الفوائد مشروعية القَسامة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصْلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذ كافَّة الأئمّة والسلف؛ من الصَحابة والتابعين وعلماء الأمّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإِن اختلفوا في صورة الأخذ به.
ورُوِيَ التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القَسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حُكماً، وهذا مَذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإِبراهيم بن علية، وإِليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قلت: هذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن كافّة الأئمّة أخَذوا بها" انتهى كلام الحافظ -رحمه الله تعالى-.
قلت: وتوقّف بعضهم لا ينافي ثبوت هذا الحُكم، فحسبُنا قضاء النبي ﷺ بذلك، وعمل السلف من الخلفاء والصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار. وبالله التوفيق.
وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٤٨٠): بعد الحديث المشار إِليه-: "اعلم أنّ هذا الحديث أصْلٌ كبير في ثبوت القَسامة عند القائلين بها، وهم الجماهير؛ فإِنهم أثبتوها وبيّنوا أحكامها".
وجاء أيضاً في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد، وخاصَم رجل آخر في غنم ضاعت له، وقال: ما يكون عِوَض هذا إِلا رقبتك، ثم وجد هذا مقتولاً، وأثر الدم أقرب إِلى القرية التي منها المتهم، وذكر رجل له قتْله؟
فأجاب: إِذا حلَف أولياء المقتول خمسين يميناً، أنّ ذلك المخاصِم هو الذي
стр. 2347
قَتلَه حُكِم لهم بدمه؛ وبراءة من سواه، فإِنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثَر الدم، وغير ذلك لوْث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتَله، فإِذا حلفوا مع ذلك أيمان القَسامة الشرعية استحقوا دم المتهم، وسلم إليهم برُمّتة (١)، كما قضى بذلك رسول الله ﷺ في قصية الذي قُتل بخيبر".
هل في قتل الخطأ قَسامة ؟
اختلف العلماء فيما إِذا كان القتل خطأ؛ هل تشرع فيه القسامة!
والراجح أنّ القَسامة في قَتْل العمد دون الخطأ، لأنّ النصّ قد وَرَد في قتل العمد؛ لا في الخطأ.
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٤): "وسئل ﵀ عن رجل تخاصَم مع شخص، فراح إِلى بيته، فحصَل له ضعف، فلمّا قارب الوفاة أشهد على نفسه أنّ قاتله فلان، فقيل له كيف قتَلَك؟ فلم يذكر شيئاً، فهل يلزمه شيء، أم لا؟ وليس بهذا المريض أثرُ قتْلٍ ولا ضربٍ أصْلاً، وقد شهِد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعَل به شيئاً؟
فأجاب: أمّا بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإِجماع المسلمين؛ بل إِنما يجب على المدَّعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه، إِمّا يمين واحد عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة وأحمد، وإِمّا خمسون يميناً: كقول الشافعي.
стр. 2348
والعلماء قد تنازعوا في الرجل إِذا كان به أثر القتل -كجرح أو أثر ضرْب- فقال: فلان ضرَبني عمداً: هل يكون ذلك لوثاً؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال مالك: هو لوث.
فإِذا حلَف أولياء الدم خمسين يميناً حُكم به، ولو كان القتل خطأ فلا قَسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك، وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ، فكيف وليس به أثرُ قتْل، وقد شهِد الناس بما شَهدوا به، فهذه الصورة ليس فيه قَسامة بلا ريب على مذهب الأئمّة".
وجاء في "المغني" (١٠/ ٩): " ... أن يزدحم الناسُ في مضيق؛ فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث؛ فإِنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة؛ فدِيَتُه في بيت المال وهذا قول إسحاق ...
قال أحمد: فيمن وُجد مقتولاً في المسجد الحرام؛ يُنظر مَن كان بينه وبينه شيء في حياته -يعني: عداوة- يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثاً، وإنما جعلَ اللوث العداوة ... ".
هل يُضرب المتهم ليُقرّ ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٤): "وسئل عمن اتُّهم بقتيل: فهل يُضرَب ليقرّ؟ أم لا؟
فأجاب: إِنْ كان هناك لوث -وهو ما يغلِب على الظن أنه قتَله- جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يميناً ويستحقّون دمه.
وأمّا ضرْبُه ليقرّ فلا يجوز إِلا مع القرائن التي تدُلّ على أنه قتَله، فإِنّ بعض العلماء جوّز تقريره بالضرب في هذه الحال، وبعضهم منَع مِن ذلك مطلقاً".
стр. 2349
قلت: قد ورَد في هذا أثرٌ عن النعمان بن بشير ﵁: "أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعاً فحبَسهم أياماً، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب؟ فقال النعمان: ما شئتم إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟
قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله ورسوله ﷺ " (١).
стр. 2350
التعزير
стр. 2351
التعزير
تعريفه:
التعزير لغةً: مصدر عزر من العَزْر -بفتح العين وسكون الزاي المعجمة- هو الردّ والمنع.
وهو في الشرع: تأديبٌ على ذنبٍ لا حدّ فيه ولا كفّارة (١).
*أي: أنه عقوبة تأديبية يَفْرِضها الحاكم على جنايةٍ أو معصية، لم يُعيِّن الشرع لها عقوبة، أو حدّد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ، مثل المباشرة في غير الفرج، وسرقة ما لا قطْع فيه، وجنايةٍ لا قِصاص فيها، وإِتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى.
ذلك أنّ المعاصي ثلاثة أقسام:
١ - نوع فيه حدّ، ولا كفّارة فيه، وهي الحدود التي تقدم ذِكْرها.
٢ - ونوع فيه كفّارة، ولا حدَّ فيه، مِثْل الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإِحرام.
٣ - ونوع لا كفّارة فيه، ولا حدَّ فيه، كالمعاصي التي تقدم ذِكْرها فيجب فيها التعزير* (٢).
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ١٠٧): "الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يتمُّ إِلا بالعقوبات الشرعية؛ فإِن الله يزَعُ
стр. 2352
بالسلطان مال لا يزَعُ بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور؛ وذلك يحصُل بالعقوبة على ترْك الواجبات وفِعْل المحرمات.
فمنها عقوبات مُقدّرة؛ مثل جلْد المفتري ثمانين، وقطعْ السارق ومنها عقوبات غير مُقدَّرة قد تُسمى "التعزير"، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كِبَر الذنوب وصِغَرها؛ وبحسب حال المذنب؛ وبحسب حال الذنب في قلّته وكثرته.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣٤٣): "وأمّا المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفّارة؛ كالذي يُقبِّل الصبيّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جِماع أو يأكل ما لا يحلّ، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حِرز، -ولو شيئاً يسيراً- أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إِذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إِذا خانوا، أو يغش في معاملته، كالذين يغشّون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقِّن شهادة زور، أو يرتشي في حُكْمه، أو يحكُم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزّى بعزاء الجاهلية، أو يلبّي داعي الجاهلية، إِلى غير ذلك من أنواع المحرمات.
فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلّته، فإِذا كان كثيراً زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إِذا كان قليلاً، وعلى حسب حال المذنب؛ فإِذا كان مِن المدمنين على الفجور؛ زِيدَ في عقوبته؛ بخلاف المقلّ من ذلك، وعلى حسْب كِبَر الذنب وصِغَره؛ فيُعاقبُ من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إِلا
стр. 2353
لمرأة واحدة، أو صبيٍّ واحد.
وليس لأقل التعزير حدّ؛ بل هو بكل ما فيه إِيلام الإِنسان من قول وفِعل، وترْك قول، وترك فِعل.
فقد يُعزَّر الرجل بوعْظِه وتوبيخه والإِغلاظ له، وقد يُعزّر بهَجْره وترْك السلام عليه حتى يتوب؛ إِذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجَر النبي ﷺ وأصحابَه "الثلاثة الذين خُلّفوا".
وقد يُعزّر بترك استخدامه في جُند المسلمين؛ كالجندي المقاتل إِذا فر من الزحف؛ فإِنّ الفرار من الزحف من الكبائر، وقطْع أجرِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إِذا فعل ما يُستعظَم؛ فعزْله عن إِمارته تعزير له، وكذلك قد يُعزّر بالحبس وقد يُعزر بالضرب ... ".
مشروعيّته:
عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده ﵁: "أنّ النبي ﷺ حَبَس رجلاً في تُهمة" (١).
وعن أبي بُردة ﵁ قال: كان النبى ﷺ يقول: "لا يُجلَد فوق عشر جلدات؛ إِلا في حدٍّ من حدود الله" (٢).
стр. 2354
ففي هذا الحديث مشروعية الجلد في غير الحدود -أي: التعزير-.
هل يشرع الجلد في التعزير فوق عشر جلدات ؟
في الحديث المتقدّم بيان الاقتصار على عشر جلدات في غير الحدود.
قال الإِمام النووي ﵀: "اختلف العلماء في التعزير؛ هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها، ولا تجوز الزيادة؛ أَم تجوز الزيادة؟ فقال أحمد بن حنبل، وأشهب المالكي، وبعض أصحابنا: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط.
وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ إِلى جواز الزيادة ... " (١).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (١٢/ ١٧٨): "وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخَذ بظاهره الليث وأحمد -في المشهور- عنه وإسحاق وبعض الشافعية.
وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا، فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدّ الحر أو العبد؟ قولان، وفي قولٍ أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حدّه، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: "لا يبلغ به الحدّ" ولم يفصل.
وقال الباقون: هو إِلى رأي الإِمام بالغاً ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.
وعن عمر أنه كتب إِلى أبي موسى: "لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين"
стр. 2355
وعن عثمان ثلاثين، وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إِلا من تكرر منه ومَن وقع منه مرة واحدة معصية لا حدّ فيها فلا يُعزَّر، وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة.
وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين، وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم، ومنها قصره على الجلد وأمّا الضرب بالعصا مثلاً وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الأصطخري من الشافعية وكأنه لم يقِف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، ومنها أنه منسوخ دلّ على نسخه إِجماع الصحابة.
ورُدّ بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الإِجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها؛ فيصير مثل الحد، وبالإِجماع على أن التعزير موكول إِلى رأي الإِمام فيما يرجع إِلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد، لأن التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كلّ أحد بحسبه.
وتُعُقِّب بأنّ الحدّ لا يزاد فيه، ولا ينقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مُسلّم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يراعى في الأفراد بدليل أن من الناس من لا يردعه الحدّ ... ".
وجاء في "فيض القدير" (٦/ ٤٤٦): "يعني لا يُزاد على عشْرة أسواط بل
стр. 2356
بالأيدي والنعال أو الأولى ذلك، فتجوز الزيادة إِلى ما دون الحد بقدْر الجرم عند الشافعي وأبي حنيفة.
أخذ أحمد بظاهر الخبر؛ فمنع بلوغ التعزير فوقها، واختاره كثير من الشافعية، وقالوا: لو بلغ الشافعي لقال به، لكن يردّه نقْل إِمامهم الرافعي إِنه منسوخ محتجّاً بما منه عمل الصحابة، بخلافه مع إِقرار الباقين.
ونُوزع بما لا يُجدي، ونقَل المؤلف عن المالكية؛ أنّ الحديث مختص بزمن المصطفى ﷺ "لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر.
قال القرطبي في "شرح مسلم": ومشهور مذهب مالك أنّ ذلك موكول إِلى رأي الإِمام بحسب ما يراه أليق بالجاني؛ وإن زاد على أقصى الحدود، قال: والحديث خرج على أغلب ما يحتاج إِليه في ذلك الزمان" انتهى.
وقد وردَ بعض الآثار عن السلف في الزيادة على عشرة أسواط:
فعن داود عن سعيد بن المسيب: "في جارية كانت بين رجُلين؛ فوقَع عليها أحدهما (١)؟
قال: يضرب تسعةً وتسعين سوطاً" (٢).
وعن عمير بن نمير قال: "سُئل ابن عمر ﵄ عن جاريةٍ؛
стр. 2357
كانت بين رجلين؛ فوقَع عليها أحدهما؟
قال: ليس عليه حدّ هو خائن، يُقوّم عليه قيمة، ويأخذها" (١).
وعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: "أُتيَ عليٌّ ﵁ بالنّجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثمّ أمَر به إِلى السّجن، ثمّ أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثمّ قال: إِنّما جَلْدتك هذه العشرين؛ لإِفطارك في رمضان، وجَرأتك على الله" (٢).
والمترجّح لديّ هو التمسُّك بالنصّ، ولكن قد ثبَت عن النبي ﷺ التعزير بالقتل؛ لمن شرب الخمر في المرّة الرابعة (٣).
وورَد عن عدد من الصحابة ﵃ الزيادة على عشرة جلدات، فهذا يقوّي أن الإِمام موكولٌ بحسب ما يراه أليق بالجاني.
ولا نحمل ما فعَلَه بعض الصحابة ﵃ في الزيادة؛ إلاَّ أَنهم استفادوه من صحبة رسول الله ﷺ ، والجمع بين أَحاديثه ﷺ ؛ لدرء المفاسد، وردع الجاني، وتحقيق المصالح. والله -تعالى- أعلم.
стр. 2358
الفرق بينه وبين الحدود:
التعزير مخالف للحدود مِن ثلاثة أوجُه:
الأول: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخفّ، ويستوون في الحدود مع الناس.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أقيلوا (١) ذوي الهيئات (٢) عثراتهم (٣) إِلا الحدود (٤) " (٥).
الثاني: أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود؛ كما تقدّم في الحديث السابق: "إِلا الحدود".
الثالث: التالف به مضمون؛ خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
وقد فَرَّق قومٌ بين التعزير والتأديب، ولا يتمّ لهم الفَرق، ويُسمّى تعزيراً؛
стр. 2359
لدفعه وردّه عن فِعْل القبائح، ويكون بالقول والفعل على حسب ما يقتضيه الحال (١).
صفة التعزير (٢):
التعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب فإِنْ كان لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة: مثْل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه؛ أو على ترْك ردّ المغصوب؛ أو أداء الأمانة إِلى أهلها: فإِنه يُضرَب مرّة بعد مرّة حتى يؤدي الواجب، ويُفرّق الضرب عليه يوماً بعد يوم، وإِنْ كان الضرب على ذنب ماضٍ؛ جزاءً بما كسب ونكالاً من الله له ولغيره؛ فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حدّ.
وإليكَ التفصيل في هذه الأصناف وغيرها:
التعزير بالتوبيخ والزجر والكلام:
قال في "الروضة الندية" (٢/ ٦١٦): " ... ومن ذلك قول يوسف ﵇ لإِخوته: ﴿أَنْتُم شرٌّ مَكاَناً﴾ (٣) لمّا نسبوه إِلى السرقة.
وقال ﷺ لأبي ذر: "إِنك امرؤ فيك جاهلية" (٤). لمّا سمعه يُعيّر رجلاً
стр. 2360
بأُمّه.
وعن سلمة بن الأكوع ﵁: "أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: كُلْ بيمنك، فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعتَ؛ ما منَعَه إِلا الكِبْرُ، قال: فما رفَعَها إِلى فيه" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سَمِعَ رجلاً يَنْشُدُ ضالّةً في المسجدِ، فليقل: لا رَدَّها الله عليك؛ فإِنّ المساجد لم تُبْن لهذا" (٢).
وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "لا وجَدْتَ" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا رأيتُم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتَكَ" (٤).
وعن عديّ بن حاتم ﵁: "أن رجلاً خطَب عند النبي ﷺ فقال: مَن يطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : بئس الخطيب أنت، قُل: ومن يعصِ الله ورسولَه" (٥).
стр. 2361
التعزير بالمقاطعة والامتناع عن الكلام:
ومن ذلك ما كان من شأن الثلاثة الذين خُلِّفوا:
عن كعب بن مالك ﵁ يحدّث حين تخلّف عن غزوة تبوك: قال: "لم أتخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوةً غزاها، إلاَّ في غزوة تبوك ...
كان من خبري أنِّي لم أكنْ قطُّ أقوى ولا أيسر؛ حين تخلَّفْتُ عنه في تلك الغَزاة، والله ما اجتَمَعَتْ عندي قبله راحلتان قطُّ؛ حتى جمعتُها في تلك الغزوة.
ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة، إِلا ورَّى بغيرها (١)، حتى كانت تلك الغزوة؛ غزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً (٢) وعدوّاً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهَّبوا أُهبة (٣) غزوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير (٤)، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد: الديوان).
قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب؛ إلاَّ ظنَّ أنْ سيخفى له؛ ما لم يَنْزِلْ فيه وحْي الله.
стр. 2362
وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثِّمار والظِّلال، وتجهَّز رسول الله والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي؛ حتى اشتدَّ بالنَّاس الجِدُّ، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقْضِ مِن جَهازي شيئاً، فقلتُ: أتجهَز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقُهُم، فغدوْتُ بعد أن فَضَلوا لأتجهَّزَ، فرجعْتُ ولم أقْضِ شيئاً، ثم غَدَوْتُ، ثم رجَعْتُ ولم أقْضِ شيئاً.
فلم يَزَلْ بي حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزو (١)، وهَمَمْتُ أنْ أرتَحِل فأدرِكهم -وليتني فعَلْت فلم يُقدَّر لي ذلك- فكنتُ إِذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطُفْتُ فيهم؛ أحزَنَني أنِّي لا أرى إِلا رجلاً مغموصاً (٢) عليه النِّفاق، أو رجلاً ممَّن عذَرَ الله من الضُّعفاء.
قال كعب بن مالك: "فلمَّا بَلَغَني أنَّه توجَّه قافلاً (٣)؛ حَضَرني همِّي، وطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقول: بماذا أخرُجُ من سَخَطه غداً؟ واستَعَنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلمَّا قيل: إِنَّ رسول الله ﷺ قد أظلَّ قادماً؛ زاح عنِّي الباطل، وعرفْتُ أنِّي لن أخرجَ منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجْمَعْتُ صِدقَه.
стр. 2363
وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إِذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ؛ بدأ بالمسجد، فيركعُ فيه ركعتين، ثم جلس للنَّاس، فلمَّا فعَل ذلك؛ جاءهُ المُخَلَّفون، فطفقوا يعتَذرون إِليه، ويحلفون له -وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً- فقَبِلَ منهُم رسول الله ﷺ علانِيَتَهُم، وبايعَهُم، واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائرَهم إِلى الله.
فجئتهُ، فلمَّا سلَّمتُ عليه؛ تبسَّمَ تبسُّمَ المُغْضَب، ثمّ قال: تعالَ. فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديِه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألمْ تكن قد ابتَعْتَ ظهركَ (١)؟ ".
فقلتُ: بلى؛ إِنِّي والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدُّنيا؛ لرأيتُ أن سأخرُجُ مِن سخطه بعُذرٍ، ولقد أُعطيتُ جَدلاً، ولكنِّي والله، لقد عَلمْت؛ لئن حدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ ترضى به عنِّي؛ ليوشِكنَّ الله أن يُسْخِطكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديث صدقٍ تجِد عليَّ فيه (٢)؛ إِنِّي لأرجو فيه عفو الله (٣)، لا والله؛ ما كان لي مِن عُذرٍ؛ واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي؛ حين تخلَّفْتُ عنك.
فقال رسول الله ﷺ : أمَّا هذا؛ فقد صَدَقَ، فقُمْ حتى يقضي الله فيك، فقُمت ...
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أيُّها الثلاثة- من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتَنبَنا النَّاس، وتغيَّروا لنا، حتى تَنكَّرتْ في نفسي الأرض، فما هي
стр. 2364
التي أعرف، فلبِثنا على ذلك خمسينَ ليلة.
فأمَّا صاحباي؛ فاسْتَكانا وقعدا في بيوتِهما يبكيان، وأمّا أنا؛ فكنتُ أشبَّ القوم وأجلَدَهُم، فكنتُ أخرجَ فأشهد الصَّلاة مع المسلمين، وأطوفُ في الأسواق، ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ ، فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعدَ الصَّلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيهِ بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثمَّ أصلِّي قريباً منه، فأسارقهُ النَّظر، فإِذا أقبَلْتُ على صلاتي؛ أقبَل إِليَّ، وإذا التَفَتُّ نحوَه؛ أعرَضَ عنِّي.
حتى إِذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس (١) مشيتُ حتى تسوَّرتُ (٢) جِدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمِّي وأحبُّ النَّاس إِلىَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله؛ ما ردَّ عليَّ السَّلام.
فقلتُ: يا أبا قَتادة! أنشُدك بالله هل تعلمني أحبُّ الله ورسولَه؟ فسَكَت، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فسكَتَ، فعُدْت له فنَشَدْتُه؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضتْ عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار ...
حتى إِذا مضتْ أربعون ليلة من الخمسين؛ إِذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إِنّ رسول الله ﷺ يأمُرُك أنْ تعتَزِل امرأتَكَ.
فقلتُ: أطلِّقُها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا؛ بل اعتَزلها ولا تقرَبْها، وأرسل إِلى صاحبيَّ مثلَ ذلك.
فقلتُ لامرأتي: الحَقي بأهلِك، فتكوني عندهم حتى يقضيَ الله في هذا
стр. 2365
الأمر.
قال كعبٌ: فجاءت امرأة هلال بن أميَّة رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إِنّ هلال بن أميَّة شيخٌ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدُمَه؟
قال: لا؛ ولكن لا يَقربْكِ، قالت: إِنّه والله ما به حَرَكة إِلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذَنْتَ رسول الله ﷺ في امرأتِكَ كما أذِنَ لامرأة هلال بن أميَّة أن تخْدمَه.
فقلتُ: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ : إذا استأذنْتُهُ فيها، وأنا رجل شابّ؟!
فلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كَمَلَتْ لنا خمسونَ ليلةً من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامِنا، فلمَّا صلَّيت صلاة الفجر صُبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيتٍ مِن بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذَكَر الله، قد ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرض بما رَحُبت؛ سمِعتُ صوت صارخٍ أوفى على جبل سَلْع (١) بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبْشِرْ.
قال: فخَرَرتُ ساجداً، وعرفْتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ، وآذَنَ رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب النَّاسُ يبشِّروننا" (٢).
التعزير بالنفي:
عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ أُتي بمُخنّث، قد خضب
стр. 2366
يديه ورجليه بالحنّاء! فقال النبي ﷺ : ما بال هذا؟ قيل: يا رسول الله، يتشبّه بالنساء، فأمر فنُفي إِلى البقيع، فقالوا: يارسول الله ألا نقتله؟ فقال: إِنّي نهيت عن قتْل المصلّين" (١).
التعزير بالحبس:
عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده ﵁: "أنّ النبي ﷺ حَبَس رجلاً في تُهمة" (٢).
وعن النعمان بن بشير ﵁: "أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعاً؛ فحبَسهم أياماً، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب، فقال النعمان: ما شئتم، إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟
قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله ورسوله ﷺ " (٣).
التعزير بالضرب:
عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبْعِ سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع" (٤).
стр. 2367
وعن المسيب بن دارم قال: "رأيت عمر بن الخطّاب ضرب جمّالاً، وقال: لِمَ تَحْمِلُ على بعيرك ما لا يُطيق؟ " (١).
وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: "أن رجلاً حدَّ شفرةً، وأخذ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ عمر بالدِّرّةِ، وقال: أتُعذِّبُ الرُّوح! ألا فعَلْتَ هذا قبل أن تأخذها؟! " (٢).
عن محمد بن سيرين: "أنّ عمر ﵁ رأى رجلاً يجرُّ شاةً ليذْبحَها، فضربهُ بالدِّرَّةِ، وقال: سُقْها -لا أُمَّ لك- إِلى الموتِ سَوْقاً جميلاً" (٣).
التعزير بالإِتلاف والتحريق والتكسير:
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ١١٣): فيما يجوز إِتلافه: " ... مثل الأصنام المعبودة من دون الله؛ لما كانت صورها منكرة جاز إِتلاف مادتها؛ فإِذا كانت حجراً أو خشباً ونحو ذلك؛ جاز تكسيرها وتحريقها.
وكذلك آلات الملاهي مثل: الطنبور يجوز إِتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد".
стр. 2368
قلت: ويُحمل التكسير والتحريق والإِتلاف؛ على الأشياء التي لا يستفاد من إِبقائها.
التعزير بأخْذ المال:
ومن صور ذلك أن يمتنع المرء عن أداء الزكاة غيرَ مُنكرٍ وجوبَها، فإِنّ للحاكم -وهذه الحال- أن يأخذ الزكاة منه قهراً، وشطْر ماله عقوبةً.
فعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده (١) ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لا يفرق إِبل عن حسابها (٢) من أعطاها مؤتجِراً (٣) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٤) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمد ﷺ منها شيء" (٥).
ومن ذلك إِباحة النبي ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة -لمن وجده-
стр. 2369
فعن عامر بن سعد: "أن سعداً ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجَع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخَذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرُدَّ شيئاً نفَّلنيه رسول الله ﷺ ! وأبى أنّ يَرُدّ عليهم" (٢).
وفي رواية: من حديث سليمان بن أبي عبد الله قال: "رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله- فسلبَه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِنّ رسول الله ﷺ حرّم هذا الحرم وقال: "من وجَد أحداً يصيد فيه؛ فليسلُبْه، فلا أردّ عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنَه (٣) " (٤).
وفي رواية: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يُقطع من شجر المدينة شيء، وقال: من قطع منه شيئاً؛ فلمن أخذه سَلَبُه" (٥).
стр. 2370
التعزير بالتغريم:
لقد تقدم قضاء رسول الله ﷺ بمضاعفة الغُرم والعقوبة على مَن سَرَق ما لا قطْع فيه؛ كما في سارق الثمار المعلّقة، وكذا سارق الشّاة من المرتع.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ : "أنه سُئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه (١) من ذي حاجة غير مُتّخذٍ خُبْنَةً (٢)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مِثلَيْه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجَرين (٣)، فبلغ ثمن المجنّ (٤)؛ فعليه القطع" (٥).
وفي رواية من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً من مُزَيْنة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى حريسة (٦) الجبل،
стр. 2371
فقال: هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ.
ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ (١). فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال (٢).
قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلّق؟ قال: هو ومِثلُه معهُ والنّكالُ، وليس في شيء من الثمر المعلق قَطعٌ إِلا فيما آواه الجَرينُ، فما أُخِذ من الجَرين فبَلَغ ثمنَ المِجَنّ، ففيه القَطعُ، وما لم يَبْلغ ثَمَنَ المِجَن فَفيه غَرَامةُ مِثليْه وجَلداتُ نَكَال" (٣).
التعزير بتغليظ الدِّية:
عن ابن عمر ﵄: "أنّ رجلاً مسلماً قَتلَ رجلاً مِن أهل الذّمة عمداً، ورُفع إِلى عثمان ﵁ فلم يقتُله، وغلّظ عليه الدية مثل دَيِة المسلم" (٤). وعُلّل ذلك لإِزالة القَوَد.
стр. 2372
التعزير بالقتل في حالات مخصوصة:
وقد يبلغ حدّ التعزير القتل (١) في حالات مخصوصة؛ كمن لم يرتدع من إِقامة حدّ الخمر، فإِنه يُقتَل في الرابعة.
فعن معاوية بن سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثمّ إِنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إنْ شربوا فاجلدوهم، ثمّ إِن شربوا [الرابعة] فاقتلوهم" (٢).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة": "وقد قيل إِنه حديث منسوخ، ولا دليل على ذلك، بل هو محكم غير منسوخ كما حقّقه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٩/ ٤٩ - ٩٢) واستقصى هناك الكلام على طرقه بما لا مزيد عليه، ولكنّا نرى أنه من باب التعزير؛ إِذا رأى الإمام القتل، وإِن لم يره لم يقتل بخلاف الجلد، فإِنه لا بد منه في كل مرة، وهو الذي اختاره الإِمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-".
التعزير على قول: يا كافر! يا فاسق! يا خبيث! يا حمار !:
عن علي ﵁: "في الرجل يقول للرجل: يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى" (٣).
стр. 2373
وفي لفظة: عن علي ﵁ قال: "إِنّكم سألتموني عن الرجل يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإِنّما فيه عقوبةُ السلطان، فلا تعودوا فتقولوا" (١).
تعزير الخطباء الذين لا يتحرّون ثبوت الأحاديث:
جاء في فتوى الإِمام ابن حجر الهيتمي ﵀ في خطيب لا يُبيِّن مُخرّجي الأحاديث، في فتاواه الحديثية (ص ٣٢) ما نصه: "وسئل ﵁ في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة؛ ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مُخَرِّجيها، ولا رواتَها فما الذي يجب عليه؟
فأجاب بقوله: ما ذكَره من الأحاديث في خُطبِهِ من غير أن يُبيّن رواتها، أو مَنْ ذَكَرَهَا، فجائزٌ بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث، أو بنقْلها مِنْ مؤلفه كذلك.
وأمّا الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرَّد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه مِنْ أهل الحديث، أو في خطبٍ ليس مؤلفها كذلك، فلا يَحِلُّ ذلك! ومَن فعله عُزِّرَ عليه التعزير الشديد.
وهذا حال أكثر الخطباء، فإِنهم بمجرد رؤيتهم خطبةً فيها أحاديث؛ حفظوها وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أنّ لتلك الأحاديث أصلاً أم لا، فيجب على حُكّام كل بلد أن يزجروا خطباءَها عن ذلك، ويجب على حُكام بلد هذا
стр. 2374
الخطيب، منعُهُ من ذلك إِن ارتكَبه".
ثم قال: "فعلى هذا الخطيب أن يُبيِّن مستنده في روايته؛ فإِنْ كان مستنداً صحيحاً، فلا اعتراض عليه، وإِلا ساغ الاعتراض عليه، بل وجاز لوليّ الأمر -أيّد الله به الدين، وقمعَ بِعَدْلِه المعاندين- أن يعزله مِن وظيفة الخطابة؛ زجراً له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنيّة بغير حقّ" انتهى ملخصاً (١).
التعزير على نفي النسب:
عن الأشعث بن قيس قال: "أتيت رسول الله ﷺ في وفد كنْدَة ولا يروني إِلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله ألستم منّا؟ فقال: نحن بنو النّضْر بن كنانة، لا نقفوا أمَّنَا، ولا نَنْتفي من أبينا.
قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أُوتى برجل نفى رجلاً من قريش من النضر بن كنانة؛ إِلا جلَدْتُه الحدّ (٢) " (٣).
التعزير على الاستمناء:
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ٢٢٩): وسُئل -رحمه الله تعالى- "عن
стр. 2375
الاستمناء، هل هو حرام؟ أَم لا؟
فأجاب: أمّا الاستمناء (١) فالأصل فيه التحريم عند جمهور العلماء، وعلى فاعِلِه التعزير؛ وليس مِثْل الزنا. والله أعلم".
التعزير من حقّ الحاكم:
والتعزير يتولاه الحاكم؛ لأنّ له الولاية العامّة على المسلمين، وليس التعزير لغير الإِمام، إِلا لثلاثة:
١ - الأوّل الأب، فإِن له تعزير وَلَده الصغير؛ للتعليم والزَّجر عن سيئ الأخلاق، والظاهر أنّ الأمّ في مسألة زمن الصِّبا في كفالته لها ذلك، والأمر بالصلاة، والضرب عليها.
٢ - والثاني السيد، يعزِّر رقيقه في حقِّ نفسه، وفي حقّ الله -تعالى- على الأصحّ.
٣ - والثالث الزوج، له تعزير زوجته في أمر النشوز، كما صرّح به القرآن، وهل له ضرْبها على ترك الصلاة ونحوها؟
الظاهر، أن له ذلك إِن لم يكْفِ فيها الزجر؛ لأنه من باب إِنكار المنكر، والزوج من جملة مَنْ يُكلّف بالإِنكَار باليد، أو اللسان، أو الجنان، والمراد هنا الأولان (٢).
стр. 2376
هل في التعزير ضمان (١)؟
وليس على الزوج ضمانُ الزوجة إذا تلِفت من التأديب المشروع في النّشوز ولا على المعلم إِذا أدب صبيَّه الأدب المشروع وبه قال مالك؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة يضمن ...
قال الخلال: إِذا ضرب المعلّم ثلاثاً -كما قال التابعون وفقهاء الأمصار- وكان ذلك ثلاثاً، فليس بضامن، وإِنْ ضَربه ضْرباً شديداً مثله لا يكون أدباً للصبي ضمن، لأنه قد تعدّى في الضرب.
قال القاضي: وكذلك يجيء على قياس قول أصحابنا؛ إِذا ضَرب الأب أو الجد الصبي، تأديباً فهلك، أو الحاكم أو أمينه أو الوصي عليه تأديباً؛ فلا ضمان عليهم كالمعلّم.
قلت: ضابط الأمر هو أن يؤدب التأديب المشروع، دون إِسراف ولا تعدٍّ، فهذا لا ضمان له، وإِلا ضمن، ولا دليل في اقتصار ضرب المعلم على ثلاث. والله -تعالى- أعلم.
يُعزِّر الوالي بما يرى:
عن علي ﵁ في الرجل يقول للرجل: "يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حدّ معلوم، يُعزِّر الوالي بما رأى" (٢).
وفي لفظ: عن علي ﵁ قال: "إِنّكم سألتموني عن الرجل
стр. 2377
يقول للرجل يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حدّ، وإنّما فيه عقوبةٌ من السلطان، فلا تعودوا فتقولوا" (١).
الجمع بين نوعين من أنواع التعزير:
عن جعفر بن برقان قال: "بلغَنا أنّ عمر بن عبد العزيز أُتِيَ بجارية كانت بين رجلين فوطئها أحدهما، فاستشار فيها سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير، فقالوا: نرى أن يجلد دون الحد، ويقيمونه قيمة، فيدفع إِلى شريكه نصف القيمة" (٢).
وعن عمير بن نمير قال: "سُئل ابن عمر عن جارية كانت بين رجلين فوقَع عليها أحدهما، قال: ليس عليه حد هو خائن، يقوم عليه قيمة ويأخذها" (٣).
وعن عطاء بن مروان عن أبيه قال: "أتي علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم أمَر به إِلى السجن، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، ثم قال: إِنما جلدتك هذه العشرين لإِفطارك في رمضان، وجُرأتك على الله" (٤).
стр. 2378
وتقدم أكثر من مرَة حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً من مُزَيْنة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في حريسة الجبل، فقال: "هي وَمِثْلُها والنَّكَالُ، ولَيْس في شَيْء مِنَ الماشِيَة قَطعٌ، إِلا فِيما آوَاه المُراحُ. فَبَلغ ثمن المِجَنّ، فَفيه قَطْع اليد، وما لم يبلُغ ثمن المِجَنِّ، ففيه غرامةُ مِثْليه، وجَلَدَات نَكَال" (١).
وكذا الأمر فيما وَرَد في الثمر المعلّق.
ما لا يجوز فيه التعزير:
ولا يجوز التعزير بحلق اللحية، ولا بتخريب الدور، وقلْع البساتين، والزروع، والثمار والشجر، كما لا يجوز بجدع الأنف، ولا بقطع الأذن، أو الشفة، أو الأنامل؛ لأن ذلك لم يُعهَد عن أحد من الصحابة ﵃ (٢).
مسائل متفرقة في التعزير:
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ٢٢٥): "سئل شيخ الإِسلام أبو العباس عن رجل من أمراء المسلمين له مماليك، وعنده غلمان: فهل له أن يقيم على أحدهم حَدّاً إِذا ارتكبه؟ وهل له أن يأمرهم بواجب إِذا تركوه؛ كالصلوات الخمس ونحوها؟ وما صفة السوط الذي يعاقبهم به؟
فأجاب: الحمد لله، الذي يجب عليه أن يأمرهم كلَّهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر والبغي.
وأقلّ ما يفعل أنه إِذا استأجر أجيراً منهم يشترط عليه ذلك، كما يشترط ما
стр. 2379
يشترطه من الأعمال، ومتى خرج واحد منهم عن ذلك طرَدَه.
وإذا كان قادراً على عقوبتهم بحيث يُقرُّه السلطان على ذلك في العرف الذي اعتاده الناس وغيره؛ لا يعاقبهم على ذلك؛ لكونهم تحت حمايته، ونحو ذلك، فينبغي له أن يُعزِّرهم على ذلك؛ إِذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات إِلا بالعقوبة، وهو المخاطَب بذلك حينئذ، فإِنه هو القادر عليه، وغيره لا يقدر على ذلك؛ مراعاة له.
فإِن لم يستطع أن يقيم هو الواجب، ولم يَقُم غيرُه بالواجب، صار الجميع مستحقين العقوبة، قال النبي ﷺ : "إِنّ الناس إِذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه" (١).
وقال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان" (٢).
لا سيّما إِذا كان يضربهم لما يتركونه مِن حقوقه، فمن القبيح أن يعاقبهم على حقوقه، ولا يعاقبهم على حقوق الله.
والتأديب يكون بسوطٍ معتدل، وضرْبٍ معتدل، ولا يَضرب الوجه، ولا المقاتِل".
وفيه (ص ٢٢٦): وسئل -قدّس الله رُوحه-: "عن رجل يُسفِّه على والديه: فما يجب عليه؟
стр. 2380
فأجاب: إِذا شتَم الرجل أباه واعتدى عليه؛ فإِنه يجب أن يعاقَب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مِثل ذلك، بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي ﷺ في "الصحيحين" أنه قال: "إِن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟
قال: يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه" (١).
فإِذا كان النبي ﷺ قد جَعل من الكبائر؛ أن يسبّ الرجل أبا غيرِه؛ لئلا يسبّ أباه، فكيف إِذا سبّ هو أباه مباشرة! فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين ... ".
وفيه (ص ٢٢٨): وسُئل -قدّس الله رُوحه-: "عمَّن شتَم رجلاً وسبّه؟
فأجاب: إِذا اعتدى عليه بالشتم والسب؛ فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه؛ فيشتمه إِذا لم يكن ذلك مُحرَّماً لعينه؛ كالكذِب، وأمّا إِنْ كان محرماً لعينه كالقذف بغير الزنا فإِنه يُعزَّر على ذلك تعزيراً بليغاً يردعه وأمثاله من السفهاء، ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز؛ وهو الذي يشرع إِذا تكرر سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه. والله أعلم".
وجاء في الصفحة نفسها: وسئل ﵀: "عمن شتم رجلاً فقال له: أنت ملعون، ولد زنا؟
فأجاب: "يجب تعزيزه على هذا الكلام، ويجب عليه حدّ القذف إنْ لم يقصِد بهذه الكلمة ما يقصده كثير من الناس مِنْ قَصْدهم بهذه الكلمة، أن المشتوم فِعله خبيث كفِعْل وَلد الزنا".
تم بحمد الله وتوفيقه.
стр. 2381
الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء السابع
كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء
وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
دار ابن حزم
стр. 2382
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار
تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib
стр. 2383
الموسوعة الفقهية الميسَّرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء السابع
كِتابُ الجِهاد وَالهدنَة وعَقد الذمَّة والجِزيَة والغَنائِمِ والفَيء
وعَقْد الأمان وقِتَال البُغَاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
دار ابن حزم
стр. 2384
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار
تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib