث عمرو بن أوس وأبا الشعثاء، قال: "كنت كاتباً لِجَزْء بن معاوية، عمّ الأحنف بن قيس، إِذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسَنَة: اقتُلُوا كلَّ ساحر، وفَرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس،

стр. 2172

وانهوهم عن الزَّمْزَمَةِ (١). فقَتَلْنا في يوم ثلاثة سواحر، وفرَّقنا بين كل رجُل من المجوس وحريمه في كتاب الله، وصنَعَ طعاماً كثيراً، فدعاهم فعرض السَّيف على فَخذه، فأكلوا ولم يُزمزموا ... " (٢). أمَّا حديث: "حدُّ السَّاحر ضرْبةٌ بالسَّيف" فضعيف (٣). والصحيح وقفه على جندب ﵁ كما قال الترمذي وغيره. قال شيخنا ﵀: " ... وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن: "أنَّ أميراً من أمراء الكوفة دعا ساحرًا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، واشتمل عليه، فلمَّا رآه ضربه بسيفه، فتفرَّق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إِنَّما أردت الساحر فأخَذَه الأمير فحبَسه. فبلغ ذلك سلمان، فقال: بئس ما صَنَعا! لم يكن ينبغي لهذا وهو إِمام يؤتمّ به يدعو ساحراً يلعب بين يديه، ولا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف". قلت: وهذا إِسناد موقوف صحيح إِلى الحسن وقد توبع، فقال هشيم:

стр. 2173

أنبأنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي: "أنَّ ساحراً كان يلعب عند الوليد ابن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولا يضره، فقام جندب إِلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفتأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ " (١). وهذا إِسناد صحيح موقوف، صرح فيه هشيم بالتحديث. وله طريق أخرى عند البيهقي عن ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود: "أنَّ الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، وكان يضرب رأس الرجُل، ثمّ يصيح به، فيقوم خارجاً، فيرتدّ إِليه رأسه. فقال الناس: سبحان الله، يحيي الموتى! ورآه رجُل من صالح المهاجرين، فنظر إِليه. فلمَّا كان من الغد، اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجُل سيفه فضرب عنقه، فقال: إِن كان صادقاً فليحيي نفسه! وأمر به الوليد ديناراً صاحب السجن -وكان رجلاً صالحاً- فسجنه، فأعجبه نحو الرجُل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج لا يسألني الله عنك أبداً". قلت (٢): وهذا إِسناد صحيح إِن كان أبو الأسود أدرك القصَّة فإِنَّه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة.

стр. 2174

قلت (١): ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقيَّة الذين يتظاهرون بأنَّهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل ولا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إِنسان من مؤمن أو كافر إِذا تمرّس عليه وكان قويّ القلب، ومن ذلك مسُّهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التنّور. ولِي مع أحدهم في حلب موقف تظاهر فيه أنَّه من هؤلاء، وأنَّه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر فنصحْته، وكشفْت له عن الحقيقة، وهددته بالحرق إِن لم يرجع عن هذه الدّعوى الفارغة! فلم يتراجع. فقمت إِليه وقرَّبت النار من عمامته مهدِّداً، فلمَّا أصرَّ أحرقْتُها عليه، وهو ينظر! ثمَّ أطفأتها خشية أن يحترق هو من تحتها معانداً. وظنِّي أنَّ جندباً ﵁ لو رأى هؤلاء لقتلهم بسيفه كما فعل بذلك الساحر ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ". انتهى. وقال الإِمام الترمذي ﵀ عقب أثر جندب ﵁ السابق: "والعمل على هذا [أي: الضَّرب بالسيف] عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي ﵀: إِنَّما يُقتل الساحر إِذا كان يعمل في سحره ما يبلُغ به الكفر، فإِذا عمل عملاً دون الكفر؛ لم نَرَ عليه قتلا".

стр. 2175

الكاهن والعرَّاف والمنجِّم: جاء في "النهاية": الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزَّمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَة، كَشِقّ وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعُم أنَّ له تابعاً من الجنّ ورَئيَّا؛ يُلقي إِليه الأخبار. ومنهم من كان يزعُم أنَّه يعرف الأمور بمقدِّمات أسبابٍ؛ يستدلّ بها على مواقعها من كلامِ مَن يسأله أو فِعْله أو حاله، وهذا يخصُّونه باسم العرَّاف؛ كالذي يدَّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضَّالَّة ونحوهما، والحديث الذي فيه: "من أتى كاهناً ... " قد يشتمل على إِتيان الكاهن والعرَّاف والمنجِّم". انتهى. والحديث الذي أشار إليه هو قوله ﷺ : "من أتى كاهنا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزِل على محمد ﷺ " (١). وعن صفيَّة عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "منْ أتى عرَّافاً فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاةُ أربعين ليلة" (٢). قال في "النهاية": "أراد بالعرَّاف المنجِّم الذي يدَّعي عِلْم الغيب، وقد
следующие страницы →