مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" (١).
ولن تصلَ الجماعة إلى تماسُكها؛ إلاَّ إذا بذَلَ لها كلّ فردٍ مِن ذات نفسه، وذاتِ يده، وكان عَوْناً لها في كلّ أمرٍ من الأمور التي تهمّها؛ سواءٌ أكانت هذه المعاونة معاونةً ماديةً أو أدبيةً، وسواءٌ أكانت معاونةً بالمال، أم العلم، أم الرأي، أم المشورة، قال ﷺ : "خير الناس أنفعهم للناس" (٢).
وعن أبي موسى ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "اشفعوا فَلْتُؤْجَروا" (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعتَه (٤)، ويَحُوطُه (٥) مِن ورائه" (٦).
قال الله- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٧).
стр. 2732
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "فهذا إِخبارٌ مِن الله -تعالى- بمحبته عبادَه المؤمنين إذا اصطفُّوا مُواجِهين لأعداء الله في حومة الوَغى، يُقاتِلون في سبيل الله مَن كفَر بالله، لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، ودينُه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.
وقال ابن عباس: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ مُثبَت لا يزول، مُلصَقٌ بعضُه ببعض. وقال قتادة: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ ألم تَرَ إلى صاحِب البنيان، كيف لا يُحبُّ أن يَخْتَلف بنيانه؟. فكذلك الله لا يُحبُّ أن يختلفَ أمرُه، وإنّ الله صفَّ المؤمنين في قتالهم، وصفَّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عِصمةٌ لمَن أخَذ به ... " (١)
لماذا هُزِم المسلمون ؟
لقد كثُرت على المسلمين النكبات والمصائب بعد القرون الخيرية، وطمع فينا الأعداء، وتداعَوا على أمّتنا؛ كما تتداعى الأكَلَةُ على قصعتها.
لقد احتلَّ المشركون والكُفَّار كثيراً من بلاد المسلمين وتسلَّطوا على أهلها، وعاثوا فساداً فيها؛ تقتيلاً وتذبيحاً وإهانةً وإذلالاً.
لقد مضى فينا قوله ﷺ : "يوشِك الأممُ أن تَدَاعى عليكم كما تَدَاعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: ومنْ قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ؛ ولكنَّكم غثاءٌ كغثاء السَّيْلِ، ولَيَنْزعنَّ اللهُ مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وَلَيقْذِفنَّ الله في قلوبكم الوَهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسول الله! وما الوَهْنُ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية
стр. 2733
الموت" (١).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "يُوشِكُ أهل العراق أنْ لا يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ ولا دِرهم. قلنا: مِنْ أين ذاك؟ قال: من قِبَلِ العَجَم. يمنعون ذاك. ثم قال: يُوشِك أهل الشَّأْم أن لا يُجْبَى إليهم دينار ولا مُدْيٌ.
قلنا: مِن أين ذاك؟ قال مِن قِبَلِ الرُّوم ثمّ أسْكَتَ (٢) هُنَيَّةً (٣).
ثمّ قال: قال رسول ﷺ : يكون في آخر أمَّتي خليفةٌ؛ يَحثي المال حَثْياً لا يَعُدُّه عدداً" (٤).
قال: قلتُ لأبي نضرةَ وأبي العلاء: أتريان أنّه عمرُ بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.
وقد قال الله- تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٥).
وقال -سبحانه-: ﴿وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٦).
وقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧).
стр. 2734
وقال -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١).
والنُّصوص التي تبشّر بالنَّصر في هذا الباب كثيرة معلومة قد ذَكَرْتُها تحت عنوان مستقلّ.
تأمّلات في الآيات المتقدّمة:
إنّ المتأمِّل في الآيات الكريمة يجد أنّ الله- تعالى- قد وعَد المؤمنين بالنَّصر، واشترط على الناس أن ينصروه حتى ينصرهم، وفي الآية الأخيرة قال ربُّنا - سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
فظهور الأمَّة على سائر الأمم؛ لا يكون إلاَّ بالعمل بمقتضى الرسالة: وهو الهدى ودين الحقِّ.
ولا بدَّ لنا أن نتعرَّف على صفات المؤمنين الذين لن يجعل الله للكافرين عليهم سبيلاً، والذين أخذ الله الحقَّ على نفسه؛ أن ينصُرهم ويجعلَهم سادة الأمم.
وهذه نماذجُ من صفات المؤمنين:
قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢).
قلوبهم وجلة بذكره -سبحانه-، وإيمانهم يزداد بتلاوة آياته.
стр. 2735
فكيف بمن هجَر الآيات؟!
وكيف بمن يفرح بالمعازف والأغاني؟!
وهل المعازف والأغاني هي مادَّة النّصر وسلاح المنتصرين؟!.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ولم يَفْهَم معنى التوكُّل إلاَّ القليل، وإذا ذكَّرْتهم بالتوكُّل على الله -تعالى- في الطعام والشراب قالوا: " ... فإنّ السماء لا تمُطِر ذَهَباً ولا فِضّةً" لا بدَّ من أخْذ الأسباب.
أوَليس النصر يا قوم يتطلَّب الأسباب!
وهل السماءُ تمُطِر نصراً!!!.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، بالمحافظة على مواقيتها وإسباغ الطَّهور فيها وإتمام ركوعها وسجودها ... فكيف بمن لا يُصلَّي!.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، إنها الزكاة والصدقة التي تطهرهم، قال -تعالى-: ﴿خُذْ من أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكّيهم بها﴾ ....
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، أي: المتصِّفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقَّ الإيمان -كما قال المفسِّرون-، لا بالدعوى ولا بالزعم؛ أنّ القلوب نقيَّة والأفئدة تقيّة ولو لم تُقَم الصلاة وتُؤْتَ الزكاة! وكم من قائلٍ هذه المقولة مِمَّن يحلمون بالنّصر!.
وقال- تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 2736
الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
ومن نماذج المجاهدين الخاشعين المنتصرين ما رواه جابر ﵁ قال: "خرَجْنا مع رسول الله ﷺ يعني في غزوة ذات الرِّقاع - فأصاب رجلٌ امرأةَ رجلٍ من المشركين، فحَلَف: أن لا أنتهيَ حتى أهريق دماً في أصحاب محمد، فخرَج يتبع أثرَ النبيّ ﷺ ، فنزلَ النبيّ ﷺ منزلاً، فقال: مَنْ رجلٌ يكْلَأُنا (٢)؟ فانتُدِب رجلٌ من المهاجرين، ورجلٌ من الأنصار، فقال: كُونا بفَمِ الشِّعْبِ. قال: فلمّا خرَج الرجلان، إلى فم الشعب اضطجع المهاجريُّ، وقام الأنصاريُّ يُصلّي، وأتى الرجل، فلمّا رأى شخصه؛ عَرَف أنّه ربيئةٌ (٣) للقوم، فرماه بسهمٍ فوضَعَه فيه، فنزعَه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركَع وسجَد، ثمّ انتبهَ صاحبه، فلمّا عَرَف أنهم نَذِروا (٤) به هَرَب، ولمّا رأى المهاجريُّ ما بالأنصاريِّ مِن الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أوّلَ ما رمى، قال: كنتُ في سورةٍ من القرآن فلم أُحِبَّ أن أقطعَها" (٥).
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، معرضون عن الباطل المتضمِّن الشركَ والمعاصي وما لا فائدة فيه مِن الأقوال -كما قال بعض المفسِّرين-.
стр. 2737
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، إلاَّ ما استثناه ربُّنا -سبحانه-، فكيف بمن يشتري بماله الأجهزة الفاسدة التي تملأ سمْعَه لغواً وتَعْرِض له العورات من أقصى البلاد؟
وكيف بمن يدفع بنفسه ليكون من العادين؟! وهل ينتصر العادون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.
عن ابن مسعود ﵁ قال: "القَتْل في سبيل الله يُكفِّر الذنوبَ كلَّها إلاَّ الأمانة".
قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإنْ قُتِلَ في سبيل الله-، فيقال: أدِّ أمانَتَك، فيقول: أيْ ربِّ! كيف وقد ذهَبَتِ الدنيا؟ فيُقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنْطَلَقُ به إلى الهاوية، وتمُثَّل له أمانتُه؛ كهيئتها يوم دُفِعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على مَنْكِبَيْه، حتى إذا ظنَّ أنّه خارجٌ؛ زلَّت عن مَنْكِبَيْه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين.
ثمّ قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، -وأشياءَ عدَّدَها-، وأشدُّ ذلك الودائع" (١).
وناشدتكم الله؛ هل ينتصر خائنُ أمانةٍ وناقضُ عهدٍ!.
وقال- تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ
стр. 2738
الْمَصِيرُ﴾ (١).
فأين موالاة المؤمنين؟ وأين معاداة الكافرين؟ وهل تأملون نصراً ممَّن وصفه الله بقوله ﴿فليس من الله في شيءٍ﴾؟
وأين نحن من قوله ﷺ : "ترى المؤمنين في تراحُمهم وتوادِّهم وتعاطُفهم؛ كَمَثَلِ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ؛ تداعى له سائر جسده، بالسهر والحمى" (٢)؟
وأين نحن من قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالْبُنيان يشدُّ بعضه بعضاً" (٣)؟
وقال- سبحانه-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، فكيف بمن يأمر بالمنكَر وينهى عن المعروف.
وقد قال- تعالى-: ﴿إِلاَّ تَفعَلُوهُ﴾ أي: أن يكون بعضكم أولياء بعض؛ كما هو شأن الكُفَّار في هذه المسألة. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٥)، ألسنا نعاين هذه الفتنة ونشهد هذا الفساد!.
وقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٦)، فأين طاعة الله في توحيده واتِّباع نبيِّه واجتناب البدع!.
стр. 2739
أين طاعة الله في الائتمار بما أمَر والانتهاء عمّا نهى وزجَر.
وقال -سبحانه-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (١)، فأَمارة الإيمان بالله واليوم الآخر هو الردُّ إلى الله ورسوله ﷺ عند التنازع.
فكيف بمن يدرس القانون البشري ليردَّ إلى الأحكام الوضعيَّة.
وهل يجلب النصرَ من يردُّ أموره وشؤونه إلى غير الله ورسوله ﷺ ؟! وقد قال -سبحانه-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢)، فمن كانت له الخِيَرة فيما يقضيه الله ورسوله من أمر؛ فليس له الخِيَرَة أن يطلب النَّصر أو المجد أو العزَّة.
وقال -سبحانه-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، وكيف ينتصر مَن كثُر حرجُه ممّا قضى لهم الشرع، وكانوا بمنأى عن التسليم له.
وقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٤)، وكم مِن هذه الأمّة ممّن قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، فكيف بمن نأى عن السماع وفرَّ من الاستماع؟!
стр. 2740
وهل هذه سمات المنتصرين!!.
وإليك - سدّدني الله وإياك:
عوامل الهزيمة وأسباب الدَّمار (١):
١ - ضعف الاهتمام بترسيخ الاعتقاد والإيمان وتحقيق التوحيد.
وسنَّةُ الله -تعالى- ماضيةٌ في نصر الدعاة إلى التوحيد؛ مِن الأنبياء والرُّسل ﵈ والصحابة ﵃.
٢ - ضعف الاهتمام بترسيخ التأسي والاقتداء بالنبيّ ﷺ ، والصحابة الكرام ﵃ ومنهج سلف الأمّة.
٣ - وكذلك الخَلَل في التوكل على الله -سبحانه-، قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
٤ - التنازع والاختلاف، وضعف الائتلاف. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا تختلفوا فإنّ مَنْ كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" (٤).
стр. 2741
عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيّ ﷺ بعَث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوَعا ولا تختلفا" (١).
٥ - التحايل على الدين، ولاسيّما في أمور التجارة والبيع والشراء وتقدّم غير بعيد حديث ابن عمر ﵄: "إذا تبايعتم بالعِينَة، ... ".
٦ - إدخال المظهريات الجوفاء والشكليات الخاوية في أمور الدين. "إذا زوَّقتم مساجدكم وحلَّيْتُم مصاحفكم فالدمار عليكم" (٢).
وأقول: وفي الحديث: "أيُّما أهلُ بيتٍ مِن العرَب والعجَم، أراد الله بهم خيراً، أدخَل عليهم الإسلام، ثمّ تقع الفتن كأنها الظُّلل (٣) " (٤).
"وخرَج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعه أبو عبيدة بن الجراح، فأتَوا على مخاضةٍ (٥) وعمرُ على ناقة، فنزَل عنها، وخلَع خفَّيه، فوضعَهما على عاتقه، وأخَذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة.
стр. 2742
فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا؟! تخلع خُفَّيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك!
فقال عمر: أَوْهِ (١)! لو يقل ذا غيرك يا أبا عبيدة؛ جعلته نَكالاً (٢) لأمَّة محمد ﷺ ، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّ بغير ما أعزَّنا الله به، أذلَّنا الله" (٣).
وفي رواية: "يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام؛ وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر: إنَّا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزَّ بغيره" (٤).
٧ - القتال تحت الرايات العُمِّيَّة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ خَرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات مِيتَةً جاهليِّةً. ومَنْ قاتل تحت رايةٍ عُمِّيَّةٍ، يغضب لِعَصَبَةٍ، أو يدعو إلى عَصَبَةٍ، أو يَنْصُر عَصَبةً، فقُتِل، فقِتْلَةٌ جاهليَّةٌ، ومَنْ خرَج على أمّتي، يضرب بَرَّها وفاجرَها، ولا يتحاشَ (٥) مِن
стр. 2743
مؤمنها، ولا يفي لذي عهْدٍ عَهْدَه، فليس منّي ولست منه" (١).
فعجباً كيف يقود الأعمى المبصرين إلى ساحة الوغى!
وعن أبي العَجْلان المُحارِبي قال: "كنت في جيش ابن الزبير، فتوفي ابن عمٍّ لي، وأوصى بجَمَلٍ له في سبيل الله، فقلت لابنه: ادفع إليَّ الجمل؛ فإنّي في جيش ابن الزبير، فقال: اذهب بنا إلى ابن عمر حتى نسألَه.
فأتينا ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنّ والدي تُوُفِّيَ، وأوصى بجملٍ في سبيل الله، وهذا ابن عمي، وهو في جيشِ ابن الزبير، أفأدفع إليه الجمل؟
قال ابن عمر: يا بُنيّ! إنّ سبيل الله كلُّ عملٍ صالح، فإنْ كان والدك إنّما أوصى بجمله في سبيل الله ، فإذا رأيت قوماً مسلمين يغزون قوماً مِن المشركين، فادفع إليهم الجمل؛ فإنّ هذا وأصحابَه في سبيل غلمانِ قومٍ أيُّهم يضع الطابَع" (٢).
٨ - عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لتأْمُرُنَّ بالمعروف، ولتنْهونَّ عن المنكر، ولَيوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقاباً منه، ثمّ تدعونه فلا يستجيب لكم" (٣).
٩ - استيلاء الغفلة والشهوة والذنوب، قال -تعالى-: ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا
стр. 2744
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ﴾ (١).
١٠ - عدم تحمُّل المسؤولية، قال ﷺ : "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته: الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسؤولةٌ عن رعيَّتها، والخادم راعٍ في مال سيِّده وهو مسؤولٌ عن رعيَّته" (٢).
١١ - البحث عن العزة بغير الدَّين، قال الله -تعالى-: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وفيه قول عمر ﵁ المتقدِّم: "إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزَّ بغير ما أعزَّنا الله به، أذلَّنا الله".
١٢ - عدم معرفة قدْر العلماء الرَّبانيين، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥).
وقال ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيهِ علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإنّ العالِم لَيسْتَغْفِرُ له مَن في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفَضْل العالم على العابد كفَضْل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء وَرَثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُورِّثوا
стр. 2745
ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العلم فمن أخذَه أخذَ بحظٍّ وافر" (١).
وإنّ العلماء وَرَثة الأنبياء، فيجب تحكيم ورثته ﷺ بعد وفاته.
وإنّك لتسمع في المصائب والملمّات والنّكبات: أين العلماء؟!.
فأقول: إن قوّة العلماء باستجابة الأمّة والمجتمعات. وهل أنتم مستجيبون لتوجيهات العلماء؟!
أين استجابتكم في تحقيق التّوحيد تفقُّهاً وعَمَلاً بمقتضاه؟!
أين استجابتكم في تحقيق اتباع النبيّ ﷺ واجتناب البدعِ والضَّلالات؟!
أين استجابتكم في الاقتداء بالصحابة ﵃؟!
أين استجابتكم في ترْك الربا والغيبة والنميمة؟!
أين استجابتكم في الائتمار بأوامِر الله واجتناب نواهيه؟!
فأين أنتم؟! أين أنتم؟! أين أنتم؟!.
١٣ - الخلاف بين الراعي والرعيَّة.
عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيارُ أئِمَّتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويُصلُّون عليكم وتُصلُّون عليهم، وشرارُ أئمّتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم وتَلْعنونهم ويَلْعنونكم.
قيل: يا رسول الله! أفلا نُنَابذُهم بالسّيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم
стр. 2746
الصلاة، وإذا رأيتم مِن وُلاتِكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمَله ولا تَنْزِعوا يداً مِن طاعةٍ" (١)
واعلم -رحمني الله وإياك- أنّ المجتمع يتكوَّن من الراعي والرعيّة والعلماء، فإذا لم يكن الحبُّ والتآلف والطاعة؛ كان الدَّمار والهزيمة، وتعطيل الجهاد في سبيل الله -تعالى-.
فيجب السعي لتحصيل التوافق المذكور؛ إذ هو من السُّنَنِ الكونية التي لا يمكن تجاهلها والتغافل عنها.
فالواجب على الحُكَّام أن يعلموا دورهم ومسؤوليتهم العظيمة؛ بالحكم بما أنزَل الله -تعالى-، والعمل بمقتضى الكتاب والسنَّة؛ والرجوع إلى العلماء الرَّبانيين؛ للإفادة منهم في ذلك. وعلى الأُمَّه طاعة الحُكّام والسلاطين والأمراء.
قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ١٧٠): "وأولو الأمر: أصحابُ الأمر وذووه؛ وهم الذينَ يَأْمُرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء؛ والأمراء. فإذا صلَحوا صَلَح الناس، وإذا فَسَدوا فَسَد الناس".
وقال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٣٩٤): "فإذا كان المقصودُ بالسلطان والمالِ؛ هو التقربَ إلى الله وإنفاقَ ذلك في سبيله، كان ذلك صلاحَ الدين والدنيا. وإنِ انفردَ السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان؛ فسَدَت أحوالُ الناس، وإنّما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية
стр. 2747
والعمل الصالح؛ كما في "الصحيحين" (١) عن النبيّ ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبِكم وأعمالِكم".".
وكذا ينبغي على العلماء أن يكونوا ربانيين، عاملين بمقتضى عِلْمهم، حتى يظلّوا في مقام الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.
١٤ - ترك الجهاد في سبيل الله -تعالى- عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتُم بالزَّرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يَنْزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم" (٢).
وعن أبي بكرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ترَك قوم الجهاد؛ إلاَّ عمَّهم الله بالعذاب" (٣).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (تحت الحديث ٢٦٦٣): "والحديث مِن أعلام نبوّته ﷺ كما يشهَد بذلك واقع المسلمين في كثيرٍ مِن البلاد، وما حادِثةُ مهاجمةِ اليهود للمسلمين، وهم سجود صُبْح الجمعة مِن رمضان، هذه السنة (١٤١٤) في مسجد الخليل في فلسطين ببعيد. وصدَق الله: ﴿ومَا أصَابَكُمْ مِن
стр. 2748
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١). أسال الله -تعالى- أن يُلهم المسلمين الرجوع إلى فَهْم دينهم فَهْماً صحيحاً، والعمل به ليُعزَّهم وينصرهم على عدوِّهم".
عجباً من التخبُّط والعشوائية في طلب النَّصر
بعد هذا أقول: لا يكاد ينتهي عجبي مِن الموازين المقلوبة، التي يَزِن بها أكثر الناس اليوم في شأن النَّصر والغَلَبة.
إنّهم يريدون النصر، ولكن لا أعلم بأيِّ ميزان -وإن كنت أعلم-!!
فلا هم بميزان الكُفَّار يَزِنون، فيقارنون القوة بالقوة والسلاح بالسلاح، والإعداد بالإعداد والأعداد بالأعداد. ولا هم بميزان المؤمنين يَزِنون، من الإعداد العقدي والروحي والمعنوي والمادي الممكن!
إنّها الدعوة إلى الجهاد مِن غير إعداد.
إنها الدعوة إلى الإغراق في حروب دون معرفة ما يُعَدُّ للحروب.
إنّها الدعوة إلى ميدان العسكرية؛ مع تجاهُل ما تتطلّبه العسكرية.
وإذا لم يأخذ المسلمون بأسباب النصر؛ وحصَلَت الهزيمة -لا قدر الله، فلْيَحْذروا من اتهام الله- ﵎ بما قضاه لهم به. عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "إن رجلاً أتى النبيّ ﷺ فقال: يا نبى الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله.
стр. 2749
قال: أريد أهونَ مِن ذلك يا رسول الله! قال: السَّماحة والصبر.
قال: أريد أهون مِن ذلك يا رسول الله! قال: لا تتَّهم الله ﵎ في شيءٍ قضَى لك به" (١).
وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢).
البشرى بانتصار المسلمين وانتشار الإسلام
لقد ورَدَت نصوص عديدة؛ تُبشّر بانتصار المسلمين وظهور الإسلام على الأديان كلِّها، والذي أَرمي إليه من هذا المبحث؛ ألاّ ييأس المسلم إذا رأَى ما عليه المسلمون الآن؛ مِن ضعف وهوان وشتات وضياع، ولتنبعثَ الِهمَم وتنشط، ويقوى الرجاء في القلوب ويعظُم، وليكون الإعداد للجهاد، كما أمَرَ الله -تعالى- والنصر آت بإذن الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
*قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
تُبشّرنا هذه الآية الكريمة بأنّ المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحُكمه
стр. 2750
على الأديان كلِّها، وقد يَظنُّ بعض الناس أنّ ذلك قد تحقَّق في عهده ﷺ ، وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقَّق إنما هو جزءٌ مِن هذا الوعد الصادق؛ كما أشار إلى ذلك النبيّ ﷺ بقوله:
"لا يذهبُ الليل والنهار حتى تعبد اللاّت والعُزّى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنّ ذلك تامّاً، قال: إنّهُ سيكونُ من ذلك ما شاء الله" (١) الحديث.
وقد وَرَدت أحاديثُ أخرى؛ توضح مبلغ ظهورِ الإسلام ومدى انتشاره؛ بحيث لا يَدَعُ مجالاً للشكِّ في أن المستقبل للإسلام -بإذن الله وتوفيقه-.
قال شيخنا ﵀: "وها أنا أسوق ما تيسَّر من هذه الأحاديث؛ عسى أن تكون سبباً لشحذِ هِمَم العاملين للإسلام، وحُجةً على اليائسين المتواكلين:
"إنّ الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنّ أمّتي سيبلغ مُلكُها ما زُوي لي منها" (٣). الحديث.
وأوضح منه وأعمّ الحديث التالي:
"ليَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغ الليلُ والنّهار، ولا يَتركُ الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ
стр. 2751
أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيزٍ، أو بذُلِّ ذليلٍ، عزّاً يُعزُّ الله به الإسلام، وذُلاًّ يُذِلُّ به الكُفرَ" (١).
ومما لا شكّ فيه؛ أن تحقيق هذا الانتشار، يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء؛ في معنوياتهم وماديّاتهم وسلاحهم، حتى يستطيعوا أن يتغلّبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يُبشِّرنا به الحديث [الآتي]:
"عن أبي قَبيلٍ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسُئل: أيُّ المدينتين تُفتَحُ أولاً: القسطنطينيةُ أو رُومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق، قال: فأخرَج منه كتاباً (٢)، قال: فقال عبد الله: بينما نحنُ حول رسول الله ﷺ نكتبُ؛ إذ سُئلَ رسول الله ﷺ : أيّ المدينتين تُفتَح أولاً أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينةُ هِرَقْل تُفْتَح أوّلاً. يعني قُسْطَنطينيَّة" (٣).
و (رومية): هي روما، كما في "معجم البُلدان" وهي عاصمة إيطاليا اليوم. وقد تحقَّق الفتح الأول على يدِ محمّد الفاتح العثماني؛ -كما هو معروف-، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة مِن إخبار النبيّ ﷺ بالفتح، وسيتحقّق الفتح الثاني بإذن الله -تعالى- ولا بد، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.
стр. 2752
ولا شك أيضاً أنّ تحقيق الفتح الثاني؛ يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمّة المسلمة، وهذا ممّا يُبشّرنا به ﷺ بقوله في الحديث:
"تكون النُّبوَّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على مِنهاج النُّبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون مُلكاً عاضّاً (١) فيكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء الله أن يرفعَها، ثمّ تكون مُلكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة، ثمّ سكَت" (٢).* (٣) انتهى.
ولمّا اشتدت العداوة مع اليهود؛ فلا بدّ من ذِكْر البُشرى بالانتصار عليهم.
فعن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "تقاتلون اليهود حتى يختبيَ أحدهم وراء الحجر، فيقول: يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله" (٤).
والنصوص في انتصار المسلمين وفتوحاتهم القادمة كثيرة والحمد لله، وأكتفي بما تقدّم.
-تم بحمد الله تعالى-