← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

قال أبي: فوالله ما علمْتُ من المسلمين أحداً يُحبُّ أن يرجع إلى أهله حتى يُقْتل أو يَظفَر. فَثَبتوا لنا، فلم نسمع إلاَّ وقْع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين عصابة عظيمة. فلما رأوا صبرنا ورأونا لا نريد أن نرجع انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فُيقتلون جميعا، وجَعل يعقرهم حَسَكُ الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدِّموا اللواء، فجعلنا نُقدّم اللواء فنقتلهم ونهزمهم. فلمّا رأى النعمان قد استجاب الله له ورأى الفتح، جاءته نُشَّابَة (١) فأصابت خاصرته، فقتلته. فجاء أخوه معقل بن مُقَرِّن فسجى عليه ثوباً (٢)، وأخذ اللواء، فتقدَّم ثمّ قال: تقدَّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلمَّا فرغنا واجتمع النّاس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقرَّ الله عينه بالفتح، وختَم له بالشهادة. فبايع الناس حذيفةَ بنَ اليمان. قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتَب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قَدِم عليه قال: أبشِر يا أمير المؤمنين بفتحٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الشرك وأهله. وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبْ النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، فقال: ومن ويحك؟ قال: فلان وفلان -حتى عدّ ناساً- ثمّ قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم. فقال عمر رضوان الله عليه -وهو يبكي-: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم" (٣).

стр. 2452

عدد غزوات النبيّ ﷺ - عن زيد بن أرقم ﵁ "أن رسول الله غزا تسعَ عشرَةَ غزوة وحجّ بعدما هاجر حَجّةً؛ لم يحجّ غَيرها؛ حجَّة الوَدَاعِ" (١). وعن بريدة ﵁ قال: "غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة؛ قاتل في ثمانٍ منهن" (٢). الطليعة واستطلاع الأخبار وابتعاث العيون عن جابر ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ -يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحلفَ أن لا أنتهيَ حتى أهريق دماً في أصحاب محمّد ﷺ ، فخَرج يتبع أثر النبى ﷺ فنزل النبيّ ﷺ منزلاً، فقال: مَنْ رجلٌ يكلأُنا (٣) فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار فقال: كونا بفم الشّعْبِ، قال: فلما خرَج الرجلان إلى فم الشِّعب؛ اضطجع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يُصلّي، وأتى الرجل فلمّا رأى شخصه، عَرَف أنه ربيئة (٤) للقوم، فرماه بسهم، فوضَعه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجَد ثمّ انتبه صاحبه، فلما عَرف أنهم قد نَذِروا به (٥) هَرب، ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري

стр. 2453

من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبَّ أن أقطعَها" (١). عن ابن المنكَدِر قال: سمعتُ جابراً ﵁ يقول: "قال رسول الله ﷺ يومَ الأحزاب: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا، ثم قال: مَن يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثمّ قال: إنّ لكل نبيٍّ حَوارِيّاً، وإنّ حَواريَّ الزبير" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "بعث رسول الله بُسيسةَ (٣) عيناً ينظرُ ما صَنَعَت عيرُ (٤) أبي سفيان ... " (٥). التورية في الغزو عن عبد الله بن كعب ﵁، وكان قائدَ كعبٍ مِن بنيه -قال:

стр. 2454

"سمعْتُ كعبَ بن مالك ﵁ حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة؛ إلاَّ وَرّى بغيرها" (١). الكَذِب والخداع في الحرب عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الحربُ خُدْعة" (٢). جاء في "الفتح": "قال ابن العربي ﵀: "الخِداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب: بل الاحتياج إليه آكد مِن الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله "الحجّ عرفة" (٣). قال ابن المنير: معنى الحرب خُدعة، أي: الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها؛ إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخَطَر المواجهة، وحصول الظَّفر مع المخادعة بغير خطَر". وقال الإمام النووي ﵀ (١٢/ ٤٥): "واتفقَ العلماء على جواز خِداع الكُفّار في الحرب، وكيفما أمكَن الخداع؛ إلاَّ أن يكون فيه نقْضُ عهدٍ أو أمان؛ فلا يَحِلّ". وعن أمّ كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سَمِعت رسول الله ﷺ

стр. 2455

يقول: "ليس الكذّاب الذي يُصلح بين النّاس فيَنْمي (١) خيراً أو يقول خيراً" (٢). وفي رواية قال ابن شهاب: "ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول النّاس كَذِبٌ إلاَّ في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه، وحديث المرأة زوجَها" (٣). قال الإمام البخاري ﵀: "باب الكذب في الحرب" (٤) ثمّ ذكر تحته حديث قَتْل كعبِ بن الأشرف" (٥). وفي استئذان محمد بن مسْلَمة ﵁ الكذِب للخدعة؛ إذ قال: "ائذن لي فلأقُل، قال: قل" (٦). وفي رواية: "فقال محمّد بن مسلمة ﵁ لكعب بن الأشرف: إنّ هذا -يعني النبي ﷺ - قد عنّانا (٧) وسأَلنا الصدقة ... فلم يزَلْ يكلّمه، حتى استمكَن منه فقتلَه" (٨).

стр. 2456

وقال لنا شيخنا ﵀ في بعض مجالسه -وهو يناقش ما يجوز وما لا يجوز من الكَذِب-: "ليس تحريم الكذب لأجل (ك، ذ، ب) ولا وجوب الصدق لأجل (ص، د، ق). قلت: يريد شيخنا ﵀ أنّ تحريم الكَذِب يُدرَك مغزاه ويُعقل مرماه، فلا يجوز أن تَصْدُق الأعداء وتدلّهم على مواقع المسلمين إذا سألوا؛ تَحرُّجاً من الكَذِب، فالكَذِب هنا واجب، والصدق حرام؛ لما لا يخفى مِن أثَر ذلك لكلّ ذي لُبٍّ وبصيرة. التسبيح إذا هَبط وادياً والتكبير إذا عَلا شَرَفاً (١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزَلنا سبَّحنا" (٢). إباحة تعاقب الجماعة الركُوبَ الواحد في الغزو عند عدم القدرة على غيره (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنهم كانوا يوم بدر بين كلّ ثلاثة بعير، وكان زميلَيْ (٤) رسولِ الله ﷺ عليّ وأبو لُبابة، فإذا حانت عُقبةُ (٥) النبيّ ﷺ ، قالا: اركب ونحن نمشي، فيقول النبيّ ﷺ : "ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى

стр. 2457

عن الأجر منكما" (١). باب الرَّجز (٢) في الحرب (٣) عن البراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الخندق وهو ينقل الترابُ؛ حتى وارى التراب شعْرَ صدْرِه وكان رجلا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا فأنزِلَنْ سكينةً علينا ... وَثَبّتِ الأقدام إنْ لاقينا إنَّ الأعداء قد بغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته" (٤). مَن أَحبَّ الخروج للغزو يومَ الخميس (٥) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بنَ مالك ﵁ كان

стр. 2458

يقول: "لقلّما كان رسول الله ﷺ يخرُج إذا خَرَج في سفر؛ إلاّ في يوم الخميس" (١). وعن كعب ﵁ " أنّ النبيّ ﷺ خرَج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس" (٢). ما يُؤمَر من انضمام العسكر (٣) عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: "كان النّاس إذا نَزَلوا مَنزِلاً؛ تفرَّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ إنَّ تفرّقكم في هذه الشعاب والأودية؛ إنما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلاً؛ إلاَّ انضَمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يُقال لو بُسِط عليهم ثوب لَعَمّهُم" (٤). في المياسرة والمرافقة في الغزو (٥) *قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦). وقال -تعالى-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٧) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ

стр. 2459

فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وفي حديث معاذ بن جبل ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الغزو غزوانِ: فأمّا مَن ابتغى وجه الله، وأطاعَ الإمام وأنفَق الكريمةَ (٢)، وياسَرَ الشريك (٣)، واجتنَب الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ (٤) أجرٌ كلُّه" (٥). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إنَّ الأشعريين إذا أرملوا (٦) في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة؛ جَمَعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثمّ اقتسموه بينهم؛ في إناءٍ واحدٍ بالسَّويَّة، فهم منّي وأنا منهم" (٧). وعن جابر بن عبد الله ﵄، حدَّث عن رسول الله ﷺ ، "أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، إنَّ من إخوانكم قوماً؛ ليس لهم مال ولا عشيرة، فَلْيَضُمَّ أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة، فما لأحدنا مِن ظَهْرٍ يحمله إلاَّ عُقبةٌ كعُقْبَةِ (٨) -يعني-

стр. 2460

أحَدِهِمْ (١)، فضَمَمْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلاَّ عُقبة كعقبة أحدِهم مِن جملي" (٢) * (٣). عن أبي موسى (٤) ﵁ قال: "خرجنا مع النبيّ ﷺ في غزاة، ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُهُ (٥) فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَت قدماي، وسقَطَت أظفاري، وكنَّا نلفُّ على أرجُلنا الخِرَقَ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرِّقاع، لمِا كنّا نعْصِبُ من الخِرَق على أرجلنا، وحدَّث أبو موسى بهذا ثمّ كَرِه ذاك، قال: ما كنت أصنع بِأنْ أذكُرَه -كأنّه كَرِه أن يكون شيءٌ مِن عَمَلِه أفشاه-" (٦). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنا يوم بدرٍ، كلّ ثلاثة على بعير -أي يتعاقبون- وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلَي رسول الله ﷺ . قال: فكانت عُقبة رسول الله ﷺ ، فقالا له: نحن نمشي عنك -ليظلّ راكباً-. فقال: ما أنتما بأقوى مني على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" (٧). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يتخلَّف

стр. 2461

في المسير، فيُزجي (١) الضعيف، ويُردف، ويدعو لهم" (٢). حرمة نساء المجاهدين ومن خان غازياً في أهله (٣): عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين؛ كحُرمةِ أمَّهاتهم، وما مِن رجلٍ من القاعدين يخلُف رجلاً من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم؛ إلاَّ وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ مِن عَمَله ما شاء، فما ظنُّكم؟ " (٤). وفي رواية: "فقال: فخُذ مِن حسناته ما شئت فالتفَتَ إلينا رسول الله ﷺ فقال: فما ظنُّكُم؟ (٥). وفي رواية: " ... وما مِن رجل مِن القاعدين؛ يخلُف رجلاً من المجاهدين في أهله؛ إلاَّ نُصب له يوم القيامة، فيُقال: يا فلانُ، هذا فلانٌ، فخُذ مِن حسناته ما شئت، ثمّ التفَتَ النبي ﷺ إلى أصحابه فقال: ما ظنُّكُم تَرَون، يَدَعُ له مِن حسناته شيئاً؟ " (٦). وفي رواية: "ألا كُلَّما نفَرنا غازين في سبيل الله، خَلَف أحدُهم، له نبيبٌ

стр. 2462

كنبيب التيس (١)، يمنح أحدُهم الكُثْبة (٢)، أمَا والله إنْ يُمكِنِّي مِن أحدِهم؛ لأُنكِّلَنَّه عنه (٣) " (٤). خروج النساء للتمريض ونحوه عن أنس ﵁ قَالَ: "لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ الناس عَنْ النَبِي ﷺ قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (٥) تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا (٦) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ" (٧). وعن أنس ﵁ أيضاً- قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ

стр. 2463

وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الماءَ، وَيُدَاوِينَ الجرْحَى" (١). حَمل الرجل امرأتَه في الغزو دون بعض نسائه (٢) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النبيّ ﷺ إذا أرادَ أن يخرُج؛ أقرع بين نسائه؛ فأيتُهُنّ يخرج سهمها؛ خرج بها النبيّ ﷺ ، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجْتُ مع النبيّ ﷺ بعد ما أُنزِل الحجاب" (٣). غزوة النساء مع الرجال عن أنس ﵁ " أنّ أم سُليم اتّخذَت يوم حنين خَِنْجراً فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أمُّ سُليم معها خِنَجرٌ، فقال لها رسول الله ﷺ : ما هذا الخِنَجر؟ قالت: اتخذتهُ إنْ دنا مني أحد من المشركين؛ بَقَرتُ (٤) به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك ... " (٥). تحريم إسناد القتال إلى النّساء عن أبي بكرةَ ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سَمِعْتها مِن رسول الله أيّام الجَمل؛ بعدما كِدْتُ أن ألحقَ بأصحاب الجمل (٦) فأقاتلَ

стр. 2464

معهم (١)، قال لما بلَغ رسول الله ﷺ أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفْلِح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة" (٢). وما ورد من مشاركة بعض النساء في القتال -في حدودٍ ضيقةٍ- يختلف عن تولّيها أمرَ القتال والقيادة. فضل الخدمة في الغزو عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صَحِبْتُ جريرَ بن عبد الله؛ فكان يخدمني وهو أكبر من أنس. قال جرير: إنّي رأيت الأنصار يصنعون شيئاً لا أجد أحداً منهم إلاَّ أكْرمتُه (٣) " (٤). وعن أنس ﵁ قال: "كنّا مع النبيّ ﷺ أكثرنا ظِلاًّ الذي يستظل بكسائه، وأمّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبيّ ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (٥).

стр. 2465

إذن الوالدين في جهاد التطوع الجهاد الواجب لا يلزم فيه إذن الوالدين. أمّا جهادُ التطوّع؛ فإنّه لا بد فيه من إذن الوالِدَيْن المسلِمَين. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سألْتُ النبيّ ﷺ أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِد" (٢). وفي رواية: "جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما فأضحِكهما كما أبكيتَهما" (٣). وعن جاهمة السُّلمي ﵁ قال: "أنّه جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك من أمّ، قال: نعم، قال: فالزمها؛ فإنّ الجنّة تحت رجليها" (٤).

стр. 2466

وقال في "الروضة النديّة" (٢/ ٧١٨): "وقد ذَهَب الجمهور؛ إلى أنَّه يَجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويَحرُم إذا لم يأذنا أو أحدهما، لأنّ بِرّهما فَرْضُ عين، والجهاد فرضُ كفاية، قالوا: وإذا تعيَّن الجهاد فلا إِذْن ... ". وقال العلّامة أحمد شاكر ﵀: "ولعل الأحسن في التوفيق بين الحديثين، أن يُجْعَل ذلك إلى رأي الإمام أو المكلِّف، فإنْ كانت المصلحة تقتضي بأحدهما وجب تقديمه، وقد كان المهاجرون والأنصار يجاهدون، ولم نر في شيء من الروايات، أنهم كانوا يلتزمون استئذان الوالدين في كل غزو". وجاء في "المغني" (١٠/ ٣٨٣): " (وإذا خوطب في الجهاد فلا إذْن لهما، وكذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها) يعني إذا وجَب عليه الجهاد لم يُعتَبَرْ إذن والديه، لأنه صار فرْضَ عين، وترْكه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كلّ ما وجب، مثل: الحجّ، والصلاة في الجماعة والجمع، والسفر للعِلم الواجب. قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في تَرْك الفرائض والجُمَع والحجّ والقتال، لأنها عبادة تعيّنت عليه، فلم يُعتَبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، ولأنّ الله -تعالى- قال: ﴿وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ إليَهِ سبيلاً﴾، ولم يَشتَرِط إذن الوالدين". وجاء في كتاب "الإنجاد في أبواب الجهاد" (١) (١/ ٥٢): "وأمَّا مَن له

стр. 2467

أبوان؛ فإنْ كانا يَضيعان بخروجه إلى الجهاد؛ فهو إجماعٌ على أنّ فرضَ الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكَره أبو محمد بنُ حزمٍ في "مراتب الإجماع". وإنْ كانا ممّن لا يَضيع، فذهب الجمهور إلى أنّ عليه أن يستأذنهما، فإنْ أذِنا له خرَج، وإنْ أبَيَا عليه لم يجُزْ له أن يخرج. رُوي ذلك عن مالكِ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: "لا خلاف أعلمه أنّ الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما". قلت [والكلام لصاحب "الإنجاد"]: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مِثْل أنْ يفْجأ العدوُّ (١)، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحوِ ذلك ممّا يتعيّن فيه، لأنه ما لم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقُّهما في غير شيء أوجَبَه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأمّا إذا تعيَّن الفرض، فلا يستأذنهما في تَرْك الفرائض". ثمّ ذكَر الأدلة على ذلك، ثمّ قال: "وقال الحسن البصري ﵀: "إذا أذِنَت له أمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنّ هواها أن يجلس؛ فليجلس". وقال في "المغني" (١٠/ ٣٨٣) أيضاً:

стр. 2468

"وإنْ خرَج في جهاد تطوّعٍ بإذنهما، فمنَعاه منه بعد سَيْرِه وقبل وجوبه، فعليه الرجوع، لأنه معنى لو وجد في الابتداء مُنِع، فإذا وُجد في أثنائه منع؛ كسائر الموانع، إلاَّ أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر؛ مِن مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه، فإنْ أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش، فإذا حضَر الصفّ، تعيّن عليه بحضوره، ولم يَبْقَ لهما إذن. وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعيُّن الجهاد عليه، لم يؤثّر رجوعهما شيئاً". هل يُستأذَن الدائن (١) ومن كان عليه دين حالٌّ أو مُؤجَّل، لم يجُز له الخروج إلى الغزو إلاَّ بإذن غريمه، إلاَّ أن يَتْرُك وفاءً، أو يقيمَ به كفيلاً، أو يُوَثِّقَه برهن، وبهذا قال الشافعي. ورخَّص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه؛ لأنه لا تتوجه المطالبة به، ولا حبْسه من أجله، فلم يُمنَع من الغزو، كما لو لم يكن عليه دين، ولنا أنّ الجهادَ تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحقُّ بفواتها. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ قال: يُغفر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلاّ الدَّيْن" (٢). وعن أبي قتادة ﵁: "أنّ رسول الله قام فيهم، فذَكَر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إنْ قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله: نعم، إن

стр. 2469

قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محُتسب، مُقبِل غيرُ مُدبر، ثمّ قال رسول الله ﷺ : كيف قلت؟ قال: أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله أتُكفّرُ عني خطاياي، فقال رسول الله ﷺ : نعم؛ وأنت صابرٌ محُتسب مُقبل غيرُ مدبر إلاّ الدَّيْن، فإنّ جبريلَ ﵇ قال لي ذلك" (١). وأمّا إذا تَعيَّن عليه الجهاد، فلا إذْن لغريمه، لأنّه تعلّق بعينِه، فكان مُقدَّماً على ما في ذمّته؛ كسائر فروض الأعيان، ولكن يُستحَبّ له أن لا يتعرض لمظانّ القتل؛ من المُبارزة، والوقوف في أول المقاتلة، لأن فيه تغريراً بتفويت الحق (٢)، وإنْ ترَك وفاءً، أو أقام به كفيلاً، فله الغزو بغيرِ إذْن. نصّ عليه أحمد، في مَن تَرك وفاءً، لأنّ عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرَج إلى أُحُد، وعليه دَينٌ كثير، فاستُشهِد، وقضاه عنه ابنه بعِلم النبيّ ﷺ ، ولم يذمّه النبيّ ﷺ على ذلك، ولم يُنكر فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: "ما زالت الملائكة تُظِلّه بأجنحتها، حتى رفعتموه" (٣). وقال ﷺ لجابر: "ألا أُخبرك ما قال الله لأبيك، قلتُ: بلى، قال: ما كَلَّم الله أحداً إلاّ من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحاً (٤) " (٥). قلتُ: أراد المصنف ﵀ أن يجمع بين تلبية واجب الجهاد وأداء

стр. 2470

الحقوق. ولكن: لا بُدّ من تفصيلٍ فيما يتعلق بالتّعرض للمبارزة والوقوف في أول المقاتلة. فإنْ كان أُوتي من الشجاعة والإقدام، ما يُمكنه أن يُحقّق نصراً أو يكون سبباً في استجلاب نفعٍ عامّ أو مصلحة راجحة؛ فلا حرج من مبادرته بذلك. فأمّا الدين، فلا يضرُّه عدم أدائه؛ إذا كان قد بذَل الأسباب المطلوبة منه، ولا يخفى دور الإمام في سدِّ هذا الأمر، والله -تعالى- أعلم. قلت: ثمّ اطلعت على ما جاء في "الإنجاد" (١/ ٥٧) وفيه: "وأمّا المِدْيان (١) فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي أنّه أرخص في خروجه إلى الجهاد مِن غير إذْنِ صاحب الحقِّ، ورُوي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ؛ إلاَّ بإذْن أهل الدَّيْن، وسواءٌ كان الدَّين لمسلمٍ أو كافر، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه ... ... وقد جاء في أمر الدَّين تشديدٌ كثير غير هذا؛ فأقول [الكلام لصاحب "الإنجاد"]: إنّ تعلّق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمّا بالمَطْلِ أو الجحود، أو تَرْكِ أنْ يوصيَ به، وإمّا أنْ يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممَّن لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك. وللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدَمٌ. فأمّا المليء، فإنْ كان حَلَّ دينُه، فالظاهر أنّه لا يجوز أنْ يغزوَ بغير إذْنِ صاحب الحقِّ، فإنْ كان دينه لم يحلَّ بعدُ، فهذا له أن يغزو، وعليه أن يوكِّل مَن

стр. 2471

يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ مَن كان مليئاً، وقد حلَّ الحقُّ عليه، فهو مأمورٌ كلَّ وقتٍ بالقضاء، ففِعْلُه ما يحول بينه وبين ذلك؛ مِن غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له. خرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَطْلُ (٢) الغني ظُلْم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ" (٣). وأمّا إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أنْ يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصيَ به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعَل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذِ، وقد قال ﷺ : "وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ". وأمَّا إنْ كان عديماً لا يَجِدُ قضاءً، ولا يرجو كَسْباً، فهذا روي عن مالك أنه سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأساً، يعني: وإن لم يستأذِن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منْعِه، وليس ممّن عليه حَبْسٌ ولا سلطان، بل هو مخلَّى بإنظار الله إياه، فلا يَجِب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما. وقد رُوي -أيضاً- عن مالك ما ظاهِرُه، أنه يَجِب الاستئذانُ على مَن لم يجد وفاءَ من دَيْنِهِ، ولا استئذان على من ترَك وفاءً".

стр. 2472

حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد اختلَف العلماء في مشروعية الاستعانة بالمشركين، فذهَب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهَب آخرون إلى جوازها. ومن أهم أدلة المانعين: حديث عائشة ﵂ أنّها قالت: "خرَج رسول الله ﷺ قِبَل بدر فلمّا كان بِحَرَّة الوَبَرَة (١)، أدركه رجل قد كان يُذكَر منه جُرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلمّا أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتَّبِعَك وأصيبَ معك، قال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثمّ مضى، حتى إذا كنّا بالشجرة (٢)، أدركه الرجل فقال له كما قال أوّل مرّة، فقال له النبيّ ﷺ كما قال أول مرة، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قال: ثمّ رَجَع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أوّل مَرّة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : فانطَلِق" (٣). ومن أبرز أدلّة المجوّزين: حديث ذي مخِبَر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صُلحاً آمناً (٤)، فتغزون أنتم وهم عدواً مِن ورائكم،

стр. 2473

فتُنصَرون وتَغنَمون وتَسلمون ثمّ تَرجعون، حتى تنزِلوا (١) بمَرْج (٢) ذي تُلول (٣)، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه (٤)، فعند ذلك تغدر الروم وتجمعُ للملحمة (٥) " (٦). وقوله ﷺ : "إنّ الله يؤيّد الدين بالرّجُل الفاجِر" (٧). فيُجمَع بين الأحاديث بأنّ الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلاّ لضرورة؛ لا إذا لم تكن ثمّ (٨) ضرورة (٩). وبوّب الإمام النّووي ﵀ لمسلم في كتاب "الجهاد والسِّير"، فقال: "باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلاَّ لحاجة، أو كونه حَسن الرأي في المسلمين" وذكر الحديث السابق ثمّ قال ﵀ في الشرح: "قوله ﷺ : فارجع فلن أستعين بمشرك"، وقد جاء في الحديث الآخر أنّ النبيّ ﷺ استعان

стр. 2474

بصفوان بن أُميّة قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إنْ كان الكافر حَسَن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به؛ استُعين به وإلاّ فيُكره، وحَمْل الحديثين على هاذين الحالين". والله -تعالى- أعلم. وجاء في نيل الأوطار (٨/ ٤٥) بعد عَرْض الأدلة ومناقشة الفريقَين: "والحاصل أنّ الظاهر من الأدلّة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركاً مُطلقاً؛ لما في قوله ﷺ "إنا لا نستعين بمشرك" من العموم ... ". انتهى. قلتُ: ولا أرى معارضة بين هذا وما تقدّم؛ مما جاء في كلام النّووي ونقولاته، وكذا مما قاله صاحب "الروضة" -رحمهما الله- إذْ أصل الحُكم عدم جواز الاستعانة، وتبقى الضرورة مسألة أخرى لا يمكن إغفالها، والنصوص فيها معلومة معروفة، ولكن ينحصر الخلاف ومدار البحث والنظر؛ في تحقيق مناط الحُكم، إذْ هو مرتبط بتنقيح مناطه (١). وأقول: لو أنّ المسلمين عملوا ما أوجب الله -تعالى- عليهم من أسبابٍ لاستجلاب النصر؛ مِنْ إعدادٍ عَقَديّ ومنهجي وروحي ومادي وعسكري ... ، وتآلفوا فيما بينهم، وتعاونوا على البرِّ والتقوى؛ لما احتاجوا إلى الاستعانة. ثمّ اطلعت على ما جاء في كتاب "الإنجاد في أبواب الجهاد" (ص ١٥٨): فقد قال مصنّفه ﵀: "واختلَف أهل العِلم في ذلك: فالجمهور على كراهة الاستعانة بهم في شيءٍ من الغزو، -وهو الصحيح-، لما دلّ عليه القرآن

стр. 2475

والسُّنة الثابتة، ورُوي عن مالك أنه أجاز أن يُستعان بهم في خدمةٍ أو صنعَة. وعن ابن حبيب: أن يُستعان بهم في هدم الحصون ورمي المنجنيق، ... " (١). وجاء في التعليق من قِبَل محقِّقي الكتاب -حفظهما الله تعالى-: "واشترط بعضهم في الاستعانة بهم؛ إحسانهم الرأي في المسلمين، وأن يأمن المسلمون خيانتهم، وأن يكون المسلمون قادرين عليهم؛ لو اتفقوا مع العدو، فإذا وُجِدت هذه الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم. وقيل: لا يجوز استصحابهم في الجيش، مع موافقتهم العدو في المعتقد، فعلى هذا تكون الشروط أربعة". وجاء في التعليق (ص ١٦٠): "فالاستعانة بالمشرك في القتال تجوز عند الحاجة إليه. قال ابن القيم ﵀ في "الزاد" (٣/ ٣٠١) في مَعْرِض كلامه على ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: "ومنها: أنّ الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنَهُ الخزاعيَّ كان كافراً إذ ذاك -يشير المصنف إلى ما سبق أن ذكره (ص ٢٨٨) أن النبيّ ﷺ لما كان بذي الحليفة؛ أرسَل عيناً له مُشركاً مِن خزاعة (٢) يأتيه بخبر قريش- وفيه في المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم". أسأل الله -تعالى- أن يُفرّج كربات المسلمين وأن ينصرهم على الأعداء، إنّه على كل شيء قدير.

стр. 2476

النهي عن السفر بالمصحف إلى أَرض الحرب عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ" (١). وفي رواية: "أنَّه كان ينهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ؛ مخافةَ أن ينالَه العدوُّ" (٢). وفي رواية أخرى: "لا تسافروا بالقرآن؛ فإنّي لا آمَنُ أنْ ينالَه العدوُّ" (٣). ما يُنهى عنه في الحرب قال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويَدْخُل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسَن البصري- من المُثلة، والغُلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأيَ لهم ولا قتالَ فيهم، والرُّهبانِ وأصحابِ الصوامع، وتحريقِ الأشجار، وقتلِ الحيوانات لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم ... ". وتقدّم حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ ، إذا أمّرَ

стр. 2477

أميراً على جيش أو سريَّة (١) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خيراً، ثمَّ قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كَفر بالله اغْزوا ولا تَغُلّوا ولا تَغدرِوا ولا تَمْثُلوا ولا تقتلوا وليداً" (٢). ومما ينهى عنه في الحرب: ١ - قَتْل النساء والوِلدان. عن عبد الله ابن عمر ﵄: "إنّ امرأةً وُجِدت في بعض مغازي النبيّ ﷺ مقتولة، فأنكَر رسول الله ﷺ قَتْل النساء والصبيان" (٣). وعن رباح بن ربيع ﵁ قال: "كُنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى النّاس مجُتمعين على شيء، فبعَث رجلاً فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأةٍ قَتيل، فقال: ما كانت لتُقاتِل! قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعَث رجلاً ففال: قُل لخالد لا تقتلنَّ امرأةً ولا عسيفاً (٤) " (٥). قال القاري ﵀: ولعلّ علامته أن يكون بلا سلاح.

стр. 2478

قال الخطابي ﵀: "في الحديث دليل على أنّ المرأة إذا قاتَلت قُتِلَت، ألا ترى أنه جَعل العِلَّة في تحريم قَتْلها لأنّها لا تُقاتِل، فإذا قاتَلَت دَلّ على جواز قتْلها" (١). قلت: ويجوز قتْلها إذا كان هناك سببٌ يدعو إلى ذلك. فقد ورَد قتل المرأة صريحاً؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "لم يُقتَل مِن نِسائهم -تعني بني قريظة- إلاَّ امرأة إنها لعندي تُحَدِّثُ: تضحك ظهراً وبطناً، ورسول الله ﷺ يقتُل رجالَهم بالسيوف، إذ هتَف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت: أنا، قُلت وما شَأنُكِ؟ قالت: حَدَثٌ أحْدَثْتُهُ قالت: فانطُلِق بها، فضُرِبَت عنُقها، فما أنسى عجَباً منها، أنّها تضحك ظهراً وبطناً، وقد عَلِمت أنها تُقتَل" (٢). قال الخطّابي ﵀: "يُقال إنّها كانت شَتَمت النبيّ ﷺ ، وهو الحَدث الذي أحدَثَتْهُ، وفيه دلالة على وجوب قَتْلِ مَنْ فَعَل ذلك ... " (٣). وعن الأسود بن سريع ﵁ قال: "أتيتُ النبيّ ﷺ وغزوت معه، فأصبْتُ ظهرَ أفضل النّاس يومئذٍ، حتى قتلوا الوِلدان- وقال مرَّةً: الذرِّيَّة. فبلَغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ما بال قومٍ جاوزهم القَتْلُ اليومَ حتى قَتَلُوا الذرِّيَّة؟! فقال رجلٌ: يا رسول الله! إنَّما هُمْ أولاد المشركين! فقال: ألا إنَّ خِيارَكُم أبناء المشركين. ثمَّ قال: ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً، ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً.

стр. 2479

قال: كلّ نَسَمَةٍ تُولد على الفطرة (١)، حتى يَهُبَّ (٢) عنها لسانها (٣)؛ فأبواها يُهَوِّدانها ويُنَصِّرانها" (٤). وعن الصَّعب بن جَثَّامة "أنه سأل النبيّ ﷺ عن الدار من المشركين يُبَيَّتُون فيُصاب مِن ذراريِّهم ونسائهم، فقال النبي ﷺ : هُم مِنهُم". [قال الزهري: ثمّ نَهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان.] (٥). قال الإمام النّووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٢/ ٤٩) -بحذف-

стр. 2480

"وتقديره: سُئل عن حُكمِ صبيان المشركين الذين يُبَيَّتون فيُصاب مِن نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم مِن آبائهم أي لا بأس بذلك؛ لأنّ أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القِصاص والدِّيات وغير ذلك، والمراد إذا لم يُتعمَّدوا مِن غير ضرورة، وأمّا الحديث السابق (١) في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميّزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتْل النساء والصبيان في البيات؛ هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، ومعنى البيات وُيبَيَّتُون: أن يُغار عليهم بالليل، بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي. وفي هذا الحديث: دليلٌ لجواز البيات، وجواز الإغارة على مَن بلَغتهُم الدعوة مِن غير إعلامهم بذلك". انتهى. قلت: وخلاصة القول: عدم جواز تعمُّد قَتْل النساء والصبيان (٢)، وجواز ذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء المقاتلين، لاختلاطهم. والضابط في عدم قتل الصبيان؛ عدم الإنبات، جاء في "صحيح ابن حبان": "الأمر بقتل مَن أنْبَت الشعر في دار الحرب والإغضاء (٣) على مَن لم يُنْبِت" (٤) ثمّ ذكَر تحته حديث عطية القُرظي ﵁ قال: "عُرضْتُ على

стр. 2481

رسول الله ﷺ يوم قريظة، فشكُّوا فيّ، فقيل لي: هل أنبتَّ (١)، ففتّشوني (٢)، فوجدوني لم أُنبِت، فُخلّيَ سبيلي" (٣) ". ٢ - قتْل الأُجَراء، لحديث رباح ﵁ المتقدّم: "لا تَقْتُلَنَّ امرأةً ولا عَسيفاً". ٣ - قتل المجانين: لعموم قوله ﷺ : "رُفِع القلم عن ثلاث ... وعن المجنون حتى يستيقظ". قال في "الإنجاد" (١/ ٢٢٨): "وأمّا المجنون فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف أنّه لا يُقتَل ... ". ٤ - قَتْل الرهبان وأصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، وليسوا مِن أهل القتال ولا هم من أهل المشورة والرأي فيه (٤). وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٦٥٩): "الرهبان الذين تنازَع العلماء في قَتْلِهم، وأخْذِ الجزية منهم: هم المذكورون في الحديث المأثورِ عن خليفةِ رسول الله ﷺ ، أبي بكر الصديق ﵁ أنّه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لمّا بَعَثَه أميراً على فَتْح الشام، فقال له في وصيته: وستجدون أقواماً قد حبَسوا أنفسهم في الصوامع، فذروهم وما حبَسوا أنفسهم له، وستجدون أقواماً قد

стр. 2482

فحصوا (١) عن أوساط رءوسهم، فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف، وذلك بأنّ الله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢). وإنما نَهَى عن قَتْل هؤلاء، لأنهم قوم مُنقَطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يُسمَّى أحدُهم حبيساً، لا يعاوِنون أهلَ دينهم على أمرٍ فيه ضررٌ على المسلمين أصْلاً، ولا يخالطونهم في دنياهم؛ ولكن يكتفي أحدُهم بقدر ما يتبلّغ به. فتنازَع العلماء في قَتْلهم، كتنازُعهم في قَتْل مَن لا يضُرّ المسلمين؛ لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى، والزَّمِن، والشيخ الكبير، ونحوِه؛ كالنساء والصبيان. فالجمهور يقولون: لا يُقتَل إلاَّ مَن كان مِن المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان. ومِنهم مَن يقول: بل مجرّد الكفر، هو المبيح للقتل، وإنّما استثني النساء والصبيان، لأنهم أموال. وعلى هذا الأصل ينبني أخْذ الجزية. وأمّا الراهب الذي يعاوِن أهلَ دينه بيده ولسانه: مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال، أو نوع مِن التحضيض: فهذا يُقتَل باتفاق العلماء، إذا قُدِر عليه، وتُؤخَذ منه الجزية -وإنْ كان حبيساً منفرداً في مُتعبّده- فكيف بمن هم كسائر النصارى في معائشهم، ومخالطتهم الناس، واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات، واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم، وإنّما تميَّزوا على غيرهم بما يُغلِظ كفرهم، ويجعلهم أئمةً في الكُفر، مثل التعبّد بالنجاسات، وترْك النكاح واللحم واللباس؛ الذي هو شعار الكفر، لا سيما وهم الذين يقيمون دين

стр. 2483

النصارى؛ بما يُظهرونه مِن الحِيَل الباطلة التي صَنَّف الفضلاء فيها مُصنّفات، ومِن العبادات الفاسدة، وقَبول نذورهم وأوقافهم. والراهب عندهم شَرْطُه تَرْك النكاح فقط، وهم مع هذا يُجوِّزون أن يكون بتركاً، وبطرقاً، وقسيساً، وغيرهم مِن أئمّة الكفر، الذين يَصْدُرون عن أمْرِهم ونَهْيهم؛ ولهم أنْ يكتسبوا الأموال، كما لغيرهم مِثْل ذلك. فهؤلاء لا يَتنازَع العلماء في أنّهم مِن أحقّ النصارى بالقتل عند المحاربة، وبأخذ الجزية عند المسالمة، وأنّهم مِن جنس أئمّة الكفر الذين قال فيهم الصدِّيق ﵁ ما قال، وتلا قوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ". ٥ - قتل الهَرِم والأعمى، والمقعد -بالقيد السابق-. جاء في "الإنجاد" (١/ ٢٢٧): "وذهب مالك إلى أنه لا يُقتَل الهَرِم، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا المُقْعَد، ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، يعني: أنه لا أذى عندهم بقتال ولا مشاركة رأي؛ لانفرادهم ونحو ذلك، ورُوي عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعيّ: "لا يُقْتل الحرّاث، ولا الراهب ولا الشيخ الكبير ولا المجنون". وجاء في "المغني" (١٠/ ٥٤٢): "ولنا في الزَّمِن (١) والأعمى أنّهما ليسا من أهل القتال فأشبها المرأة". قلت: وقد اختلف العلماء في العِلَّة الموجبة للقتل، فمنهم مَن قال:

стр. 2484

العِلَّة هي الكُفر (١) لقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "أُمِرتُ أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله ... " (٣). ومنهم من قال: العِلَّة هي القتال وما في معناه؛ كالمشاركة في الرأي والمشورة. قلت: والراجح هو الثاني لما يأتي: أ. قوله -تعالى-: ﴿وَقاتلُوا في سَبِيلِ اللهِ الذين يُقاتلُونَكم﴾ (٤)، ففيه عدم قتال من لم يُقاتِل. ب. لاستثناء أصنافٍ من الكُفار؛ كالنساء والصبيان والعسفاء، كما في النصوص الثابتة المتقدِّمة، فلا يُسلَّم لهم بما ذهبوا إليه مِن عموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥). ج. تعليل إنكار النبيّ ﷺ قَتْل المرأة في الحديث المتقدّم بقوله: "ما كانت تقاتل".

стр. 2485

د. وهذا يقوِّي ما قاله الفقهاء من عدم مشروعية مقاتلة مَن لا رأيَ لهم في القتال، ولا هم فيه مِن أهل المشورة. وقال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣٥٤): "وإذا كان أَصْل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصودُه هو أن يكونَ الدين كلُّه لله، وأن تكونَ كلمة الله هي العليا، فمن امتنَع مِن هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأمّا من لم يكن مِن أهل الممانعة والمقاتَلة، كالنساء والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، ونحوِهم فلا يُقْتَل عند جمهور العلماء؛ إلاَّ أن يُقاتِل بقولِه أو فِعْلِه، وإنْ كان بعضهم يرى إباحةَ قَتْلِ الجميع لمجرد الكفر؛ إلاَّ النساءَ والصبيان؛ لكونهم مالاً للمسلمين. والأوّل هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أرَدْنا إظهارَ دينِ الله، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)، وفي "السنن" عنه ﷺ : "أنَّه مرَّ على امرأةٍ مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها الناس. فقال: ما كانت هذه لتُقاتِل" (٢). وقال لأحدهم: "الحَقْ خالداً فقل له: لا تَقْتُلوا ذُريّةً ولا عسيفاً" (٣). وذلكَ أنّ الله تعالى أباحَ مِنْ قَتْلِ النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال -تعالى-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤). أي: أنّ القتل وإنْ كان فيه شرٌّ وفساد، ففِي فِتْنة الكُفّار مِن الشرّ والفساد ما هو أكبر منه.

стр. 2486

فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مَضَرَّةُ كُفْره إلاَّ على نفسه؛ ولهذا قال الفقهاء: إنّ الداعية إلى البِدع المخالفةِ للكتاب والسنة؛ يعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت ... ". ٦ - النهي عن التحريق بالنّار: عن حمزةَ الأسلمي ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ أمَّره على سريَّة، قال: فخرجْتُ فيها، وقال: إنْ وَجدْتُم فلاناً فأحرقوه بالنار، فولَّيْتُ، فناداني فرجعتُ إليه، فقال: إنْ وجدتم فلاناً فاقتلوه، ولا تُحْرِقُوه، فإنّه لا يُعذِّبُ بالنار إلاَّ ربُّ النَّار" (١). وعن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة (٢) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تُفَرِّشُ (٣)، فجاء النبي ﷺ فقال: مَن فَجَع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها. ورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال من حَرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يُعذّب بالنار إلاَّ ربّ النار" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "بَعَثَنا رسول الله ﷺ في بعثٍ فقال: إنْ وجدْتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنّار، ثمّ قال رسول الله ﷺ -حين أردنا الخروج-: إنّي أمرتُكم أن تُحرقوا فلاناً وفلاناً، وإنَّ النّار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله،

стр. 2487

فإنْ وجدتموهما فاقتُلوهما" (١). وأمّا ما ورد في إحراق زروع الكفّار وقطْع أشجارهم، فهذا مِن باب قوله -تعالى-: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وقوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤). قال ابن القيم ﵀ في "أعلام الموقعين" (١/ ٣٢٨): "وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطْع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة، وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطْع نخل اليهود لما فيه مِن خزيهم، وهذا يدلّ على أنه -سبحانه- يُحبّ خزي الجاني الظالم ويُشرِّعُه". قلت: يُشير ﵀ إلى قوله- سبحانه-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ (٥) أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٦).

стр. 2488

عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ "حرَّق نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة (١)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ " (٢). قال أبو عيسى: "وقد ذهَب قومٌ من أهل العلم، إلى هذا، ولم يروا بأساً بقطع الأشجار، وتخريب الحصون، وَكَرِهَ بعضُهم ذلك وهو قول الأوزاعي، قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديقُ يزيدَ أن يَقطَع شجراً مُثمراً أو يُخرِّب عامراً، وعمل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطْع الأشجار والثمار، وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منهُ بداً، فأمَّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إسحق: التحريقُ سُنة إذا كان أنكى فيهم" (٣). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٥/ ٩) قوله (٤): " (بابُ قطعِ الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة؛ إذا تعيّنَت طريقاً في نكاية العدو، ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطْعُ الشجر المثمر أصلاً، وحَملوا ما ورَدَ مِن ذلك إمّا على غير المُثمر، وإمّا على أنّ الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير؛ كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور. وقال أيضاً (٦/ ١٥٥): وقد ذهَب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب

стр. 2489

في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجُّوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئاً مِن ذلك. وأجاب الطبري بأنَّ النَّهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقَع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قَتْل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيرُه: إنما نهى أبو بكر جيوشَه عن ذلك؛ لأنّه علم أنّ تلك البلاد ستُفتَح فأراد إبقاءها على المسلمين. والله أعلم". انتهى. قلت: والذي يترجّح لديّ أنّ الحرق والقطع ونحوَهما جائز بنص الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إلى الحاكم في الفعل والترك، فإنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار -ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ (١) - فعلَ ذلك، وإنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدةً مِن قطعها وحرْقها لم يفعل. أمّا أبو بكر ﵁ فإنّه لم يَفُتهُ دليل الكتاب والسنّة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدلّ على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركناً أو واجباً، أو مندوباً أوُ مستحَبّاً. وقد كان موقف أبي بكر ﵁ لمصلحةٍ رآها جمْعاً بين النصوص؛ والله -تعالى- أعلم (٢).

стр. 2490

٧ - النهي عن المُثلَة: كما في حديث بريدة ﵁ المتقدم "ولا تَمثُلُوا". أمّا ما ورد في حديث أبي قلابةَ عن أنس بن مالك ﵁: "أنّ رهطاً من عُكل -أو قال: عُرَيْنةَ، ولا أعلَمُه إلاّ قال: مِن عُكْلٍ- قَدموا المدينة، فأمَر لهم النبيّ ﷺ بِلِقاح (١)، وأمَرَهم أن يخرجوا فيشربوا مِن أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا برئوا قَتَلوا الراعي، واستاقوا النَّعَم، فبلغَ النبي ﷺ غُدوةً، فبعَث الطّلبَ في إثرِهم، فما ارتفَع النهار حتى جيء بهم، فأمَرَ بهم فقطَع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَر (٢) أعينهم، فأُلْقُوا بالحرّة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون" (٣). قال أبو قِلابةَ: "هؤلاء قوم سَرَقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله" (٤). وفي رواية: "فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٥) " (٦). وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ : "ونَزَلت فيهم آية المحاربة" (٧).
следующие страницы →