وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٤٦): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل يهودي قَتلَه مسلم: فهل يُقتَل به؟ أو ماذا يجب عليه؟
فأجاب: الحمد لله، لا قِصاص عليه عند أئمّة المسلمين، ولا يجوز قتْل الذمّي بغير حقّ؛ فإنه قد ثبَت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقتَل مسلم بكافر" (١).
ولكن تجب عليه الدية، فقيل: الدِّية الواجبة نصف دِيَة المسلم. وقيل: ثُلُث دِيتَه، وقيل: يفرّق بين العمد والخطأ، فيجب في العمد مثل دية المسلم ويُروى ذلك عن عثمان بن عفّان ﵁ أنّ مسلماً قتَل ذمّياً فغلظ عليه، وأوجب عليه كمال الدية، وفي الخطأ نصف الدية، ففي السنن عن النبي ﷺ : "أنه جعل دية الذمّي نصف دية المسلم".
وعلى كل حال تجب كفّارة القتل أيضاً، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإِن لم يَجِدْ فصيام شهرين متتابعين".
دية الجنين:
"إِذا مات الجنين بسبب الجناية على أمّه عمداً أو خطأ، ولم تمُت أمّه وجَب فيه غُرَّة (٢)، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتاً، أم مات في بَطنها، وسواء أكان ذكراً أم أنثى" (٣).
стр. 2312
هُذيل اقتَتَلتا، فرمت إِحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنَها وهي حامل، فقَتلت ولدها الذي في بَطنها.
فاختصَموا إِلى النبي ﷺ ، فقضى أن دية ما في بطنها غُرَّة عبدٌ أو أمة. فقال وليُّ المرأة التي غَرِمت: كيف أغرَمُ يا رسول الله من لا شَرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ (١)، فمثل ذلك يُطلّ (٢)؟
فقال النبي ﷺ : إِنما هذا من إِخوان الكهان (٣) " (٤).
ما هي الغُرة ؟
قال الإِمام النووي ﵀: "قال أهل اللغة: الغُرّة عند العرب أنفس شيء".
وقال ابن الأثير ﵀ في "النهاية": "الغُرّة: العبد نفْسُه أو الأمة، وأصل الغُرّة: البياض الذي يكون في وجه الفَرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرّة عبدٌ أبيض أو أمة بيضاء، وسمي غرّةً لِبياضِه، فلا يُقبَل في الدية عبدٌ أسود ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطاً عند الفقهاء ... ".
قال الإِمام النووي ﵀ (١١/ ١٧٦): "واعلم أنّ المراد بهذا كلِّه؛ إِذا انفصل الجنين ميتاً أمّا إذا انفصل حيّاً ثم مات؛ فيجب فيه كمال الدّية؛
стр. 2313
فإِنْ كان ذكراً وجب مائة بعير، وإِن كان أُنثى؛ فخمسون، وهذا مُجمع عليه، وسواء في هذا كلّه العمدُ والخطأ".
قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٥٠): "وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة؛ ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع؛ لأن المعيب ليس من الخيار.
واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعاً به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل غالباً بنفسه؛ فيحتاج إِلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه" انتهى.
وعن بريدة " أن امرأة حذفت امرأة (١) فأسقطت، فجعل رسول الله ﷺ في ولدها خمسين شاة، ونهى يومئذ عن الخذف (٢) " (٣).
لمن تجب وعلى من ؟
تجب للورثة؛ وهي على عاقلة الجاني.
عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحْيان؛ بغُرّة عبد أو أمَة، ثمّ إِن المرأة التي قضى عليها بالغرة تُوفّيت فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل (٤) على عَصبَتها" (٥).
стр. 2314
وقد ورد في بعض الروايات أنّ المرأة التي قَتلت، ضربت ضَرَّتها بعمود فسطاط وفيه:- "فقضى في الجنين بغرّة".
وفي لفظ: "فقضى فيه بغُرّة، وجعلَه على أولياء المرأة" (١).
قال الإِمام النووي ﵀ (١١/ ١٧٦): "ومتى وَجبت الغُرّة فهي على العاقلة؛ لا على الجاني، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين ﵃ وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفّارة.
وقال بعضهم: لا كفّارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ﵄ والله أعلم". انتهى.
ورجّح شيخ الإِسلام ﵀ الكفّارة؛ كما في العنوان الآتي:
مسألة:
إِذا قال الرجل لزوجته أسقطي ما في بطنك والإثم عليّ:
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٩): "وسئل ﵀ عن رجل قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإِثم عليّ، فإِذا فعَلت هذا، وسَمعت منه؛ فما يجب عليهما من الكفّارة؟
فأجاب: إِنْ فعَلت ذلك فعليهما كفّارة رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين، وعليهما غُرّة عبد أو أَمَة لوارثه الذي لم يقتله؛ لا للأب، فإِنّ الأب هو الآمر بقتله، فلا يستحق شيئاً".
стр. 2315
وجاء فيه (ص ١٦١): "وسئل ﵀ عن امرأة حامل تعمّدت إِسقاط الجنين إِمّا بضربٍ، وإِما بشرب دواء؛ فما يجب عليها؟
فأجاب: يجب عليها بسُنّة رسول الله ﷺ واتفاق الأئمّة؛ غرّة عبد أو أَمَة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين؛ غير أمّه، فإنْ كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإنْ أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، وتكون قيمة الغرة عشر ديَة، أو خمسين ديناراً وعليها أيضاً عند أكثر العلماء عتْق رقبة، فإِن لم تجِدْ؛ صامت شهرين متتابعين، فإِن لم تستطِع؛ أطعمت ستين مسكيناً" (١).
وجاء في "الروضة النديّة" (٢/ ٦٦٨): "وأمّا إِذا خرج الجنين حيّاً، ثم مات مِن الجناية؛ ففيه الدِّيَة أو القَوَد".
قلت: وهذا القَوَد إِذا كان عمداً.
وقد اختلف العلماء في وجوب القِصاص في القتل بالمثقل.
قال الحافظ في "الفتح": "عقب الحديث المتقدّم: "واستدل به على عدم وجوب القِصاص في القتل بالمثقل؛ لأنه ﷺ لم يأمر فيه بالقَوَد وإِنما أمر بالدية.
وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر؛ بحيث يقتل بعضه غالباً ولا يقتل بعضه غالباً، وطرد المماثلة في القصاص إِنما يشرع فيما إِذا وقعت الجناية بما يقتل غالباً.
стр. 2316
وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يوجب فيه القَوَد؛ لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القَوَد العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حُجّة فيه لقتلٍ بالمثقل ولا عكسه" (١).
وجاء في "السيل الجرار" (٤/ ٤١٤): " ... وأمّا إذا كانت الآلة مثلها يقتل في العادة، وإن لم يكن من المحدّد؛ فإن القصاص فيها واجب، كما تقدم في رضّ رأس اليهودي الذي رضّ رأس الجارية، وكما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حمل بن مالك قال: "كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فَقَتلتها وجنينها، فقضى النبي ﷺ في جنينها بغُرّة، وأن تُقتل بها" (٢).
وقد ذهب إلى وجوب القصاص في مثل هذا الجمهور -وهو الحقّ- وأدلة الكتاب والسنة المثبتة للقصاص تشمله، وليس بيد من قال إنه لا قصاص في القتل بغير المحدّد مطلقاً دليل تقوم به الحجة، ولا حجة فيما ورد من طريق الكذّابين والوضّاعين.
وقد بيّن لنا رسول الله ﷺ الخطأ الذي هو شبه العمد بياناً شافياً، فلنقتصر عليه، ونردّ ما عداه إلى ما شرعه الله لعباده من القصاص في العمد العدوان".
стр. 2317
فائدة:
إِذا خَرج الجنين حيّاً ثمّ مات؛ ففيه الكفّارة مع الدّيَة لأنه يتبع الأصل العام في حُكم الدِّيات، وتقدّم ما قاله الإِمام النووي ﵀ غير بعيد.
لا ديَة إِلا بعد البُرء:
تقدّم في باب القِصاص أنه لا يجوز أن يقتصّ من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، مع الدليل على ذلك، وكذلك الحال في الدية، فإِنه لا يُعقل حتى يبرأ المجروح ويصحّ.
وجود قتيل بين قومٍ متشاجرين:
إِذا عميَ أمرُ قتيل في قوم؛ كان بينهم رمْيٌ بالحجارة أو السياط، أو ضرْبٌ بالعصيّ، أو نحو ذلك؛ فهو خطأ، وديته دية الخطأ، أمّا مَن قَتَل عمداً؛ فإِنه يقتصّ منه.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ في عمِّيًّا في رمي يكون بينهم بحجارة، أو بالسياط، أو ضربٍ بعصا؛ فهو خطأ وعقْله عقْل الخطأ، ومن قُتِل عمداً فهو قَوَد، ومن حال دونه (١)، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف (٢) ولا عدل (٣) " (٤).
стр. 2318
هل يضمن راكب الدابّة ؟
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العَجْماء (١) جرحُها جُبار (٢)، والمعدِنُ جُبار، وفي الركاز الخمس" (٣).
بيّن النبي ﷺ أن العجماء جرحها جُبار، أي: ما أتلفته بجرح أو غيره هدر، لا يضمنه صاحبها ما لم يفرط، لأنّ الضمان لا يكون إِلا بمباشرة أو سبب، وهو لم يَجْن ولم يتسبب، وفِعْلها غير منسوب إِليه، نعم إِنْ كان معها ضمن ما أتلفته ليلاً ونهاراً عند الشافعي" (٤).
قال الإِمام النووي ﵀ (١١/ ٢٢٥) -بحذف-: "فأمّا قوله ﷺ : العجماء جرْحها جُبار؛ فمحمول على ما إِذا أتلفَت شيئاً بالنهار، أو أتلفت بالليل بغير تفريطٍ من مالكها، أو أتلفت شيئاً وليس معها أحد، فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث.
فأمّا إِذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفَت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه؛ وجَب ضمانه في مال الذي هو معها، سواءٌ كان مالكاً أو مستأجراً أو
стр. 2319
مستعيراً أو غاصباً أو مودِعاً أو وكيلاً أو غيره، إِلا أن تتلف آدمياً فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفّارة في ماله، والمراد بجرح العجماء إِتلافها سواء كان بجرح أو غيره.
قال القاضي: أجمع العلماء على أنْ جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إِذا لم يكن معها أحد، فإِن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته ... وجمهورهم على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكَرناه، وقال مالك وأصحابه: يضمن مالكها ما أتلفت، وكذا قال أصحاب الشافعي: يضمن إِذا كانت معروفةً بالإِفساد، لأن عليه ربطها والحالة هذه ... ".
وقال الإِمام البخاري ﵀ في كتاب "الديات: باب - ٢٩":
"قال ابن سِيرين: كانوا لا يُضمِّنونَ مِن النَّفْحَةِ (١) ويضمّنون مِن ردِّ العِنان (٢).
وقال حمّادٌ: لا تُضمَنُ النَّفْحة إِلا أن يَنْخُسَ إِنسان الدَّابة (٣).
وقال شريح: لا يُضمنُ ما عاقَبَت أن يَضْرِبها فَتَضرِبَ بِرِجْلها (٤).
стр. 2320
وقال الحكم وحمّاد: إِذا ساق المُكَاري حِماراً عليه امرأة فتَخِرُّّ، لا شيء عليه.
وقال الشعبي: إِذا ساق دابَّة فأتعبَها، فهو ضامِنُ لِمَا أصابَتْ، وإِنْ كان خلفها مُترسِّلا؛ لم يَضمَن (١) ".
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٤٩): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل راكب فرس، مرّ به دباب ومعه دبّ، فجفَل الفرس ورمى راكبه، ثمّ هرب ورمى رجلاً فمات؟
فأجاب: لا ضمان على صاحب الفرس والحالة هذه؛ لكنّ الدباب عليه العقوبة. والله أعلم".
وممّا تقدّم يظهر لنا أن جرح الدابة هدر ولا ضمان على صاحبها، إلاَّ إِنْ كان هناك تفريط أو تسبُّبٌ مِن صاحبها، وفيما مضى من التفصيل كفاية. والله -تعالى- أعلم.
وما تقدّم مِن قول؛ فغالبه يمضي على المراكب المعاصرة؛ كالسيارات ونحوها، فإِنْ كان السائق أو صاحب السيّارة مُفرِّطاً أو متسبّباً؛ لزِمه الضمان، كأن يسير في إِطارات مهترئة، أو أن يقف في مكان مُرتفع ويستهتر فيجعلها عُرضة للسقوط أو الانتقال، لعدم رفعه الكابح اليدوي ...
стр. 2321
ماذا إِذا صدم راكب السيارة أو الدابة سيارةً أو دابةً واقفة ؟
جاء في "المغني" (١٠/ ٣٦٠): "وإنْ كان أحدهما (١) يسير والآخر واقِفاً؛ فعلى السائر قيمة دابّة الواقف".
نصّ أحمد على هذا لأنّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه، وإِنْ مات هو أو دابته فهو هدْر، لأنه أتلف نفسَه ودابّته، وإن انحرفَ الواقف فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسّائرين لأنّ التلف حصل مِنْ فِعْلهما".
ماذا إِذا كان الواقف متعدّياً ؟
وجاء في "المغني" (١٠/ ٣٦٠) أيضاً: "وإِنْ كان الواقف متعدياً بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضَيق فالضمان عليه دونَ السائر؛ لأنّ التلف حَصَل بتعدِّيه، فكان الضمان عليه؛ كما لو وضع حجراً في الطريق، أو جلس في طريقٍ ضيق؛ فعثُر به إِنسان".
حُكم قتْل الدابَّة والجناية عليها:
وأمّا الدابة إِذا قَتلَها قاتل ففيها قيمتها، وإِذا جنى عليها كان الأرشُ مقدارَ نقْصِ قيمتها بالجناية.
وهذا وإنْ لم يقم عليه دليل بخصوصه؛ فهو معلوم من الأدلة الكلية، لأنّ العبد وسائر الدواب مِن جملة ما يملكه الناس، فمَن أتلفه كان الواجب عليه قيمته، ومَن جنى عليه جناية تنقصه؛ كان الواجب عليه أرش النقص. كما لو جُني على عينٍ مملوكة من غير الحيوانات؛ وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر
стр. 2322
الدواب؛ يجب في الجناية عليه نقْص القيمة" (١).
ما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهاراً لم يضمنوه:
يعني إِذا لم تكن يدُ أحدٍ عليها؛ فإِِن كان صاحبها معها أو غيره؛ فعلى مَنْ يده عليها ضمان ما أتلفته مِن نفس أو مال ... وإِنْ لم تكن يدُ أحدٍ عليها، فعلى مالكها ضمانُ ما أفسدته من الزرع ليلاً دون النّهار، وهذا قولُ مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز (٢).
ودليل ذلك: "أن ناقةً للبراء بن عازب ﵁ دخَلت حائط رجل، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أنّ على أهل الحوائطِ حفظَها في النّهار، وأنّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها (٣) ".
قال في "المغني" (١٠/ ٣٥٧): "قال بعض أصحابنا: إِنما يضمَن مالكُها ما أتلفته ليلاً، إِذا كان التفريط منه بإِرسالها ليلاً، أو إِرسالها نهاراً ولم يضمّها ليلاً، أو ضَمّها بحيث يمكنها الخروج، أما إِذا ضَمَّها فأخرَجها غيره بغير إِذنه، أو فتَح عليها بابها؛ فالضمان على مُخرِجها أو فاتحِ بابها لأنه المتِلف".
стр. 2323
ضمان صاحب الكلب العقور ونحوِه:
ومن اقتنى كلباً عقوراً؛ فأطلقه، فعقَر إِنساناً أو دابَّة، ليلاً أو نهاراً، أو خرق ثوب إِنسان؛ فعلى صاحبه ضمانُ ما أتلفه لأنه مُفرط باقتنائه؛ إِلا أن يدخل إِنسانٌ داره بغير إِذنه، فلا ضمان فيه؛ لأنه مُتعدٍ بالدخول متسبِّبٌ بعدوانه إِلى عَقْر الكلب له، وإنْ دخَل بإِذن المالك فعليه ضمانهُ، لأنه تسبب إِلى إِتلافه.
وإِنْ أتلفَ الكلبُ بغير العقر؛ مِثْل أن ولَغ في إِناء إِنسان أو بال؛ لم يضمنهُ مقتنيه، لأنّ هذا لا يختص به الكلب العَقور.
قال القاضي: وإِن اقتنى سنوراً يأكل أفراخ الناس ضَمِن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور، ولا فرق بين الليل والنهار (١).
ضمان صاحب الطيور:
وإِن اقتنى حماماً أو غيره من الطير؛ فأرسله نهاراً فلقط حباً؛ لم يضمنه؛ لأنه كالبهيمة، والعادة إِرساله (٢).
وإِن كان له طيرٌ جارح -كالصقر والبازي- فأفسد طيور الناس وحيواناتهم؛ ضمن (٣).
لا ضمان في قتْل الحيوان الضارّ:
ويشرع قتل الحيوان الذي ورد النَصُّ بقتْله.
стр. 2324
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "خمسٌ من الدواب كلهنّ فاسقٌ؛ يُقتلن في الحرم: الغراب (١) والحِدَأة (٢)، والعقرب والفأرة والكلب العَقور" (٣).
وفي لفظ: "خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العَقور والحُدَيّا" (٤).
وفي رواية: "العقرب" بدل الحيّة (٥).
وقد ورد النهي عن قتل أربع من الدواب، كما في حديث ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد (٦) " (٧).
стр. 2325
قال النووي: "فالمنصوص عليه الستّ" أي: الحية والغراب والفأرة والكلب العَقور والحِدَأة والعقرب.
وعن أم شريك أن النبي ﷺ "أمَرَها بقتل الأوزاغ" (١).
ولا ضمان في قَتْلها، ولا في غيرها من السباع والحشرات الضارّة.
قال النووي ﵀: "واتفق جماهير العلماء على جواز قتْلهنّ في الحِلّ والإِحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتُل ما في معناهنّ، ثمّ اختلفوا في المعنى فيهنّ وما يكون في معناهنّ، فقال الشافعي ﵀: "المعنى جواز قتلهنّ؛ كونهنّ ممّا لا يُؤكل، وكل ما لا يُؤكَل ولا هو متولد من مأكول وغيره؛ فقتْله جائز للمحرم، ولا فدية عليه".
وقال مالك: "المعنى فيهن: كونهنّ مؤذيات، فكلّ مؤذٍ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا".
قلت: وقول الإِمام مالك ﵀ أصحّ لاشتراط علّة الإِيذاء. والله -تعالى- أعلم.
وفي الكلب العقور قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٣٩): "واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقوراً مفهوم أو لا؟ فررى سعيد بن منصور بإِسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: الكلب العقور الأسد.
وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأيّ
стр. 2326
كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة.
وقال مالك في "الموطأ": كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: "المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب" ......
واحتج بقوله -تعالى-: ﴿وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلِّبين﴾، فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عَقور.
واحتج الطحاوي للحنفية، بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر -وهما من سباع الطير- فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحِدَأة".
إِذا كانت الجناية من الظالم المعتدي فلا ضمان فيها:
إِذا كانت الجناية مِن ظالمٍ معتدٍ، فجنايته هدْرٌ، وليس له المطالبة بالقِصاص أو الدية، ومن صُور ذلك:
١ - سقوط أسنان العاضّ:
عن عمران بن حصين "أن رجلاً عضّ يد رجل فنزع يده من فمه، فوقعت ثنيّتاه، فاختصموا إِلى النبي ﷺ فقال: "يَعَضُّ أحدكم أخاه كما يعَضُّ الفحل، لا ديَة لك" (١).
стр. 2327
وبوّب لذلك الإِمام النووي ﵀ في "صحيح مسلم" فقال: "الصائل على نفس الإِنسان أو عضوه إِذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه؛ لا ضمان عليه" (١).
٢ - النظر في بيت غيره من غير إِذنه، فإِذا اطّلع رجُلٌ في بيت إِنسانٍ مِنْ ثُقب أو شقّ بابٍ أو نحوه؛ فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعَنَه بعود أو نحوه فقلَع عينه؛ لم يضمنها (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أنّ امرءاً اطلع عليك بغير إِذن، فحَذفته بحصاةٍ، ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جُناح" (٣).
وفي رواية: "من اطّلع في بيت قوم بغير إِذنهم؛ ففقأُوا عينه، فلا دية له، ولا قِصاص" (٤).
وعن سهل بن سعد أن رجلاً اطّلع في جُحرٍ في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مِدرَى (٥) يحكُّ به رأسه -فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لو
стр. 2328
أعلم أنك تنظرني لطعنْتُ به في عينيك، وقال رسول الله ﷺ : إِنما جُعل الإِذن من قِبَل البصر" (١).
فمن مجموع هذه النّصوص؛ يتضح لنا أنه لا جُناح على المرء في طعْن العين وفقْئها؛ عند الاطلاع غير المشروع، وكذلك لا دِيَة له ولا قِصاص.
*فأمّا إِنْ تَرك الإِطلاع ومضى؛ لم يَجُز رمْيه، لأنّ النبيّ ﷺ لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف (٢)، ولأنه ترَك الجناية، فأشبه من عضّ ثمّ ترَك العَضّ، فلم يجز قلْع أسنانه.
وليس لصاحب الدار رمْي الناظر بما يقتله ابتداءً، فإِنْ رماه بحجر فقتَلَه، أو حديدة ثقيلة؛ ضَمنه بالقِصاص، لأنه إِنما له ما يَقْلع به العين المبصرة التي حصَل الأذى منها دون ما يتعدّى إِلى غيرها* (٣).
٣ - القتْل دفاعاً عن النّفس أو المال أو العرض:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاءَ رجُلٌ إِلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطِه مالك قال: أرأيت إِنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه قال: أرأيتَ إِنْ قتَلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إِنْ قتلتُه؟ قال: هو في النار" (٤).
стр. 2329
ولا يبدأ المرء بالقتل؛ فإِنه لا يجوز، وعليه أن يبذُل الأسباب في منْعَه وطرْده، فإِنْ أبى ضربه بأسهل ما يُخرجه به، فإِنْ رجّح أنه يخرج بضَرْب عصا؛ لم يجُز أن يضربه بحديد؛ لأنّ الحديد آلةٌ للقتل بخلاف العصا، وإِنْ ذَهب مُولِّياً؛ لم يكن له قَتْله ولا اتباعه، وإِنْ ضربَه ضربةً عطَّلته؛ لم يكن له أن يُثنّي عليه؛ لأنه كُفي شرّه (١).
ادعاء القتل دفاعاً:
إِذا قتلَ رجلٌ رجلاً، وقال: إِنه قد هجَم منزلي؛ فلم يمكنني دفعه إِلا بالقتل، لم يُقبَل قوله إِلا ببيّنة، وعليه القَوَد، سواء كان المقتول يُعرفُ بسرقة أو عيارة، أو لا يعرف بذلك.
فإِنْ شهدت البينة أنهم رأوا هذا مُقبِلاً إِلى هذا بالسلاح المشهور، فضَرَبه هذا، فقد هُدر دمه، وإِن شهدوا أنهم رأوه داخلاً داره، ولم يذكروا سِلاحاً، لم يسقط القوَدَ بذلك، لأنه قد يدخل لحاجة، ومجرد الدخول المشهود به لا يوجب إِهدار دمه (٢).
هل يضمن ما أتلفته النار ؟
*مَن أوقدَ ناراً في داره كالمعتاد، فهبّت الريح، فأطارت شرارةً؛ أحرقَتْ نفساً أو مالاً؛ فلا ضمان عليه.
стр. 2330
في إِفساد زرْعِ الغير:
ولو سقَى أرضه سقياً زائداً على المعتاد، فأفسَد زَرْع غيره ضَمِن، فإِذا انصبَّ الماء مِنْ موضعٍ لا عِلْم له به؛ لم يضمن؛ حيث لم يَحدُث منه تعدٍّ.
في غرق السفينة:
مَنْ كان له سفينةٌ يعبر بها الناس ودوابّهم، فغَرِقت دون سبب مباشر منه؛ فلا ضمان عليه فيما تلف بها، فإِنْ كان غرقُها بسببٍ منه ضمن* (١).
ضمان الطبيب:
إِذا لم تكن درايةٌ بالطب للمرء، وتكلّف ذلك فعالجَ مريضاً، فآذاه أو أتلف شيئاً من بدنه؛ فإِنه ضامِنٌ مسؤول عما جنت يداه، والدِّيَة في ماله.
عن عبد الله بن عمرو ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: من تطبّبَ (٢) ولا يُعلَمُ منه طبّ فهو ضامن" (٣).
وعن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: "حدّثني بعض الوفد الذين قدِموا على أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : أيما طبيب تطبّب على قومٍ لا
стр. 2331
يُعرف له تطبُّبٌ قبل ذلك، فأعنَتَ (١)؛ فهو ضامن".
قال عبد العزيز: "أما إِنه ليس بالعَنَت، إِنما هو قطع العروق والبطّ (٢) والكي (٣) " (٤).
جاء في "سُبُل السلام" (٣/ ٤٧٢): "الحديث دليل على تضمين المتطبّب ما أتلفَه مِن نفسٍ فما دونها، سواء أصابَ بالسراية أو بالمباشرة، وسواء كان عمداً أو خطأ، وقد ادُّعي على هذا الإِجماع.
وفي "نهاية المجتهد" إِذا أعنَت -أي المتطبب- كان عليه الضرب والسجن، والدية في ماله، وقيل على العاقلة.
واعلم أن المتطبب هو من ليس له خِبرةٌ بالعلاج، وليس له شيخٌ معروف، والطبيب الحاذِق هو مَن له شيخ معروف؛ وَثِقَ مِنْ نفسه بجودة الصنعة وإحكام
стр. 2332
المعرفة (١).
قال ابن القيم في "الهدي النبوي": إِنّ الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمراً وسَرَدها هنالك.
قال: والطبيب الجاهل إِذا تعاطى عِلْم الطّبّ أو عَلمَه ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إِتلاف الأنفس، وأقدمَ بالتهور على ما لا يعلمه، فيكون قد غرّر بالعليل فيلزمه الضمان. وهذا إِجماعٌ من أهل العلم.
قال الخطّابي: لا أعلم خلافاً في أنّ المعالج إِذا تعدّى فتلفَ المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدٍّ، فإِذا تولّد مِنْ فِعْله التلف، ضَمِن الديَة وسقط عنه القَوَد؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إِذن المريض وجناية الطبيب؛ على قول عامّة أهل العِلم على عاقلته. انتهى.
وأمّا إِعنات الطبيب الحاذق؛ فإِنْ كان بالسراية لم يضمن اتفاقاً، لأنها سراية فِعْل مأذونٍ فيه مِن جهة الشرع، ومِن جهة المعالج، وهكذا سراية كلّ مأذونٍ فيه؛ لم يتعد الفاعل في سببه، كسراية الحد وسراية القِصاص عند الجمهور".
الحائط يقع على شخصٍ فيقتله:
إِذا بنى الرجُل في ملْكِه حائطاً مائلاً إِلى الطريق، أو إِلى ملك غيره، فتلف به شيء، وسقط على شيء فأتلَفَه؛ ضَمِنه؛ لأنه متعدٍّ بذلك، فإِنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملْك غيره، أو هواءٍ مشترك، ولأنه يُعرّضه للوقوع على غيره في غير ملكه.
قال في "المغني" (٩/ ٥٧١): "وهذا مذهب الشافعي ﵀ ولا
стр. 2333
أعلم فيه خلافاً".
ثمّ قال (ص ٥٧٢): "وإِنْ بناه في ملكه مستوياً ... فسقط مِن غير استهدام ولا ميل؛ فلا ضمانَ على صاحبه فيما تلِف به؛ لأنه لم يتعدَّ ببنائه، ولا حصَل منه تفريطٌ بإِبقائه".
ضمان حافر البئر:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العجماء جرحها جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخمس" (١).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (١٢/ ٢٥٥): "قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة، التي لا يُعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إِنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد.
وكذلك لو حفَر بئر في ملكه أو في موات، فوقع فيها إِنسان أو غيره فتلف، فلا ضمان إِذا لم يكن منه تسبب إِلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إِنساناً ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان.
وأمّا مَن حفر بئراً في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إِذن، فتلف بها إِنسان فإِنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفّارة في ماله.
وإِنْ تلف بها غير آدمي؛ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، والمراد بجرحها -وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في "النهاية" عن الأزهري- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإِتلافات ملحقة بها.
قال عياض وجماعة: إِنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على
стр. 2334
ما عداه، والحكم في جميع الإِتلاف بها سواء، سواءٌ كان على نفسٍ أو مال".
ضمان المعدن:
في الحديث المتقدّم: "والمعدن جُبار" والحُكم فيه ما تقدّم في البئر، فلو حَفَر معدناً في ملْكِه أو في موات؛ فوقع فيه شخص فمات، فدمه هدْر، وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له، فانهار عليه فمات (١).
من استؤجر على صعود شجرة فسقط منها:
ويُلحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل؛ كمن استُؤجر على صعود نخلةٍ، فسقط منها فمات (٢).
هل في أخْذ الطعام مِن غير إِذن ضمان ؟
عن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَحلُبنَّ أحد ماشية أمرئ بغير إِذنِه، أيحب أحدُكم أن تُؤتى مَشْرُبَتُه (٣) فتُكْسَرَ خِزانته فينتقل طعامه؟ فإِنما تَخزُن لهم ضُروعُ (٤) ماشِيتِهم أطعُماتِهم، فلا يحلُبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إِلا إِذنِه" (٥).
واختلف العلماء في هذا النهي وذكروا استثناءات مِن ذلك (٦):
стр. 2335
منها: حديث سمرة بن جندب ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: "إِذا أتى أحدكم على ماشية: فإِنْ كان فيها صاحبها فليستأذنْه، فإِن أَذِن له فليحْلِب وليشرب، فإِن لم يكن فيها فليُصَوِّت ثلاثاً، فإِن أجابه فليستأذنه، وإِلا فلَيحْتلِب وليشرب ولا يحمل" (١).
وكذلك حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذا أتَيْت على راعٍ، فناده ثلاث مرارٍ. فإِنْ أجابك، وإِلا فاشرب في غير أن تُفسد، وإِذا أتَيْت على حائط بُستان، فنادِ صاحب البُستان ثلاث مراتٍ، فإِنْ أجابك، وإِلا فكل في أن لا تُفسد" (٢).
وأيضاً؛ حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا مرّ أحدكم بحائط، فليأكل ولا يتخّذ خُبْنَةً (٣) " (٤).
والذي يترجّح لديّ:
١ - أنه يُراعَى فيما إِذا كان البستان عليه حائطٌ أو لا، وسمعْت من شيخنا ﵀ يقولُ به.
стр. 2336
٢ - وأنّ الأخْذ مِن غير إِذْنٍ يجوز؛ إِذا عَلِم أو رجّح طِيب نفسِ صاحب الطعام. ويفيدنا في ذلك قول الإمام البخاري ﵀ في كتاب "الأدبَ المفرد" (باب دالّة أهل الإِسلام بعضهم على بعض) ثم ذِكْر لأثر محمد بن زياد قال: "أدركت السَّلف، وإِنَّهم ليكونون في المنزل الواحد بأهاليهم، فربما نزل على بعضهم الضيف، وقِدْرُ أحدهم على النَّار، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه، فيفقد القِدرَ صاحَبُها، فيقول: من أخذ القِدر؟ فيقول صاحب الضيف: فحن أخذناها لضيفنا، فيقول صاحب القِدر. بارك الله لكم فيها أو كلمةً نحرها.
قال بقية: قال محمّد: والخبز إِذا خَبَزوا مثل ذلك، وليس بينهم إلاَّ جُدُرُ القَصبِ" (١).
٣ - وأنه يجوز للحاجة والضرورة: ويعود تقدير الحاجة والضرورة للمرء نفسه.
عن عباد بن شرحبيل ﵁ قال: "أصابتني سَنَة (٢)، فدخَلْتُ حائطاً من حيطان المدينة، ففركْتُ سنبلاً، فأكلْتُ وحملتُ في ثوبي، فجاء صاحبه، فضربني وأخَذ ثوبي.
فأتيتُ رسول الله ﷺ فقال له: ما علّمته إِذْ كان جاهلاً، ولا أطعمته إِذ كان ساغباً (٣) أو جائعاً، وأمَره، فردَّ عليّ ثوبي، وأعطاني وسْقاً (٤) أو نصف
стр. 2337
وسْقٍ من طعام" (١).
فعباد بن شرحبيل ﵁ قال: أصابتني سَنَة -أي: جدب- فدخل حائطاً من حيطان المدينة ... وقد لام النبيّ ﷺ صاحب الحائط، فقال له: " ... ولا أطعمته إِذْ كان ساغباً".
فهذا واجب متعيّن على القادر؛ أن يطعم الجائع، سواء أكان من الزكاة الواجبة أو الصدقة، أو فيما دخل في قاعدة "في المال حقٌّ سوى الزكاة".
وجاء في تمام النصِّ "وأعطاني وسْقاً أو نصف وسْقٍ من طعام" طرداً لجوعه وجبراً لخاطره، وتفريجاً لكربه.
وهذا كله شريطة عدم الإفساد والحمل واتخاذ الخبيئة، ففي هذه الحالة وبهذه الضوابط؛ لا يضمن ما أخَذه من طعام أو شراب.
ومن الأدلّة على عدم الضمان؛ أنّ النبي ﷺ لم يأمر المارّ على الماشية بعد أن يُصوّت؛ بضمان ما شَرِبه؛ لكن نهاه عن الحمل والإِفساد فحسب. والله -تعالى- أعلم.
وقد ورَد الضّمانُ في أَخْذ الطعام كما في النصّ الآتي:
عن عمير مولى آبي اللحم قال: "أقبلتُ مع سادتي نُريد الهجرة، حتى دَنَوْنا من المدينة، قال: فدخلوا المدينة وخَلَّفوني في ظهرهم، قال: فأصابني مجاعة شديدة، قال: فمرَّ بي بعض من يخرُجُ من المدينة فقالوا لي: لو دخَلْتَ المدينة فأصبْتَ من ثمرِ حوائطها، فدخلتُ حائطاً فقطعتُ منه قِنْوينِ (٢)
стр. 2338
فأتاني صاحبُ الحائط، فأتى بي إِلى رسول الله ﷺ وأخبَره خبري، وعليّ ثوبان،
فقال لي: "أيُّها أفضل؟ فأشَرْتُ له إِلى أحدهما، فقالك خُذْهُ، وأعطى صاحب الحائط الآخر، وخلّى سبيلي" (١).
قال شيخنا ﵀: "فيه دليلٌ على جواز الأكل من مال الغير بغير إِذنه عند الضرورة، مع وجوب البَدل. أفاده البيهقي.
قال الشوكاني: (٨/ ١٢٨): "فيه دليلٌ على تغريم السارق قيمة ما أخذه مما لا يجب فيه الحدّ، وعلى أنّ الحاجة لا تبيح الإِقدام على مال الغير مع وجود ما يمكن الانتفاع به، أو بقيمته، ولو كان مما تدعو حاجة الإِنسان إِليه، فإِنّه هنا أخذ أحدَ ثوبيه ودَفعَه إِلي صاحب النخل". انتهى.
قلت: وقطْع عمير قِنوين -وهما غصنان ذو شُعبٍ من الرُّطب- لا يدخل في المأذون فيه، مما سبق تَفصيله، فلزم من ذلك التغريم والله -تعالى- أعلم.
стр. 2339
القَسامة
стр. 2340
القَسامة (١)
القَسامة: هي مصدر أقسم قَسَماً وقَسَامة، وهي الأيمان تُقسَم على أولياء القتيل إِذا ادعوا الدم أو على المُدَّعَى عليهم الدم، وخُصّ القَسَم على الدم بلفظ القَسامة.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "القَسامة: هي في عرف الشرع حلف معيّن عن التّهمة بالقتل على الإِثبات أو النفي، وقيل: هي مأخوذة من قسمة الأيمان على الحالفين".
القَسامة في الجاهلية (٢):
عن ابن عباس ﵄ قال: "إِنّ أول قَسامةٍ كانت في الجاهلية لَفِينا بني هاشم.
كان رجل من بني هاشم؛ استأجرهُ رجل من قريش من فَخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إِبله، فمرّ به رجل من بني هاشم قد انقطعتْ عُروة جُوالقِهِ (٣) فقال: أغِثني بعقال أشد به عروة جُوالقي لا تنفر الإِبل، فأعطاه عقالاً فشدَّ به عروة جُوالَقه، فلما نزلوا عُقِلَتِ الإِبل إِلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما
стр. 2341
شأن هذا البعير لم يُعقَلْ من بين الإِبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عِقالهُ؟ قال: فحذَفَهُ (١) بعصاً كان فيها أجله.
فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربَّما شهدته، قال: هل أنت مُبْلِغٌ عني رسالة مرةً من الدهر؟ قال: نعم، قال فكتب: إِذا أنت شهدتَ الموسم فنادِ يا آل قريش، فإِذا أجابوك فنادِ يا آل بني هاشم، فإِنْ أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبِره أن فلاناً قَتَلَني في عقال.
ومات المستأجر فلمّا قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعَل صاحِبُنا؟ قال: مرض فأحسنتُ القِيام عليه، فوليتُ دَفنَه، قال: قد كان أهل ذلك منك.
فمكَث حِيناً ثمّ إِن الرجل الذي أوصى إِليه أن يُبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلِغك رسالة أنّ فلاناً قتَلهُ في عقال.
فأتاهُ أبو طالب فقال له: اختر منّا إِحدى ثلاث: إِن شئت أن تؤدي مائةً من الإبل؛ فإِنك قتَلْت صاحبنا، وإنْ شئت حلَف خمسون من قومك؛ إِنك لم تقتله، وإِن أبيتَ قتلناك به، فأتى قومه فقالوا نحلِف.
فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا
стр. 2342
أبا طالب أحبُّ أن تجِيزَ ابني هذا برجل من الخمسين ولا تُصبِر (١) يمينَه حيث تُصبَر الأيمان (٢)، ففعل.
فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردتَ خمسين رجلاً أن يَحلِفوا مكان مائةٍ من الإِبل، يصيبُ كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما منّى ولا يصبر يميني؛ حيث تُصْبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول (٣) ومن الثمانية وأربعين عينٌ تَطرِفُ (٤) " (٥).
وعن سليمان بن يَسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ عن رجل من أصحاب رسول الله من الأنصار: "أنّ رسول الله ﷺ أقَرّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية" (٦).
بيان صورة القَسامَة:
*صورة القَسامة أن يوجدَ قتيلٌ وادعى وليّه على رجلٍ، أو على جماعةٍ
стр. 2343
وعليهم لوثٌ ظاهر. واللوث: ما يَغلب على القلب صدق المدّعي، بأن وجد فيما بين قوم أعداء لا يخالطهم غيرُهم، كقتيل خيبر وُجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين أهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعةٌ في بيت أو صحراء وتفرقوا عن قتيل، أو وُجد في ناحية قتيلٌ وثمّ رجل مختضب بدمه، أو يشهد عدل واحد على أن فلاناً قتَله* (١).
فيحلف أولياء المقتول خمسين يميناً، أن ذلك الخاصم هو الذي قتلَه ويستحقون دمه.
فإِن أبَوا القَسم؛ ردّ ذلك إِلى أولياء المدَّعَى عليه بالقتل، فيحلفون خمسين يميناً على نفي القتل، فإِن حلفوا؛ لم يُطالبوا بالدِّية، وإن أبَوا؛ وجبت الدية عليهم.
وإذا لم يتمكن الوالي مِن تمحيص الأمر -لالتباس أو غموض- كأن يأبى أولياء المدعي أيمان أولياء المدعي عليه- كانت الدية مِن بيت مال المسلمين.
ودليل ذلك ما رواه رافع بن خَديج وسهل بن أبي حَثْمة: "أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النّخل، فقُتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحوَيِّصة ومحيِّصة ابنا مسعود إِلى النبي ﷺ فتكلموا في أمرِ صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي ﷺ : كبِّر الكُبْرَ.
قال يحيى: لِيليَ الكلام الأكبر، فتكلموا في أمرَ صاحبهم، فقال النبي ﷺ : أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال:- صاحبَكم- بأيمان خمسين منكم.
стр. 2344
[وفي رواية لمسلم: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع برُمّته (١)].
قالوا يا رسول الله، أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم: قالوا: يا رسول الله، قومٌ كفّارٌ: فوَداهم (٢) رسول الله ﷺ مِن قِبَله.
قال سهل فأدركت ناقة من تلك، فدخلت مِربداً (٣) لهم، فركضتني (٤) برجلها" (٥).
الردّ على من يقول بعدم مشروعيّة القَسامة:
عن أبي قلابة "أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريرَه يوماً للناس، ثمّ أذِنَ لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القَسامة؟ قالوا: نقول القسامة القَوَد بها حقّ وقد أقادَت بها الخلفاء.
قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونَصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، عندَك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه أكنت ترجمه؟ قال: لا،
стр. 2345
قلتُ: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سَرق أكنت تَقطعُه ولم يَرَوه؟ قال: لا" (١).
فقد ورَد في هذا الأثر؛ أنّ القَسامة القَوَد بها حقٌّ، وقد أقادَت بها الخلفاء.
وأمّا قول أبي قلابة ﵀: "أرأيتَ لو أن خمسين منهم، شهدوا على رجل مُحصَن بدمشق أنه قد زنى ولم يرَوْه؛ أكنت ترجمه؟ ".
فالجواب عنه؛ أنّ أحكام القَسامة تختلف عن أحكام حدّ الزنى والسرقة، والقياس هنا باطل، إِذ لكل شيءٍ حُكمه وبيانه.
وأيضاً؛ هؤلاء شهدوا على رجل أنه قد زنى ولم يَرَوه، وعلم الأمير أنهم لم يَروه، فلا يأخذ بقولهم فتنَبَّهْ -رحمني الله وإياك- إِلى قوله: (ولم يَروه) فعدم الرؤية متحقّقة متيقّنة، بخلاف القَسامة التي يمكن تحقُّق ذلك من قِبَل بَعضهم، ومن كذَب منهم فعليه كذبه.
لكن لو سأله عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: لو جاءك خمسون شهدوا على رجل أنه سَرق أكنت تَقطعُه؟ فماذا يجيبه؟
وحسْبُنا أنه قد تقدّم حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وفيه قول النبي ﷺ : أتستَحِقون قتيلَكم -أو قال: صاحبَكم بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله؛ أمرٌ لم نرَه قال: فتُبرِؤكم يهود في أيمان خمسين منهم ... ".
قال الحافظ ﵀ عقب هذا الحديث: "وفي حديث الباب من
стр. 2346
الفوائد مشروعية القَسامة، قال القاضي عياض: هذا الحديث أصْلٌ من أصول الشرع وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكن من أركان مصالح العباد، وبه أخَذ كافَّة الأئمّة والسلف؛ من الصَحابة والتابعين وعلماء الأمّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإِن اختلفوا في صورة الأخذ به.
ورُوِيَ التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القَسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حُكماً، وهذا مَذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإِبراهيم بن علية، وإِليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، قلت: هذا ينافي ما صدَّر به كلامه أن كافّة الأئمّة أخَذوا بها" انتهى كلام الحافظ -رحمه الله تعالى-.
قلت: وتوقّف بعضهم لا ينافي ثبوت هذا الحُكم، فحسبُنا قضاء النبي ﷺ بذلك، وعمل السلف من الخلفاء والصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار. وبالله التوفيق.
وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٤٨٠): بعد الحديث المشار إِليه-: "اعلم أنّ هذا الحديث أصْلٌ كبير في ثبوت القَسامة عند القائلين بها، وهم الجماهير؛ فإِنهم أثبتوها وبيّنوا أحكامها".
وجاء أيضاً في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن أهل قريتين بينهما عداوة في الاعتقاد، وخاصَم رجل آخر في غنم ضاعت له، وقال: ما يكون عِوَض هذا إِلا رقبتك، ثم وجد هذا مقتولاً، وأثر الدم أقرب إِلى القرية التي منها المتهم، وذكر رجل له قتْله؟
فأجاب: إِذا حلَف أولياء المقتول خمسين يميناً، أنّ ذلك المخاصِم هو الذي
стр. 2347
قَتلَه حُكِم لهم بدمه؛ وبراءة من سواه، فإِنما بينهما من العداوة والخصومة والوعيد بالقتل وأثَر الدم، وغير ذلك لوْث وقرينة وأمارة على أن هذا المتهم هو الذي قتَله، فإِذا حلفوا مع ذلك أيمان القَسامة الشرعية استحقوا دم المتهم، وسلم إليهم برُمّتة (١)، كما قضى بذلك رسول الله ﷺ في قصية الذي قُتل بخيبر".
هل في قتل الخطأ قَسامة ؟
اختلف العلماء فيما إِذا كان القتل خطأ؛ هل تشرع فيه القسامة!
والراجح أنّ القَسامة في قَتْل العمد دون الخطأ، لأنّ النصّ قد وَرَد في قتل العمد؛ لا في الخطأ.
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٤): "وسئل ﵀ عن رجل تخاصَم مع شخص، فراح إِلى بيته، فحصَل له ضعف، فلمّا قارب الوفاة أشهد على نفسه أنّ قاتله فلان، فقيل له كيف قتَلَك؟ فلم يذكر شيئاً، فهل يلزمه شيء، أم لا؟ وليس بهذا المريض أثرُ قتْلٍ ولا ضربٍ أصْلاً، وقد شهِد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعَل به شيئاً؟
فأجاب: أمّا بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإِجماع المسلمين؛ بل إِنما يجب على المدَّعى عليه اليمين بنفي ما ادعى عليه، إِمّا يمين واحد عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة وأحمد، وإِمّا خمسون يميناً: كقول الشافعي.
стр. 2348
والعلماء قد تنازعوا في الرجل إِذا كان به أثر القتل -كجرح أو أثر ضرْب- فقال: فلان ضرَبني عمداً: هل يكون ذلك لوثاً؟ فقال أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد: ليس بلوث؛ وقال مالك: هو لوث.
فإِذا حلَف أولياء الدم خمسين يميناً حُكم به، ولو كان القتل خطأ فلا قَسامة فيه في أصح الروايتين عن مالك، وهذه الصورة قيل: لم تكن خطأ، فكيف وليس به أثرُ قتْل، وقد شهِد الناس بما شَهدوا به، فهذه الصورة ليس فيه قَسامة بلا ريب على مذهب الأئمّة".
وجاء في "المغني" (١٠/ ٩): " ... أن يزدحم الناسُ في مضيق؛ فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث؛ فإِنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة؛ فدِيَتُه في بيت المال وهذا قول إسحاق ...
قال أحمد: فيمن وُجد مقتولاً في المسجد الحرام؛ يُنظر مَن كان بينه وبينه شيء في حياته -يعني: عداوة- يؤخذون فلم يجعل الحضور لوثاً، وإنما جعلَ اللوث العداوة ... ".
هل يُضرب المتهم ليُقرّ ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٤/ ١٥٤): "وسئل عمن اتُّهم بقتيل: فهل يُضرَب ليقرّ؟ أم لا؟
فأجاب: إِنْ كان هناك لوث -وهو ما يغلِب على الظن أنه قتَله- جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يميناً ويستحقّون دمه.
وأمّا ضرْبُه ليقرّ فلا يجوز إِلا مع القرائن التي تدُلّ على أنه قتَله، فإِنّ بعض العلماء جوّز تقريره بالضرب في هذه الحال، وبعضهم منَع مِن ذلك مطلقاً".
стр. 2349
قلت: قد ورَد في هذا أثرٌ عن النعمان بن بشير ﵁: "أنه رُفع إِليه نفر من الكلاعيين، أن حاكةً سرقوا متاعاً فحبَسهم أياماً، ثم خلّى سبيلَهم فأتوه فقالوا: خلّيتَ سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرْب؟ فقال النعمان: ما شئتم إِنْ شئْتم أضربهم، فإِنْ أخرَج الله متاعكم فذاك، وإِلا أخذْتُ مِن ظهوركم مثلَه؟
قالوا: هذا حُكمك، قال: هذا حُكْم الله ورسوله ﷺ " (١).