← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٣ - أن يُؤمَن في استيفاء القِصاص التَّعدّي إِلى غير القاتل، فلو وجب القِصاص على حامل، أو حَمَلت بعد وجوبه، لم تُقتَل حتى تضع الولد وتسقِيه اللبأ -وهو أوّل اللّبن عند الولادة (١). وقد قال الله -تعالى-: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ (٢) وقتل ما في بطن الحامل منَ الإِسراف في القتل. عن بريدة ﵁ قال: "جاءت امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتى النّبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذاً لا نرجمها وندَع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها" (٣). بمَ يكون القِصاص (٤)؟ الأصل في القصاص، أن يُقتَل القاتل بالطريقة التي قتَل بها؛ لأنّ ذلك

стр. 2242

مُقْتَضى المماثلة والمساواة. إِلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمِثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١). ويقول -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٢) وقد رجّح الجمهور أن القاتل يُقتَل بما قتَل به، وتمسّكوا بالآيتين السابقتين (٣). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "يأمر -تعالى- بالعدل والاقتصاد والمماثلة في استيفاء الحق .. ". وقال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٤) وقد رضّ رسول الله ﷺ اليهودي بحجر لمّا رضّ هو رأس المرأة بحجر. فعن أنس من مالك ﵁ أن يهودياً رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: مَن فعل بكِ هذا؛ أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمَر النبي به ﷺ فَرُضّ رأسُه بالحجارة" (٥). ولا تجوز المثلة في القِصاص؛ لأنه من الإِسراف في القتل.

стр. 2243

قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله: ﴿فلا يُسرف في القتل﴾ "قالوا: معناه، فلا يسرف الوليّ في قتْل القاتل، بأن يمثّل به أو يقتَصّ من غير القاتل". وعن عمران بن حصين قال: "كان رسول الله ينهانا عن المُثْلة" (١). بل يجب الإحسان في القِصاص. فعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ قال: "إِذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة" (٢). استحباب العفو في القِصاص: عن وائل بن حجر ﵁ قال: "إِني لقاعِد مع النبي ﷺ إِذا جاء رَجُلٌ يَقُودُ آخرَ بِنِسعَةً (٣). فقال: يا رسول الله هذا قَتَل أخي. فقال رسول الله ﷺ أقَتَلْتَهُ؟ فقال: إِنَّه لَوْ لَمْ يعترِف أقمْتُ عَلَيْه البَيّنةَ قال: نعم قَتَلْتُهُ. قال: كيف قَتَلْتَهُ؟ قال: كنت أنا وهو نَختَبط (٤) من شجَرَةٍ. فسَبَّني

стр. 2244

فأغَضبني. فضرَبتُهُ بالفأس على قرْنِهِ (١) فقتلته، فقال له النبي ﷺ : هل لك مِنْ شَيءٍ تُؤدِّيه عَنْ نفسِك؟ قال: ما لي مَالٌ إِلا كِسائي وفأسي. قال: فَتَرى قومَك يشْتَرُونَكَ؟ قال: أنا أهْونُ على قومي من ذاك. فرمى إِليه بِنسعَته. وقال: دُونَكَ صَاحبَكَ فانطلَقَ به الرَجُلُ فلمّا ولّى، قال رسول الله ﷺ إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثله. فَرَجَع، فقال: يا رسول الله إِنَّه بَلَغني أنّكَ قُلتَ: إِن قَتَلَهُ فَهُو مِثْلُهُ وأَخَذتُهُ بِأمرِكَ. فقال رسول الله ﷺ : أمَا تُريد أن يَبُوء بإِثمِك وإِثمِ صَاحبِك؟ قال: يا نبي الله! (لعَلَّه قال) بَلَى قال: فإِنَّ ذَاك كَذاكَ قالَ: فَرَمى بنِسْعِته وخَلّى سَبيلهُ" (٢). ولعله لم يُرد قتْله -كما تقدّم- لما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قُتِل رجل على عهد النبي ﷺ ، فرُفع ذلك إِلى النبي ﷺ ، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله للولي: أمَا إِنه، إِنْ كان صادقاً ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّار قال: فخلَّى سبيله" (٣). وعن عطاء بن أبي ميمون قال: لا أعلمه إلاَّ عن أنس بن مالك قال: "ما رُفع

стр. 2245

إِلى رسول الله ﷺ شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو" (١). وفي لفظ: قال: أنس بن مالك ﵁ قال: "ما أُتي النبي ﷺ في شيء فيه قِصاص؛ إلاَّ أمَر فيه بالعفو" (٢). إِذا اعتدى على الجاني بعد العفو: عن ابن عباس ﵄ يقول: "كان في بنى إِسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكن فيهمُ الديَة، فقال الله تعالى لهذه الأمّة ﴿كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى فمن عُفي لَه من أخيه شيء﴾ فالعَفوُ أن يقبل الدِّية في العمدِ ﴿فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إِليه بإِحسان﴾ يتبعُ بالمعروف ويؤدِّي بإحسان ﴿ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة﴾ مما كُتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي: قَتَلَ بعد قَبول الدِّيَة" (٣). سقوط القِصاص (٤): ويسقُط القِصاص بعد وجوبه بأحد الأسباب الآتية: ١ - عفو جميع الأولياء أو أحدهم، لكن يشترط أن يكون العافي عاقلاً مميزاً؛ لأنه من التصرفات المحضة، التي لا يمكلها الصبي ولا المجنون.

стр. 2246

٢ - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به، فإِذا مات مَنْ عليه القِصاص، أو فقَد العضو الذي جنى به، سقط الِقصاص؛ لتعذر استيفائه. ٣ - إِذا تمّ الصلح بين الجاني والمجني عليه، أو أوليائه وانظر العنوان الآتي: التراضي على الدِّية بالزيادة فِراراً من القِصاص: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدّقاً، فلاَجّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجّه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال النبي ﷺ : لكم كذا وكذا فرضوا. فقال النبي ﷺ : "إِني خاطبٌ العَشيَّة على النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطَب رسول الله ﷺ فقال: إِنّ هؤلاء الليْثيِّين أتوني يريدون القَوَد، فعرضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا! فَهَمَّ المهاجرون بهم، فأمَرَهم رسول الله ﷺ : أن يكفّوا عنهم، فكفّوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ قالوا نعم! قال: إِنِّي خاطبٌ النَّاس ومُخبرهُم بِرِضاكم فقالوا: نعم، فخطب النبي ﷺ فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم" (١). استيفاء القِصاص بحضرة السلطان (٢): ينبغي أن يكون استيفاء القصاص بحضرة السُّلطان؛ إذ واجب الحاكم

стр. 2247

تمَكِين أولياء المقتول مِن استيفاء حقّهم من القاتل؛ ويفعل فيه الحاكم ما يختاره الوالي من القتل أو العفو أو الدِّيَة. ثم إِنّ للسلطان أثراً في التذكير بالعفو -من غير إِلزام- وقد تقدّم أكثر مِن مرّة حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قُتِل رجل على عهد النبي ﷺ ، فرُفع ذلك إِلى النبي ﷺ ، فدفعَه إِلى وليّ المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردْتُ قتْله قال: فقال رسول الله ﷺ للولي: أمَا إِنّه إِنْ كان صادقاً ثمَّ قَتَلْتَهُ دَخلت النَّار، قال: فخلَّى سبيله" (١). ولأَنّه أمْرٌ يفتقر إِلى الاجتهاد، ويحرُمُ الحيف فيه، فلا يُؤمَن الحيف مع قصد التشفّي، فإِنِ استوفاه من غير حضرة السلطان؛ فإِنه يُعزّر بفعل ما مُنع. وعلى السلطان تفقُّد الآلة؛ فإِن كانت كالّة - منعه الاستيفاء بها لئلا يُعذَّب المقتول (٢). عن شداد بن أوس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله كَتب الإِحسان على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوُا القِتْلَة وإذا ذَبَحتُم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكُم شَفْرتَه فلْيُرح ذبيحَتَه" (٣). وإنْ كان الوليّ لا يُحسن استيفاء حقّه؛ أمَرَه السلطان بالتوكيل فيه لأنه

стр. 2248

حقُّه، فكان له التوكيل في استيفائه كسائر حقوقه، فإِن لم يجد من يوكّله إِلا بعِوض، أُخِذ العِوَض من بيت المال. أقول: ولا يخفى أن القِصاص من غير إِشراف الحاكم قد يؤدِّي إِلى الإِسراف في القتل والذي أشير إِليه آنفاً - ومِن أبشع صُوره اتساع دائرة القتل إِلى أبناء عشيرتين أو قبيلتين؛ انتقاماً وأخذاً بالثأر! وجاء في "فتح الباري" (١٢/ ٢١٦): "قال ابن بطال: اتفق أئمّة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد إِن يَقتَصّ مِن حقّه دون السلطان، قال: وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده ... ". وهناك نُصوص تدلّ على أخذ الحق أو القِصاص في أشياء محدّدة دون السلطان. قال الإِمام البخاري ﵀ (باب مَن أخَذَ حقّه أو اقتصّ دون السلطان) ثمّ ذكر تتمّة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو اطلع في بيتك أحَدٌ ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه (١)؛ ما كان عليك من جُناح (٢) " (٣). وعن حميد أنّ رجلاً اطّلع في بيت النبي ﷺ فسدّد (٤) إِليه

стр. 2249

مِشقصاً (١) " (٢). وذكر النسائي ﵀ تحت (باب مَن اقتصّ وأَخذ حقّه دون السلطان) أثر (٣) أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلّي إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ شابٌّ من بني أبي مُعَيط أن يجتازَ بينَ يدَيِه، فدفَعَ أبو سعيد في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلم يَجِد مَساغاً إِلا بين يدَيه، فعادَ ليَجْتازَ؛ فدفعه أبو سعيد أشدَّ منَ الأولى، فنالَ مِن أبي سعيدٍ. ثمَّ دخلَ على مَروَانَ فشكا إِليهِ ما لَقيَ من أبي سعيدٍ، ودخل أبو سعيد خَلفهُ على مَروانَ، فقال: ما لَكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟ قال: سَمعتُ النبي ﷺ يقول: "إِذا صلى أحدُكم إِلى شيء يَستُرهُ منَ الناسِ، فأَرادَ أحدٌ أن يجتازَ بينَ يدَيه فليَدْفعْه. فإِنْ أبى فليُقاتلْهُ فإِنمَّا هو شيطانٌ" (٤). القِصاص في الأطراف والجروح: ويثبت القِصاص في الأطراف ونحوها والجروح مع الإمكان؛ لقوله -تعالى-: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعينَ بالعينِ والأنف بالأنف

стр. 2250

والسنّ بالسنّ والجروح قِصاص فمنْ تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إِلى أنّ شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا؛ إِذا حُكِى مُقرّراً ولم يُنسَخ؛ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إِسحاق الإِسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة". وقال ﵀ أيضاً في "تفسيره": "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: تقتل النفس بالنفس، وتُفقَأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتُنزَع السنّ بالسنّ وتُقتَصّ الجراح بالجراح". وفي حديث أنس ﵁ أنّ الرّبيِّع -وهي ابنةُ النّضر- كسرَت ثَنيَّة جاريةٍ، فطلبوا الأرشَ (٢) وطلبوا العفو، فأبَوا. فأبَوا النبي ﷺ فأمَرهم بالقِصاص. فقال أنس بن النّضر: أتُكسر ثَنيَّة (٣) الرّبيِّع يا رسول الله؟ لا والذي بعَثَكَ بالحقّ لا تُكسر ثنيّتها. فقال: يا أنس كتابُ الله القِصاص. فرضي القوم وعَفوا. فقال النبي ﷺ : إِن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبرّه". زاد الفزاري

стр. 2251

عن حميد عن أنس "فرضيَ القوم وقَبِلوا الأرش" (١). وعن أنس بن مالك قال: إِنما سَمَل (٢) النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣). وهو معنى قوله: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ وقد روي عن محمد بن سيرين قال: "إِنما فَعل بهم النبي ﷺ هذا قبل أن تُنزل الحدود" (٤). ويُقيّد القِصاص في الأطراف والجروح بالإِمكان. جاء في "المغني" (٩/ ٤٠٩): "وإِذا جرحه جرحاً يمكن الاقتصاص منه بلا حيف؛ اقتُصّ منه. وجملة ذلك أنّ القِصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكنَ؛ للنصّ والإِجماع". ثمّ استدل ﵀ بقوله -تعالى-: ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ ثمّ بحديث الرُّبَيِّع ﵂. ثم قال ﵀: "وأجمع المسلمون على جريان القِصاص فيما دون النفس إِذا أمكن، ولأنّ ما دون النفس كالنفس في الحاجة إِلى حفظه بالقِصاص؛ فكان كالنفس في وجوبه" ثم قال ﵀ "ويشترط لوجوب

стр. 2252

القِصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون عمداً محضاً، فأمّا الخطأ فلا قِصاص فيه إِجماعاً، ولأن الخطأ لا يوجب القِصاص في النفس -وهي الأصل- ففيما دونها أولى. ولا يجب بعمد الخطأ، وهو أن يقصد ضَرْبه بما لا يفضي إِلى ذلك غالباً، مثل أن يضربه بحصاة لا يوضح مثلها فتوضحه فلا يجب به القِصاص؛ لأنه شبه العمد، ولا يجب القِصاص إِلا بالعمد المحض، وقال أبو بكر: يجب به القِصاص ولا يراعى فيه ذلك لعموم الآية. الثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح وهو أن يكون الجاني يقاد من المجني عليه لو قتَلَه ... فأما من لا يُقتَل بقتله فلا يُقتَص منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر ... والأب مع ابنه؛ لأنه لا تُؤخَذُ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه. الثالث: إِمكات الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وقال: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدوا عَلَيه بمثْل مَا اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ ولأنّ دم الجاني معصوم إِلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية؛ كتحريمه قبلها ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع مع القِصاص؛ لأنها مِن لوازمه، فلا يمكن المنع منها إِلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه. وممن منَع القِصاص فيما دون الموضحة (١)؛ الحسن والشافعي وأبو عبيد وأصحابُ الرأي.

стр. 2253

ومنَعه في العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والزهري والحكم وابن شبرمة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وإِذا ثبت هذا؛ فإِن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة؛ هو كل جرح ينتهي إِلى عظم؛ كالموضحة في الرأس والوجه. ولا نعلم في جواز القِصاص في الموضحة -وهي كل جرح ينتهي إِلى العظم في الرأس والوجه- وذلك لأن الله -تعالى- نصَّ على القصاص في الجروح فلو لم يجب هاهنا لسقط حُكم الآية. وفي معنى الموضحة؛ كل جرح ينتهي إِلى عظم فيما سوى الرأس والوجه؛ كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا قِصاص فيها .... ". قلت: يجب العمل بمقتضى عموم الآية ﴿والجُرُوحَ قِصاص﴾ في أي مكان من الجسم، إِذا أَمكن عدم الحيف أو الزيادة. وجاء في "الروضة النديّة" (٢/ ٦٤٧): "وأمّا تقييد ذلك بالإِمكان، فلكون بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها؛ كعدم إمكان الاقتصار على مِثل ما في المجنيّ عليه. وخطاب الشرع محمول على الإِمكان، مِن دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجنيّ عليه، فإِذا كان لا يمكن إِلا بمجاوزةٍ للمقدار، أو بمخاطرة وإضرار؛ فالأدلة الدّالة على تحريم دم المسلم، وتحريم الإِضرار به -بما هو خارج عن القِصاص- مُخصِّصة لدليل الاقتصاص. قلت: [-أي: صاحب "الروضة النديّة"-] إن كلّ طَرَف له مَفْصِل

стр. 2254

معلوم، فَقَطَعه ظالم من مَفْصِله من إِنسان اقتُص منه؛ كالإِصبع يقطعها من أصلها، أو اليد يقطعها من الكوع، أو من المرفق، أو الرِّجل يقطعها من المفصل؛ يُقتصّ منه. وكذلك لو قلَع سِنّه، أو قطَع أنفه، أو أذنه، أو فَقأ عينه، أوجَبّ ذكَرَه، أو قطع أُنثيَيه؛ يُقتَصّ منه، وكذلك لو شَجَّه موضِحةً في رأسه أو وجهه؛ يُقتصّ منه. ولو جرح رأسه دون المُوضِحة، أو جرح موضعاً آخر من بدنه، أو هشم العظم؛ فلا قَوَد فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاة المماثلة فيه. وكذلك لو قَطَع يَده من نِصف الساعد؛ فليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أنْ يقتصّ من الكوع، ويأخذ حكومةً (١) لنصف الساعد، وعلى هذا أكثر أهل العِلم في الجملة، وفي التفاصيل لهم اختلاف". وجاء في كتاب "الإِجماع" لابن المنذر (ص ١٧٢): "وأجمعوا على أن الموضحة فيها القِصاص إِذا كانت عمداً". وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قَودَ في المأمومةِ ولا الجائِفة ولا المنقّلة" (٢). المأمومة: الشَّجَّة التي بلغت أمّ الرأس؛ وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.

стр. 2255

الجائفة: الطعنة التي تَصل إِلى الجوف، والمراد بالجوف هنا كل ما له قوة محيلة كالبطن والدماغ. المنقِّلة: هي التي تخرُج منها صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تُنقِّل العظم، أي: تَكْسِره. كذا في "النهاية". قال أبو الحسن السندي: "وإنما انتفى القِصاص لعسر ضبطه" (١). أقول: في قوله -تعالى-: ﴿فمن تصدَّق به فهو كفّارة له﴾ بيان أجر من يتنازل عن القِصاص. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال سمعتُ النبي ﷺ يقول: "ما من رجلٍ يُجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها؛ إِلا كَفّر الله عنه مِثل ما تصدّق به" (٢). قال في "فيض القدير": "يعني إِذا جنى إِنسان على آخر فقلع سِنّه أو قطع يده مثلاً، فعفا المستحقّ عن الجاني لوجه الله؛ نال هذا الثواب". القِصاص في اللطمة والضربة واللكز والسبِّ: مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه؛ وشرطُ ذلك أن يكون اللطمُ والضرب أو السبّ المراد إِيقاعه بالجاني؛ مساوياً لِلَطْم وضرب وسبِّ المقتصّ، أو قريباً من ذلك، دون تعمُّد الزيادة.

стр. 2256

وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٦٢): "وسئل ﵀ عن الرجل يلطِم الرجل أو يكلمه، أو يسبّه؛ هل يجوز أن يُفعَل به كما فعَل؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك؛ فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين؛ أنّ القِصاص ثابت في ذلك كلّه، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إِسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء؛ إِلى أنه لا يشرع في ذلك قِصاص؛ لأنّ المساواة فيه متعذرة في الغالب. وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؛ والأول أصحّ؛ فإِن سُنّة النبي ﷺ مضَت بالقِصاص في ذلك وكذلك سُنّة الخلفاء الراشدين، وقد قال -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئة مِثلها﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿فمن اعتدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (٢) ونحو ذلك. وأمّا قول القائل: إِنّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة. فيقال: لا بدّ لهذه الجناية من عقوبة: إِمّا قِصاص، وإِمّا تعزير، فإِذا جوّز أن يُعزر تعزيراً غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إِلى ما هو أقرب إِلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القِصاص مُعتَبر بحسب الإِمكان. ومن المعلوم أن الضارب إِذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريباً منها كان هذا أقرب إِلى العدل من أن يُعزَّر بالضرب بالسوط؛ فالذي يمنَع القِصاص في ذلك

стр. 2257

خوفاً من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلماً مما فرّ منه. فعُلم أنما جاءت به السُّنة أعدل وأمثل. وكذلك له أن يسبّه كما يسبّه: مثل أن يلعنه كما يلعنه. أو يقول: قبّحك الله. فيقول: قبّحك الله. أو أخزاك الله فيقول: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب! يا خنزير! فيقول: يا كلب! يا خنزير! فأمّا إِذا كان مُحرّم الجنس مثل تكفيره أو الكذب عليه، لم يكن له أن يُكفّره ولا يكذب عليه. وإِذا لعَن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأنّ أباه لم يظلمه". انتهى. قال الإمام البخاري ﵀: "وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد ابن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش" (١). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (١٢/ ٢٢٧): قوله -أي الإِمام البخاري "وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعليّ وسُوَيد بن مقرِّن مِنْ لطمة. وأقاد عمر من ضربة بالدِّرة، وأقاد عليّ من ثلاثة أسواط واقتص شرَيحٌ من سوطٍ وخموش". أمّا أثر أبي بكر -وهو الصِّدّيق-: فوصَله ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول "لطم أبو بكر يوماً رجلاً لطمة، فقيل

стр. 2258

ما رأينا كاليوم قط هنعة (١) ولطمة، فقال أبو بكر: إِن هذا أتاني ليستحملَني فحملتهُ فإِذا هو يتبعهم، فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات، ثمّ قال له: اقتصّ، فعفا الرجل". وأمّا أثر ابن الزبير فوَصلَه ابن أبي شيبة ومسدد جميعاً عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار "أن ابن الزبير أقاد من لطمة". وأمّا أثر علي الأول؛ فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه "أن علياً أتى في رجلٍ لطَم رجلاً، فقال للملطوم: اقتصّ". وأما أثر سويد بن مُقرِّن فوصَلَه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه. وأمّا أثر عمر فأخرجه في "الموطأ" عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعاً (٢)، ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة، فناداه رجل فضربه بالدِّرَّة فقال: "عجلت عليّ، فأعطاه المِخْفقة (٣) وقال: اقتصّ، فأبى، فقال: لتفعلن، قال: فإِني أغفرها". وأمّا أثر علي الثاني فأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن مَعْقِل -بكسر القاف- قال: "كنت عند عليّ

стр. 2259

فجاءه رجل فسارَّه فقال: يا قنبر اخرج فاجلد هذا، فجاء المجلود فقال: إنه زاد عليّ ثلاثة أسواط، فقال: صدَق. قال: خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال: يا قنبر إِذا جلدت فلا تتعد الحدود". وأمّا أثر شُريح فوصَله ابن سعد وسعيد بن منصور من طريق إِبراهيم النخعي قال: "جاء رجل إِلى شريح فقال: اقدني من جلْوازك (١)، فسأله فقال: ازدحموا عليك فضربته سوطاً. فأقاده منه". ومن طريق ابن سيرين قال: اختصم إِليه -يعني: شريحاً- عبدٌ جَرَح حرّاً فقال: إِنْ شاء اقتص منه. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة، ومن وجه آخر عن أبي إِسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخُموش (٢). وقال الليث وابن القاسِم: "يقاد من الضرب بالسوط وغيره؛ إِلا اللطمة في العين؛ ففيها العقوبة خشيةً على العين". انتهى. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المُسْتَبّان ما قالا؛ فعلى البادئ، ما لم يعتَدِ المظلوم" (٣). (المُسْتَبان ما قالا): جاء في "العون" (١٣/ ٢٣٨): "المُسْتَبان تثنية

стр. 2260

مستبّ وهما المتشاتمان اللذان يشتم كلّ منهما الآخر. (ما قالا) أي: إِثم قولهما من السبّ والشتم. (فعلى البادئ): أي: على الذي بدأ في السبّ، لأنه السبب لتلك المخاصمة. قال في "اللمعات": أما إِثم ما قاله البادئ فظاهر، وأمّا إِثم الآخر فلكونه الذي حمَله على السبّ وظلمه". (ما لم يعتدِ المظلوم): أي: يتجاوز الحدّ؛ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أمّا إِذا اعتدى كان إِثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادي؛ كذا في "اللمعات". والحاصل إِذا سبَّ كلّ واحد الآخر؛ فإِثم ما قالا على الذي بدأ السبّ، وهذا إِذا لم يتعدّ ويتجاوز الحدّ، والله أعلم. قال النووي (١٦/ ١٤١) -بحذف وتصرف يسيرين-: "معناه أنّ إِثم السباب الواقع من اثنين مختصٌ بالبادئ منهما كلّه، إلاَّ أن يتجاوز الثاني قدْر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مِمّا قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه. وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال الله -تعالى-: ﴿ولَمَنِ انتَصَر بعْدَ ظُلْمه فَأولئكَ مَا عليْهم مِن سَبيلٍ﴾ (١) وقال -تعالى-: ﴿والَّذين إذا أصَابهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصرون﴾ (٢).

стр. 2261

ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى ﴿ولمَن صَبَرَ وغَفَر إِنّ ذلك لمِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ (١) ولقوله ﷺ : "ما زاد الله عبداً بعفو إِلا عزّاً" (٢). واعلم أن سِباب المسلم بغير حقّ حرام كما قال رسول الله ﷺ : "سِباب المسلم فسوق". ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلاَّ بمِثل ما سبّه، ما لم يكن كَذباً أو قذفاً أو سباً لأسلافه، فمِن صور المباح أن ينتصر بيا (٣) ظالم، أو جافي، أو نحوه، ذلك لأنّه لا يكاد أحد ينفكّ من هذه الأوصاف. قالوا: وإِذا انتصَر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إِثم الابتداء أو الإِثم المستحقّ لله تعالى ... ". جاء في "إِكمال الإِكمال" (٨/ ٥٤٤): "ما لم يتعدّ: أي يتجاوز، فلأنّه إِنّما أُبيح له أن يَرُدّ مِثل ما قيل له؛ لقوله تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٥). والعداء في الردّ بالتكرار مِثل أن يقول البادئ: يا كلب فيردّ عليه مرّتين،

стр. 2262

وبأن يردّ بأفحش كما لو قيل له: يا كلب فقال له: أنت خنزيز. وكما لو سبّه البادئ فسبّ الراد آباء البادئ وكان ذلك عداء؛ لأنّه سبّ من لم يجْن عليه، وكانت هذه المذكورات عداءً؛ لأنَّ الانتصار إِنّما هو من باب القِصاص، والقِصاص إِنما يكون بالمِثل للآيتين السابقتين". والخلاصة: إِنّ إِثم السبّ والشتم الصادر من المسْتبّين المشاتمين على من بَدأَ لأنّه السبب في ذلك، ما لم يعْتد المظلوم ويتجاوز الحدّ؛ بأن يسبّه أكثر وأفحش ففيه جواز السب والشتم بالشرط المذكور، والعفو أفضل. ويُحمَل قوله ﷺ : "المستبّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان" (١) على الاعتداء في القِصاص. وتجاوز الحدّ، ومقابلة المعصية بمثلها أو أكثر؛ فقد تقدم أن المعصية لا تقابَل بالمعصية، وهنا قال ﷺ : "يتهاتران" أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهِتر -وهو الباطل والسَّقط من الكلام، وقال ﷺ أيضاً: "يتكاذبان" وتقدّم القول بتحريمه. والله -تعالى- أعلم. وفي الحديث: "لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته (٢) " (٣).

стр. 2263

اشتراك الجماعة في القِصاص: عن مطرّفٌ عن الشعبي في رجلين شهدا على رجلٍ أنّه سرق فقطعه علي ﵁ ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأُخذا بدية الأول. وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "لَدَدْنَا (٢) رسول الله ﷺ في مرضه، وجعلَ يشيرُ إِلينا لا تَلُدُّوني. قال: فقلنا كراهية المريض بالدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكنّ أن تَلُدُّوني، قال: قُلنا كراهيةً للدواء؛ فقال رسول الله ﷺ : لا يبقى منكم أحدٌ إِلا لُدَّ وأنا

стр. 2264

أنظر؛ إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم" (١). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٨/ ١٤٧): "قوله: لا يبقى أحدٌ في البيت إِلا لُدَّ وأنا أنظر إلاَّ العباسَ فإِنه لم يَشهدكم" قيل: فيه مشروعية القِصاص في جميع ما يُصاب به الإِنسان عمداً، وفيه نظَر، لأنّ الجميع لم يتعاطَوا ذلك، وإنما فَعَل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عن ذلك. أمّا مَن باشره فظاهر، وأمّا من لم يباشِره فلكونهم تركوا نهيهم عما نهاهم هو عنه. ويستفاد منه أن التأويل البعيد لا يُعْذَرُ به صاحبه، وفيه نظَر أيضاً لأن الذي وقع في معارضة النهي. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة، وعليهم حقّه فيقعوا في خَطبٍ عظيم، وتُعقِّب بأنه كان يمكن العفو؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه. والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان تأديباً لا قِصاصاً ولا انتقاماً. قيل: وإِنما كَره اللَّد مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومَن حقق ذلك كُره له التداوي. قلت: وفيه نظَر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإِنما أنكَر التداوي؛ لأنه كان غيرَ ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أنّ به ذات الجنب فداووه بما يلائمها؛ ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى، والله أعلم".

стр. 2265

قلت: والمترجّح لديّ أنّه مِن باب القِصاص، وقد رواه الإِمام البخاري ﵀ في مواطن عديدة؛ منها باب الدِّيات، فدلّ هذا على أنه يراه من باب القِصاص ولا يمتنع عليه هذا الفعل؛ لأنه ﷺ كما وصَفَه الله -سبحانه-: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاّ وحْيٌ يوحى﴾. وتركُه ﷺ العفو في هذا الموطن -وهو قادرٌ عليه بلا ريب- يؤيّد الأصل العامّ -ألا وهو القِصاص- وهذا كما لا يخفى من باب التشريع للأمّة. وأما قول مَن قال إِنه تأديب وليس قِصاصاً، فلعل الأَوْلى أن يقول القائل: تأديبٌ بالقِصاص. والله -تعالى- أعلم. هل يشرع القِصاص في إِتلاف الأموال ؟ إِذا أتلف المرء مال غيره؛ كأن يخرق ثوبه أو يهدم داره، أو يقطع ثمره، فهل له أن يقتصّ منه؛ بمثِل ما أصابه فيه قولان للعلماء: أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ كما سيأتي البيان والتعليل بإِذن الله. جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٠/ ٣٣٢): "وسئل ﵀ هل يجوز له أن يَخرق ثَوبه كما يخرِق ثوبه؟ فأجاب: وأمّا القِصاص في إِتلاف الأموال؛ مِثل أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره ونحو ذلك؛ فهذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد:

стр. 2266

أحدهما: أن ذلك غيرُ مشروع لإِنه إِفساد، ولأنّ العقار والثيابَ غيرُ مماثلة. والثاني: أن ذلك مشروع؛ لأنّ الأنفس والأطراف أعظمُ قدْراً من الأموال، وإِذا جاز إِتلافها على سبيلْ القِصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم، فالأموال أولى. ولهذا يجوز لنا أن نُفسد أموال أهل الحرب إِذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمِر. وإِن قيل بالمنعِ من ذلك لغير حاجة، فهذا فيه نزاع؛ فإِنه إِذا أتلف لى ثياباً أو حيواناً أو عقاراً ونحو ذلك، فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد فإِن الشافعي قد نَصّ على أنه إِذا هَدَم داره بناها كما كانت، فضَمِنَه بالمثل. وقد رُوي عنه في الحيوان نحو ذلك ... وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب، فإِنّ داود ﵇ قد ضَمِن أهل الحرث الذي نفشت (١) فيه غَنَم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان ﵇ أمَرَهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان، وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أميّة على بستان له فقلعوه، وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إِن ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة، فتكلَّم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة.

стр. 2267

ولا ريب أنّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إِلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإِنّ القيمة مُعتبرةٌ في الموضعين، والجنس مختصٌّ بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، وإِلا فمن له غرضٌ في كتابٍ أو فرس أو بستان؛ ما يصنع بالدراهم؟ فإِنْ قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوّته ماله هو أحقّ بأن يَضْمَن له مِثل ما فوّته إِياه؛ أو نظير ما أفسدَه من ماله. وقال ابن القيم ﵀ (١) - في معرض الكلام عن القِصاص في إِتلاف الأموال-: "إِتلاف المال؛ فإِنْ كان مما له حُرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله، كما أتلف مالَه، وإِنْ لم تكن له حرمة، كالثوب يشقّه، والإِناء يكسره، فالمشهور، أنه ليس له أن يُتلِف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة أو المِثل. والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه؛ كما فعله الجاني به، فيشقُّ ثوبه، كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كَسَر عصاه، إِذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع منْ منَعَه نصّ، ولا قياس، ولا إِجماع، فإِنّ هذا ليس بحرام لحقّ الله، وليست حُرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإِذا مكّنه الشارع أن يُتلف طرَفَه بطرَفِه؛ فتمكينه من إِتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى، وإنّ حكمة القِصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إِلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه، وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك

стр. 2268

عليه؛ لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبْنِه وغيظه، فكيف يقع إِعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإِذاقة الجاني من الأذى ما ذاقه هو؟! فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسُها معاً؛ يأبى ذلك، وقوله -تعالى-: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيه بمثْل ما اعْتَدى عَلَيْكُم﴾ (١) وقوله -تعالى-: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلها﴾ (٢)، وقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقبِوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٣) يقتضي جواز ذلك. وقد صرَّح الفقهاء بجواز إِحراق زروع الكفار، وقطْع أشجارهم، إِذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطع نخل اليهود؛ لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه -سبحانه- يحب خزي الجاني الظالم ويشرعه". قلت: يُشير ﵀ إِلى قوله -سبحانه-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ (٤) أو

стр. 2269

تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ (١). عن ابن عمر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ : "حرَّق نخْل بني النّضير وقطَع، وهي البويرة (٢)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿ما قَطعتُم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أُصولها فبإذن الله وليُخزِيَ الفاسقين﴾ " (٣). قال أبو عيسى: وقد ذهب قوم من أهل العلم، إِلى هذا، ولم يروا بأساً بقطع الأشجار وتخريب الحصون. وكَرِه بعضُهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق، أن يقطع شجراً مُثمراً، أو يُخرّب عامراً، وعَمِل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بُدّاً، فأمّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إِسحاق: التحريقُ سُنّة إِذا كان أنكى فيهم. قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٥/ ٩) قوله (٤): (باب قطْع الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة إِذا تعيّنت طريقاً في نكاية العدو ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلاً

стр. 2270

وحمَلوا ما ورَد من ذلك إِمّا على غير المثمر وإِمّا على أن الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور. وقال أيضاً (٦/ ١٥٥): "وقد ذهب الجمهور إِلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك. وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك؛ بخلاف ما إِذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيره: إِنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستُفتح فأراد إِبقاءها على المسلمين. والله أعلم". انتهى. والذي يترجّح لديَّ أن الحرق والقطع ونحوهما جائز بنصّ الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إِلى الحاكم في الفِعل أو الترك، فإِنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار - ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ فعل ذلك، وإِنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدة منْ قطْعها وحرْقها لم يفعل. أمّا أبو بكر ﵁ فإِنه لم يفُته دليل الكتاب والسُّنة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدل على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركناً أو واجباً، أو مندوباً أو مستحباً. وقد كان موقف أبي بكر ﵁ لمصلحةٍ رآها جمْعاً بين النصوص؛

стр. 2271

لا تأصيلاً لإِلغاء مقتضى الكتاب والسُّنة. والله -تعالى- أعلم. ثم قال ابن القيّم ﵀ (١): "وإِذا جاز تحريق متاع الغالِّ، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شيء من الغنيمة، فلأَنْ يحرق ماله، إِذا حَرَق مال المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإِذا شرعت العقوبة المالية في حق الله الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلأَنْ تُشرع في حقّ العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن الله -سبحانه- شرع القِصاص؛ زجراً للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكاً لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل، وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإِلا فمن كان في نفسه من الآخر؛ من قتله أو قطع طرفه، قتَله أو قطعَ طرفه، وأعطى ديته، والحكمة، والرحمة، والمصحلة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإِن قيل: فهذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إِذا رضي المجني عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان؛ أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية. قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء يخيّر؛ إِن شاء شقّ الثوب، وإِنْ شاء أَخَذ مثله". ضمان المِثل: عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمّهاتِ المؤْمنين بصَحْفَةٍ فيها طعام، فضرَبتِ التي النبيّ ﷺ

стр. 2272

في بيتها يدَ الخام، فسقَطَتِ الصحْفَةْ فانْفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارَت أمّكم. ثم حبس الخادمَ حتى أُتي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفَع الصحفةَ الصحيحة إِلى التي كُسِرتْ صحفَتها، وأمسكَ المكسورة في بيت التي كُسِرت فيه" (١). وفي رواية: "أنّ النبي ﷺ كان عند بعض نسائِه، فأرسَلتْ إِحدى أُمهاتِ المؤْمنين مع خادم بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضربَتْ بيدِها فكسَرَت القَصعة (٢)، فضمَّها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا. وحَبسَ الرسولَ والقصعةَ حتى فرَغوا، فدفع القصعةَ الصحيحةَ وحَبسَ المكسورة" (٣). لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ صاحبُه: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنيّ عليه، فإِن اقتصّ منه قبل الاندمال ثمّ زاد جرحه؛ فلا شيء له. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلاً طعنَ رجلاً بقرن في ركبته فجاء إِلى النبي ﷺ فقال: أقِدْني. قال: حتى تبرأ ثم جاء إِليه فقال:

стр. 2273

أقدني فأقاده. ثم جاء إِليه فقال: يا رسول الله عرجت فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك (١). ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص مِن جرح؛ حتى يَبْرأ صاحبُه" (٢). وفي رواية: "لا يُستقاد من الجُرح حتى يبرأ" (٣). موت المقتصّ منه (٤): إِذا مات المقتصّ منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القِصاص، فقد اختلفت فيه أنظار العلماء؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شيء على المقتص؛ لعدم التعدي، ولأن السارق إِذا مات من قطع يده، فإِنه لا شيء على الذي قطع يده بالإِجماع. وهذا مِثل ذلك. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: إِذا مات، وجب على عائلة المقتص الدية؛ لأنه قتل خطأ. قلت: والأول أصح وأقوى لما علّله الجمهور، ولأن المتعدّي هو الذي جرّ إِلى نفسه ذلك؛ والله أعلم.

стр. 2274

الدِّيات والضمان

стр. 2275

الدِّيات تعريفها: الدِّيات -بتخفيف التحتانية-: جمع دِيَة مِثْل عِدات وعِدَة، وأصلها وَدْية -بفتح الواو وسكون الدال- تقول: ودى القتيل يدِيِه إِذا أعطى وليه دِيَتَه، وهي ما جُعِل في مقابلة النفس، وسُمّي دِيَة تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفة والهاء عِوَض (١). قال في "حلية الفقهاء" (ص ١٩٦): "وأمّا الدِّيةَ، فهي دِيَةٌ وعَقلٌ، وسُمّيت عقلاً؛ لأنّها تعقِل الدماء عن أن تُسْفَك. وقال قوم: كان أصل الدِّية الإِبل؛ فكانت تُجمع وتُعْقل بفِناء وليّ المقتول، فسميّت الدِّية عقلاً، وإنْ كانت دراهم أو دنانير". مشروعيتها: قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢).

стр. 2276

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "كانت قيمةُ الدِّية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمر ﵀ فقام خطيباً فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت (١). قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدِّيَة" (٢). حِكمتها: الأصل في الدِّيَة أنها تجب أن تكون مالاً عظيماً يغلبهم وينقص من مالهم، ويجدون له ألماً عندهم، ويكون بحيث يؤدّونه بعد مقاساة الضيق ليحصل الزجر، وهذا القدْر يختلف باختلاف الأشخاص (٣).

стр. 2277

مقدار دِية الرجل المسلم: ديَة الرجل المسلم مائة مِن الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف دينار ذهب، اثنا عشرَ ألف درهم أو مائتا حُلّة (١). لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ... ألا إِنّ ديَة الخطأ- شبه العمد؛ ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها" (٢). وفي كتاب عمرو بن حزم "وفي النفس مائة من الإِبل" (٣). وللحديث المتقدّم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "كانت قيمةُ الدِّية على عهد الرسول الله ﷺ ثمانمائةَ دينار، أو ثمانيةَ آلاف درهم، ودِية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك؛ حتى استخلف عمرُ ﵀ فقام خطيباً فقال: ألا إِنّ الإِبل قد غَلَت. قال: فَفَرَضها عمر على أهل الذهب: ألفَ دينار، وعلى أهل الورق: اثني عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى

стр. 2278

أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دِيَة أهل الذمة لم يرفعها فيما رفَع من الدية" (١). وفي رواية عنه أيضاً ﵁: "كان رسول الله ﷺ : يُقوِّم دِيَة الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق يُقوِّمها على أثمان الإِبل، فإِذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخَصاً نقص من قيمتها، وبَلَغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة دينار إِلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان دِيَة عقْله في الشاء؛ فألفي شاة. قال: وقال ﷺ : إِن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة. قال: وقضى رسول الله في الأنف إِذا جُدِعَ الدية كاملة، وإِنْ جُدعت ثَنْدُوته فنصف العقل؛ خمسون من الإِبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة. وفي اليد إِذا قطعت نصف العقل، وفي الرِّجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإِبل وثُلثُ أو قيمتها من الذهب، أو الورق، أو البقر أو الشاة، والجائفةُ مثل ذلك. وفي الأصابع في كل أصبع عَشْرٌ من الإِبل وفي الأسنان في كل سِنَّ خمس من الإِبل" (٢).

стр. 2279

وقد تقدم أن الدينار = ٤.٢٥ غراماً. والدية من الذهب = ٨٠٠ دينار = ٣٤٠٠ غراماً. وحين فرضها عمر ﵁ ألف دينار = ٤٢٥٠ غراماً. والدرهم (١) = ٢.٩٧٥ غراماً. والدية من الفضة = ٨٠٠٠ درهم = ٢٣٨٠٠ غراماً. وحين غَلَت: ١٢ ألفاً = ٣٥٧٠٠ غراماً. القتل الذي تجب فيه (٢): تجب الدية في القتل الخطأ، وشِبه العمد، وفي العمد الذي وقَع ممّن فَقد شرطاً من شروط التكليف؛ مثل الصغير والمجنون. وكذا في العمد الذي تكون فيه حُرمة المقتول ناقصةً عن حُرمة القاتل؛ مِثل الحُر إِذا قتَل العبد ... وسيأتي التفصيل بإِذن الله. تغليظ الدِّية (٣): اختلفت الأحاديث الشريفة في الدِّيات تغليظاً وتخفيفاً لكل قسم، فالدِّية المغلّظة في الخطأ الذي هو شبه العمد، والدّيَة المخفّفة في الخطأ المحض والأحاديث مُصرّحةٌ بذلك.

стр. 2280

وتغلّظ الدية بأن تكون المائة من الإِبل؛ في بطون أربعين منها أولادها. عن عبد الله بن عمرو ﵄ "أن رسول الله ﷺ خطَب يوم الفتح فقال: ألا إِنّ ديَة الخطأ -شبه العمد- ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها" (١). وفي رواية عن عقبة بن أوس عن رجُلٍ مِن أصحاب النبي ﷺ قال: "خطَب النبي ﷺ يوم فتح مكة فقال: ألا وإِنّ قتيل الخطأ -شِبه العمد-؛ بالسوط والعصا والحجر مائة من الإِبل، فيها أربعون ثنية إِلى بازل عامها (٢) كلهنّ خَلِفةٌ (٣) " (٤). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: "عَقلُ شِبهِ العمد مُغَلّظ، مثل عقْلِ العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في عِمّيَّا في غير ضغينة ولا حمْل سلاح" (٥). وعنه أيضاً: "أن رسول الله ﷺ قضى: أنّ مَن قتَل خطأ؛ فديته مائة من
следующие страницы →