← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فَلْيَنْصُرْهُ" (١). ولا يجوز للمسلم أن يخذل أخاه أو يُسلمه. فعن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه" (٢). وفي رواية: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا التقوى هاهنا، يقول: أي: في القلب" (٣).

стр. 2207

الجنايات

стр. 2208

الجنايات تعريفها: الجنايات: هي جمع جناية، مصدر من جَنَى الذنب يجنيه جناية، أي: جَرّه إِليه، وجُمعت وإِنْ كانت مصدراً لاختلاف أنواعها، فإِنها تكون في النفس، وفي الأطراف، وتكون عمداً وخطأً (١). وجاء في "المغني" (٩/ ٣١٨): هي كلّ فِعل عدوانٍ على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمّوا الجنايات على الأموال غصباً ونهباً وسرقة وخيانة وإِتلافاً. *وقد اصطلحَ الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إِلى قسمين: القسم الأول: ويسمّى جرائم الحدود. والقسم الثاني: ويسمّى جرائم القِصاص. وهي الجنايات التي تقع على النفس، أو على ما دونها من جرحٍ، أو قطع عضو، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها؛ صيانة للناس، وحِفاظاً على حياتهم الاجتماعية. وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها، وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص* (٢). حُرمة المسلم عند الله تعالى: قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إِلا بالحقّ﴾ (٣).

стр. 2209

عن أبي بكرة ﵁ ذكَر النبي ﷺ قعَد على بعيره وأمسكَ إِنسانٌ بخِطامه -أو زمامه- قال: أيّ يوم هذا؟ فسَكتنا حتى ظَننّا أنه سيُسمّيه سِوى اسمه. قال: ألَيس يوم النَحر؟ قلنا: بلى. قال فأيّ شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننّا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا بلى. قال: فإنّ دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حَرام؛ كَحُرمِة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، لِيبلغ الشاهد الغائبَ، فإن الشاهد عَسى أن يبلّغَ مَن هو أوعى له منه" (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيِّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (٢). وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قَتْل رجل مسلم" (٣). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في

стр. 2210

النار" (١). ونظر عبد الله بن عمر ﵄ يوماً إِلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمةً منك" (٢). وعن عبد الله ﵁ قال النبي الله ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس في الدماء" (٣). جزاء من سَنّ القتل: قال الله تعالى ﴿مَن قَتَل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ (٤). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "أي: ومَن قَتَل نفساً بغير سبب؛ من قِصاص، أو فسادٍ في الأرض، واستحلّ قتْلها بلا سبب ولا جناية؛ فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأنه لا فرْقَ عنده بين نفسٍ ونفس". وعن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "ليس مِن نفس تُقتَل ظلماً؛ إِلا كان

стр. 2211

على ابن آدم الأوّل كِفلٌ منها (١) لأنه سَنّ القتل أوّلاً" (٢). وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: رسول الله ﷺ "مَن سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر مَن عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإِسلام سنّة سيئة؛ كان عليه وزرها ووزْر من عمِل بها من بعده؛ مِن غير أن يَنقُص مِن أوزارهم شيء" (٣). تحريم الانتحار وقتل المرء نفسه: قال الله -تعالى-: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إِنّ الله كان بكم رحيماً﴾ (٤). عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَن تَرَدّى من جبل فقتلَ نفسَه فهو في نار جهنم يتردّى فيه خالداً مُخلداً فيها أبداً. ومن تحسّى سماً فقَتلَ نفسه فسمُّهُ في يده، يَتحساه في نار جهنم خالداً مُخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدتهُ في يده يَجأُ بِها (٥) في بطنه في نار جهنم خالداً مُخلداً فيها أبداً" (٦).

стр. 2212

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار" (١). وعن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ، فجزِع فأخذ سكيناً فحزّ بها يده، فما رقأ (٢) الدم حتى مات، قال الله -تعالى-: "بادرني عبدي بنفسه، (٣) حَرّمتُ عليه الجنة" (٤). وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من قَتَل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذّب به يوم القيامة" (٥). أنواع القتل القتلُ أنواعٌ ثلاثةٌ: ١ - عمد. ٢ - شبه عمد. ٣ - خطأ.

стр. 2213

القتلُ العَمْدُ (١) فالقتل العمد؛ هو أن يقصد المكلَّف قتْل إِنسان معصوم الدم (٢)، بما يغلِب على الظنّ، أنه يُقتل به، ولا تتحقّق جريمة العمد؛ إِلا إِذا توفّرت الأُمور الآتية: ١ - أن يكون القاتل عاقلاً، بالغاً، قاصداً القتل. أمّا اعتبار العقل والبلوغ فلقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (٣). وأمّا اعتبار العمد؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: "قُتلَ رجل على عهد النبي ﷺ ، فرُفع ذلك إِلى النبي ﷺ ، فدفَعه إِلى وليِّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله ﷺ للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقاً ثُمَّ قَتَلْتَه دَخَلْتَ النار قال: فخلّى سبيله" (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ... ومن قتل

стр. 2214

عمداً فهو قَوَد (١) ومن حال دونه؛ فعليه لعنة الله وغضبه، لا يُقبَل منه صَرْف (٢) ولا عَدْل" (٣). ٢ - أن يكون المقتول آدمياً، ومعصومَ الدم أي؛ أنّ دمه غير مباح. ٣ - أن تكون الأداة التي استُعملت في القتل، ممّا يُقْتَلُ بها غالباً. فإذا لم تتوفر هذه الأركان، فإِنّ القتل لا يعد قتلاً عمداً. أداةُ القتلِ ووسائله: ولا يشترط في الأداة التي يَقتلُ بها، سوى أنها ممّا تَقْتُلُ غالباً، سواءٌ أكانت محدَّدة؛ أم متلَفة؛ لتماثلهما في إِزهاق الروح. قال في "المغني" (٩/ ٣٢١): "فالعمد ما ضرَبَه بحديدة أو خشبة كبيرة فوق عمود الفسطاط، أو حجر كبير؛ الغالب أن يقتل مثله، أو أعاد الضرب بخشبة صغيرة أو فعل به فِعلاً الغالب من ذلك الفعل أنه يُتلِف. وجملة ذلك أن العمد نوعان: أحدهما أن يضربه بمحدَّد وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والسنان، وما في معناه مما يحدد؛ فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والحجر والقصب والخشب. فهذا كله إِذا جرح به جرحاً كبيراً فمات فهو قتْلُ عمدٍ لا خلاف فيه بين

стр. 2215

العلماء -فيما علمناه-. فأمّا إِنْ جَرحه جرحاً صغيراً كشَرْطة الحجّام أو غَرَزهُ بإِبرة أو شوكة نظرت؛ فإِن كان في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ وأصل الأُذُن فمات؛ فهو عمد أيضاً؛ لأن الإِصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل". وجاء في "الشرح الكبير" (٩/ ٣٢٠): ١ - " ... أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلّة، أو ما في معناه؛ ممّا يحدّد ويجرح من الحديد والنحاس والزجاج والحجر ... فهذا كله إِذا جرَح به جُرحاً كبيراً فمات؛ فهو قتلُ عمدٍ لا اختلاف فيه بين العلماء -فيما علمناه-. ٢ - أن يضربه بمثقل فوق عمود ... أو حجر كبير، أو يُلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يُلقيه من شاهق، أو يكرّر الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل أو في حال ضعف قُوةٍ من مرض أو صِغر أو كِبَر. عن أنس بن مالك ﵁ "أن يهودياً رضّ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فقيل لها: من فَعَل بك هذا؟ أفلان أفلان، حتى سُمّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَرَ به النبيّ ﷺ فَرُضّ رأسُه بالحجارة" (١). ٣ - إِذا جمع بينه وبين أسد أو نحوه في مكان ضيِّق، أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية. ٤ - إِذا ألقاه في ماءٍ يُغرقه، أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ إِمّا لكثرة الماء

стр. 2216

والنار، وإِمّا لعجزه عن التخلص. ٥ - إِذا خنقَه بحبل أو غيره، أو سدّ فمه وأنفه، أو عصر خصيته حتى مات. [جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٤٤): "عن رجلين تضاربا وتخانقا، فوقع أحدهما فمات: فما يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا خَنقه الخنق الذي يموت به المرء غالباً وجب القَوَد عليه عند جمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة، ولو ادعى أن هذا لا يَقْتُل غالباً لم يُقبَل منه بغير حُجّة. فأمّا إِن كان أحدهما قد غشي عليه بعد الخنق، ورفَسَه الآخر برِجله حتى خرج من فمه شيء فمات؛ فهذا يجب عليه القَوَد بلا ريب، فإِن هذا قاتلٌ نفساً عمداً؛ فيجب عليه القَوَد؛ إذا كان المقتول يكافؤه بأن يكون حُرّاً مسلماً، فيُسَلّم إِلى ورثة المقتول؛ إِنْ شاءوا أن يقتلوه، وإنْ شاءوا عفوا عنه، وإنْ شاءوا أخذوا الدّية". وفي "مجموع الفتاوى" (ص ١٤٤) أيضاً: "وَسئل ﵀ عن رجلين تخاصما وتقابضا فقام واحد ونطح الآخر في أنفه، فجرى دمه، فقام الذي جرى دمه خنقه ورفسه برجله في مخاصيه فوقع ميّتاً؟ فأجاب: يجب القَوَد على الخانق الذي رفس الآخر في أنثييه؛ فإِنّ مثل هذا الفعل قد يَقْتُل غالباً؛ فإِنّ موته بهذا الفِعل دليل على أنه فَعل به ما يَقْتُل غالباً؛ والفِعْل الذي يَقْتُل غالباً يجب به القَوَد في مذهب مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفه: مثل ما لو ضرَبه في أنثييه حتى مات فيجب القَوَد، ولو خنقه حتى مات وجب القَوَد، فكيف إذا اجتمعا؟!

стр. 2217

ووليّ المقتول مُخيَّر إِنْ شاء قتَل، وإِنْ شاء أخذ الدِّية، وإِنْ شاء عفا عنه؛ وليس لولي الأمر أن يأخذ من القاتل شيئاً لنفسه ولا لبيت المال؛ وإِنما الحقّ في ذلك لأولياء المقتول"]. ٦ - إِذا حبَسه ومنعه الطعام أو الشراب؛ حتى مات جوعاً وعطشاً؛ في مُدّةٍ يموت في مِثْلها غالباً. ٧ - إِذا سقاه سمّاً، أو خَلطه بطعامه فأكل فمات. عن أنس بن مالك ﵁: "أنّ يهودية أَتت النبي ﷺ بشاةٍ مسمومة فأكل منها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لَهواتِ (١) رسول الله ﷺ " (٢). وفي رواية من حديث أبي سلمة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ ، أهدَتْ له يهودية، بخيبر شاةً مصليّة ... قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إِلى اليهودية: ما حَمَلك على الذي صَنعْت؟ فقالت: إِنْ كنتَ نبياً لم يضرَّك وإِن لم تكن استرحنا منك. فأمَرَ بها رسول الله فقُتلت" (٣). ٨ - إِذا قتَلَه بسحر يقتُلُ غالباً. ٩ - إِذا شهد رجلان على رجل بقتل عمدٍ ... أو رِدّة، فيُقتَل بذلك، ثمّ يرجعان ويقولان: عَمَدنا قتْله.

стр. 2218

وتقدم قول عليّ ﵁: "لو علمْتُ أنّكما تعمّدتما لقطعتُكما" (١). ١٠ - إِذا أمسك الرجل وقتلَه الآخر؛ يقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك. عن ابن عمر ﵄ قال: "إِذا أمسَك الرجل الآخر؛ يُقتل الذي قَتَل ويُحبس الذي أمسَك" (٢). قلت: ويُحمل حبْس الذي أمسَك، إِنْ كان لا يعلم إِرادة تعمُّد القتل عند صاحبه، أمّا إِن كان يعلم ذلك فإِنه شريكه. وقد تقدم أثر عمر ﵁ " لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٣) لقتَلْتُهم جميعاً" (٤). والله أعلم. فائدة: سألت شيخنا ﵀ عن جماعةٍ دخلوا على بيتٍ لقتْلِ رجل، فقتَلَ منهم دفاعاً عن نفسه. فأجاب ﵀: "لا يقال بأنه قاتل، وإِذا جاء جماعةٌ أرادوا أخْذه لاستجوابه وهو يعلم ذلك، فلا يجوز أَن يقْتُل".

стр. 2219

ماذا يترتّب على قتْل العمد ؟ يترتب على قتل العمد القصاص عند وجود المكافئ. عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "العمد قَوَد والخطأ ديَة (١) " (٢). *ولا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئاً، لا من ماله، ولا من دِيته؛ إِذا كان من ورثته، وقاعدة الفقهاء في ذلك: "مَن استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه"* (٣). عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس للقاتل من الميراث شيء" (٤). وفي رواية: "ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إِليه، ولا يرث القاتل شيئاً" (٥). وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٣) "وسئل ﵀ عن القاتل

стр. 2220

ولدَه عمداً؛ لمن ديته؟ فأجاب: وأمّا الوارث كالأب وغيره إذا قتَل مورثه عمداً؛ فإِنه لا يرث شيئاً من ماله ولا ديته باتفاق الأئمّة، بل تكون ديته كسائر ماله يحرمها القاتل؛ أباً كان أو غيره، ويرثها سائر الورثة غير القاتل". من حقّ الورثة التنازُل عن القِصاص وطلب الدية أو العفو: إِذا تنازل الورثة عن القِصاص، فلهم طلب الدِّية. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَن قُتِل له قتيل؛ فهو بخير النظرين: إِمّا إِن يودَى (١) وإِما إن يُقاد" (٢). ولهم الصُّلح على زيادةٍ في الدِّية، ولهم كذلك العفو مجّاناً -وهو الأفضل- لقول الله -تعالى-: ﴿وأَن تعفوا أقرب للتقوى ولا تَنْسَوا الفضل بينكم﴾ (٣). وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذِينَ آمنوا كُتِبَ عليكمُ القِصاص في القتلى الحُر بالحُرّ والعبدُ بالعَبْدِ والأنثَى بالأنثَى فَمَن عُفَي لهُ مِن أخيه شيء فاتباعٌ بالمعرُوف وأداءٌ إِليهِ بإِحسان ذَلك تخفيفٌ مّن ربكم ورَحمةٌ فمنِ اعتدَى بعدَ ذلكَ فَلَهُ عذابٌ أليمٌ﴾ (٤).

стр. 2221

ماذا إِذا عفا أحد الورثة ؟ وإِذا عفا أحد الورثة، سقط القِصاص. فعن زيد بن وهب أن عمر ﵁ "أُتي برجل قَتَل قتيلاً، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول -وهي أخت القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر، عُتق القتيل، فأَمَر عمر لسائرهم بالدّية" (١). وعن زيد بن وهب أيضاً: "أنّ رجلاً دخل على امرأته. فوجد عندها رجلاً فقتلها، فاستعدى عليه إِخوتها عمر ﵁ فقال بعض إِخوتها: قد تصدقت فقضى لسائرهم بالدية" (٢). وفي رواية: "أنّ رجلاً قتَل امرأته، استعدى ثلاثة إِخوة لها عليه عمر بن الخطاب ﵁ فعفا أحدهم، فقال عمرُ للباقين: خذا ثلثي الدِّية؛ فإِنه لا سبيل إِلى قتله" (٣). القَتْل شبه العمْد: شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصَد ضرْبه بما لا يَقْتُلُ غالباً، إِمّا لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه؛ كالضربِ بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكْز واليد.

стр. 2222

وسائر ما لا يَقْتُل غالباً إِذا قتل؛ فهو شبه عمد؛ لأنه قصَد الضرب دون القتل، ويُسمّى عمدَ الخطأ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإِنه عَمَد الفعل وأخطأ في القتل (١). *ولما لم يكن عمداً محضاً، سقط القَوَد؛ لأن الأصل صيانة الدماء، فلا تُستباح إِلا بأمر بيّن، ولما لم يكن خطأ محضاً -لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل- وَجَبَت فيه دِيَة مُغلظة* (٢). عن عبد الله بن عمرو ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: "عَقلُ (٣) شبهِ العمد مُغَلّظ؛ مثل عقْلِ العمد، ولا يُقتَل صاحبه، وذلك أن ينزو (٤) الشيطَان بين الناس فتكون دماء في عِمّيّا (٥) في غير ضغينة (٦) ولا حمْلِ سلاح" (٧).

стр. 2223

جاء في "عون المعبود" (١٢/ ٢٠١): "والحاصل أن قتل شبه العمد يحصل بسبب وثوب الشيطان بين الناس، فيكون القتال بينهم من غير حقد وعداوة ولا حمْل سلاح، بل في حالٍ يعمى أمره، ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، ففي مثل هذه الصورة؛ لا يُقتَل القاتل بل عليه دِيَة مغلظة مثل دية قتل العمد". وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أيضاً أنّ رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة، ثم قال: "ألا إِنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا" (١). ماذا يترتب على قتل شِبْه العمد ؟ لا يجب في قتل شبه العمد القِصاص، ويجب فيه الدية المغلّظة على العاقلة (٢). قال في "المغني" (٩/ ٣٣٧): "فهذا لا قَوَد فيه، والدّية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم .. ". مسألة: جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٤٤) "وَسئلَ ﵀ عمن ضرب رجلاً ضربة فمكث زماناً ثمّ مات، والمدة التي مكث فيها كان ضعيفاً من الضربة: ما الذي يجب عليه؟

стр. 2224

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. إِذا ضربه عدواناً فهذا شبه عمد فيه دية مغلظة، ولا قَوَد فيه، وهذا إِن لم يكن موته من الضربة. والله أعلم". القتل الخطأ (١): هو أن لا يقصد ضربه، وإِنما قصَد غيره فأصابه، أو أن يفعل ما يجوز له ويُباح؛ كأن يحفر بئراً؛ فيتردّى فيه إِنسان، أو أن يرمي الصيد، أو يفعل ما يجوز له قتْله فيؤول إِلى قتْل آدمي، فلا قَوَد عليه ولا قِصاص، وإِنما تجب الدية مخفّفة؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-. قال ابن المنذر: "أجمع كلُّ من نحفظ عنه مِن أهل العلم؛ أن القتل الخطأ؛ أنْ يرمي الرامي شيئاً؛ فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه. هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. فهذا الضرب من الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفّارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه. ماذا يترتب على قتل الخطأ ؟ تجب الدّية مخفّفة على العاقلة (٢) والكفّارة في مال القاتل، وهي عتق

стр. 2225

رقبة مؤمنة فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. والأصل في وجوب الدِّية والكفّارة قول الله -تعالى-: ﴿ومن قَتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديِةٌ مُسلَّمة إِلى أهله إِلا أن يصّدقوا﴾ وسواء كان المقتول مسلماً أو كافراً له عهد لقول الله -تعالى-: المتقدّم ﴿وإِن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدِيَةٌ مسلَّمة إِلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾. ولا قِصاص في شيء من هذا لأن الله -تعالى- أوجب به الدية ولم يذكر قصاصاً. وقال النبي ﷺ : "إِنّ الله وضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا

стр. 2226

عليه" (١). ولأنه لم يوجب القِصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى (٢). فائدة: جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٧٠): "وإِذا ماتَ منْ عليه الكفّارة ولم يُكفّر، فليُطعم عنه وليّه ستّين مِسكيناً فإِنّه بدلُ الصيام الذي عَجزت عنه قوتُه، فإِذا أَطعَم عنه في صيام رمضان فهذا أولى. والمرأة إِنْ صامت شهرين متتابعين؛ لم يَقْطَع الحيضُ تتابُعَها، بل تَبني بعد الطهر باتفاق الأئمِّة، والله أعلم". عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة: جاء في "الغني" (٩/ ٥٠٤): "عمْد الصبيّ والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تحمله؛ لأنه عمد يجوز تأديبهما عليه، فأشبه القتل مِن البالغ. ولنا أنه لا يتحقق منهما كمال القصد فتحمله العاقلة كشبه العمد، ولأنه قتْلٌ لا يوجب القِصاص لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد، وبهذا فارَقَ ما ذكروه ويبطُل ما ذكروه بشبه العمد". قلت: والذي جاء في "المغني" هو الأرجح، وتعليله أقرب للنُّصوص المتصلة بالموضوع. والله -تعالى- أعلم. وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٨): "وسُئل -رحمه الله تعالى-

стр. 2227

عن صبيّ دون البلوغ جنى جناية يجب عليه فيها دِية؛ مثل أن يَكسر سنَّا، أو يَفقأ عيناً، ونحو ذلك خطأ؛ فهل لأولياء ذلك أن يأخذوا دِيَة الجناية من أبي الصبيّ وحده إِنْ كان موسراً؟ أم يطلبوها من عمّ الصبي أو ابن عمّه؟ فأجاب: الحمد لله. أمّا إِذا فَعل ذلك خطأ؛ فديته على عاقلته بلا ريب؛ كالبالغ وأولى. وإِنْ فَعَل عمداً فعمدُه خطأ عند الجمهور: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وفي القول الآخر عنه وعن أحمد أنّ عمده إِذا كان غير بالغ في ماله". وفيه (ص ١٥٩): "والذي تحمله العاقلة بالاتفاق ما كان فوق ثُلث الدية، مِثْل قلْع العين، فإِنّه يجب فيه نصف الدِّية. وأمّا دون الثلث، كدِيَة السن؛ وهو نصف عشر الديَة، ودِيَة الأصبع، هي عشر الديَة" (١).

стр. 2228

القِصاص

стр. 2229

القِصاص القصاص من قولِكَ: قَصَصْتُ الأثَرَ، وأقْصَصتُه: إِذا اتَّبعْتَه، قال الله -تعالى-: ﴿وقَاَلَتْ لأختِه قُصِّيهِ﴾ (١) أي: اتْبَعِي أثَره. وقال في قصة موسى ﵇ وفتاهُ: ﴿فَارتدا عَلَى آثارِهما قَصَصاً﴾ (٢) كذلك القِصاص إِنِّما هو سُلوكُ مِثْل الطَّريقةِ التي فَعَلها الجارِحُ، لأنه يُؤتَى إِليه مثلَ ما أتَاَه هو (٣). وجاء في كتاب "التعريفات": "هو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فَعَل". وفي "طِلبة الطَّلَبَة": "القتل بإِزَاءِ القتلِ، وإِتْلاف الطَّرف بإِزَاءِ إِتْلاف الطَّرف. وقد اقتصَّ وليُّ المقتولِ من القاتلِ: أي: اسْتَوفَى قِصاصَهُ. وأقصَّه السّلطانُ منَ القَاتِل؛ أي: أوفَاه قصاصهُ، وهو من قولِكَ قصَّ الأَثرَ، واقْتَصَّه: أي: اتَّبَعَهُ، وقصَّ الحديث واقتصَّه؛ أي: رَوَاه على جهتِه، وهو كذلكَ أيضاً، أي: من الاتَّباع ... ". شروط القِصاص (٤): ١ - أن يكون الجاني مُكلَّفاً، فأمّا الصبيّ والمجنون فلا قِصاص عليهما، لا

стр. 2230

خلاف بين أهل العِلم؛ في أنه لا قِصاص على الصبيّ والمجنون، وكذلك كلُّ زائل العقل بسببٍ يُعذر فيه كالنائم؛ لقول ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (١). ولأنّ القِصاص عقوبة مغلّظة؛ فلم تجب على الصبيّ وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصدٌ صحيح، فهم كالقاتل خطأً. وإِذا كان المجنون يزول عنه جنونه أحياناً، فقَتل اقتصّ منه، وإِذا شرب رجلٌ شيئاً ظنّه غير مسكر، فزال عقله فقَتل في هذه الحال، فلا قِصاص عليه. ٢ - أن يكون المقتول معصوماً؛ فلا يجب القِصاص بقتلِ حربيّ؛ ولا يجب بقتله؛ ديَة ولا كفارة، وكذا الزاني المحصَن أو المرتد. عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله قال: "لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إِله إِلا الله وأني رسول الله إِلا بإِحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أنّ أعمى كانت له أمّ ولد، تشتم النبيَّ ﷺ ، وتقَع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جَعَلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ

стр. 2231

المِغْوَل (١) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتَلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمَع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فَعل ما فَعل لي عليه حقّ، إِلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قَعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جَعَلت تشتمك وتقع فيك، فأخذتُ المِغْوَل فوضعْتُه في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلْتُها، فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا أنّ دمها هدر" (٢). ٣ - أن يكون المجنيَّ عليه مسلماً، فلا يُقتل مؤمن بكافر. عن أبي جُحَيفةَ قال: "سألت علياً ﵁: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن -وقال مُرة: ما ليس عند الناس- فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرأ النَّسمةَ (٣)، ما عندَنا إِلا ما في القرآن -إِلا فَهْماً يُعطَى رجلٌ في كتابه- وما في الصحيفة. قلتُ: وما في الصحيفة؟ قال: العقلُ، وفكاكُ الأسير، وأن لا يُقتل مسلمٌ

стр. 2232

بكافر" (١). وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يُقتل مؤمن بكافر" (٢). وقد اختلف العلماء هل يُقتل الحُرّ بالعبد؛ والراجح أنه يُقتل لقوله -تعالى-: ﴿وكَتَبْنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفس﴾ (٣). ولقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ (٤) دماؤُهم ويسعى بذمّتهم أدناهم" (٥). قال الإِمام الطبري ﵀ فإِن قال قائل: فإِنه -تعالى-: ذكْره قال: ﴿كُتِبَ عليكم القِصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبَدِ والأنثى بالأنثى﴾ فما لنا أن نقتصّ للحرّ إِلا من الحرّ، ولا للأنثى إِلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذَّكر، بقول الله -تعالى- ذكْره: ﴿وَمَن قُتلَ مَظْلُوماً فَقَد جَعَلنا لوليّه سُلطَاناً﴾ (٦). وبالنقل المستفيَض عن رسول اللهَ ﷺ أنّه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤُهم".

стр. 2233

وقال: فإِنْ قال ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نَزَلت هذه الآية في قوم كانوا إِذا قَتَل الرجُل منهم عبدَ قومٍ آخرين؛ لم يرضوا مِنْ قتيلهم بدم قاتله؛ من أجل أنه عبد حتى يَقتُلوا به سيده. وإذا قَتَلَت المرأة من غيرهم رجلاً لم يرضوا من دم صاحبها بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلاً من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فَرَض لهم من القِصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتلَ دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدُّوا القاتلَ إِلى غيره في القِصاص". ثم ذكر -رحمه الله تعالى- عدداً من الآثار في ذلك، وذكَر وجوهاً أُخرى ومناسبات عديدة ساقها بإسناده ثم قال ﵀: " .. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالنقل العام؛ أنّ نفس الرجل قَوَدٌ قِصاصاً بنفس المرأة الحرة". ثم قال ﵀: "وإِذا كان كذلك؛ كان بيِّناً بذلك؛ أنه لم يُرَدْ بقوله -تعالى-: ذِكْره: ﴿الحرّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقادَ العبد بالحرّ، وأن لا تُقتَل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى ... " انتهى. قلت: أمّا حديث: "لا يُقاد مملوك من مالكه" فإِنه لا يثبُت، وانظر تفصيل ذلك في "الإِرواء" (٧/ ٢٧٠). وكذا أثرُ علي ﵁: "من السُّنة أن لا يُقتل حُرٌّ بعبد" فهو ضعيف جداً، وانظر "الإِرواء" أيضاً (٢٢١١).

стр. 2234

وفي "صحيح سنن أبي داود" (٣٧٨٨) عن الحسن قال: "لا يُقاد الحر بالعبد" وهو صحيح مقطوع، ولا حُجّة فيه، كما لا يخفى على أهل العلم. والله -تعالى- أعلم. أقول: أمّا أن يقاد الرجل بالمرأة والعكس؛ ففيه عدد من الأدلة؛ إِضافة إِلى النصوص العامة المتقدمة. قال البخاري ﵀ "باب القصاص بَيْن الرِّجالِ والنِّساءِ في الجرَاحَاتِ" وقال أهل العلمِ: يُقْتَل الرجل بالمرأة. ثم قال: ويذكَر عن عمر: "تُقادُ المرأة مِنَ الرَّجُلِ في كل عمدٍ يَبْلُغُ نفسه فما دونها مِنَ الجراحِ" (١). وبهِ قال عُمر بن عبدِ العَزيز وإِبْرَاهيمُ وأبو الزِّنادِ عَن أصحَابه (٢). وَجَرَحتْ أخْتُ الرُّبيع إِنساناً فقالَ النبيُّ ﷺ : "القِصاصُ" (٣).

стр. 2235

٤ - أن لا يكون أباً للمقتول ولا أُمّاً؛ فلا يُقتَل الوالد بولده ولا الأمّ بولدها. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الوالد بالولد" (١). وعن عمرو بن شعيب أنّ أبا قتادة، رجل من بني مُدْلِج، قَتَل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل، ثلاثين حِقّة (٢)، وثلاثين جَذَعَة (٣)، وأربعين خَلِفَةً (٤). فقال: أين أخو المقتول؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس لقاتلٍ ميراث" (٥). وأما الأمّ فلأنها أولى بالبِرّ كما قال بعض العلماء؛ فلا قِصاص عليها في قَتْل ولدها. وفي هذه الحالة يدفع الأب الدية للورثة، ويُستثنى هو منها، وكذا الأمّ تدفع الديَة إِنْ قتلت، وتُستثنى منها؛ فلا تأخُذ شيئاً.

стр. 2236

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "نُحِلت لرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابناً، فكان يستخدمها، فلما شبّ الغلام دعاها يوماً، فقال: اصنعي كذا وكذا، فقال: لا تأتيك، حتى متى تستأمي أمي (١)؟! قال: فغضب، فحذفَه بسيفه، فأصاب رجله، فنزف الغلام فمات. فانطلق في رهطٍ من قومه إِلى عمر ﵁ فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك؟! لولا أنيّ سمْعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الأب من ابنه" لقتلتك، هلم دِيَته. قال فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير، قال: فخيّر منها مائة، فدفَعهَا إِلى ورثته، وتَرَك أباه" (٢). ٥ - أن يكون القاتل مختاراً فإِنّ الإِكراه يسلبه الإِرادة، ولا مسؤولية على من فقَد إِرادته. وقد تقدَّم هذا في أكثر من مسألة، وإِذا أَمَر مكلّفٌ غيرَ مكلفٍ بأن يقتل غيره، مثل الصغير والمجنون، فالقِصاص على الآخر، لأن المباشِر للقتل آلة في يده، فلا يجب القِصاص عليه، وإِنّما يجب على المتسبب.

стр. 2237

الجماعة تُقتَل بالواحد: عن سعيد بن المسيب: "أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قتَل نفراً: خمسة أو سبعة؛ برجلٍ واحدٍ قتلوه قتل غيلة (١)، وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء (٢) لَقَتْلتهم جميعاً" (٣). جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٩٠): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن جماعة اشتركوا في قَتْل رجل، وله وَرَثة صغار وكبار؛ فهل لأولاده الكبار أن يقتلوهم؛ أم لا؟ وإِذا وافَق وليّ الصغار -الحاكم أو غيره- على القتل مع الكبار: فهل يُقتَلون، أم لا؟ فأجاب: إِذا اشتركوا في قتْله؛ وجب القَوَد على جميعهم باتفاق الأئمة الأربعة، وللوَرَثة أن يقتلوا، ولهم أن يعفوا. فإِذا اتفق الكبار من الورَثة على قتْلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إِحدى الروايتين. وكذا إِذا وافق وليّ الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار؛ فيُقتلون. ثبوت القِصاص: ويثبت القِصاص بالآتي: ١ - الإِقرار: عن وائل بن حجر ﵁ قال: "إِني لقاعِدٌ مع النبي

стр. 2238

- ﷺ إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسْعَةٍ (١). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله ﷺ أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٢) من شجَرَةٍ. فسَبَّني فأغَضَبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (٣) فقتلته. فقال له النبي ﷺ هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إلاَّ كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنِسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ. فانطلَقَ به الرَّجل، فلما ولّى قال رسول الله ﷺ : إِنْ قَتَلَهُ فَهو مِثْلُهُ، فَرَجَع فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ، وأَخَذتُه بِأمرِكَ. فقال رسول الله ﷺ أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! بَلَى، قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بِنِسْعَتهِ وخَلّى سَبيله" (٤). ولعله لم يُرد قتْله، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "قُتِل رجل

стр. 2239

على عهد النبي ﷺ ، فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فدفعَه إِلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله. قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقاً ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله" (١). ويُسأَل القاتل حتى يُقرّ: قال الإِمام البخاري ﵀: "باب سؤال القاتل حتى يُقرّ، والإِقرار في الحدود". ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁: "أن يهودياً رَضّ رأس جارية بين حَجَرين، فقيلَ لها مَن فعَل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهودي، فأَتى به النبي ﷺ ، فلم يَزَل به حتى أقرّ، فرُضّ رأسه بالحجارة" (٢). وإِذا أقرّ بالقتل مرّة واحدة قتل به (٣). للحديث السابق (٤) وفيه: "فجيء باليهودي فاعترف". فإِنّه لم يذكُر فيه عدداً والأصل عدمه (٥).

стр. 2240

٢ - يثبت (١) بشهادة رجلين عدلين. عن رافع بن خديج قال: "أصبح رجل من الأنصار مقتولاً بخيبر، فانطلق أولياؤه إِلى النبي ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: لَكمْ شاهِدان يَشهدَان على قَتْل صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمّ أحدٌ من المسلمين، وإِنما هم يهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. قال: فَاخْتارُوا مِنْهم خَمسِين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه (٢) النبي ﷺ من عنده" (٣). استيفاء القِصاص (٤): ويُشترط لاستيفاء القِصاص ثلاثة شروط: ١ - أن يكون من يستحقّه مُكَلّفاً، فإِنْ كان صبيّاً أو مجنوناً لم يَجُز استيفاؤه، ويُحبَس القاتل حتى يبلغ الصبيّ، ويعقل المجنون -إِذا أمكن ذلك-. ٢ - أن يتفق أولياء الدم جميعاً على استيفائه، وليس لبعضهم الاستيفاء دون بعض، وإِنْ عفا بعضهم سقط القِصاص؛ كما تقدَّم.

стр. 2241

٣ - أن يُؤمَن في استيفاء القِصاص التَّعدّي إِلى غير القاتل، فلو وجب القِصاص على حامل، أو حَمَلت بعد وجوبه، لم تُقتَل حتى تضع الولد وتسقِيه اللبأ -وهو أوّل اللّبن عند الولادة (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ (٢) وقتل ما في بطن الحامل منَ الإِسراف في القتل. عن بريدة ﵁ قال: "جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتى النّبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذاً لا نرجمها وندَع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها" (٣). بمَ يكون القِصاص (٤)؟ الأصل في القصاص، أن يُقتَل القاتل بالطريقة التي قتَل بها؛ لأنّ ذلك

стр. 2242

مُقْتَضى المماثلة والمساواة. إِلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمِثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١). ويقول -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٢) وقد رجّح الجمهور أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، وتمسّكوا بالآيتين السابقتين (٣). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "يأمر -تعالى- بالعدل والاقتصاد والمماثلة في استيفاء الحق .. ". وقال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٤) وقد رضّ رسول الله ﷺ اليهودي بحجر لمّا رضّ هو رأس المرأة بحجر. فعن أنس من مالك ﵁ أن يهودياً رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بكِ هذا؛ أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَر النبي به ﷺ فَرُضّ رأسُه بالحجارة" (٥). ولا تجوز المثلة في القِصاص؛ لأنه من الإِسراف في القتل.

стр. 2243

قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ "قالوا: معناه، فلا يسرف الوليّ في قتْل القاتل، بأن يمثّل به أو يقتَصّ من غير القاتل". وعن عمران بن حصين قال: "كان رسول الله ينهانا عن المُثْلة" (١). بل يجب الإحسان في القِصاص. فعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ قال: "إِذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة" (٢). استحباب العفو في القِصاص: عن وائل بن حجر ﵁ قال: "إِني لقاعِد مع النبي ﷺ إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسعَةً (٣). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله ﷺ أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٤) من شجَرَةٍ. فسَبَّني

стр. 2244

فأغَضبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (١) فقتلته، فقال له النبي ﷺ : هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إِلا كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ فانطلَقَ به الرَجُلُ فلمّا ولّى، قال رسول الله ﷺ إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثله. فَرَجَع، فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ وأَخَذتُهُ بِأمرِكَ. فقال رسول الله ﷺ : أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! (لعَلَّه قال) بَلَى قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بنِسْعِته وخَلّى سَبيلهُ" (٢). ولعله لم يُرد قتْله -كما تقدّم- لما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قُتِل رجل على عهد النبي ﷺ ، فرُفع ذلك إِلى النبي ﷺ ، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقاً ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله" (٣). وعن عطاء بن أبي ميمون قال: لا أعلمه إلاَّ عن أنس بن مالك قال: "ما رُفع

стр. 2245

إِلى رسول الله ﷺ شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو" (١). وفي لفظ: قال: أنس بن مالك ﵁ قال: "ما أُتي النبي ﷺ في شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو" (٢). إِذا اعتدى على الجاني بعد العفو: عن ابن عباس ﵄ يقول: "كان في بنى إِسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الديَة، فقال الله تعالى لهذه الأمّة ﴿كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى فمن عُفي لَه من أخيه شيء﴾ فالعَفوُ أن يقبل الدِّية في العمدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إِليه بإِحسان﴾ يتبعُ بالمعروف ويؤدِّي بإحسان ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي: قَتَلَ بعد قَبول الدِّيَة" (٣). سقوط القِصاص (٤): ويسقُط القِصاص بعد وجوبه بأحد الأسباب الآتية: ١ - عفو جميع الأولياء أو أحدهم، لكن يشترط أن يكون العافي عاقلاً مميزاً؛ لأنه من التصرفات المحضة، التي لا يمكلها الصبي ولا المجنون.
следующие страницы →