← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

جاء في "الفتح" تحت الحديث (٦٨٣٣): "وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله ثمّ قال: إِن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إِجماعاً. واختلف في المسافة التي يُنفى إِليها: فقيل: هو إِلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إِلى ثلاثة أيام، وقيل: يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إِلى عمل، وقيل: إِلى ميل، وقيل: إِلى ما ينطلق عليه اسم نفي". والذي يترجّح لديّ رجوعُ ذلك إِلى رأي الإِمام فيما يراه يُحقّق المقصود، وقد يكون لبعض النّاس أحوالٌ خاصّة، فيعمل الإِمام بما يحقّق المقصود الشرعي من التغريب؛ مراعياً هذه الأحوال، والمصلحة العامّة. والله -تعالى- أعلم. حدّ الزاني المحصن: ويُحدّ الزاني المحصَن بالرجم حتى الموت، رجُلاً كان أم امرأة. عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ من النّاس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله! إِني زنيتُ -يريدُ نفسه- فأعرض عنه النّبيّ ﷺ ، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه؟ فقال: يا رسول الله! إِني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقِّ وجه النّبيّ ﷺ الذي أعرض عنه. فلمّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ؛ دعاه النّبيّ ﷺ فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا

стр. 2102

فارجموه" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر لقد خشيتُ أن يطول بالنّاس زمان حتّى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإِن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أحصن إِذا قامت البيّنة أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده" (٢). ويشترط في إِقامة هذا الحد بالإِضافة إِلى ما تقدّم مِن كونه عاقلاً بالغاً الحريّة، إِذ لا رجم على العبد أو الأمة؛ لقوله الله ﵎: ﴿فإِن أتيْن بفاحشة فعليهنّ نصفُ ما على المحصناتِ من العذاب﴾ (٣) والرجم لا يتجزّأ. عن أبي عبد الرحمن قال: "خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس! أقيموا على أرقائكم الحدّ؛ من أحصن منهم ومن لم يُحْصِن، فإِنّ أمَةً لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أنْ أجْلدها فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: أحسنت" (٤). وفي رواية: "اتركها حتّى تَماثَل (٥) " (٦).

стр. 2103

قال الإِمام النووي ﵀ في "شرحه" (١١/ ٢١٣): " ... [وفي الحديث] بيان أن الأَمَة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله عليّ -رضي الله تعالى عنه- وخطَب الناس به. فإِنْ قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله -تعالى-: ﴿فإِذا أُحصنّ﴾ مع أن عليها نصف جلد الحرة؛ سواء كانت الأمة محصنة أم لا. فالجواب أن الآية نبهت على أن الأَمَة وإِنْ كانت مزوجة لا يجب عليها إِلا نصف جلد الحرّة؛ لأنه الذي ينتصف، وأمّا الرجم فلا ينتصف فليس مراداً في الآية بلا شك، فليس للأمَة المزوجة الموطوءة في النكاح حُكم الحُرّة الموطوءة في النكاح، فبيّنت الآية هذا لئلا يتوهم أنّ الأمَة المزوجة تُرجَم، وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، وأمّا غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة ... ". ويشترط برجم المحصَن كذلك أن يكون قد سبق له أن تزوج زواجاً صحيحاً، ووطئ فيه ولو مرّة واحدة أنزَل أم لم يُنزل. وكذا المرأة إِذا تزوّجت ووُطئت ولو مرّة واحدة، ثمّ طُلقت فزنت فإِنها تُرجم. وجوب الحد على الكافر والذّمي: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "إِنّ اليهود جاءوا إِلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأةً زنَيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إِن فيها الرّجم. فأَتَوا بالتّوراة فنَشروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها وما

стр. 2104

بعدها. قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإِذا فيها آية الرّجم، قالوا: صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم، فأمَر بهما رسول الله ﷺ فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة" (١). قال الإِمام البخاري ﵀: (بابُ أحكام أهل الذّمة (٢) وإحصانهم إِذا زَنَوا (٣) ورُفعوا إِلى الإِمام) وذكر هذا الحديث. قال الحافظ ﵀ في "الفتح": "وفي هذا الحديث من الفوائد؛ وجوب الحدّ على الكافر الذمّي إِذا زنى؛ وهو قول الجمهور ... ". وعن جابر بن عبد الله قال: "رَجَم النّبيّ ﷺ رجلاً مِنْ أسلم، ورجلاً من اليهود، وامرأته" (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "مُرَّ على النّبيّ ﷺ بيهوديٍّ مُحَمَّماً (٥) مجلوداً فدعاهم ﷺ فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجُلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم

стр. 2105

أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إِذا أخذنا الشّريف تركناه، وإِذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ إِني أوّل من أحيا أمرك إِذ أماتوه، فأَمَر به فرُجم فأنزل الله : ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إِلى قوله: ﴿إِن أُوتيتم هذا فخذوه﴾ (١). يقول: ائتوا محمّداً ﷺ فإنْ أمرَكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإِنْ أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفّار كُلّها" (٥). بمَ يثبت حدّ الزنى ؟ يثبت الحدّ بما يأتي: ١ - بالاعتراف: فعن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 2106

"واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا؛ فإِن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرَجمها" (١). ٢ - بأربعة شهود: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (٢). ويشترط في الشهود: البلوغ والعقل والإِسلام، كما تقدّم في مثله، وكذا العدالة لقول الله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ (٣)، وقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (٤). وكذا المعاينة أي: أن يكون قد عاين فرجَها في فرجه؛ كما سيأتي -إِن شاء الله- في (باب حدّ من رمى المحصنة ولم يأت بأربعة شهود) قول عمر ﵁ لزياد هل رأيت المرود دخَل المكحلة؟ (٥). ٣ - بالحبَل، إِذا لم يُعلم لها زوج أو سيد: عن ابن عباس ﵄ قال: "قال عمر: لقد خشيت أن يطول

стр. 2107

بالنّاس زمانٌ؛ حتّى يقول قائل لا نجدُ الرجم في كتاب الله؛ فيضلّوا بترك فريضة أنَزَلها الله، ألا وإِنّ الرجم حقٌّ على مَن زنى، وقد أحصَن إِذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف" (١). ماذا يفعل الإِمام إِذا جاءه من أقرّ على نفسه بالزنى ؟ إِذا جاءَ منْ يُقرّ على نفْسه بالزِّنى عند الإِمام؛ فعلى هذا الإمام أن يعمل بمقتضى قوله ﷺ : "تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب" (٢). قال ابن الأثير في "النهاية": "تَعَافَوُا الحدود فيما بينكم" أي: تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إِليَّ؛ فإِنِّي متى علمتها أقمتها. وعن نُعيم بن هَزّال قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في حِجْر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإِنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجاً. فأتاه فقال: يا رسول الله إِني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله! فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله، إِني زنيت فأقم عليّ كتاب الله! حتى قالها أربع مرار. قال ﷺ : "إِنّك قد قُلتها أربع مرّات، فبمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم؟ قال: هل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال:

стр. 2108

نعم؛ قال: فأَمَر به أن يُرجَم، فأُخرج به إِلى الحرّة. فلمّا رُجِم فوجد مَسَّ الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير (١)، فرماه به فقتله، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه" (٢). وعن محمّد بن إِسحاق قال: "ذكرت لعاصم بن عمرو بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدَّثني حسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: حدَّثني ذلك مِن قول رسول الله ﷺ : "فهلاّ تركتموه" من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إِنّ رجالاً مِن أسلم يحدثون: أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: "ألا تركتموه" وما أعرف الحديث. قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجَم الرجل، إِنّا لما خرجنا به فرجمناه، فوجد مسّ الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردّوني إِلى رسول الله ﷺ ، فإِنّ قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا رجعنا إِلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: فهلا تركتموه وجئتموني به ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لترك حد فلا! " (٣).

стр. 2109

وعن ابن عباس قال: "جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ ﷺ فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثمّ جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت علي نفسك أربع مرّات، اذهبوا به فارجموه" (١). فتأمّل حديث نعيم بن هزال وقوله: "فأعرَض عنه" أي أعرض عنه رسول الله ﷺ حين قال: إِني زنيت وأيضاً: "حتّى قالها أربع مرار، ثمّ قول رسول الله ﷺ : "إِنّك قد قلتها أربع مرّات فبمن؟ ". فماذا لو قالها مرةً، وحين رأى إِعراض رسول الله ﷺ ، مضى ولم يعُد؟! وتأمّل قوله ﷺ : "هل ضاجَعَتها؟ ... هل باشرتها؟ ... هل جامعتها؟ وفي بعض الروايات: "لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت" حتى قال: "أنِكتَها، لا يُكنّي" (٢). وتأمّل بعد ذلك قوله ﷺ لأصحابه: "هلا تركتموه" حينما بلغه جزعُه وفرارُه من الرجم. فهذا فيه ما فيه من الدعوة إِلى ستْر النفس والإِقلاع عن المعصية والندم وإِحسان التوبة إِلى الله وهذا مطلبٌ سامٍ ومقصد عظيم، -والله أعلم-. وأما ما جاء في رواية محمد بن إِسحاق ... في قول رسول الله ﷺ : "فهلا تركتموه وجئتموني به، ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأمّا لترْكِ حد فلا" فهذه ليست من قول النّبيّ ﷺ وإِنما هي تفسير مِن الراوي، والسؤال ماذا بعد

стр. 2110

أن يستثبت منه رسول الله ﷺ أيعيده للرجم أم ماذا؟! فإِن قالوا: يعيده للرجم فلا فائدة من الاستثبات، لأن الاستثبات ليس بثبوت زناه، وإِنّما لأن قومه غرّوه من نفسه أنه لن يُقتل! وأي فائدة في ذلك؟! فالحكمة واضحة بيّنة، وقد جاء هذا صريحاً من حديث بريدة بن الحصيب قال: "ثمّ جاءت امرأه من غامد الأَزْد فقالت: يا رسول الله! طهّرني فقال: ويحك؛ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه" (١). ولكن لما كان الإِصرار والإِلحاح والمتابعة من ماعز والغامديّة؛ والنّاس ينظرون؛ فإِنه لا بدّ من إِقامة الحد؛ لأن هناك مفسدةً في عدم إِقامته، والحاصل أنه إِذا بلغَ الإِمام أمْرٌ كهذا أعرَض وذكّر بالاستغفار والتوبة، فإِنْ أصرّ مُقارِفُ الفاحشة على إِقامة الحد؛ أقيم عليه. والله أعلم. ويؤيِّد هذا ما ثبت عن الأجلح عن الشعبي قال: "جيء بشُرَاحة الهمدانية إِلى علي ﵁ فقال لها: ويلك لعل رجلاً وقع عليكِ وأنت نائمة، قالت: لا، قال لعلك استكرهت، قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك؛ فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يُلقِّنها لعلَّها تقول: نعم. قال: فأمَر بها فحُبست، فلمَّا وضعت ما في بطنها، أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة، وأحاط الناس بها، وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إِذاً يُصيب بعضكم بعضاً، صفّوا كصفّ الصلاة صفاً خلف صفّ.

стр. 2111

ثمّ قال: أيها الناس أيَّما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أوَّل من يرجم ثم الناس، وأيَّما امرأة أو رجُل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشُّهود أوَّل من يرجُم، ثمَّ الإِمام، ثمّ الناس، ثمَّ رجمَها، ثمَّ أمَرهم فرَجَم صفّ ثمّ صفّ، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم" (١). فتأمَّل قول عليٍّ ﵁ لعلَّ رجُلاً وقَع عليك وأنتِ نائمة، ... لعلَّكِ استُكْرِهتِ، ... لعلَّ زوجك من عدوّنا هذا؛ أتاك فأنت تكرهين أن تدلِّي عليه. وتأمَّل كلمة: "يلقِّنها لعلَّها تقول: نعم". ولذلك إِذا أنْكرت المرأة أنَّه زُنِيَ بها؛ لم يُقَم عليها الحدّ ولو أقرَّ الرجُل الزَّاني، وأُقيم عليه الحدّ. وانْظر العنوان الآتي: من أقرّ بزنى امرأة فأنكرت: عن سهل بن سعد عن النبيّ ﷺ " أنّ رجلاً أتاه، فأقرّ عنده أنه زنى بامرأة سمّاها، فبعَث رسول الله ﷺ إِلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكَرت أن تكون زنَت، فجلده الحدّ وترَكَها" (٢). سقوط الحدّ بظهور ما يقطع بالبراءة: *إِذا ظهَر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع أنه لم يقع مِن أحدٍ منهما زنى؛ كأن تكون المرأة عذراء لم تفضّ بكارتها، أو رتقاء مسدودة الفرج، أو يكون الرجل

стр. 2112

مجبوباً أو عنّيناً، سقط الحد* (١) عن أنس ﵁ حين أرسل رسول الله ﷺ عليّاً إِلى رجل كان يُتّهم بإِحدى النساء، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه عليٌّ فإِذا هو في رَكِيٍّ (٢) يتبردُ فيها، فقال له عليٌّ: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإِذا هو مجبوب ليس له ذكَر، فكفَّ عليٌّ عنه، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّه لمجبوب ما له ذكَر" (٣). سقوط الحدّ إِذا أبدى المتهم العذر واقتنع الإِمام: وكذلك يسقط للحد إِذا أُبدى المتهم العذر واقتنع به الإِمام. عن أبي موسى قال: "أُتي عمر بن الخطاب بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت! قالت: إِني كنت نائمة، فلم أستيقظ إِلا برجل رمى فيّ مثل الشهاب، فقال عمر ﵁: يمانية نؤومة شابّة، فخلى عنها ومتعها" (٤). قال شيخنا ﵀: "وله طريق أخرى يرويه النزال بن سبرة قال: "إِنا لبمكة إِذ نحن بامرأة اجتمع عليها النّاس؛ حتى كاد أن يقتلوها وهم يقولون: زنَت زنَت، فأتي بها عمر بن الخطاب ﵁ وهي حبلى، وجاء معها

стр. 2113

قومها، فأثنوا عليها بخير، فقال عمر: أخبريني عن أمرك. قالت: يا أمير المؤمنين كنت امرأة أصيب من هذا الليل، فصليت ذات ليلة، ثمّ نمت وقمت ورجُلٌ بين رجِليّ، فقذَف فيّ مثل الشهاب، ثم ذهب، فقال عمر ﵁: لو قتل هذه من بين الجبلين أو قال: الأخشبين -شك أبو خالد- لعذبهم الله، فخلى سبيلها، وكتب إِلى الآفاق أن لا تقتلوا أحداً إِلا بإِذني" (١). سقوط الحدّ بالتوبة الصحيحة: يسقط الحد عمن تاب توبة صحيحة. عن وائل الكندي ﵁ قال: "خرجت امرأة إِلى الصلاة، فلقيها رجل فتجلّلها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إِليها رجل، فقالت له: إِن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إِليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم إِن رجلاً فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاؤوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إِلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا. فلمّا أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله أنا هو، فقال للمرأة: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولاً حسناً. فقيل: يا نبي الله ألا ترجمه؟ فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة

стр. 2114

لقُبل منهم" (١). قال شيخنا ﵀: "وفي هذا الحديث فائدة هامة، وهي: أنّ الحد يسقط عمّن تاب توبة صحيحة، وإِليه ذهب ابن القيم في بحت له في "الإِعلام" فراجِعْه (٣/ ١٧ - ٢٠) مطبعة السعادة". عفو الحاكم عن الحدود لأسباب مخصوصة: للحديث السابق. الوطء بالإِكراه: لا حدّ على المرأة التي تُكره على الزنى، وإِذا أُكره المرء على الكُفر وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان فلا يكفر، فكيف بما هو دونه! وفي الحديث: "رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢). وتقدم حديث وائل الكندي قبل الباب السابق. وعن طارق بن شهاب: "أنّ امرأة زنت، فقال عمر: أراها كانت تصلي من الليل فخشعت فركعت، فسجدت، فأتاها عادٍ من العواد فتجثمها، فأرسل عمر إِليها، فقالت كما قال عمر، فخلّى سبيلها" (٣).

стр. 2115

وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "أُتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستقت، فأبى أن يسقيها إِلا أن تُمكنّه من نفسها، ففعَلت، فشاور النّاس في رجمها، فقال عليّ ﵁: هذه مضطرة، أرى أن تخلّيَ سبيلها، ففعل" (١). الخطأ في الوطء (٢): إِذا زُفّت إِلى رجلٍ امرأةٌ غير زوجته، وقيل له: هذه زوجتك، فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حدّ عليه، باتفَاق. وكذلك الحُكم، إِذا لم يُقَل له: هذه زوجتك، أو وَجَد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئَها، أو دعا زوجته فجاء غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، لا حدّ في كل ذلك. وهكذا الحُكم في كل خطأ في وطء مباح. أمّا الخطأ في الوطء المحرم، فإِنه يوجب الحدّ، فمن دعا امرأة محرمة عليه، فأجابته غيرها، فوطئها يظنها المدعُوة فعليه الحدّ، فإِنْ دعا امرأة مُحرّمة عليه، فأجابته زوجته فوطِئَها، يظنها الأجنبية التي دعاها؛ فلا حدّ عليه، وإِنْ أثم باعتبار ظنه [والله -تعالى- أعلم]. قلت: وللحاكم أن يُعزّره إِذا علم ذلك.

стр. 2116

الوطء في نكاحٍ باطل (١): كلّ زواجٍ مُجمَع على بطلانه، كنكاح خامسة زيادة على الأربع، أو متزوجة، أو معتدة الغير، أو نكاح المطلقة ثلاثاً قبل أن تتزوج زوجاً آخر إِذا وطئ فيه، فهو زنى موجب للحدّ، ولا عبرة بوجود العقد، ولا أَثَر له. لا تُرجم الحُبلى حتّى تضع وتُرضع ولدها، ولا المريضة حتى تبرأ: تقدّم في حديث بريدة ﵁ في قِصّة الغامديّة: "قال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني، فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدني كما ردّدت ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حبلى من الزنى، فقال: آنْتِ؟ قالت: نعم. فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلَها رجل من الأنصار حتّى وضعت. قال: فأتى النّبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إِذاً لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله، فرجمها" (٢). وفي رواية: "قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إِنّي قد زنيت فطهِّرني، وإِنّه ردّها فلمّا كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردُّني؟ لعلك أن

стр. 2117

تردّني كما رددت ماعزاً، فوالله إِنّي لحُبلى قال: إِمّا لا (١) فاذهبي حتّى تلدي، فلمّا ولدت أتته بالصّبيّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه ْحتّى تفطميه، فلمّا فطمته أتته بالصبيّ في يده كِسرةُ خُبز، فقالت: هذا يا نبيَ الله قد فطمْتُه، وقد أكل الطّعام. فدفع الصبيَّ إِلى رجل من المسلمين، ثمّ أمَر بها فحُفر لها إِلى صدرها وأمَر النّاس فرجموها" (٢). قال الإِمام النووي ﵀: " [فيه] أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إِلى البُرء. والله أعلم". وعن أبي عبد الرحمن قال: "خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس أقيموا على أرقّائكم الحدّ، فإِنّ أمةً لرسول الله ﷺ زنت، فأمَرني أنْ أجلدها، فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكَرْت ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: أحسنت، اتركها حتى تماثل (٣) " (٤). شهود طائفة من المؤمنين الحدّ: قال الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ

стр. 2118

ولا تأخُذْكُم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "وقوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾: هذا فيه تنكيل للزانيَيْن إِذا جُلدا بحضرة الناس، فإِنّ ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردْعهما، فإِن في ذلك تقريعاً وتوبيخاً وفضيحة إِذا كان الناس حضوراً. قال الحسن البصري في قوله -تعالى-: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ يعني: علانية، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالاً". الشهود أول من يرجُم ثم الإِمام ثمّ الناس: عن أبي حصين عن الشعبي قال: "أتي علي ﵁ بشراحة الهمدانية قد فجرت، فردّها حتى ولَدت، فلمّا ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها، فأعطاها ولدها ثم جلَدَها ورجمَها. ثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسُّنّة، ثمّ قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف؛ فالإِمام أوّل من يرجم ثم الناس، فإِنْ نعاها الشهود؛ فالشهود أول من يرجُم، ثم الإِمام ثمّ الناس" (٢).

стр. 2119

ما جاء في جلد المريض: يُراعى المريض والسقيم في حدّ الجلد؛ ولا يُعامل كما يعامل الصحيح المعافى. عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضني (١)، فعاد جلدة على عظم، فدخَلَت عليه جارية لبعضهم، فهشّ لها، فوقع عليها فلمّا دخَل عليه رجال قومِه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ ، فإِنّي قد وقعْت على جاريةٍ دخلت عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّّ مثل الذي هو به، لو حملناه إِليك لتفسَّخت عظامه، ما هو إِلا جلد على عظم، فأمَر رسول الله ﷺ ، أن يأخذوا له مائة شمراخ (٢) فيضربوه بها ضربة واحدة" (٣). اللواط: اللواط: إِتيان الرجل الرجل، وهو من أبشع الأفعال وأقذرها، قال الله -تعالى-: ﴿ولوطاً إِذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين * إِنّكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قومٌ مسرفون *وما كان

стр. 2120

جواب قومه إِلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إِنّهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إِلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ (١). وفاعله ملعون كما في حديث أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ملعون من عَمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عَمَل قوم لوط، ملعون مَن عمِل عمَل قوم لوط" (٢). ما هو حدّ اللواط: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٣). قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (١١/ ٥٤٣): "وفي السنن عن النّبيّ ﷺ : "مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به". ولهذا اتفق الصحابة على قَتْلهما جميعاً؛ لكن تنوعوا في صفة القتل: فبعضهم قال: يُرجَم، وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدارٍ في القرية ويتبع

стр. 2121

بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنّار (١). ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمان بِكْرين كانا أو ثيّبين، حُرّين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكاً للآخر، وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد". انتهى. قلت: أمّا الحرق بالنّار فإِنه لا يشرع، وإِن وقَع شيء؛ فهو محمولٌ قبل بلوغ النهي، ولا سيّما أنّ النبي ﷺ ، كان قد أمَر بالحرق، ثمّ يلبَث أن نهى عن ذلك، والله أعلم. عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "بَعثَنا رسول الله ﷺ في بعثٍ فقال: إِن وجَدتم فلاناً وفلاناً فأحرِقوهما بالنَّار. ثمَّ قال رسول الله ﷺ حين أردْنا الخروجَ: إِني أمرتُكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإِنَّ النارَ لا يُعذِّب بها إِلا الله، فإِنْ وجَدْتموهما فاقتُلوهما" (٢).

стр. 2122

وعن عكرمة أنَّ عليّاً ﵁ "حَرَّقَ قوماً فبَلَغَ ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم؛ لأنَّ النبي ﷺ قال لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقتَلْتُهم كما قال النبي ﷺ : من بدَّل دِينَهُ فاقتلوه" (١). وقال ﵀ (٣٤/ ١٨٢): "أمّا الفاعل والمفعول به فيجب قتْلهما رجماً بالحجارة، سواءٌ كانا مُحصَنَين أو غير محصنين؛ لما في السنن عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، ولأن أصحاب النّبيّ ﷺ اتفقوا على قتلهما". وقال في "الفتاوى" أيضاً (٢٨/ ٣٣٤): "وأمّا اللواط، فمن العلماء من يقول: حده كحد الزنا، وقد قيل: دون ذلك. والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل، سواء كانا مُحصَنَين أو غير محصَنَين؛ فإِنّ أهل السنن رووا عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به". وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ في البكر يوجد على اللوطية. قال: يُرجَم (٢). ويروى عن عليّ بن أبي طالب ﵁ نحو ذلك. ولم تختلف الصحابة في قْتله؛ ولكن تنوعوا فيه. فرُوي عن الصديق

стр. 2123

-﵁ أنه أمر بتحريقه (١) وعن غيره قتْله، وعن بعضهم: أنه يلقى عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتن موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أنه يرفع على أعلى جدار في القرية ويرمى منه، ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس والرواية الأخرى قال: "يرجم". وعلى هذا أكثر السلف. قالوا لأن الله رجم قوم لوط، وشرَع رَجم الزاني تشبيهاً برجْم قوم لوط، فيرجم الاثنان سواء كانا حُرّين أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكاً والآخر حُرّاً، إِذا كانا بالغين، فإِن كان أحدهما غير بالغ؛ عوقب بما دون القتل، ولا يُرجَم إِلا البالغ". السّحاق: إِن السّحاق -وهو إِتيان المرأة المرأة- من أقبح الأفعال وأخبثها وأشنعها، وهذا الفعل يمضي فيه قوله -تعالى-: ﴿فأولئك هم العادون﴾ وهذا الخطاب للذكر والأنثى، والأمر بحفظ الفرج يعمّهما كذلك. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الرجل إِلى عورة الرجل، ولا المرأة إِلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إِلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إِلى المرأة في الثوب الواحد" (٢).

стр. 2124

جاء في "إِكمال إِكمال المعلم": " (ولا يفضي الرجل إِلى الرجل .. ): لأنّ تجرّدهما مظنّة مسّ أحدهما عورة الآخر، ومسّ العورة حرام؛ كالنظر -وإِنْ كانا مستورَيْن- فليتنزّها عن ذلك، لعموم النهي، وعلى أنّ جسد المرأة على المرأة عورة يحرم ذلك". وإِذا كان اقتراف الحرام بالنظر والتجرّد؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك. *والسّحاق مباشرة دون إِيلاج، ففيه التعزير دون الحدّ؛ كما لو باشر الرجلُ المرأة؛ دون إِيلاجٍ في الفرج* (١). الاستمناء: قال الله -تعالى-: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَتْ أيمانُهم فإِنهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). قال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "وقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكَت أيمانُهم فإِنّهم غيرُ ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلَّها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فإِنّهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك﴾ أي: غير الأزواج والإِماء، ﴿فأولئك هم العادون﴾ أي:

стр. 2125

المعتدون". وقال ﵀: "وقد استدل الإِمام الشافعي ﵀ ومن وافَقَه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانُهم﴾. قال: فهذا الصنيع خارجٌ عن هذين القِسْمين، وقد قال -تعالى-: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ ". وقال الإِمام القرطبي ﵀: " ... وقال بعض العلماء، إِنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، وياليتها لم تُقَل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. فإِنْ قيل: إِنها خير من نكاح الأمَة؛ قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا -وإِنْ كان قد قال به قائل أيضاً- ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير" انتهى. وقال بعضهم: "إِنه حرام؛ إِلا إِذا استمنى خوفاً على نفسه من الزنا، أو خوفاً على صحّته ولم تكن له زوجة أو أمَة ولم يقدر على الزواج؛ فإِنه لا حرج عليه!!! ". قال شيخنا ﵀ في "تمام المنّة": "ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنى؛ إِلا إِذا استعمل الطبّ النبوي وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج: "فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء".

стр. 2126

ولذلك فإِننا ننكر أشدّ الإِنكار، على الذين يُفتون الشباب بجوازه، خشية الزنا؛ دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النبوي الكريم". انتهى. وإِني لأخشى أن تُستغَل فتوى الترخّص في الاستمناء خوفاً من الزنى -مع ما تقدّم من التحفّظ- استغلالاً بشِعاً، وأن تُفهم على غير وجهها. فلا بدّ من التأكيد على تحريم الفِعل، وما يتضمّنه من الدناءة وسوء الأدب، ومنافاته مكارم الأخلاق. وقد تقدّم القول في "كتاب الصيام" (٣/ ٣١٦). إِتيان البهيمة: عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : "من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه. قال: قلت له: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه إِلا قال ذلك أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حدّ" (٢). جاء في "عون المعبود" (١٢/ ١٠٢): "وأكثر الفقهاء -كما حكاه الخطابي-

стр. 2127

على عدم العمل بهذا الحديث، فلا يقتل البهيمة، ومَن وقَع عليها، وإنّما عليه التعزير ترجيحاً لما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: "من أتى بهيمة فلا حدّ عليه" قال الترمذي: هذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم". قلت: إِذا ثبت الحديث وجبَ العمل به، مع رجائنا الأجر الواحد لمن لم يعمل به من العلماء اجتهاداً لرؤيةٍ شرعيّة. وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٨٢): "وسئل ﵀ عن قوله في "التهذيب" من أتى بهيمة فاقتلوا المفعول، واقتلوا الفاعل بها، فهل يجب ذلك أم لا؟ فأجاب: الحمد لله هذا فيه حديث رواه أبو داود في "السنن" وهو قوله: "من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوها" وهو أحد قولي العلماء؛ كأحد القولين في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي". حدّ القذف حرمته: القذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرَّم بإِجماع الأمّة، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنّة. قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء

стр. 2128

فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ (١). وقال -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إِلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: "لما نزل عُذري، قام النّبيّ ﷺ على المنبر فذكر ذاك وتلا -يعني القرآن- فلما نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة، فضُربوا حدهم" (٤). هل يُقام حدّ القذف على من عرَّض (٥)؟ ويُقام الحدّ على القاذف إِذا صرّح بالزنى أو عرّض، قولاً أو كتابة.

стр. 2129

ومثال التصريح أن يقول موجّهاً الخطاب إِلى غيره: يا زاني أو يقول عبارة؛ تجري مجرى هذا التصريح؛ كنفي نسَبِه عنه، ومثال التعريض؛ أن يقول في مقام التنازُع: لستُ بزانٍ، ولا أمّي بزانية. عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أنّ رجلين استبّا في زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان، ولا أمّي بزانية، فاستشار في ذلك عمر ابن الخطاب. فقال قائل: مدَح أباه وأمّه، وقال آخَرون: قد كان لأبيه وأمّه مدْحٌ غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلَده عمر الحدّ ثمانين" (١). وذَهب بعض العلماء إِلى أنه لا حدّ في التعريض، لأنّ التعريض يتضمّن الاحتمال، والاحتمال شُبهة؛ فلا حدّ عليه. وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٦٠٨) بعد ذكر أقوال العلماء: "أقول: التحقيق أنّ المراد مِنْ رمي المحصنات المذكور في كتاب الله : هو أن يأتي القاذف بلفظٍ يدل -لغة، أو شرعاً، أو عرفاً- على الرمي بالزنا، ويظهر من قرائن الأحوال أن المتكلم لم يُرِدْ إِلا ذلك، ولم يأت بتأويلٍ مقبول يصح حمْل الكلام عليه، فهذا يوجب حدَّ القذف بلا شك ولا شُبهة. وكذلك لو جاء بلفظٍ لا يحتمل الزنا، أو يحتمله احتمالاً مرجوحاً، وأقرّ أنه أراد الرمي بالزنا، فإِنه يجب عليه الحد. وأمّا إِذا عرّض بلفظٍ مُحتَمل، ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لا يسوغ إِيلامه بمجرد الاحتمال".

стр. 2130

بمَ يثبت حدّ القذف ؟ (١): يثبت حدّ القذف بأمرين: ١ - إِقرار القاذف، ويثبت ذلك بإِقراره مرّة؛ لكون إِقرار المرء لازماً له. ٢ - شهادة عدلين؛ كسائر ما تمضي فيه الشهادة؛ كما أطلقه الكتاب العزيز. عقوبة القاذف الدنيوية: *أوجب الشرع على القاذف؛ إِذا لم يُقم بيّنة على صحّة ما قاله؛ ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة. الثاني: أنه تُردّ شهادته دائماً. الثالث: أن يكون فاسقاً؛ ليس بعدل؛ لا عند الله ولا عند النّاس* (٢). قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون المحصنات ثمِّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾ (٣). هل تُقبل شهادة القاذف إِذا تاب: قال ابن كثير ﵀ بعد بيان ما أوجب الشرع على القاذف: "ثمّ

стр. 2131

قال -تعالى-: ﴿إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِنّ الله غفور رحيم﴾. اختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إِلى الجملة الأخيرة فقط؛ فترفع التوبة الفسقَ فقط، ويبقى مردودَ الشهادة دائماً وإِنْ تاب، أو يعود إِلى الجملتين الثانية والثالثة؟ أمّا الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصرّ، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإِمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إِلى أنه إِذا تاب قُبِلت شهادته، وارتفع عنه حُكْم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب -سيد التابعين- وجماعة من السلف أيضاً. وقال الإِمام أبو حنيفة: إِنما يعود الاستثناء إِلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبداً. وممن ذهب إِليه من السلف: القاضي شريح، وإِبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الشعبي والضحاك: لا تُقبل شهادته وإِنْ تاب، إِلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم". قال في "الروضة الندية" (٢/ ٦٠٩): "وإِذا لم يتُب لم تُقبل شهادته؛ لقوله -تعالى-: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ ثمّ ذَكر بعد ذلك التوبة. والذي يترجّح لديّ قبول شهادته إِذا تاب توبة نصوحاً وأكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البُهتان، وذلك لما يأتي:

стр. 2132

١ - للنصوص العامّة في قَبول التوبة بشروطها، ومن ذلك توبة القاتل (١) وهو أعظم جرماً من القاذف -بل تُقبل توبة المشرك إِذا تاب. وحين سألت شيخنا ﵀ هل تقبل توبة الكاذب على رسول الله ﷺ وقد اختلف فيها العلماء -وكنتُ مستحضراً في نفسي أَن الله تعالى يقبل التوبة من الشرك- فقال: إِذا كانت تُقبل توبة المشرك مِن شركه، فكيف بالكاذب على رسول الله ﷺ !. ٢ - لترجيحي قول العلماء الذين يرون رجوع الاستثناء إِلى الجملتين لا إِلى الجملة الأخيرة فقط. وقد فصَّل القولَ في ذلك الأُستاذ عبد القادر عبد الرحمن السعدي في كتابه النافع "أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية" (ص ٢١١ - ٢١٥) مُبّيناً أقوال النحاة والراجح في ذلك. فارجع إِليه -إِن شئت- فإِنه مهمّ. وأمّا أن يكذب نفسه، ويقرّ أنه قال البهتان، فهذا من شروط التوبة المتعلّقة بحقوق العباد، ورد الظالم، وتبرئتهم مما يجب فيه ذلك.

стр. 2133

قال الله -سبحانه-: ﴿إِنّ الذين يكْتُمُون ما أنزلْنَا من البيّناتِ والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعَنُهُمُ الله ويلعَنُهُم اللاعنُون * إِلا الذين تَابُوا وأصلَحُوا وبيّنوا فأولئك أتُوبُ عليهم وأنَا التّواب الرّحيم﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: "وفى هذا دلالة على أنّ الداعية إِلى كُفر أو بدعة إِذا تاب إِلى الله؛ تاب الله عليه". من رمى المحصنة ولم يأتِ بأربعة شهداء: عن أبي عثمان النهدي قال: "جاء رجل إِلى عمر بن الخطاب ﵁ فشهد على المغيرة بن شعبة فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، ثمّ جاء آخر فشهد؛ فتغيّر لون عمر، حتى عرفنا ذلك، وأنكر لذلك، وجاء آخر يحرك بيديه، فقال: ما عندك يا سلخ العقاب، وصاح أبو عثمان صيحة تشبهها صيحة عمر، حتى كربت (٢) أن يغشى عليّ، قال: رأيت أمراً قبيحاً. قال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأمّة محمد ﷺ ، فأمر بأولئك النفر فجلدوا" (٣).

стр. 2134

وله طريق أُخرى عن قسامة بن زهير قال: لمّا كان من شأن أبي بكرة والمغيرة الذي كان -وذكر الحديث- قال: فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه، فلما قدم زياد قال: إِن تشهد إِن شاء الله إِلا بحق، قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمراً قبيحاً، قال عمر: الله أكبر، حدوهم، فجلدوهم، قال: فقال أبو بكرة بعدما ضربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمر ﵁ أن يعيد عليه الجلد، فنهاه عليّ ﵁ وقال: إِن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده" (١). إِذا كرّر القذف للشخص نفسه: إِذا قذف المرء شخصاً وحُدّ، ثمّ قذفه مرّه أُخرى؛ حُدّ مرّة أخرى، وهكذا لو عاد؛ فإِنّه يُحدّ لكل قذف. ومن الأدلّة على ذلك؛ ما تقدّم في أثر قسامة بن زهير، وفيه قول عمر ﵁: "الله أكبر؛ حدُّوهم، فجلَدوهم، فقال أبو بكرة بعد ما ضَربه: أشهد أنه زان، فهمّ عمرُ ﵁ أن يعيد عليه الجلد؛ فنهاه عليّ ﵁ وقال: إِنْ جلدْتَه؛ فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده" (٢).

стр. 2135

والشاهد فيه أن عُمَر همّ بإِعادة الحدّ مرّةً أُخرى، ومنعَه ذلك وضْع خاصّ، وهو أنّه إِذا حدّه، فكأنها أصبحت أربع شهادات، فيجب رجْم المقذوف فلم يفعل -والله تعالى أعلم-. سُقوط حد القذف (١): ويسقط حد القذف بمجيء القاذف بأربعة شهداء؛ لأن الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد، ويثبتون صدور الزنى بشهادتهم، فيقام حد الزنى على المقذوف؛ لأنه زان، وكذلك إِذا أقرّ المقذوف بالزنى، واعترف بما رماه به القاذف. وإِذا قذفَت المرأة زوجها، فإِنه يقام عليها الحدّ إِذا توفرت شروطه، بخلاف ما إِذا قذَفَها هو، ولم يُقِم عليها البيّنة؛ فإِنه لا يقام عليه الحدّ، وإِنما يتلاعنان (٢). إِقامة الحد يوم القيامة: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "من قذَف مملوكه وهو بريء مما قال؛ جُلِد يوم القيامة، إِلا أن يكون كما قال" (٣).

стр. 2136

حدّ السّرقة تعريف السّرقة: السرقة لغةً: أخْذ الشيء المحرَز من الغير؛ من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء (١). أجمع العلماء على قطع اليد في السرقة لقوله -تعالى-: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما ... ﴾ (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "تقطع اليد في رُبع دينار فصاعداً" (٣). أنواع السرقة (٤) والسرقة أنواع: ١ - ما يوجب التعزير: وهي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إِقامة الحد، وقد قضى رسول الله ﷺ بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.

стр. 2137

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرين (٣) فبلغ ثمن المجنّ (٤) فعليه القطع" (٥). وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً من مُزَيْنة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة (٦) الجبل، فقال: "هي وَمثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشيَة قَطعٌ، إِلا فيما آوَاه المُراحُ (٧). فَبَلغَ ثمن المِجَنّ، فَفيِه قَطْع اليد، وما لم يَبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيِه

стр. 2138

غرامةُ مِثْليِه، وجَلَدَات نَكَال" (١). قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: "هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيِه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفِيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال" (٢). وعن رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كَثَر (٣) ". (٤) ٢ - ما يوجب الحدّ وهي التي يجب فيها قطع اليد. ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن (٥) ولا مُنْتهب (٦)

стр. 2139

ولا مختلس (١) قطع (٢) ". (٣) قال ابن القيم ﵀: "وأمّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قطْع المختلس، والمنتهب، والغاصب، فمِن تمام حكمة الشارع أيضاً؛ فإِنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإِنه ينقُب الدور، ويهتك الحِرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطْعه، لسَرَق الناس بعضهم بعضاً، وعظُم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإِن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويُخلّصوا حقّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم.

стр. 2140

وأمّا المختلس فإِنّه إِنّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكّن به المختلس من اختلاسه، وإِلا فمع كمال التحفُّظ والتيقُّظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه، وأيضاً فالمختلس إِنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالباً، فإِنه الذي يغافلك، ويختلس متاعك في حال تخلّيك عنه، وغفلتك عن حِفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب. وأمّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال". (١) هل في جحد العارية حدّ ؟ *اختلف العلماء في حُكم جاحد العارية، فقال الجمهور لا تُقطع يده؛ لأن القرآن والسنّة أوجبا القطع على من سرق، والجاحد للعارية ليس بسارق! * (٢). وذهب الإِمام أحمد (٣) وإِسحاق وجمْع من العلماء إِلى قطع يده لحديث عائشة ﵂ "أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي
следующие страницы →