← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

أسباب النصر والتمكين (١) ١ - التوحيد قال -تعالى-: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (٢). ولا يُلقى الرعب في قلوب الكُفّار؛ إلاَّ إذا كان المسلمون موحِّدين حقّاً، ألا ترى ما كان مِن شأن الأعداء زمن الصحابة ﵃ فإنّه لم يكن لهم عليهِم مِن سبيل، ولكننا نراهم الآن قد تسلّطوا على المسلمين! فلا بُدّ من التوحيد، فإنّه حقّ الله على عباده، وهو سعادة الدارين. وكيف ينصُر الله -تعالى- أُناساً يُؤلهّون الملائكة والأنبياء والأولياء؟! كيف ينصُر الله أناساً اعتقدوا أنّ الله تفرّد بالخلق، ولم يتفرّد بالاستجابة؛ إلاّ بواسطة مخلوقاته؛ مِن أحياء وأموات، يرفعون له الدعاء والاستغاثة والتوسل؟! قال الله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).

стр. 2697

قال ابن كثير ﵀ -بحذف-: "هذا وَعْدٌ مِن الله لرسوله ﷺ ؛ بأنه سيجْعَل أمّته خلفاء الأرض، أي: أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلُح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمناً وحُكماً فيهم، وقد فعَل تبارك -وتعالى- ذلك، وله الحمد والمِنّة، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ ، حتى فتَح الله عليه مكّة وخيبر والبحرين، وسائرَ جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخَذ الجزية مِن مجوس هَجَر، ومِن بعض أطراف الشام، وهاداه هِرَقْل مَلِك الروم وصاحب مصر والاسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة ﵀ وأكرمه-. ثمّ لمّا مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده مِن الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ﵁، فلمَّ شَعْث ما وَهَى عند موته ﵊ وأطَّدَ جزيرة العرب ومهَّدها، وبعَث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁، ففتحوا طَرَفاً منها، وقتلوا خلقاً مِن أهلها، وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة ﵁، ومَن معه مِن الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتَح الله للجيش الشاميّ في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله ، واختار له ما عنده مِن الكرامة. ومَنّ على الإسلام وأهله؛ بأن أَلهْمَ الصِّديق أن استخلَف عمرَ الفاروق، فقام في الأمر بعده قياماً تامّاً، لم يَدُر الفَلَك بعد الأنبياء ﵈ على مثله، في قوة سيرته وكمال عَدْله، وتمّ في أيامه فتْح البلاد الشاميّة بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يدَه عن بلاد الشام فانحاز إلى القُسطنطينة،

стр. 2698

وأنفَق أموالَهما في سبيل الله، كما أخبَر بذلك ووعَد به رسول الله -عليه مِن ربّه أتمّ سلام وأزكى صلاة-. ثمّ لمّا كانت الدولة العثمانية (١)، امتدَّت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففُتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ؛ مما يلي البحر المحيط، ومِن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتِل كسرى، وباد مُلْكُه بالكُلّية، وفُتحت مدائن العراق، وخُراسان، والأهواز، وقَتَل المسلمون مِن الترك مقتلةً عظيمةً جداً، وخذَل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمْعِه الأمّة على حِفظ القرآن. ولهذا ثبَت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "إن الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغُ ملك أمّتي ما زُوي لي منها" (٣). فها نحن نتقلب فيما وعَدَنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشُكره على الوجه الذي يُرضيه عنّا. قال الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه": حدَّثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لا يزال أمْرُ الناس ماضياً ما وَلِيَهم اثنا عشر رجلاً ثمّ تكلَّم النبيّ ﷺ بكلمة

стр. 2699

خَفِيت عني فسألْتُ أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: كُلُّهم مِن قريش" (١). ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به (٢). وهذا الحديث فيه دِلالة على أنّه لا بُدّ من وجود اثني عشَر خليفةً عادلاً وليسوا هم بأئمّة الشيعة الاثني عشَر؛ فإنَّ كثيراً مِن أولئك لم يكن إليهم مِن الأمر شيء، فأمّا هؤلاء؛ فإنهم يكونون مِن قريش، يَلُون فيَعْدِلون، وقد وقَعَت البِشارة بهم في الكتب المتقدمة. ثمّ لا يُشتَرط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمّة متتابعاً ومتفرّقاً، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ ﵃، ثمّ كانت بعدهم فترة، ثمّ وُجِد منهم ما شاء الله، ثمّ قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقتٍ يعلمه الله، ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسمَ رسول الله ﷺ ، وكُنيته كنيتَه، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت جوراً وظلماً. [وعن] سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة -مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ يكون مُلكاً (٣) " (٤).

стр. 2700

وقوله -تعالى-: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ كما قال -تعالى- عن موسى ﵇، أنّه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٣). ثمّ ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ بعضاً مِن حديث عديِّ بن حاتم، وأرى مِن الفائدة أن أسوقه بتمامه: قال ﵁: "بَينا أنا عند النبيّ ﷺ إذ أتاه رجُلٌ فشكا إليه الفاقَةَ، ثمّ أتاه آخر فشكا إليه قَطْع السبيل، فقال: يا عديّ هل رأيت الحِيْرَة؟ قلت: لم أرها وقد أُنبِئتُ عنها. قال: فإنْ طالت بك حياة لتَرَّين الظّعينة (٤) ترتحل من الحِيرَة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلاَّ الله -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار (٥) طَيئ الذين قد سَعّروا البلاد؟ - ولئنْ طالت بك حياة لتُفتَحنّ كنوزُ كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بك حياة لتَرّين الرجل

стр. 2701

يُخرج ملءَ كفّه مِن ذهبٍ أو فِضة؟ يطلُب مَن يقبلُه منه فلا يجد أحداً يَقْبَلُه منه. ولَيلقَينّ الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه تُرجمانٌ يُترجم له، فيقولَنّ له ألم أبْعَث إليك رسولاً فيُبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالاً وأُفْضل عليك؟ فيقولُ بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلاّ جهنّم وَينظر عن يساره فلا يرى إلاَّ جهنّم. قال عديّ: سمعْتُ النبيّ ﷺ يقول: اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد شِقّ تمرة، فبكلمة طيّبة. قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل مِن الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلاَّ اللهَ، وكنتُ فيمن افتتَح كنوز كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبيّ أبو القاسم ﷺ يُخرج مِلءَ كفّه" (١). ثمّ ساق الحافظ ابن كثير بإسناد الإمام أحمد -رحمهما الله- إلى أُبيّ بن كعبٍ ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "بَشّر هذه الأُمّة بالسَّناء والرفعة، والدين والنّصر والتمكين في الأرض، فمَن عَمِل منهم عَمَل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب" (٢). ثمّ قال ﵀: وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. ثمّ ذكَر حديث أنس، أنّ معاذَ بنَ جبل حدّثه قال: "بينا أنا رديف رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه إلاّ أَخِرَة الرَّحْل، قال: يا معاذ، قلت: لبيّك يا رسول الله

стр. 2702

وسَعْديك، قال: ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حقّ الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقَّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً. قال: ثم سار ساعة، ثمّ قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيّك يا رسول الله وسعديك، قال: فهل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ حقّ العباد على الله أن لا يُعذّبهم" (١). وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرَج عن طاعتي بعد ذلك، فقد فَسَقَ عن أمر ربّه، وكفى بذلك ذنباً عظيما. فالصحابة ﵃، لمّا كانوا أقومَ النّاس بعد النبيّ ﷺ بأوامر الله ، وأطوعَهم لله- كان نصرُهم بحسبهم، وأظهروا كلمةَ الله في المشارق والمغارب، وأيّدهم تأييداً عظيماً، وتحكّموا في سائر العباد والبلاد، ولما قَصَّر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقَص ظهورُهم بحسبهم". ثم ذكَر الحافظ ابن كثير ﵀ حديث الطائفة الظاهرة المنصورة بروايات متعددة، انتهى. ٢ - اتباع منهج النبيّ ﷺ - ومن أسباب النصر اتباع مَنهجِ النبيّ ﷺ ، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَاَ آتاكم

стр. 2703

الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١). وفي الحديث: "نُصرت بالرعب مسيرةَ شهرٍ" (٢). وقال لنا شيخنا ﵀ في بعض مجالسه- بعد أن ذكَر الحديث الشريفَ: "وإذا تمسَّكَت الأُمّة بما كان عليه رسول الله ﷺ ؛ فإنّها تُنصَر مسيرةَ شهرٍ". قال شيخنا ﵀ في كتاب "منزلة السنّة في الإسلام وبيان أنّه لا يُستغنى عنها بالقرآن" (ص ٦) -بحذف-: "تعلمون جميعاً أنّ الله ﵎ اصطفى محمّداً ﷺ بنبوته، واختصّه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمَرَه فيه -في جُملة ما أمرَه فيه- أن يُبيِّنَه للنّاس، فقال -تعالى-: ﴿وَأَنزَلْنَاَ إِليكَ اَلذكرَ لِتُبَين للنَّاسِ مَا نُزِلَ﴾ (٣). والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة؛ يشتمل على نوعين من البيان: الأول: بيان اللفظ ونَظْمه، وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمّة، كما أنزَله الله ﵎ على قلبه ﷺ ، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٤). والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمَّة إلى بيانه،

стр. 2704

وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المُجْملة أو العامّة، أو المطلقة، فتأتي السنّة فتُوضّح المُجْمَل، وتُخصّص العام، وتُقيِّد المُطلق، وذلك يكون بقوله ﷺ ، كما يكون بفِعله وإقراره". ٣ - اتباع مَنْهج السلف الصالح ولا يتيسّر اتباع نبيّنا ﷺ إلاّ بحبّ السلف الصالح واتباع مَنهجهم السديد، وسبيلِهم الرشيد، فهم الذين نقَلُوا كتاب الله -تعالى- وسُنّة نبيه ﷺ ، وفَهْمُهم الكتاب والسُّنة، وعملُهم بذلك؛ مرجِعٌ ومَنْهَجٌ لمن بعدهم. قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وكان شيخنا ﵀ كثيراً ما يستدل بهذه الآية؛ مُبيِّناً أهمية العمل بمقتضى الكتاب والسُّنة؛ بفهم سلفِ الأُمّة. ولا يغيب عن بال كلِّ عاقل؛ أنّ فَهْمَ الكتاب والسنّة على منهج أصحاب رسول الله ﷺ ؛ سبب اجتماعٍ وائتلافٍ، ودرءٌ للخصام والاختلاف، وهذا سبيل النصر بإذن الله -تعالى-. وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظَنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة وَجِلت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون: فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مُودِّع فأوصِنا قال: أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيّ، وإنه مَن يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم

стр. 2705

بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ (١) وإيّاكم ومحُدثات الأمور، فإنّ كُل بدعة ضلالة" (٢). وفي رواية: "فقلنا يا رسول الله! إنّ هذه لموعظة مودعِّ، فماذا تَعْهَد إلينا؟ قال: قد تركْتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك، مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتُم مِن سُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة، وإنْ عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنِف (٣)، حيثما قِيْدَ انْقَاد" (٤). لقد قال ﷺ : "فعليكم بسنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عَضّوا عليها بالنواجذ" ولم يقل عضّوا عليهما، إذ ليس هنا أمرٌ باتباع سُنّتين، بل هما سُنّة واحدة، ولأنّ الخلفاء الراشدين ﵃ يعملون بسنة النبيّ ﷺ . ولقد أخَذ الصحابة عن الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين- وكانوا أحرص الناس على الخير. وفي الحديث: "ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين

стр. 2706

وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة، ستفترق على ثلاث وسبعين، ثِنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجَماعة" (١). وفي رواية: "ما عليه أنا وأصحابي" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: "لا تسبّوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة، خيرٌ مِن عمل أحدكم عُمُرَه" (٣). بعد أن فهِمْنا أن الصحابة أخَذُوا مِن الخلفاء الراشدين، نعلم إنّ اتباع منهاج الصحابة ﵃ اتباع لمنهاج الخلفاء، واتباع للسُنّة كذلك، واتباع السنّة؛ اتباعٌ للقرآن العظيم. إذا عرفْنا هذا التّدرج والتسلسل؛ علمْنا إذن أنّ مَن أخَذ عن الصحابة ﵃ فقد أخذَ عن الله -سبحانه- ومَن رفض منهاج الصحابة؛ فقد رفَض كتاب الله . وهنا نفهم سرّ ضلال وزيغ من كفَّر الصحابة -عياذاً بالله- إلاّ بضعاً منهم -على اختلاف رواياتهم-!!! فإنك ترى الذين كفّروا الصحابة ﵃ هم أنفسهم الذين لم

стр. 2707

يؤمنوا بالقرآن والسُّنّة، فلم تَعُدْ لهم ضوابطُ صحيحة تَحْكُمُهم. وما ضلّ الضالون وانحرف المُنحرفون، إلاّ لأنهم لم يتقيدوا بمنهاج السلف الصالح، ذلك لأنهم أطلقوا لعقولهم العنان في فهم الكتاب والسنّة، وبذلك تعدّدت المناهج والأفكار والدعوات والأحزاب، والكل يقول: نحن على الكتاب والسّنّة. وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تُقرُّ لهم بذاك (١). ٤ - العلم ومن أسباب النصر والتمكين؛ العلم، والعمل بمقتضاه، قال الإمام البخاري ﵀: "باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فاعلم أنّه لا إله إلاَّ الله﴾ (٢)، فبدأ بالعلِم ... " (٣). وقال الإمام البخاري ﵀ أيضاً: "باب قول النبيّ ﷺ : لا تزال طائفة مِن أمّتي ظاهرين على الحقّ يُقاتِلون، وهم أهل العلم (٤) " (٥). ثمّ ذَكر حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا

стр. 2708

يزال طائفة من أمّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمْرُ الله وهم ظاهرون" (١). ثمّ ذكَر حديث حميد قال: سمعت معاويةً بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال: سمعتُ النبيّ ﷺ يقول: "مَن يُرد الله به خيراً يُفقّهه في الدين، وإنّما أنا قاسم ويُعطي الله، ولن يزال أمْرُ هذه الأُمّة مستقيماً؛ حتى تقوم الساعةُ أو حتى يأتيَ أمرُ الله" (٢). قلت: وذِكْر الإمام البخاري- ﵀ هذا الحديث تحت الباب المذكور، يعني أنّ الذين وُفّقوا للتفقُّه في الدين، هم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحقّ والله -تعالى- أعلم. وقال عمر ﵁: "تفقّهوا قبل أن تُسوَّدوا" (٣). قال أبو عبد الله -يعني الإمام البخاري ﵀" ... وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلّم أصحاب النبيّ ﷺ في كِبَر سنّهم". ٥ - تزكية النفوس والائتمار بما أمر الله -تعالى- والانتهاء عما نهى -سبحانه -. قال -تعالى-: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤).

стр. 2709

وقال -سبحانه-: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌّ عزيزٌ﴾ (١). وقال: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (٢). وقال -تعالى-: ﴿وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٣). فمن هم المؤمنون المنصورون؟ قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). فمِن شأن المؤمنين أن تخاف قلوبُهم وتفزع عند ذكر الله -تعالى- فيسارِعون بالطاعات وأداءِ الفرائض والسُّنن، واجتناب المحرّمات والنواهي، وإِذا تُليت عليهم آياته -سبحانه- زادتهم تصديقاً، فخضَعت قلو بهم وجوارحهم وألسنتهم لله، بل وأقبلوا على الله بيقين. إنهم يتوكلون على ربِّهم -سبحانه- لا يرجون غيره، ولا يرغبون إلاّ إليه، وهم يوقنون أنّه لن يُخيِّبهم أو يردّهم. إنهم يقيمون الصلاة بالمحافظة على مواقيتها وما فيها من الأركان والواجبات والسنن، وقد قال ﷺ : "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم

стр. 2710

وصلاتهم وإخلاصهم" (١). إِنهم ينفقون مما أعطاهم الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢). ثمّ قال -سبحانه-: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المؤمُنونَ حَقّاً﴾ (٣). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "أي المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقّ الإيمان". ويتضمّن ما سَبق: ٦ - ترْك الذنوب والمعاصي والأهواء قال الله -تعالى-: ﴿فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله﴾ (٤)، فكيف تريد أمةٌ حَربَ المشركين والكفّار والملحدين وقد آذَنَها الله بالحرب. فالله أكبر مِن خلقه جميعاً، والله أعزُّ مما يُخاف ويُحذَر. فعلينا أن نزيل الخطر الذي ذكَر الله -تعالى- بكتابه، ولا ملجأ منه إليه، بترك اجتراح الخطايا واقتراف الذنوب، ثمّ نلتفت إلى ما بعده. وعن أبي عامر الهوزني قال: سمعت معاوية ﵁ يقول: "يا

стр. 2711

معشر العرب، والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيّكم لَغَيركم مِن الناس؛ أحرى أن لا يقوم به، إن رسول الله ﷺ قام فينا يوماً فذكَر أنّ أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً في الأهواء" (١). وقال الله -تعالى-: ﴿إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢). وجاء في "التفسير القيّم" (ص ٥٤٥): "وهل زالت عن أحد قطّ نعمةٌ إلاّ بشؤم معصيته، فإنّ الله إذا أنعم على عبدٍ نعمة حَفِظَها عليه، ولا يُغيّرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٣)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). ومَن تأمَّل ما قصَّ الله في كتابه مِن أحوال الأُمم الذين أزال نِعَمَه عنهم، وجَد سبب ذلك جميعه؛ إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رُسُله ﵈، وكذلك مَن نظَر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم مِن نِعمه، وجَد ذلك كلَّه مِن سوء عواقب الذنوب، كما قيل: إذا كنت في نعمةٍ فارْعَها ... فإنّ المعاصي تزيل النِّعَم

стр. 2712

فما حُفظت نعمةُ الله بشيءٍ قطّ، مِثْل طاعتهِ، ولا حَصَلت فيها الزيادة بمثلِ شُكره. ولا زالت عن العبد نعمة بِمثل معصيته لربّه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها؛ كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومَن سافر بفكره في أحوال العالم؛ استغنى عن تعريف غيرِه له". وقال شيخنا عقب كلام الحافظ ابن حجر -رحمهما الله تعالى- بعد وصف تردي الأحوال: "ما أشبه الليلة بالبارحة، بل الأمر أسوأ، فإنّه لا خليفةَ اليوم لهم، لا اسماً ولا رسماً، وقد تغلَّبت اليهود والشيوعيون والمنافقون على كثير مِن البلاد الإسلامية. فالله -تعالى- هو المسؤول أن يوفّق المسلمين أن يأتمروا بأمره في كل ما شَرَع لهم، وأن يُلْهِم الحُكّام منهم أن يتحدوا في دولة واحدة تَحْكُمْ بشريعته، حتى يُعزّهم الله في الدنيا، ويُسعِدَهم في الآخرة، وإلاّ فالأمر كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وتفسيرها في الحديث الصحيح: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذُلاّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، فإلى دينكم أيها المسلمون حُكّاماً ومحكومين" (٢). وقال شيخنا ﵀ تحت عنوان (الخلافة في قريش ما أطاعوا الله)

стр. 2713

وبعد ذِكر الحديث المتعلِّق به: "وهذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام نبوته ﷺ ، فقد استمرّت الخلافة في قريش عدّة قرون، ثمّ دالت دولتهم، بعصيانهم لربهم، واتباعهم لأهوائهم، فسلّط الله عليهم مِن الأعاجم مَن أخذ الحُكم من أيديهم وذلَّ المسلمون مِن بعدهم، إلاَّ ما شاء الله، ولذلك فعلى المسلمين إذا كانوا صادقين في سعيهم لإعادة الدولة الإسلامية، أن يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويتّبعوا أحكام شريعتهم، ومِن ذلك أنّ الخلافة في قريش بالشروط المعروفة في كُتُب الحديث والفقه، ولا يحكِّموا آراءهم وأهواءهم، وما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وإلاّ فسيظلون محكومين مِن غيرهم، وصدَق الله إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ والعاقبة للمتقين" (١). ٧ - ترك التحايل (٢) ويتفرّع من تزكية النفس والائتمار بأمر الله -تعالى- واجتناب نواهيه ترْك التحايل. أقول: ودراسة الحديث المُشار إليه "إذا تبايَعْتُم بالعِيْنَة (٣) وأخذتم أذناب

стр. 2714

البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم" (١)، مِن أهم النصوص في مبحثنا هذا؛ لاستجلاب النصر ورفع الذلّة والهوان، وكان شيخنا ﵀ يُكثر مِن افتتاحه بهذا الحديث العظيم؛ ليبيّن كيف تسعد الأمّة في الدارين. كيف تَنْتصر أمّة؛ وفيها مَن يتحايل في بيعها وشرائها؟! كيف تَنتصر أمّة؛ وفيها مَن همُّه الاستكثار من المال، مِن غير مبالاةٍ أمِن حرامٍ هو أمْ مِنْ حلال؟! لا بُدَّ مِن التجرُّد مِن أهواء النفوس وحظوظها. لقد قال ﷺ كلمة بيّنةً واضحة: "سلّط الله عليكم ذُلاً؛ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (٢) ". فمن قال: هذه فروع وقشور؛ فإنه مخُالِفٌ هدي النبيّ ﷺ ، فقد بيّن ﷺ أنّ الذّل لا يُنزع إلاّ بأمور؛ منها تَرْك التحايل. وليس ببعيدٍ عنّا ما جرى لليهود مِن ضروبٍ مِن التحايل ورَد ذكرها في الكتاب والسُنّة؛ كانت سبباً في عذابهم وإذلالهم. ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا

стр. 2715

قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وَلَقَدْ علمتم يا معشرَ اليهود، ما حَلّ مِن البأس بأهل القرية التي عصَت أمر الله وخالفوا عهدَه وميثاقه؛ فيما أخَذَه عليهم مِن تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعاً لهم، فتحيّلُوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص (٢) والحبائل والبِرَك قبل يوم السبت، فلمّا جاءت يومَ السبت على عادتها في الكثرة؛ نَشِبَت بتلك الحبائل والحِيَل، فلم تخلُص منها يومها ذلك، فلمّا كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلمّا فعلوا ذلك؛ مسَخَهم الله إلى صورة القِرَدة، وهي أشبه شيء بالأناسيّ في الشكل الظاهر، وليست بإنسانٍ حقيقة. فكذلك أعمالُ هؤلاء وحيَلُهم لمّا كانت مشابِهةً للحقّ في الظاهر ومخالِفةً له في الباطن، كان جزاؤهم مِن جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول -تعالى-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣)، القصة بكمالها". وذكر أهل التفسير أقوالاً في المراد بقوله -سبحانه-: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾. وقد رجّح ابن كثير منها أنّ المراد مَنْ بِحَضْرَتِها من القرى التي يبلغهم

стр. 2716

خبرُها، وما حلّ بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣). فجعلهم عبرةً ونكالاً لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً للمُتَّقِينَ﴾ ". وفي الحديث: "لعَن الله اليهود إن الله حرّم عليهم الشحوم؛ فباعوها وأكلوا أثمانها وإنّ الله إذا حرّم على قوم أكْل شيء؛ حرّم عليهم ثمنَه" (٤). ٨ - ترْك البِدَع ومن أسباب النصر والتمكين ترْك البِدع، ففي حديث العرباض بن سارية المتقدّم: " ... إنّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ... ". ثمّ كان بيان الدواء النبوي: " ... وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ بدعة ضلالة". فقد بيَّن رسول الله ﷺ أنّ البدع سببٌ في الاختلاف الكثير، وأنّ تَرْك المحدثات طريق النجاة والائتلاف. وإذا كانت كلّ بدعة ضلالة؛ فكيف يَنتصرُ الضالون؟!

стр. 2717

وإذا كانت البدعة تستجلب غضب الله؛ فكيف ينصرنا وهو غاضب علينا؟! وقد قال ﷺ : "إنّ الله حجَب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدَع بدعته" (١). وهل ينتصر إلاّ التائبون. ولا تنس أنّ المبتدع قد يبلغ أمره إلى حمْل السلاح ومقاتلة أهل الحقّ. فعن الحَكَم بن المبارك عن عمر بن يحيى قال: سمعْتُ أبي يحدِّث عن أبيه قال: "كنّا نجلس على بابِ عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرَج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرَج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرَج، فلمّا خرَج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إنّى رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرْتُه، ولم أرَ والحمد لله إلاَّ خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون الصلاة، في كلّ حلقةٍ رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبّروا مائة، فيكبّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيهلّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبّحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظار رأيك -أو انتظار أمرك-، قال: أفلا أمرْتَهم أن يعدّوا سيئاتهم، وضمِنْت لهم أن لا يضيع مِن حسناتهم شيء؟ ثمّ مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة مِن تلك الحلق، فوقَف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير

стр. 2718

والتهليل والتسبيح، قال: فعدُّوا سيئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ مِن حسناتكم شيءٌ؛ ويْحَكم يا أمّة محمّد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْل، وآنيته لم تُكْسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا والله: يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إنّ رسول الله ﷺ حدّثنا: أنّ قوماً يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثمّ تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: فرأينا عامّة أولئك الحلق يُطاعنونا يوم النّهروان مع الخوارج" (١). وهكذا لمّا ذكَر القومُ ربَّهم بغير هُدى أو نور مِن الكتاب والسنّة، واختاروا صراط البدعة؛ كانت عاقبة أمرهم أن يُطاعِنوا المسلمين ويقاتلوهم يوم النهروان مع الخوارج. وهكذا خَرج هؤلاء عن سبيل المؤمنين ابتداءً مِن التسبيح والتهليل والتكبير وهم لا يريدون إلاّ الخير بزعمهم، وكذلك ما أرادوا إلاّ الخير في قتال المسلمين يوم النهروان! فأيّ خير هذا الذي أبلَغَهم؛ أن يُطاعنوا المسلمين، ويسفِكوا دماءهم؟! (٢). ٩ - الإعداد العسكري قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٣).

стр. 2719

عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من فرسٍ عربيّ؛ إلاَّ يُؤذَن له عند كل سَحَر، بكلمات يدعو بهنّ: اللهم خوّلتني (١) مِن بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهلهِ ومالِه، أو مِن أحبِّ أهلهِ ومالِه إليه" (٢). هذا ولا بد من الإفادة مِن أهل العسكرية، وما يَتْبَع ذلك مِن تقنيات في ضوء الاستطاعة والقُدرة، مِن غير تقصير، ولكن ينبغي للمسلمين أن لا تضعُف هممهم ولا تفتر عزائمهم؛ إذا رأوا أَنهم أقلّ مِن الأعداء؛ عدداً أو عُدّةً أو سلاحاً، فهذا الحال الذي كان عليه النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃، وعليهم استكمال الأسباب المطلوبة الأخرى؛ مع عدم الإعجاب بالقوّة أو الكثرة. قال الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يذكُر -تعالى- للمؤمنين فضْله عليهم وإحسانَه لديهم في نَصْرِه إياهم في مواطنَ كثيرةٍ مِن غزواتهم مع رسوله، وأنّ ذلك من عنده -تعالى-، وبتأييده وتقديره، لا بعَدَدِهم ولا بعُدَدِهم ونبَّهَهم على أنّ النصر مِنْ عِنْده، سواء قلَّ الجمع أو كثُر، فإنّ يوم حُنين أعجَبَتْهم كثرتُهم، ومع هذا ما أجدى ذَلك عنهم شيئاً فولَّوْا مُدبرين إلاَّ

стр. 2720

القليلَ منهم مع رسول الله ﷺ . ثمّ أنزَل الله نصرَه وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ... ، ليُعلِمهم أنّ النصر مِن عنده -تعالى- وحده وبإمداده - وإنْ قلّ الجمع-، فكم مِن فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين". عن صهيبٍ ﵁ قال: "كان إذا صلّى (١) هَمس، فقال: أفطنتم لذلك؟ إني ذكَرْت نبيّاً من الأنبياء؛ أعطِيَ جنوداً مِن قومه، فقال: من يكافئ هؤلاء أو مَن يُقاتل هؤلاء؟ أو كلمةً شبهها، فأوحى الله إليه أنِ اختر لقومك إحدى ثلاث: أن أسَلِّط عليهم عدوَّهم أو الجوع أو الموت. فاستشار قومه في ذلك؟ فقالوا: نَكِلُ ذلك إليك أنت نبيّ الله، فقام فصلّى وكانوا إذا فَزِعوا، فزعوا إلى الصلاة، فقال: يا رَبّ أمّا الجوع أو العدوّ فلا، ولكن الموتَ، فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيام، فمات منهم سبعون ألفاً، فهَمْسِي الذي تَرون أنّي أقول: اللهمّ بك أقاتل وبك أصاول (٢) ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بك" (٣). وكأنّ الله -تعالى- قضى أنْ يتفوَّق الكُفَّار في العدد، والعُدّة، والتقدم العلميّ؛ لتظهَر معجزة أهل الإيمان، مع الإعداد الممكن، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٤).

стр. 2721

١٠ - الإعداد المعنوي (١) وهو الاستبشار بالنصر والتمكين والغَلَبة والفوز والنّجاح، وهو كذلك شجاعة النفس في الإقدام على الأمور بثقة واطمئنان وتفاؤُل. ويجب أن يكون هذا المعنى عند الإمام والقائد والعسكر والجُند والشعب وعامّه المجتمع. وينبغي على الحاكم أن يُوظّف الأجهزة التي تخدم هذا الهدف النبيل؛ بأحسن الوسائل وأفضلها، ويكون هذا بالفأل الصالح وعدم الطِّيرَة. وقال الإمام البخاري ﵀: في كتاب "الأدب المفرد" (باب التبرّك بالاسم الحسَن) (٢)، ثمّ ذكَر حديثَ عبد اللهِ بن السائب ﵁ أن النبيّ ﷺ عام الحديبية، حين ذكَر عثمانُ بنُ عفانَ أنّ سهيلاً قد أرسَلَه إليه قومه، فصالحوه، على أن يرجع عنهم هذا العام، ويخلوها لهم قابلَ ثلاثة، فقال النبيّ ﷺ حين أتى. فقيل: أتى سُهيل، "سهَّلَ الله أمرَكم" (٣). وعن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا عدوى (٤) ولا

стр. 2722

طِيَرة (١) ويعجبني الفأل (٢) الصالح: الكلمة الحسنة" (٣). وقد نهى الإسلام عن اليأس والقنوط، قال -تعالى-: ﴿إنه لا ييأسُ من روحِ الله

стр. 2723

إلاَّ القومُ الكافرون﴾ (١). ووجْه ذِكْر هذه الآية الكريمة؛ أنّ يعقوب حينما أُخبر بفقد ولده يوسف ﵉ حَزِن حُزناً شديداً، ثمّ أُخبر أنّ ابناً آخر له قد سَرَق، فازداد همُّه وبثُّه، ومع ذلك فإنّ يعقوبَ ﵇ قد قَوي رجاؤُه بالله -سبحانه-؛ أن يردّ له ولديه؛ كما قال -تعالى- في حقّه: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). وقال -سبحانه- في حقّه أيضاً: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. فتأمّل قوة رجائه بالله، وإحسانه الظنّ به -سبحانه-، مع ما قد عَلِمنا من عِظَم المصيبة وصعوبة الأمر. ومِن أفضل الوسائل في تحقيق المراد في القوة (المعنوية)؛ الإفادة من النّصوص المبشّرة بالنصر، وانتشار الإِسلام، وقد ذكَرْتُ ما تيسَّر منها تحت عنوان: (البشرى بانتصار المسلمين وانتشار الإِسلام) فالحمد لله تعالى على مَنّه وكرمه وإنعامه وتوفيقه. ١١ - التآلف واجتماع الكلمة، وعدم التفرق والاختلاف *لقد جاء الإسلام ليجمعَ القلبَ إلى القلب، ويَضمّ الصفّ إلى الصفّ، مُستهدِفاً إقامة كيان موحَّد، ومُتّقِياً عوامل الفُرقة والضعف، وأسبابَ الفشل

стр. 2724

والهزيمة، ليكون لهذا الكيان الموحَّد القدرةُ على تحقيق الغايات السامية، والمقاصدِ النبيلة، والأهدافِ الصالحة التي جاءت بها رسالته العظمى؛ مِن عبادة الله -تعالى-، وإعلاءِ كلمتِه، وإقامةِ الحقّ، وفِعْلِ الخير، والجهاد، من أجل استقرارِ المبادئ التي يعيش الناس في ظلّها آمنين. فهو لهذا كلِّه يُكوِّن روابط وصلات بين أفراد المجتمع، لتُنشئ هذا الكيان وتدعمه، وليست هذه كغيرها مِن الروابط المادية، التي تنتهي بانتهاء دواعيها، وتنقضي بانقضاء الحاجة إليها. إنّها روابطُ أقوى مِن روابط الدم، واللون، واللغة، والوطن والمصالح المادّية، وغير ذلك مما يَربِطُ بين الناس. وهذه الروابط مِن شأنها أن تجعل بين المسلمين تماسُكاً قويّاً، وتُقيمَ منهم كياناً يستعصي على الفرقة وينأى عن الخَلل. إِنّه رباط الإيمان، فهو المحور الذي تلتقي عنده الجماعة المؤمنة، فالإيمان يجعلُ في المؤمنين إخاءً أقوى مِن إخاء النسب: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ (١)، ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياءُ بعضٍ﴾ (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمه، ولا يُسْلِمُه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجتهِ" (٣).

стр. 2725

وطبيعة الإيمان تَجْمَع ولا تُفرّق، وتُوحّد ولا تُشتّت. عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : المؤمن يَألَفُ ويُؤْلَفُ، ولا خير فيمن لا يَأَلف ولا يُؤلَف" (١). والمؤمن قوّةٌ لأخيه. عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضاً" (٢). وهو يحس بإحساسه، ويشْعُر بشعوره، فيفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويرى أنّه جزء منه. عن النعمان بن بشير قال: "قال رسول الله ﷺ : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطُفهم كمَثلِ الجسدِ؛ إذا اشتكى عُضوٌ تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحُمّى" (٣). والإسلام يدعم هذا الرباط، ويقوّي هذه العلاقة، بالدعوة إلى الاندماج في الجماعة، والانتظام في سِلْكها، وينهى عن كلّ ما مِن شأنه أن يوهن مِن قُوّته، أو يُضعف مِن شدّته، فالجماعة دائماً في رعاية الله وتحت يده. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يدُ الله مع الجماعة" (٤).

стр. 2726

وهي المتنفس الطبيعي للإنسان، ومن ثمّ كانت رحمة. عن النعمان بن بشير ﵁ قال: "قال النبيّ ﷺ : الجماعة رحمة، والفُرقة عذاب" (١). فالصلاة تُسَنُّ فيها الجماعة، وهي تَفْضُل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة" (٢). والزكاةُ معاملةٌ بين الأغنياء والفقراء، والصيامُ مشاركةٌ جماعية، ومساواةٌ في الجوع؛ في فترةٍ مُعيَّنة مِن الوقت، والحجّ ملتقى عامّ [يجتمع فيه مَن استطاع مِن المسلمين مِن أطراف الأرض كلّ عام، وقد قال ﷺ في الاجتماع على قراءة القرآن وتدارُسه]: "وما اجتمعَ قوم في بيتٍ مِن بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلاَّ نَزَلَت عليهم السكينة، وغَشِيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكَرَهم الله فيمن عنده" (٣). ولقد كان الرسول ﷺ يحرص على أن يجتمع المسلمون، [ظاهراً وباطناً] إذ الارتباط بين الظاهر والباطن وثيق لا انفصام بينهما. قال شيخنا ﵀ في "حجاب المرأة المسلمة" (ص ١٠٨): "وهذا الارتباطُ بين الظاهر والباطن؛ ممّا قرَّره ﷺ في قوله الذي رواه النعمان بن بشير

стр. 2727

قال: "كان رسول الله ﷺ يُسوّي صفوفَنا حتى كأنما يسوي بها القِداح (١)، حتى رأى أنّا قد عَقَلْنا عنه، ثمّ خرَج يوماً فقال: عبادَ الله لتُسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالِفنّ اللهُ بين وجوهكم (٢)، وفي رواية: قلوبكم" (٣). فأشار إلى أنّ الاختلاف في الظاهر -ولو في تسوية الصفِّ- مما يوصل إلى اختلاف القلوب، فدلَّ على أنّ الظاهر له تأثيرٌ في الباطن، ولذلك رأيناه ﷺ ينهى عن التفرُّق حتى في جلوس الجماعة، ويحضرني الآن في ذلك حديثان: ١ - عن جابر بن سمرة قال: "خرَج علينا رسول الله ﷺ فرآنا حِلَقاً فقال: مالي أراكم عزين؟! (٤) " (٥). ٢ - عن أبي ثعلبة الخشني قال: "كان الناس إذا نَزَلوا منزلاً تفرّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : إنّ تفرّقَكم في هذه الشعاب والأودية إنّما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلاً، إلاَّ انضَمَّ بعضُهم إلى بعض، حتى يُقال: لو بُسط عليهم ثوب لعمَّهم" (٦).

стр. 2728

وقال شيخنا ﵀ في التعليق: "إذا كان مثل هذا التَفرُّق الذي إنما هو في أمر عاديّ مِن عمل الشيطان، فما بالك بالتّفرُّق في الدين، وفي أعظم أركانه العملية؛ كالصلاة مَثَلاً، حيث نرى المسلمين يتفرقون فيها وراء أئمّة متعدّدة في مسجدٍ واحد، أفليس ذلك مِن الشيطان؟ بلى وربي، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) " انتهى. وإذا كانت الجماعة هي القوةَ التي تحمي دين الله، وتحرُس دنيا المسلمين، فإنّ الفرقة هي التي تقضي على الدين والدنيا معاً. ولقد نهى الإسلام أشد النهي عن الفُرقة، إذ هي الطريق المفتوح للهزيمة، ولم يؤتَ أهل الإسلام مِن جهةٍ كما أُتيَ مِن جهةِ الفُرقة التي ذهَبَت بقوّتهم، والتي تخلّف عنها: الضر، والفشل، والذلّ، وسائر ما يعانون منه. قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكُم﴾ (٣)، وقال -تعالى-: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ (٤). قال الإمام ابن جرير ﵀: "أي تعلّقوا بأسباب الله جميعاً؛ يريد بذلك -تعالى ذِكْره- وتمسّكوا بدين الله الذي أمَرَكم به، وعَهْدِه الذي عَهِده

стр. 2729

إليكم؛ في كتابه إليكم؛ من الألفة والاجتماع على كلمة الحقِّ، والتَّسليم لأمر الله". قال ابن كثير ﵀: "أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في "صحيح مسلم" (١) من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاّهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ المالِ" (٢) وهكذا يعمل الإسلام على تحقيق هذه الروابط، حتى يبنيَ مجُتمَعاً متماسِكاً، وكياناً قوياً، يستطيع مواجهةَ الأحداث، وردَّ عدوان المعتدين، وما أحوجَ المسلمين في هذه الآونة إلى هذا التجمّع. إنهم بذلك يقيمون فريضةً إسلاميةً، ويحققون قُوّةً عسكريةً، تحمي وجودهم، ووحدة اقتصاديةً توفّر لهم كلّ ما يحتاجون إليه مِن ثروات. لقد ترَك الأعداء آثاراً سيئةً، مِن ضعفٍ في التديّن، وانحطاطٍ في الخُلُق، وتخلُّفٍ في العِلم، ولا يمكن القضاء على هذه الآفات الاجتماعية الخطيرة، إلاَّ إذا عادَت الأمّة مُوحّدةَ الهدف، مُتراصّة البنيان، مجُتمِعة الكلمة؛ كالبنيان المرصوص،

стр. 2730

يشدُّ بعضه بعضاً.* (١) والتآلف والاعتصام؛ لا يكون إلاَّ على حبل الله، فهذا هو الاجتماع الممدوح المشروع. وحبل الله: هو كتاب الله- تعالى- المتضمّن سنّة نبيِّه المطهرة. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : كتاب الله: هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (٢). وعن أبي شريح الخزاعي قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أبشروا أبشروا؛ أليسَ تشهدونَ أنْ لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإنّ هذا القرآن سببٌ طَرَفُهُ بيد الله، وطَرَفُهُ بأيديكم، فتمسّكوا به؛ فإنكم لنْ تَضِلّوا ولن تَهْلَكُوا بعدَهُ أبداً" (٣). وقد ضُمِنتْ لهم العِصْمةُ -عند اتفاقهم- من الخطأ، كما وردَت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخِيفَ عليهم الافتراق، والاختلاف، وقد وقَع ذلك في هذه الأمّة؛ فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلّمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه. عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا تختلفوا، فإنّ

стр. 2731

مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" (١). ولن تصلَ الجماعة إلى تماسُكها؛ إلاَّ إذا بذَلَ لها كلّ فردٍ مِن ذات نفسه، وذاتِ يده، وكان عَوْناً لها في كلّ أمرٍ من الأمور التي تهمّها؛ سواءٌ أكانت هذه المعاونة معاونةً ماديةً أو أدبيةً، وسواءٌ أكانت معاونةً بالمال، أم العلم، أم الرأي، أم المشورة، قال ﷺ : "خير الناس أنفعهم للناس" (٢). وعن أبي موسى ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "اشفعوا فَلْتُؤْجَروا" (٣) وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعتَه (٤)، ويَحُوطُه (٥) مِن ورائه" (٦). قال الله- تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٧).

стр. 2732

قال الحافظ ابن كثير ﵀: "فهذا إِخبارٌ مِن الله -تعالى- بمحبته عبادَه المؤمنين إذا اصطفُّوا مُواجِهين لأعداء الله في حومة الوَغى، يُقاتِلون في سبيل الله مَن كفَر بالله، لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، ودينُه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. وقال ابن عباس: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ مُثبَت لا يزول، مُلصَقٌ بعضُه ببعض. وقال قتادة: ﴿كأنهم بنيانٌ مرصُوصٌ﴾ ألم تَرَ إلى صاحِب البنيان، كيف لا يُحبُّ أن يَخْتَلف بنيانه؟. فكذلك الله لا يُحبُّ أن يختلفَ أمرُه، وإنّ الله صفَّ المؤمنين في قتالهم، وصفَّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عِصمةٌ لمَن أخَذ به ... " (١) لماذا هُزِم المسلمون ؟ لقد كثُرت على المسلمين النكبات والمصائب بعد القرون الخيرية، وطمع فينا الأعداء، وتداعَوا على أمّتنا؛ كما تتداعى الأكَلَةُ على قصعتها. لقد احتلَّ المشركون والكُفَّار كثيراً من بلاد المسلمين وتسلَّطوا على أهلها، وعاثوا فساداً فيها؛ تقتيلاً وتذبيحاً وإهانةً وإذلالاً. لقد مضى فينا قوله ﷺ : "يوشِك الأممُ أن تَدَاعى عليكم كما تَدَاعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: ومنْ قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ؛ ولكنَّكم غثاءٌ كغثاء السَّيْلِ، ولَيَنْزعنَّ اللهُ مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وَلَيقْذِفنَّ الله في قلوبكم الوَهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسول الله! وما الوَهْنُ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية

стр. 2733

الموت" (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "يُوشِكُ أهل العراق أنْ لا يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ ولا دِرهم. قلنا: مِنْ أين ذاك؟ قال: من قِبَلِ العَجَم. يمنعون ذاك. ثم قال: يُوشِك أهل الشَّأْم أن لا يُجْبَى إليهم دينار ولا مُدْيٌ. قلنا: مِن أين ذاك؟ قال مِن قِبَلِ الرُّوم ثمّ أسْكَتَ (٢) هُنَيَّةً (٣). ثمّ قال: قال رسول ﷺ : يكون في آخر أمَّتي خليفةٌ؛ يَحثي المال حَثْياً لا يَعُدُّه عدداً" (٤). قال: قلتُ لأبي نضرةَ وأبي العلاء: أتريان أنّه عمرُ بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. وقد قال الله- تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٥). وقال -سبحانه-: ﴿وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين﴾ (٦). وقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧).

стр. 2734

وقال -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١). والنُّصوص التي تبشّر بالنَّصر في هذا الباب كثيرة معلومة قد ذَكَرْتُها تحت عنوان مستقلّ. تأمّلات في الآيات المتقدّمة: إنّ المتأمِّل في الآيات الكريمة يجد أنّ الله- تعالى- قد وعَد المؤمنين بالنَّصر، واشترط على الناس أن ينصروه حتى ينصرهم، وفي الآية الأخيرة قال ربُّنا - سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. فظهور الأمَّة على سائر الأمم؛ لا يكون إلاَّ بالعمل بمقتضى الرسالة: وهو الهدى ودين الحقِّ. ولا بدَّ لنا أن نتعرَّف على صفات المؤمنين الذين لن يجعل الله للكافرين عليهم سبيلاً، والذين أخذ الله الحقَّ على نفسه؛ أن ينصُرهم ويجعلَهم سادة الأمم. وهذه نماذجُ من صفات المؤمنين: قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢). قلوبهم وجلة بذكره -سبحانه-، وإيمانهم يزداد بتلاوة آياته.

стр. 2735

فكيف بمن هجَر الآيات؟! وكيف بمن يفرح بالمعازف والأغاني؟! وهل المعازف والأغاني هي مادَّة النّصر وسلاح المنتصرين؟!. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ولم يَفْهَم معنى التوكُّل إلاَّ القليل، وإذا ذكَّرْتهم بالتوكُّل على الله -تعالى- في الطعام والشراب قالوا: " ... فإنّ السماء لا تمُطِر ذَهَباً ولا فِضّةً" لا بدَّ من أخْذ الأسباب. أوَليس النصر يا قوم يتطلَّب الأسباب! وهل السماءُ تمُطِر نصراً!!!. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، بالمحافظة على مواقيتها وإسباغ الطَّهور فيها وإتمام ركوعها وسجودها ... فكيف بمن لا يُصلَّي!. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، إنها الزكاة والصدقة التي تطهرهم، قال -تعالى-: ﴿خُذْ من أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكّيهم بها﴾ .... ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، أي: المتصِّفون بهذه الصفات هم المؤمنون حقَّ الإيمان -كما قال المفسِّرون-، لا بالدعوى ولا بالزعم؛ أنّ القلوب نقيَّة والأفئدة تقيّة ولو لم تُقَم الصلاة وتُؤْتَ الزكاة! وكم من قائلٍ هذه المقولة مِمَّن يحلمون بالنّصر!. وقال- تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
следующие страницы →