← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

﴿يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لا يُكْلَم (٢) أحدٌ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلَمُ في سبيله- إلاّ جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك" (٣). وعن مسروق قال: "سألنا عبد الله- هو ابن مسعود- عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أمَا إنّا قد سأَلنْا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جَوف طيرٍ خُضْر، لها قناديلُ مُعلَّقة بالعرش، تَسرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلما تلك القناديل، فاطلَع إليهم ربهم اطِّلاعَة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلمّا رأوا أنهم لن يُترَكوا مِن أن يسألوا؟ قالوا يا ربّ نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتَل في سبيلك مرّة أخرى، فلمّا رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا" (٤). وعن عبادةَ بن الصامت ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "للشهيد

стр. 2417

عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويُجار من عذاب القبر، ويَأمن الفَزع الأكبر، ويُحلّى حِلية الإيمان، ويُزوّج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه" (١). وعن رجلٍ من أصحاب النبى ﷺ : "أنّ رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلاّ الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف (٢) على رأسه فتنة" (٣). وعن ابن عمر ﵄ " أنّ النبيّ مرَّ بخِباء (٤) أعرابي، وهو في أصحابه يريدون الغزو، فرفَع الأعرابي ناحيةً مِن الخِباء، فقال: من القوم؟ فقيل: رسول الله ﷺ وأصحابه يُريدون الغزو، فقال: هل مِن عرَض الدنيا يصيبون؟ قيل له: نعم، يصيبون الغنائم، ثمّ تُقسَّم بين المسلمين. فعمد إلى بَكْر (٥) له فاعتقله (٦)، وسار معهم فجعل يدنو ببَكْره إلى رسول الله ﷺ ، وجَعل أصحابه يذودون بَكْره عنه، فقال رسول الله ﷺ : دعوا لي النجدي، فوالذي نفسي بيده؛ إنه لمن ملوك الجنّة.

стр. 2418

قال: فلقوا العدو، فاستشهد، فأُخبر بذلك النبيّ ﷺ ، فأتاه فقعَد عند رأسه مستبشراً -أو قال: مسروراً- يضحك، ثمّ أعرض عنه. فقلنا: يا رسول الله! رأيناك مُستبشِراً تضحك، ثمّ أعرضْتَ عنه؟ فقال: أمّا ما رأيتم مِن استبشاري -أو قال من سروري-، فلِما رأيتُ مِن كرامة روحِهِ على الله ، وأمّا إعراضي عنه؛ فإنّ زوجته من الحور العين الآن عند رأسه" (١). وعن مجاهد عن يزيد بن شجرة -وكان يزيد بن شجرة ممن يصدق قوله فعله-[قال:] خطبنا فقال: "يا أيها النّاس، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن نعمة الله عليكم، تُرى مِن بين أخضر وأحمر وأصفر، وفي الرحال (٢) ما فيها. وكان يقول: إذا صفَّ النّاس للصلاة، وصفَّوا للقتال، فُتِحتْ أبوابُ السماء وأبوابُ الجنةِ، وغُلّقت أبواب النار، وزيِّن الحور العين واطّلعن، فإذا أقبل الرجل قلن: اللهم انصره، وإذا أدبر احتَجَبْنَ منه، وقُلن: اللهم اغفر له، فانهكوا وجوه القوم فدىً لكم أبي وأمي، ولا تخزوا الحور العين؛ فإن أول قطرة تنضح من دمِه؛ يُكفّر عنه كل شيء عَمِلَه، وتنزل إليه زوجتان من الحور العين، يمسحان التراب عن وجهه، ويقولان: قد أنى (٣) لك، ويقول: قد أنى لكما، ثمّ يُكسى مائة حُلّةٍ، ليس من نسيج بني آدم، ولكن من نَبْتِ الجنةِ، لو وضعْنَ بين أصبعين لوسعن. وكان يقول: نبئتُ (٤) أن السيوف مفاتيح الجنّة" (٥).

стр. 2419

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه سأَل جبرائيل عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١). مَن الذين لم يشأ الله أن يصعَقَهم؟ قال: هم شهداء الله" (٢). فضل الرباط في سبيل الله -تعالى - عن سلمان ﵁ قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "رباط يومٍ وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقُهُ (٣)، وأمِن الفتّان (٤) " (٥). وعن فَضالة بن عبيد: أن رسول الله ﷺ قال: "كل ميتٍ يُختم على عمله، إلاَّ المرابط، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمّنُ من فتّان القبر" (٦).

стр. 2420

وعن أبي هريرة ﵁: "أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثمّ قيل: لا بأس، فانصرف النّاس وأبو هريرة واقفٌ، فمرّ به إنسان، فقال: ما يُوقفُك يا أبا هريرة! قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: موقفُ ساعة في سبيل الله؛ خير من قيام ليلة القدر، عند الحجر الأسود" (١). وعن عثمانَ بنِ عفان ﵁ قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله؛ خيرٌ من ألف يوم فيما سواه من المنازل" (٢). فضل الرمي بنيّة الجهاد والتحريض عليه عن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي" (٣). وعن عقبةَ بن عامر ﵁ أيضاً- قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "ستُفتح عليكم أرضون، ويَكفيكم الله، فلا يَعجَزْ أحدكم أن يلهو بأسهمه" (٤).

стр. 2421

وعن سلمةَ بن الأكوع ﵁ قال: "مرّ النبيّ ﷺ على نفرٍ مِن أسلَم ينتضلون (١)، فقال النبيّ ﷺ : ارموا بني إسماعيل، فإنّ أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسَك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبى ﷺ : ارموا فأنا معكم كُلِّكُم" (٢). اللهو بأدوات الحرب (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينا الحبشة يلعبون عند النبي ﷺ بحرابهم، دخَل عمر فأهوى إلى الحصى فحَصَبَهم (٤) بها، فقال: دعهم يا عمر" (٥). إثم مَن تعلّم الرمي ثمّ تَركه (٦) عن عقبَة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن عَلِمَ الرمي ثمّ تركه؛ فليس منّا، أو قد عصى" (٧).

стр. 2422

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ ، قال: "مَن تعلّم الرمي ثمّ نسيَهُ، فهي نعمة جحَدها" (١). فضل احتباس الخيل للجهاد في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن احتبسَ فرساً في سبيل الله؛ إيماناً بالله وتصديقاً بوعده (٢)، فإنّ شِبَعَهُ (٣) ورِيَّهُ (٤) ورَوثَه وبولَه؛ في ميزانه يوم القيامة" (٥). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخيل معقود (٦) في نواصيها (٧) الخير إلى يوم القيامة" (٨). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن فرس عربي؛ إلاَّ يُؤذَن له عند كل سحَر، بكلمات يدعو بهنّ: اللهم خوّلتَني (٩) من بني آدم،

стр. 2423

وجعلتني له، فاجعلني أحبّ أهله ومالِه، أو مِن أحبِّ أهله ومالِه إليه" (١). فضل النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أنفَق زوجين في سبيل الله، دعاه خَزَنَة الجنّة -كُلُّ خَزَنةِ باب - أي فُل (٣)، هلُمَّ" قال أبو بكر: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى (٤) عليه، فقال النبي ﷺ : "إني لأرجو أن تكون منهم" (٥). وفي رواية: "مَن أنفق زوجين في سبيل الله مِن ماله؛ دعتهُ حَجَبَة الجنّة: أي فُلُ، هَلُمّ! هذا خيرٌ -مراراً-، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الذي لا تَوَى عليه، فقال رسول الله ﷺ : أما إنّي أرجو أن تدعوك الحجَبة كلها" (٦). وعن زيد بن خالد ﵁ أنّ رسول الله قال: "مَن جهَّز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَف غازياً في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا" (٧).

стр. 2424

عن خريم بن فاتك ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبعُ مائة ضعف" (١). وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "جاء رجل بناقة مخطومة (٢)، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلّها مخطومة" (٣). أجر الشهادة بالنيّة لمن لم يستطع الجهاد عن سهل بن حُنيف أن النبيّ ﷺ قال: "مَن سأَل الله الشهادة بصِدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإنْ مات على فراشه" (٤). وعن أنس ﵁ "أنّ النبيّ ﷺ كان في غزاة، فقال: إنّ أقواماً بالمدينة خَلفَنا، ما سلَكْنا شِعباً ولا وادياً إلاّ وهم معنا فيه، حَبَسهُم العُذر" (٥). من صفات القائد ١ - أن يُعرَف بالورع والتقوى، والائتمار بما أمَرَ الله به، والانتهاء عمّا نهى الله عنه.

стр. 2425

٢ - أن يكون من أهل الخِبرة في الأمور العسكرية وميادين القتال. ٣ - أن يُشهد له بالجرأة والشجاعة، عن أبي اسحاق قال: قال رجلٌ للبراء بن عازب ﵄: "أفررتم عن رسول الله ﷺ يومَ حُنين، قال: لكنَّ رسولَ الله ﷺ لم يفرّ، إنَّ هوازن كانوا قوماً رُماةً، وإنَّا لمَّا لقِيناهم حَمَلْنا عليهم فانهزموا، فأَقْبَل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسِّهام، فأما رسول الله ﷺ فلم يفِرّ، فلقد رأيتُه، وإنّه لعلى بغلته البيضاء، وإنّ أبا سفيانَ (١) آخِذٌ بلجامها، والنبيُّ ﷺ يقول: "أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابن عبد المطَّلِب" (٢). قال ابن كثير ﵀ (٣): "وهذا في غاية ما يكون مِن الشجاعة التامَّة، إنّه في مِثْل هذا اليوم في حَوْمة الوغى، وقد انكشَفَ عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعةَ الجري، ولا تصلُح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهَرَبٍ، وهو مع هذا أيضاً يُركِضها إلى وجوههم، ويُنَوِّه باسمه، ليعرفه مَن لم يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يومِ الدين- وما هذا كلُّه إلاَّ ثقةً بالله، وتوكُّلاً عليه، وعِلماً منه بأنه سينصره، ويتمُّ ما أرسَلَه به، ويُظهِرُ دينَه على سائر الأديان". قال الإمام أحمد ﵀: "لا يُعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا ْعُرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنمّا يغزو مع مَن له شَفَقة وحيطةٌ على المسلمين" (٤).

стр. 2426

٤ - أن يُشهَد له بالصبر والجلد والحكمة. ٥ - أن يكون ذا فطنة وبديهة، حتى يُحسِن التصرف عند الشدّة، وهذه الصفات يتفاوت قدر تحقّقها في النّاس فيُسعى إلى أفضل الموجود؛ وذلك لتحقيق أفضل الخيرين، ما أمكن ذلك. قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٢٥٣): "فالقُوَّةُ في إمارة الحرب تَرْجِع إلى شجاعة القلب، وإلى الخِبرة بالحروب، والمخادَعة فيها؛ فإنَّ الحرب خَدْعَة، وإلى القدرة على أنواع القتال: مِنْ رميٍ وَطعْنٍ وضَرْبٍ، ورُكوبٍ، وكَرٍّ، وفرٍّ، ونحوِ ذلك؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١) ". من وصايا رسول الله ﷺ إلى قُوّاده عن أبي موسى ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بَعَث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: بشِّروا ولا تُنفِّروا، ويسِّروا ولا تُعسِّروا" (٢). وفي رواية: "أنّ النبيّ ﷺ بَعَثه ومُعاذاً إلى اليمن فقال: "يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا وتطاوَعا ولا تختلفا" (٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: "أن رسول الله ﷺ في بعض

стр. 2427

أيامه التي لقي فيها العدو، انتظَر حتى مالت الشمس، ثمّ قام في النّاس فقال: "لا تمَنَّوا لقاء العدو وسَلُوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف، ثمّ قال: اللهمّ مُنْزِلَ الكتاب، ومجُريَ السحاب، وهازِمَ الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم" (١). وعن عليّ ﵁ قال: "بعثَ النبيّ ﷺ سريّةً وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغَضِب عليهم، وقال: أليس قد أَمَرَ النبيُّ ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعتم حطبا وأوقدتم ناراً ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطباً فأوقدوا، فلما همّوا بالدخول؛ فقام ينظُر بعضهم إلى بعض، قال: بعضهم إنما تَبِعْنا النبيّ ﷺ فراراً مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك؛ إذ خَمَدت النار، وسكَنَ غضبه، فُذكر للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنّما الطاعة في المعروف" (٢). وعن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ ، إذا أمّرَ أميراً على جيش أو سريَّة (٣) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خير اً. ثمَّ

стр. 2428

قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتِلوا مَن كَفر بالله. اغْزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تَمْثُلوا (١) ولا تَقْتُلُوا وليداً (٢). وإذا لقيتَ عدوّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ (أو خِلال). فأيّتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادعهم إلى التَحُّول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبِرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أن يجاهدوا مع المسلمين. فإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم. فإنْ هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهل حِصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمّة الله (٣) وذِمّة نبيّه، فلا تجعل لهم ذِمّة الله ولا ذِمّة نبيّه. ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك فإنكم أنْ تُخفِروا (٤) ذممكم وذِمَم أصحابكم، أهون مِن أنْ تُخفِروا ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله، وإذا حاصرتَ أهل حِصنٍ

стр. 2429

فأرادوك أن تُنزِلهم على حُكم الله؛ فلا تَنزِلْهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا" (١). ما يجب على أمير الجيش أو قائده (٢) ١ - يجب على القائد أن يشاور أهل الرأي، لقول الله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرهُم في الأَمر﴾ (٣). ولما ثَبَت عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ شاور حين بَلَغه إقبالُ أبي سفيان قال: فتكلَّم أبو بكر فأعرَض عنه، ثمّ تكلَّم عمر فأعرَض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أَمَرتنا أن نُخيضَها البحر لأخَضناها، ولو أَمَرْتنا أن نضرِب أكبادها (٤) إلى بَرْك (٥) الغِماد لفَعَلنا، قال: فندَب رسول الله ﷺ النّاس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا" (٦).

стр. 2430

وعن ابن عباس -رضي الله- عنهما- قال: "قدم عيينةُ بن حِصن بن حذيفة فنزَل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس، وكان من النّفر الذين يُدنِيهم عمر، وكيان القُرّاء أصحابَ مجالس عمر ومُشاورته كهولاً (١) كانوا أو شُبّاناً ... " (٢). واستشار رسول الله ﷺ أبا بكرٍ وعمر ﵄ في أُسارى بدر. فعن ابن عباس ﵄ قال: "لمّا أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " (٣). وقال قتادة: "ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله؛ إلاَّ هدوا لأرشد أمورهم". ٢ - الرفق بهم والاجتهاد والنصح لهم. عن عائشة ﵂ قالت: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "اللهمّ مَن ولِيَ مِن أمر أُمتي شيئاً فَشَقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أُمّتي شيئاً فرَفَق بهم، فارفُق به" (٤). وعن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتَخلّف في المسير

стр. 2431

فيُزْجي (١) الضعيف، ويُرْدِفُ (٢) ويدعو لهم" (٣). وعن مَعْقِل بن يَسار ﵁ قال: سمعْتُ النبيّ ﷺ يقول: "ما مِنْ عبدِ استرعاه الله رَعيّة، فلم يَحُطها بنصيحة؛ إلاّ لم يَجِد رائحة الجنَّة" (٤). وفي رواية: "ما من والٍ يلي رعيّةً من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم؛ إلاَّ حرّم اللهُ عليه الجنّة" (٥). وفي لفظ: "ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثمّ لا يَجْتَهد لهم وينصح؛ إلاَّ لم يدخُل معهم الجنَّة" (٦). ٣ - عقد الألوية والرايات، وذلك لاسترداد ما اغتُصِب من ديار المسلمين، وتحقيق الفتوحات؛ لنشر التوحيد والدعوة إلى الله -تعالى- وإخراج النّاس مِن الظُلمات إلى النور بإذن الله -سبحانه-. عن ابن عباس ﵄ قال: "كان لواءُ رسولِ الله ﷺ أبيض

стр. 2432

ورايته سوداء" (١). وعن عطاء بن أبي رباح قال: كنت مع عبد الله بن عمر فأتاه فتى يسأله عن إسدال العمامة، [فذكر الحديث إلى أن قال]: " ... ثمّ أمر (٢) عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية بعثه عليها، وأصبح عبد الرحمن قد اعتمّ بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه النبيّ ﷺ ، ثمّ نقضه وعمّمه بعمامة بيضاء، وأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحو ذلك، وقال: هكذا يا ابن عوف اعتمّ فإنه أعرب وأحسن، ثمّ أمَر النبيّ ﷺ بلالاً أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلى على النبيّ ﷺ ثمّ قال: خذ ابن عوف؛ فاغزوا جميعاً في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفَر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً، فهذا عهد الله وسيرة نبيه ﷺ " (٣). ٤ - تخيُّر المنازل المُلائمة للقتال والمواقع الصالحة لذلك. ٥ - أن يكون على دراية بأحوال الجنود، * فلا يستصحب الأمير معه مُخَذِّلاً، وهو الذي يُثبِّط النّاس عن الغزو، ويُزهِّدهُم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مِثل أنْ يقول: الحرُّ أو البردُ شديدٌ، والمشقَّة شديدة، ولا

стр. 2433

تُؤمَنُ هزيمةُ هذا الجيش. وأشْباه هذا، ولا مُرجِفاً، وهو الذي: يقول هَلَكَت سريَّةُ المسلمين، وما لَهم مدَدٌ، ولا طاقة لهم بالكُفَّار، والكفّار لهم قوّةٌ ومَدَدٌ وصبرٌ، ولا يَثبُتُ لهم أحدٌ، ونحو هذا. ولا مَن يُعين على المسلمين بالتّجسُُّس للكفَّار، وإطْلاعِهم على عَوْراتِ المسلمين، ومُكاتَبَتِهم بأخبارهم، ودلالتِهم على عَوْراتِهم، أو إيوَاءِ جواسيسهم. ولا مَن يُوقِعُ العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد، لقول الله -تعالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ (١) وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا (٢) وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (٣)﴾ (٤). ولأنّ هؤلاء مضرّةٌ على المسلمين، فيلزَمهُ مَنعُهُم"* (٥).

стр. 2434

ذكر ما يُستحَبّ للإمام أن يستعين بالله -جلّ وعلا- على قتال الأعداء إذا عزَم على ذلك (١) عن صهيبٍ ﵁ قال: "كان إذا صلّى هَمس ... [وذكر الحديث إلى أن قال:] فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك" (٣). الاستنصار بالضعفاء: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم عن مصعب بن سعد قال: "رأى سعدٌ ﵁ أنّ له فضلاً على مَن دونه (٤)، فقال النبيّ ﷺ : هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم" (٥). وفي لفظ: "إنّما يَنْصُر الله هذه الأُمّة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" (٦). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:

стр. 2435

أُبغوني (١) الضعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعفائكم" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "رُبَّ أَشْعَثَ (٣) مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ" (٤). وقال الإمام البخاري ﵀: (باب من استعَان بالضعفاء والصالحين في الحرب) (٥). ثم قال: وقال ابن عباس: "أخبرني أبو سفيان قال لي قيصر: سألتك أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤُهم؟ فزعمْتَ ضعفاءَهم، وهم أتباع الرُّسل" (٦). جواز تخلّفِ الإمام عن السرية لمصلحة (٧) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "انتدَب الله لمن خرَج في سبيله، لا يُخْرجه إلاَّ إيمان بي وتصديق برُسُلي، أن أُرجِعه بما نال من أجرٍ

стр. 2436

أو غنيمة، أو أُدخِلَه الجنّة، ولولا أن أشقّ على أمّتي، ما قَعَدْتُ خلف سريّة، ولوددت أنّي أُقتَل في سبيل الله، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل، ثمّ أُحيا، ثمّ أُقتل" (١). إذا طلَب الإمام قَتْلَ رجل عن عبد الله بن أنيس الجهني ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَن لي بخالد بن نبيح؟ رجل من هذيل -وهو يومئذ قبل عرفة بعرنة- قال عبد الله بن أُنيس: أنا يا رسول الله، انعَتْه لي، قال: إذا رأيته هِبته، قال: يا رسول الله والذي بعثَك بالحق ما هِبْت شيئاً قطّ. قال: فخَرج عبدُ الله بنُ أُنيس حتى أتى جبال عرفة قبل أن تغيب الشمس، قال عبد الله: فلقيتُ رجلاً، فرعبْتُ منه حين رأيتُه، فعرفْتُ حين رعبت منه أنه ما قال رسول الله ﷺ ، فقال لي: مَن الرجل؟ فقلت: باغي حاجة، هل من مبيت؟ قال: نعم، فالحْقْ، فَرُحتُ في أثره، فصليت العصر ركعتين خفيفتين، وأشفقت أن يراني، ثمّ لحقْتُه، فضربتُه بالسيف، ثمّ خرجْتُ، فأتيتُ رسول الله ﷺ ، فأخبرتُه. قال محمّد بن كعب: فأعطاه رسول الله ﷺ مخِصرة (٢)، فقال: تخصّر بهذه حتى تلقاني، وأقلّ النّاس المتخصّرون، قال محمّد بن كعب: فلمّا تُوفي عبد الله بن أُنيس أُمِر بها فوُضِعت على بطنه وكُفّن، ودُفن ودُفِنت معه" (٣).

стр. 2437

وفي رواية: "دعاه رسول الله ﷺ فقال: إنّه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي جَمع لي النّاس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعُرنة فأتِه فاقتُله، قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفَه، قال: آيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجَدْت له قُشَعْريرةً. قال: فخرجت متوشِّحاً بسيفي حتى دفعْتُ إليه، وهو في ظعنٍ يرتاد لهنَّ منزلاً، حتى كان وقت العصر، فلمّا رأيْته وجدْتُ ما وَصَفَ لي رسول الله ﷺ من الاقشعريرة. فأخذْتُ نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه، وأُومئ برأسي، فلمّا انتهيت إليه، قال: ممّن الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك، قال: فقال: إنَّا في ذلك. فمشيتُ معه شيئاً حتى إذا أمكنني حَمَلْتُ عليه بالسيف حتى أقتله، ثمّ خرجْتُ وتركْت ظعائنه (١) مُنكَبّاتٍ عليه، فلمّا قدمتُ على رسول الله ﷺ ورآني، قال: قد أفلح الوجه، قلت: قتلْتُه يا رسول الله، قال: صدقْتَ. قال: ثمّ قام معي رسول الله ﷺ ، فأدخلني بيته وأعطاني عصاً، فقال: أمسِك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أُنيس، قال: فخرجتُ بها على النّاس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلتُ: أعطانيها رسول الله ﷺ ، وأمَرني أن أمسِكها، قالوا:

стр. 2438

أفلا ترجعُ إلى رسول الله ﷺ ، فتسأله لِمَ ذلك؟ قال: فرجعْت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا، قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقلّ النّاس المتخصرون يومئذ، فَقَرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أُمِر بها، فضُمّت معه في كفنه، ثمّ دُفِنا جميعاً﴾ (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ -مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله، فقام محمّد بن مَسْلَمة فقال: يا رسول الله أتُحِبّ أنْ أقتله؟ قال: نعم، قال: فأذَنْ ليِ أن أقول شيئاً (٢). قال: قُلْ. فأتاه محمّد بن مَسلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صَدَقةً، وإنه قد عنّانا (٣) وإني قد أتيتك أستَسلِفك (٤) قال: وأيضاً (٥) والله لتملُّنَّه (٦)، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تُسلِفنا وَسْقاً (٧) أو

стр. 2439

وَسْقَين -وحدثنا عمرو غير مرّة فلم يذكر وَسْقاً أو وَسْقين- فقلت له: فيه وسْقاً أو وَسْقين فقال: أرى فيه وسْقاً أو وسْقين، فقال: نعم ارهَنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال ارهَنوني نساءكم، قالوا كيفَ نَرْهَنُك نساءَنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهَنوني أبناءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك أبناءَنا فَيُسَبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بوسْق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكنّا نرهنك اللأمة، قال سفيان يعني: السلاح. فواعَدَه أن يأتيه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب مِن الرضاعة- فدعاهم إلى الحِصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمّد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمّد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة بليلٍ لأجاب. قال: ويُدخِلُ محمّد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمّى بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، قال عمرو: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائل (١) بشعره، فأشمَّه فإذا رأيتموني استمكنْتُ مِن رأسه؛ فدونكم فاضربوه، وقال مرّةً ثمّ أُشِمُّكم. فنزل إليهم متوشحاً (٢) وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً -أي أطيب- وقال غير عمرو: قال عندي أعطرُ نساء العرب وأكملُ

стр. 2440

العرب، قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشَمَّ رأسَك قال: نعم فشَمَّه ثم أَشَمَّ أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم، فقتلوه، ثمّ أتوا النبيّ ﷺ فأخبروه" (١). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "بعثَ رسول الله ﷺ إلى أبي رافعٍ اليهوديّ رجالاً من الأنصار، فأمّرَ عليهم عبد الله بن عَتيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسول الله ﷺ ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرض الحجاز، فلمّا دَنَوا منه وقد -غربت الشمس وراح النّاس بسَرْحِهم (٢) - فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلقٌ ومتلطّفٌ للبوّاب، لعلي أن أدخل، فأقبَل حتى دنا مِن الباب، ثمّ تقنّع بثوبه (٣) كأنه يقضي حاجةً وقد دخل النّاس، فهتَف به البوّاب يا عبد الله إنْ كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فَدَخَلْتُ فكَمَنْت (٤)، فلمّا دخَل الناس أغلق الباب، ثمّ علّق الأغاليق على وَدّ (٥)، قال: فقمت إلى الأقاليد (٦)، فأخذتها ففَتَحْتُ الباب وكان أبو رافعٍ يُسمَرُ عنده، وكان في عَلاليّ (٧) له، فلمّا ذهَب عنه أهل سمرِه صَعِدتُ إليه، فجعلْتُ كلّما فتحْتُ باباً أغلقت عليّ

стр. 2441

مِن داخل، قلتُ إنِ القوم نَذِروا بي (١)؛ لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مُظلم وسْط عياله، لا أدري أين هو مِن البيت. فقلت يا أبا رافع، قال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضرِبُه (٢) ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أغنيتُ شيئاً (٣)؛ وصاح فخرجْتُ من البيت، فأمكثُ غير بعيد، ثمّ دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل، إنّ رجلاً في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضرِبُه ضربةً أثخَنَته ولم أقتُله، ثمّ وضعْت ضبيب السيف (٤) في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفتُ أني قتلتهُ فجعلْتُ أفتح الأبواب باباً باباً، حتى انتهيت إلى درجةٍ له فوضعْتُ رِجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعْتُ في ليلة مقمرةٍ، فانكَسَرت ساقي فعَصَبْتُها بعِمامة ثمّ انطلقتُ حتى جلسْتُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أَقَتَلْتُه؟. فلمّا صاح الديك قام الناعي (٥) على السُّور فقال أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النَّجاء (٦)، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبيّ ﷺ فحدَّثته فقال لي: ابسُط رجلك، فبسطْتُ رجلي فمسَحَها فكأنها لم أشتكِها قطُّ" (٧).

стр. 2442

البيان بأن صاحبَ السرية إذا خالَف الإمام فيما أمَره به كان على القوم أنْ يَعْزِلوه وُيولُّوا غيره (١) عن عقبةَ بنِ مالك ﵁ قال: "بعَث رسول الله ﷺ سريةً، فسلَّح رجلاً سيفاً، فلمّا انصرفنا، ما رأيت مِثل ما لامنا رسول الله ﷺ ، قال: "أعَجَزتم إذا أمّرْتُ عليكم رجلاً، فلم يمض لأمري الذي أمرْتُ، أو نهيْتُ أن تجعلوا مكانه آخر، يُمضي أمري الذي أمرْتُ؟ " (٢). من تَأمَّر في الحرب مِن غير إمرةٍ إذا خاف العدو (٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خَطَب رسول الله ﷺ فقال: أخَذ الراية زيدٌ فأُصيب ثمّ أخَذَها جعفرٌ فأُصيب ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، ثمّ أخَذَها خالدُ بن الوليد من غير إمرةٍ ففُتح عليه وما يسرّني -أو قال: ما يُسرّهم- أنّهم عندنا، وقال: وإنّ عينيه لتَذْرِفان" (٤). توليةُ الإمِام أمراءَ جماعة واحداً بعد الآخر عند قَتْل الأول (٥) عن ابن عمر ﵄ قال: "أمَّرَ رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة

стр. 2443

زيدَ بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : إنْ قُتل زيد فجعفر، وإنْ قُتل جعفر؛ فعبد الله ابن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمَسْنا جعفرَ بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين مِن طعنةٍ ورَمْية" (١). متى تجب طاعة الجنود الأمير أو القائد تَجِب طاعةُ الجنود الأميرَ أو القائدَ في غير معصية. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عمى أميري فقد عصاني" (٢). وتتضمّن الطاعة ما أحبَّ المرءُ أو كَرِه، ما لم يُؤمَر بارتكاب المعاصي، أو اقتراف الآثام. عن عبد الله ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم، فما أحَبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سَمْع ولا طاعة" (٣). وعن عبد الله بن عباس ﵄ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) قال: نَزَلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ

стр. 2444

بَعثهُ النبيّ ﷺ في سريّة" (١). وعن علي ﵁ قال؛ " بَعث النبيّ ﷺ سريّة، وأمَّر عليهم رجلا من الأنصار، وأمَرَهم أن يطيعوه فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمَرَ النبيُّ ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عَزمْتُ عليكم لَمَا جمعْتم حطباً، وأوقدتم ناراً ثمّ دخلتم فيها، فجمَعوا حطبَاً فأوقدوا ناراً، فلمّا همُوا بالدخول؛ فقاموا ينظُر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تَبِعْنا النبيّ ﷺ فراراً مِن النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خَمَدت النار، وسكَن غضبُه، فُذكِر للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف" (٢). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمرٍ؛ ما دريت ما أردّ عليه، فقال: أرأيت رجلاً مؤدِياً (٣) نشيطاً، يَخرُج مع أمرائنا في المغازي، فيَعْزِم علينا في أشياء لا نُحصيها (٤)، فقلت له: والله ما أدري ما أقول لك، إلاّ أنّا كنّا مع النّبيّ ﷺ ، فعسى أن لا يَعزِمَ علينا في أمرٍ إلاَّ مرّة حتى

стр. 2445

نفعَلَه، وإنّ أحدَكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شكَّ في نفسه شيء سأل رجلاً فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه والذي لا إله إلاَّ هو ما أذكر ما غَبَر (١) من الدنيا إلاّ كالثَّغْب (٢) شُرِبَ صَفْوُه وبقي كَدَرُه" (٣). عقوبة مَن عصى الأمير أو القائد (٤) عن البراء بن عازب ﵄ قال: "جعل النبي ﷺ على الرَّجَّالة (٥) يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلاً- عبد الله بن جُبَيْر فقال: إنْ رأيتمونا تَخْطَفُنا الطَّير (٦)؛ فلا تَبْرحُوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هَزَمْنا القومَ وأوْطأناهُم (٧)؛ فلا تبرحوا حتى أُرسِل إليكم، فهزموهم.

стр. 2446

قال: فأنا والله رأيت النساء يشْتَدِدْن (١)، قد بدت خلاخلُهن وأسْوُقُهنّ (٢)، رافعاتٍ ثيابَهُنّ. فقال أصحاب عبد الله بن جبيرٍ: الغنيمةَ أيْ قومُ الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبيرٍ: أنسيتم (٣) ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتَوْهم صُرِفت وُجُوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم. فلم يبْقَ مع النبي ﷺ غيرُ اثني عشر رجلاً، فأصابوا منّا سبعين وكان النبيُّ ﷺ وأصحابُه أصابَ مِن المشركين يوم بدر أربعين ومائةً، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً" (٤). مبادرة الإمام عند الفزع عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان بالمدينة فَزَع، فاستعار النبيُّ ﷺ فرساً لأبي طلحة، فقال: ما رأينا مِن شيء وإنْ وجَدناه لبحراً (٥) " (٦).

стр. 2447

تشييع المجاهدين ووداعُهم والدعاءُ لهم يُسنّ تشييع المجاهدين في سبيل الله والغزاة، والدعاء لهم؛ وقد شيَّع النبيّ ﷺ النفر الذين وجَّهَهم إلى كعب بن الأشرف؛ إلى بقيع الغرقد ودعا لهم. فعن ابن عباس ﵄ قال: "مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّهَهُم، وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعِنْهم" (١). وكان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش قال: "أستَودِع الله دينَك، وأمانتَك، وخواتيمَ عَمَلِك" (٢). وقال الإمام البخاري ﵀: (باب التوديع) (٣): ثم ذكرَ حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "بعَثَنا رسول الله ﷺ في بَعْث فقال لنا: إنْ لقيتم فلاناً وفلاناً -لرجلين من قريش سمّاهما- فحرِّقوهما بالنار، قال ثمّ أتيناه نودِّعه حين أردنا الخروج، فقال: إنّي كنت أمرتكم أنْ تحرّقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإنّ النار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله، فإنْ أخذتموهما فاقتلوهما" (٤). من هديه ﷺ في الجهاد، واقتداء الصحابة به في المعارك واستبسالهم فيها (٥) عن زياد بن جبير بن حية قال: "أخبرني أبي أنَ عمر بن الخطاب -رضي الله

стр. 2448

عنه- قال للهُرمُزان: أما إذ فُتَّنِي بنفسك فانصح لي، وذلك اّنه قال له: تكلَّم لا بأس، فأمَّنه، فقال الهُرمُزان: نعم؛ إنّ فارسَ اليوم رأس وجناحان. قال: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بُنْدار، قال: فإنه معه أساورة كسرى وأهل أصفهان، قال: فأين الجناحان؟ فذكَر الهُرمُزان مكاناً نسيته، فقال الهُرمُزان: اقطع الجناحين توهن الرأس. فقال له عمر ﵁: كذبْتَ يا عدوَّ الله، بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، فإذا قَطَعه الله عني انقطَع عنّي الجناحان. فأراد عمر أنْ يسير إليه بنفسه، فقالوا: نُذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن أُصِبْت بها لم يكن للمسلمين نظامٌ (١)، ولكن ابعث الجنود. قال: فَبَعث أهل المدينة وبَعَثَ فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبَعَث المهاجرين والأنصار، وكتَب إلى أبي موسى الأشعري أنْ سِرْ بأهل البصرة، وكتَب إلى حذيفة بن اليمان أن سِرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعاً، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مُقَرِّن المزني. فلمّا اجتمعوا بنهاوند، أرسَل إليهم بُندارُ العلج (٢) أنْ أرسِلوا إلينا يا معشر العرب رجلاً منكم نكلّمه، فاختار النّاس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني أنظر إليه: رجل طويل أشعر أعور، فأتاه، فلمّا رجع إلينا سألناه؟ فقال لنا: إنّي وجدْتُ العلج قد استشار أصحابه في أيّ شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا؟ أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون

стр. 2449

من الشارة والعدة. فلمّا رأيتهم رأيت تلك الجراب (١) والدَّرَق (٢) يلمع منها البصر، ورأيتهم قياماً على رأسه، فإذا هو على سريرٍ من ذهب، وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، ونكستُ رأسي لأقعد معه على السرير، فقال: فدُفعتُ ونُهرت، فقلت: إنّ الرسل لا يُفعَل بهم هذا. فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملِك؟! فقلتُ: لأنا أشرف في قومي مِن هذا فيكم. قال: فانتهرني وقال: اجلس فجلست. فتُرجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطولَ النّاس جوعاً، وأعظمَ النّاس شقاءً، وأقذرَ النّاس قذراً، وأبعدَ النّاس داراً، وأبعدَه مِن كل خير، وما كان منَعَني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب؛ إلاَّ تنجُّساً لجِيَفِكم لأنكم أرجاس، فإنْ تذهبوا نُخْلِ عنكم، وإنْ تأبوا نبوّئْكم مصارعَكم. قال المغيرة: فحمْدتُ الله وأثْنَيت عليه وقلت: والله ما أخطأت من صِفَتِنا ونَعْتِنا شيئاً، إن كنا لأبعد النّاس داراً، وأشدّ النّاس جوعاً، وأعظم النّاس شقاءً، وأبعد النّاس من كل خير، حتى بَعَث الله إلينا رسولاً، فوعدَنا بالنصر في الدنيا، والجنّةِ في الآخرة، فلم نزل نتعرف مِن ربّنا -مذ جاءنا رسوله ﷺ - الفلاح والنصر، حتى أتيناكم، وإنّا والله نرى لكم مُلكاً وعيشاً لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً، حتى نغلبَكم على ما في أيديكم، أو نُقتَل في أرضكم. فقال: أمّا الأعور فقد صدقَكم الذي في نفسه. فقمتُ مِنْ عنده وقد والله أرعبت العِلْج جهدي، فأرسَل إلينا العِلج: إمّا أنْ تعبروا إلينا بنهاوند وإمّا أنْ نعبر إليكم. فقال النعمان: اعبروا فَعَبرنا. فقال أبي:

стр. 2450

فلم أر كاليوم قطّ، إنّ العلوج يجيئون كأنهم جبالُ الحديد، وقد تواثقوا أن لا يَفرّوا مِن العرب، وقد قُرِن بعضهم إلى بعض حتى كان سبعة في قران، وألقوا حَسَك (١) الحديد خلفهم، وقالوا: مَن فرَّ منّا عقَرَه حَسَكُ الحديد. فقال: المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلاً، إن عدوّنا يتركون أن يتناموا، فلا يُعجلوا. أمَا والله لو أن الأمر إليَّ لقد أعجلتهم به. قال: وكان النعمان رجلاً بكّاءَ، فقال: قد كان الله -جلّ وعزّ- يُشهِدك أمثالها فلا يحْزنك ولا يعيبك موقفك. وإني والله ما يمنعني أنْ أناجزهم إلاّ لشيء شهِدْته من رسول الله ﷺ ، أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا فلم يُقاتِل أول النهار لم يَعَجَل حتى تحضر الصلوات وتهب الأرواح ويطيب القتال. ثمّ قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تُقرَّ عيني بفتْحٍ يكون فيه عزُّ الإسلام وأهله، وذلُّ الكفر وأهلِه. ثمّ اختِمْ لي على أثر ذلكَ بالشهادة. ثمّ قال: أمِّنوا رَحِمكم الله. فأمّنّا وبكى فبكينا. فقال النعمان: إنّي هازٌّ لوائي فتيسّروا للسلاح، ثمّ هازُّها الثانية، فكونُوا متيسَّرين لقتال عدوكم بإزائكم، فإذا هززتها الثالثة؛ فليحمِل كل قوم على مَن يليهم مِن عدوِّهم على بركة الله. قال: فلمّا حَضَرت الصلاة وهبَّت الأرواح كبّر وكبَّرنا. وقال: ريح الفتح والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا. فهزّ اللواء فتيسروا، ثم هزَّها الثانية، ثمّ هزَّها الثالثة، فحمَلْنا جميعاً كلّ قوم على مَن يليهم. وقال النعمان: إنْ أنا أُصِبت، فعلى النّاس حذيفة بن اليمان، فإنْ أُصِيب حذيفة؛ ففلان، فإنْ أُصِيب فلان ففلان حتى عدَّ سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة.

стр. 2451

قال أبي: فوالله ما علمْتُ من المسلمين أحداً يُحبُّ أن يرجع إلى أهله حتى يُقْتل أو يَظفَر. فَثَبتوا لنا، فلم نسمع إلاَّ وقْع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فُيقتلون جميعا، وجَعل يعقرهم حَسَكُ الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدِّموا اللواء، فجعلنا نُقدّم اللواء فنقتلهم ونهزمهم. فلمّا رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نُشَّابَة (١) فأصابت خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مُقَرِّن فسجى عليه ثوباً (٢)، وأخذ اللواء، فتقدَّم ثمّ قال: تقدَّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلمَّا فرغنا واجتمع النّاس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقرَّ الله عينه بالفتح، وختَم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفةَ بنَ اليمان. قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتَب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قَدِم عليه قال: أبشِر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الشرك وأهله. وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبْ النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان -حتى عدّ ناساً- ثمّ قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه -وهو يبكي-: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم" (٣).

стр. 2452

عدد غزوات النبيّ ﷺ - عن زيد بن أرقم ﵁ "أن رسول الله غزا تسعَ عشرَةَ غزوة وحجّ بعدما هاجر حَجّةً؛ لم يحجّ غَيرها؛ حجَّة الوَدَاعِ" (١). وعن بريدة ﵁ قال: "غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة؛ قاتل في ثمانٍ منهن" (٢). الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون عن جابر ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ -يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلفَ أن لا أنتهيَ حتى أهريق دماً في أصحاب محمّد ﷺ ، فخَرج يتبع أثر النبى ﷺ فنزل النبيّ ﷺ منزلاً، فقال: مَنْ رجلٌ يكلأُنا (٣) فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار فقال: كونا بفم الشّعْبِ، قال: فلما خرَج الرجلان إلى فم الشِّعب؛ اضطجع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يُصلّي، وأتى الرجل فلمّا رأى شخصه، عَرَف أنه ربيئة (٤) للقوم، فرماه بسهم، فوضَعه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجَد ثمّ انتبه صاحبه، فلما عَرف أنهم قد نَذِروا به (٥) هَرب، ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري

стр. 2453

من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبَّ أن أقطعَها" (١). عن ابن المنكَدِر قال: سمعتُ جابراً ﵁ يقول: "قال رسول الله ﷺ يومَ الأحزاب: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا، ثم قال: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: إنّ لكل نبيٍّ حَوارِيّاً، وإنّ حَواريَّ الزبير" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "بعث رسول الله بُسيسةَ (٣) عيناً ينظرُ ما صَنَعَت عيرُ (٤) أبي سفيان ... " (٥). التورية في الغزو عن عبد الله بن كعب ﵁، وكان قائدَ كعبٍ مِن بنيه -قال:

стр. 2454

"سمعْتُ كعبَ بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة؛ إلاَّ وَرّى بغيرها" (١). الكَذِب والخداع في الحرب عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الحربُ خُدْعة" (٢). جاء في "الفتح": "قال ابن العربي ﵀: "الخِداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد مِن الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله "الحجّ عرفة" (٣). قال ابن المنير: معنى الحرب خُدعة، أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخَطَر المواجهة، وحصول الظَّفر مع المخادعة بغير خطَر". وقال الإمام النووي ﵀ (١٢/ ٤٥): "واتفقَ العلماء على جواز خِداع الكُفّار في الحرب، وكيفما أمكَن الخداع؛ إلاَّ أن يكون فيه نقْضُ عهدٍ أو أمان؛ فلا يَحِلّ". وعن أمّ كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سَمِعت رسول الله ﷺ

стр. 2455

يقول: "ليس الكذّاب الذي يُصلح بين النّاس فيَنْمي (١) خيراً أو يقول خيراً" (٢). وفي رواية قال ابن شهاب: "ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول النّاس كَذِبٌ إلاَّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها" (٣). قال الإمام البخاري ﵀: "باب الكذب في الحرب" (٤) ثمّ ذكر تحته حديث قَتْل كعبِ بن الأشرف" (٥). وفي استئذان محمد بن مسْلَمة ﵁ الكذِب للخدعة؛ إذ قال: "ائذن لي فلأقُل، قال: قل" (٦). وفي رواية: "فقال محمّد بن مسلمة ﵁ لكعب بن الأشرف: إنّ هذا -يعني النبي ﷺ - قد عنّانا (٧) وسأَلنا الصدقة ... فلم يزَلْ يكلّمه، حتى استمكَن منه فقتلَه" (٨).
следующие страницы →