← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة]ـ المؤلف: حسين بن عودة العوايشة الناشر: المكتبة الإسلامية (عمان - الأردن)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان) الطبعة: الأولى، من ١٤٢٣ - ١٤٢٩ هـ (ينظر التفصيل بأول كل جزء) عدد الأجزاء: ٧ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الأول كتاب الطهارة - كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 5

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 6

مقدّمة المؤلف إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،

стр. 7

فإِنَّني رأيتُ حاجة الأمَّة مُلحَّةً لكتاب فقهيٍّ: شامل، ميسَّر، مُدعَّم بالأدلَّة الثابتة، بعيدٍ عن الغُموض والتَّعقيد والخلافات الفقهيَّة، يفيد من أقوال أهل العلم؛ من غير تعصُّب لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء. وتأمَّلت الكتبَ الموجودة؛ قديمها وحديثها، فرأيتُ الحاجة المُبتغاة مُتناثرة هنا وهناك، ورأيت أقربها إِلى هذا المطلب كتاب "فقه السنَّة" للسَّيد سابق -حفظه الله- تبويباً وترتيباً وتيسيراً وعرضاً وتناولاً؛ فقد أدَّى كتابُه نفعاً عظيماً وجُهداً مباركاً، وقد استفدْتُ منه في كتابي هذا، ولا سيّما في كثيرٍ من العناوين والأدلّة، وكذلك من بعض عناوين المعلِّق على "الروضة الندية" للشيخ محمد الحلاق -حفظه الله- أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منِّي ومنه. بَيْد أنَّ الحاجة -فيما أرى- ما تزال مُلحَّة لوجود الكتاب الذي ذكرْتُ سماته في بداية حديثي، لأمور حديثيَّة وفقهيَّة وغير ذلك. لذلك؛ شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ، وأنا أعلمُ أنَّ الطريق طويلٌ، والجهد عظيمٌ؛ لأقوم بهذا العمل النافع المبارَك بإِذن الله. وأرجو أن أنتفع من إِخواني بنصيحة أو توجيه أو اقتراح أو تصويب؛ فالمؤمن مرآة المؤمن؛ ليكون الكتاب على خير وجه -بإِذن الله تعالى-. هذا، وقد رجعْتُ لشيخنا الألباني -شفاه الله تعالى وعافاه- في كثير من المسائل، فاستفدْتُ منه، وأنِسْتُ برأيه، فجزاه الله عنِّي وعن المسلمين خيراً. ولعلك سترى بعد ذكر كلمة (شيخنا) (١) مرّة -حفظه الله تعالى- ومرّة -شفاه الله وعافاه- وقد ترى كلمة -شفاه الله وعافاه- قبل أو بعد

стр. 8

-حفظه الله تعالى- ذلكم أنه قد اشتدّ بشيخنا المرض في فترةٍ من الفترات، ثمَّ تحسَّن حاله، ثمَّ عاوده المرض. كما أننّي كتبتُ بعض العبارات وهو يستمتع بالصحة والعافية، وعند تصحيح التجارب كان في مرضه، وهأنذا الآن على وشك الانتهاء من الكتاب، وقد اشتدّ به المرض، وهو على حالٍ لا أستطيع وصْفها تُذكِّرنا بمقولة قتيبة ابن سعيد -في حياة أحمد بن حنبل ﵀ قال: "مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع". أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (١٢٥٤) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ٢٥٠) (١). ولا أدري ما أقول! هل فقْدنا شيخنا الوالد عبد العزيز بن باز ﵀ هيّأنا للمصاب الجلل الذي سيحلّ بالأمّة، أم أنّ ما نترقبّه من عظيم المصاب يهيّج أحزاننا على فراقه، وهذا كما قال الشاعر: فقُلت له إِنّ الشجى يبعث الشجى ... فدعني فهذا كلّه قبر مالك أسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم أن يتقبَّلَ منِّي عملي، وأن ينفَعني به وإِخواني المسلمين، وأن لا يجعل لأحدٍ منه شيئاً؛ إِنَّه سبحانه على كلِّ شيء قدير. ثمَّ وقعت مصيبة الموت وكان ذلك قبل مغرب يوم السبت بساعة ونصف تقريباً لثمانية أيّام بقين من شهر جمادى الآخر سنة ١٤٢٠ هـ الموافق

стр. 9

٢/ ١٠/١٩٩٩م فإِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون، ونقول: "إِنَّ العين لتدمع، وإِنَّ القلب ليحزن، وإِنّا بفراقك يا شيخنا الألباني لمحزونون". ورحم الله فقيه المحدثين ومحدّث الفقهاء وشيخ الإِسلام في هذا الزمان، وأجزل له المثوبة والأجر، وجمَعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وقد قلت أيام حياته -رحمه الله تعالى-: لولا تفضُّلُ ربِّنا الرحمنِ ... بلقائكم يا شيخنا الألباني ما كنتُ أشعر بالحياة وطعمها ... ولَما استطَبْتُ العيش في عمّانِ علّمتنا كيف النّجاة ننالُها ... فالحمد للغفّار للمنّانِ إِني سألْتُ الله أن ألقاكمُ ... في جنّة الفردوس خير جنانِ ومع الأحبّة والأعزّة كلُّهم ... يا حبّذا عيشي مع الإِخوانِ لا تحسبنّ القول نفثة شاعر ... أو أنّني قد هِمْت في الودْيانِ فالكذْب ليس بجائز في ديننا ... لكنّها مِن غربة الإِيمانِ وأقول الآن بعد مماته ﵀: ودّعتنا يا شيخنا الألباني ... وادَمعَتَا للعالِم الرباني فارقْتنا والحزن ليس مفارقي ... والدمع يعشق بعدكم أجفاني أسفي على الدنيا بفقد إِمامنا ... والحزن بعدك شيخنا يهواني يا شيخنا إِنّ القلوب تفطرت ... هذا عزائي أيها الثقلان

стр. 10

سأظل أذكركم ويذكرني الشجى ... حتى يوافيَ قبريَ الملكان قلبي يتاجر بالهموم فمن أتى ... سيرى به سوقاً من الأحزانِ أنظل نفرح بالربيع وزهره ... وكذا بماءٍ صبَّ في الوديانِ أم سوف يبهجنا هديل حمائمٍ ... لما تبدّى الحزن من عمّانِ أم سوف يُمتعنا السكون بليله ... حين اختفى عن أمّتي القمرانِ لمّا قضى عبد العزيز إِمامنا ... ثمّ افتقَدنا بعده الألباني ماذا يعيد إِلى القلوب سرورَها ... ماذا يبدّد مبعثَ الأشجان كيف السبيل إِلى ابتسام شفاهنا ... تالله ليس لنا سوى الرحمنِ ذاك الثرى قد ضمّ أغلى عالمٍ ... فلتهنئي يا تربة (الهملان) (١) ورجاؤنا استغفار نملٍ شيخنا ... لكمُ ونرجو ذاك في الحيتان منهاجَ خير الناس قد بصّرتنا ... أرشدتنا نحيا مع البرهانِ عرَّفتنا هدي النبي وصحبه ... تالله هذا منهج القرآن علّمتنا حبّ النبي وآله ... حفّزتنا نسعى إِلى الغفرانِ في دقّة الأقوال قد مرّستنا ... درّبتنا نمضي إِلى الإِحسان تالله شمس علومكم ما كُوّرت ... تكوير شمسٍ جاء في القرآنِ وبحار فهمك شيخنا ما سُجّرت ... ستظل مغدقةً مع الأزمانِ لكن بحار الكون يأتيها الفنا ... تسجيرها آتٍ بغير توانِ أمّا انكدار النجم فهو محقّقٌ ... هذي عقيدتنا بلا نكرانِ حين انكدار النجم يلمع علمكم ... وبه المفازة بالمنى وجنان من للحديث مصححاً ومضعّفاً ... إِني شكوت البثّ للرحمن

стр. 11

من للفتاوى حين يعضل أمرها ... مِن بعد فقدِك رائد الفرسان من ذا يصدُّ المُحدِثين وكيدَهم ... ويردُّ ما قالوا من الطغيان من ذا سيُفحم كل صاحب بدعةٍ ... من ذا سيلجم هجمة الفتانِ إِنً الذي قد قال إِنك مرجئٌ ... لا يعرف التأصيل في الإيمان كبُر الكلام خروجه وقبوله ... من فيه شخصٍ خاض في البهتان من قال ذا الإِيمانُ ليس بثابتٍ ... هو في ازديادٍ بل وفي نقصانِ أو قال إنَّ الضُّر قد مس الفتى ... حين اقتراف الذنب والعصيانِ أو قال سبُّ المسلمين مُفسِّقٌ ... وقتالهم يهدي إِلى الكفرانِ كان المصيبَ وليس ذاك بمرجئ ... هذا -وربي- الحقُّ يا إِخواني فاترك هواك فإِنه لك قاتلٌ ... وحذارِ أن تبقى على الهذيانِ إِنَّ الهوى في قتلكم متجاهلٌ ... دِيَةً ولم يورِث سوى الخسران أو قائل ما أنت غيرَ محدّث ... في الفقه ما عرفوا لكم من شانِ ذاك امرؤٌ في جهله متخبّطٌ ... إِنّ الجحود طبيعة الإِنسان روّى الورى من فقهه فتأمّلن ... "صفةَ الصلاة" مصنفَ الألباني "أدب الزفاف" دقائقٌ ولطائفٌ ... "إِرواؤُه" كالماء للعطشانِ وكفى بـ "حكام الجنائز" درّةً ... بيّنتَها للناس خير بيان إنّ "الصحيحة" قد تعاظم نفْعها ... منها عبيق المسك والريحان و"مناسك الحج" التي صنّفتها ... كانت وربّي تحفة الخلاّنِ إِغفالكم إِغفال سنّة أحمدٍ ... نسيانكم ضربٌ من العصيان مهما حييتُ فلست أنسى فضلكم ... إِني أخاف الله أن ينساني

стр. 12

لو كان ذلك جائزاً لوجدتني ... والله في عجزٍ عن النسيانِ أنا في قيامي للصلاة لخالقي ... لا بد من ذكري إِمامي الحاني لا بُدّ من ذكر الذي قد قاله ... في ذي الصلاة وسائر الأركانِ في الحجّ ماذا قال أو أفتى به ... في الصوم في الصدقات في الإِحسانِ لمّا يسبّح بعضهم في سبحةٍ ... قد كان يذكر أحمد العدناني فيقول هذا لم يَرِدْ في ديننا ... ولذا تمثّل في جميع بناني فإِذا السنون فنت سيبقى علمكم ... تالله ما قدّمتَ ليس بفانِ كم من فتاوى كنت تُفتينا بها ... ستظل تذكركم بكل أمان رباه ما أبغي الغلوّ فإِنّه ... يدعو إِلى النيران والشيطان لكن أردت أداء حقِّ إِمامنا ... يا رب باعِدني عن الكفرانِ رحم الإِله الشيخ أوسع رحمةٍ ... وحباه ما يرجو من الرضوان وكتب: حسين بن عودة العوايشة ثمَّ بلَغَنا وفاة الشيخ السيد سابق ﵀ فكان عامنا هذا حافلاً بالأحزان لفَقْد جَمْعٍ من العلماء، وأقول ما قاله الإِمام البخاري حين بلغه نبأ وفاة الإِمام الدارمي -رحمهما الله تعالى-: إِنْ تبْقَ تُفَجعْ بالأحبّة كلهم ... وفناء نفسك -لا أبالك أفجع-.

стр. 13

الطهارة المياه وأقسامها القسم الأول: الماء الطَّهور: وهو الماء الطَّاهر في نفسه، المُطهِّر لغيره، تُرفع به الأحداث والنجاسات. ويشمل الأنواع الآتية: ١ - ماء المطر: قال الله سبحانه: ﴿وأَنْزَلْنَا مِنَ السَّماء ماءً طَهُوراً (١)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً ليُطَهّرَكمْ به (٣)﴾ (٤). ٢ - ما كان أصله الماء؛ كالثلج والبَرَد: عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يسكُتُ بين التكبير وبين القراءة إِسكاتة -قال: أحسِبُه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! إِسكاتُك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ كما باعَدتَ بين المشرق والمغرب، اللهمَّ نقِّني من

стр. 14

الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلْ خطاياي بالماء والثلج والبرد" (١). ٣ - مياه العيون والينابيع (٢): قال الله تعالى: ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ منَ السَّماء مَاءً فَسَلَكهُ يَنابيعَ في الأرْضِ﴾ (٣). ٤ - ماء البحر: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل النّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إِنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإِنْ توضأنا به عطِشْنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتته" (٤). ٥ - ماء زمزم: لِما ثَبَتَ من رواية عليّ ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ دعا

стр. 15

بسَجْل (١) من ماء زمزم، فشَرِب منه وتوضَّأ" (٢). ٦ - الماء الآجن (٣) المتغير بطول المكث (٤) أو بمخالطة طاهر لا يمكن صونُه عنه؛ كالطحلب، وورق الشجر، والصابون، والدقيق. "وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه". "وأيضاً؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه" (٥). ويظلُّ كلُّ ذاك طَهوراً ما دام اسم الماء المطلق يتناوله. ومن الأدلَّة على ذلك: ما روته أمُّ عطيَّة ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفِّيت ابنته، فقال: "اغْسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك -إِنْ

стр. 16

رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافوراً (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني"، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: "أشعِرْنها (٤) إِيَّاه"؛ تعني: إِزاره (٥). وفي حديث أمِّ هانئ: "أنَّ النّبيَّ ﷺ اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين" (٦). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من "المحلى": "وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكاً أو عسلاً أو زعفراناً أو غير ذلك". وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها: فلحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ ،

стр. 17

فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه" (٢). وحديث ابن عباس ﵄ قال: "بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ ﷺ يصلِّي متطوِّعاً من الليل، فقام النّبيُّ ﷺ إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن" (٣). وكذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النّبي ﷺ إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به" (٥). ٧ - الماء الذي خالَطَتْه النجاسةُ، ولم يتغيَّر طعمه أو لونُه أو ريحهُ: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٦) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الماء طهور،

стр. 18

لا ينجِّسه شيء" (١). وفي الحديث: "إِذا بَلَغَ الماء قُلَّتين (٢)؛ لم يَحملِ الخَبَث" (٣). قال الشوكاني: "وأمَّا حديث القُلَّتين؛ فغايةُ ما فيه أنَّ ما بلَغَ مقدار القلَّتين؛ لا يحمل الخَبَث، فكان هذا المقدار؛ لا يؤثِّرُ فيه الخبث في غالب الحالات، فإِنْ تغيَّر بعض أوصافه؛ كان نَجِساً بالإِجماع الثابت من طُرُق متعدِّدة. وأمّا ما كان دون القلَّتين؛ فلم يَقُل الشارع: إِنه يحمل الخَبَث قطعاً وبتّاً،

стр. 19

بل مفهوم حديث القلَّتين يدلُّ على أنَّ ما دونهما قد يحمل الخَبَث وقد لا يحمله، فإِذا حَمَلَهُ؛ فلا يكون ذلك إِلا بتغيُّر بعض أوصافه ... " (١). وقال الزهري: "لا بأس بالماء؛ ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لون" (٢). ٨ - الماء المستعمَل: سواء تُوضِّىءَ به أو اغتُسِل ... ونحو ذلك؛ ما لم يُستعمل في إِزالة نجاسة. وفي ذلك أدلَّة كثيرة؛ منها: ما قاله عروة عن المِسْوَر وغيره -يصدِّق كل واحد منهما صاحبه-: "وإِذا توضَّأ النّبيّ ﷺ ، كادوا يقتتلون على وَضوئه" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ ﷺ في جفنة (٤)، فجاء النّبيّ ﷺ ليتوضَّأ منها -أو يغتسل- فقالت له: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُباً. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الماء لا

стр. 20

يُجْنِب" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يُقال له: إِنَّه يُستقى لك مِن بئر بُضاعة -وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض (٢) وعُذَر النَّاس- فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الماء طهور، لا ينجِّسه شيء" (٣). وعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ﵂ في وصف وضوء رسول الله ﷺ : "أنَّ النّبيّ ﷺ مسحَ برأسه مِن فضْل ماءٍ كان في يده" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جُنُب، فأخذ بيدي، فمشيتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحل (٥)، فاغتسلتُ، ثمَّ جئت وهو قاعد، فقال: "أين كنتَ يا أبا هرّ؟ ". فقلتُ له (٦)، فقال: "سبحان الله يا أبا هرّ! إِنَّ المؤمن لا ينجُس" (٧).

стр. 21

قال ابن قدامة: " ... ولأنَّه ماء طاهر لاقى محلاًّ طاهراً؛ كالذي غسل به الثوب الطاهر" (١). وقال أيضاً: "ولأنَّه لو غمس يده في الماء؛ لم ينجِّسْه، ولو مسَّ شيئاً رطباً؛ لم يُنجِّسْهُ" (٢). وعن عمرو بن يحيى عن أبيه؛ قال: "كان عمِّي يكثر من الوضوء. قال لعبد الله بن زيد: أخبِرني كيف رأيتَ النّبيّ ﷺ يتوضَّأ؟ فدعا بتورٍ (٣) مِن ماء، فكفأ على يديه، فغسَلهما ثلاث مرار، ثم أدخَل يده في التَّور، فمضمض واستنثَر ثلاث مرَّات من غَرفة واحدة، ثمَّ أدخَل يده فاغترف بها، فغسَل وجهه ثلاث مرات، ثمَّ غسَل يديه إِلى المرفقين مرتين مرتين، ثمَّ أخذ بيده ماءً، فمسح رأسه، فأدبرَ به وأقبل، ثمَّ غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النّبيّ ﷺ يتوضأ" (٤). وفي "صحيح البخاري": "وأمرَ جريرُ بنُ عبد الله أهلَه أن يتوضَّؤوا بفضل سواكِه" (٥). قال الحافظ في "الفتح": "وقد صحَّحه الدارقطني بلفظ: كان يقول

стр. 22

لأهله: توضَّؤوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي" (١). وعن أبي جحيفة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضَّأ، فجعَل النَّاس يأخذون من فضل وَضوئهِ فيتمسَّحون به ... " (٢). قال الحافظ: "وفيه دلالةٌ بيِّنة على طهارة الماء المستعمل". وعن أنس ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ دعا بإِناء من ماء، فأُتي بقدح رَحْراح (٣) فيه شيء من ماء، فوضع أصابعَه فيه"، قال أنس: "فجعلت أنظر إلى الماء ينبُع من بين أصابعه". قال أنس: "فحزَرْتُ (٤) مَن توضَّأ ما بين السبعين إلى الثمانين" (٥). وفي "الفتاوى" (٢١/ ٤٦) لشيخ الإِسلام: "وسُئِل ... ﵀ عن الماء إِذا غَمَس الرجل يده فيه؛ هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب: لا

стр. 23

ينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وعنه رواية أخرى أنَّه يصير مستعملاً، والله أعلم". وقال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (مسألة ١٤١): "والوضوء بالماء المستعمل جائز، وكذلك الغسل به للجنابة، وسواءٌ وُجد ماءٌ آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضَّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضِّىء رجلاً أو امرأة. برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَىِ أو عَلى سَفَرٍ أو جَاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءَ فَتَيَمَّموا﴾ (١). فعمَّ -تعالى- كل ماء، ولم يخصَّه، فلا يحِلُّ لأحد أن يترك الماء في وضوئه وغسله الواجب وهو يجده؛ إِلا ما منعه منه نصٌّ ثابت أو إِجماع متيقَّن مقطوع بصحّته". ٩ - الماء المسخَّن: فقد ثبت عن عمر ﵁: "أنَّه كان يسخَّن له الماء في قمقم (٢)، فيغتسل به" (٣). وثبت عنه أيضاً: "أنَّه كان يغتسل بالحميم" (٤).

стр. 24

وأمّا حديث: "لا تغتسلوا بالماء المشمَّس؛ فإِنَّه يورث البَرَص"؛ فإِنَّه لم يثبت (١). القسم الثاني: الماء الطاهر غير المطهِّر: وهو ما خالَطَه طاهر، فغيَّر اسمه، حتى صار صبغاً أو خَلاً أو ماء وَرْد، أو غَلَب على أجزائه فصيَّره حِبراً، أو طُبِخ فيه فصار مَرَقاً (٢)، وهذا الصِّنْف لا يجوز الغسل به ولا الوضوء؛ لأنَّ الطَهارة إِنَّما تجوز بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿ ... فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا﴾ (٣). وهذا لا يقع عليه اسم الماء. وعن عطاء: "أنَّه كره الوضوء باللبن والنّبيذ، وقال: إِنَّ التيمُّم أعجب إِليَّ منه" (٤). وعن أبي خَلْدة؛ قال: "سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ؛ أيغتسل به؟ قال: لا" (٥). قال البخاري ﵀ في "صحيحه": "باب: لا يجوز الوضوء

стр. 25

بالنّبيذ ولا المسكر، وكرِهه الحسن وأبو العالية" (١). قال أبو عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى (٢) -: "وقول من يقول: لا يُتَوَضَّأ بالنَّبيذ: أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً﴾ (٣) ". القسم الثالث: الماء النَّجس: وهو ما تغيَّر بمخالطة نَجِس، أو أنْ تُغيِّر النجاسة طعمَه أو لونه أو ريحه. وهذا لا يجوز التطهّر به. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٠): "الماء إِذا تغيَّر ب النَّجاسات ؛ فإِنَّه ينجس بالاتفاق". وجاء في "سُبُل السلام" (ص ٢١): "قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إِذا وقَعَت فيه نجاسة، فغيَّرت له طعْماً أو لوناً أو ريحاً؛ فهو نجِس". النجاسات أولاً: غائط الآدمي، وبوله: وفي ذلك أدلَّة عديدة؛ منها:

стр. 26

قوله ﷺ : "بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل" (١). ولم أستدلَّ به على تخفيف طهارة بول الغلام -مع إِفادته ذلك- بل على نجاسة البول بعامَّة، والشاهد: "وبول الجارية يُغسل". وقوله ﷺ في بول الأعرابي: "دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوباً من ماء -أو سَجْلاً من ماء-" (٢). وقوله ﷺ في المُعذَّبَيْن في قبرَيهما: "كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة" (٣). وقوله ﷺ : "إِذا وطئ أحدُكم بنعليه الأذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور" (٤). وفي رواية: "إِذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْه؛ فطَهورهما التراب" (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ في خلْع النّبيّ ﷺ نعليه في الصلاة-: قال: بينما رسول الله ﷺ يصلِّي بأصحابه؛ إِذ خَلَعَ نعليه، فوضَعَهُما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القوم؛ ألقَوا نعالَهم، فلمَّا قضى رسول الله ﷺ صلاتَه؛ قال: "ما حَمَلَكُم على إِلقائكم نعالكم؟ ". قالوا: رأيناك ألقيْتَ

стр. 27

نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ جبريل ﷺ أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قذراً". وقال: "إِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينْظرْ، فإِنْ رأى في نعليه قذراً أو أذى؛ فليَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما" (١). وممَّا ورد في بول الصغير الذي لم يطعم: ما روته أم قيس بنت مِحْصَن ﵂: "أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنَضَحَهُ، ولم يغسله" (٢). قال الحافظ في "الفتح" في تفسير: "لم يأكل الطعام": "المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنَّك به والعسل الذي يلعقه للمُداواة وغيره، فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في "شرح مسلم" و "شرح المهذَّب". وقال ابن التين -كما في "الفتح"-: "يُحتمل أنَّها أرادت أنَّه لم يتقوَّت بالطَّعام، ولم يستغنِ به عن الرَّضاع". وعن لُبابة بنت الحارث ﵂ قالت: كان الحسين بن علي ﵄ في حجر رسول الله ﷺ ، فبال عليه، فقلتُ: اِلبَسْ ثوباً

стр. 28

وأعطني إِزاركَ حتى أغسله. قال: "إِنَّما يُغسل من بول الأنثى، وينُضَحُ من بول الذَّكر" (١). عن أبي السَّمح؛ قال: "كنت أخدم النّبيّ ﷺ ، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: "ولِّني قفاك"، فأولِّيه قفاي، فأسترُه به، فأُتي بحَسَن -أو حُسين- فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: "يُغسل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام" (٢). وعن عليٍّ ﵁ قال: "يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام؛ ما لم يطعم" (٣). وفي رواية: "قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعاً" (٤). قال أبو عيسى الترمذي: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين من بعدهم -مِثل أحمد وإِسحاق-؛ قالوا: يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإِذا طعما؛ غُسلا جميعاً". ثانياً: دم الحيض: وفيه أدلَّة عديدة؛ منها:

стр. 29

عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إِلى النّبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إِني امرأة أُسْتحاض فلا أطهُر، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال: "لا؛ إِنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة، فإِذا أقبلتِ الحيضة؛ فدَعي الصلاة، وِإذا أدبرَت؛ فاغْسِلي عنك الدم وصلِّي " (١). وعن أم قيس بنت مِحْصَن ﵂ قالت: سألتُ النّبيّ ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: "حُكِّيه بضِلْع (٢)، واغسليه بماء وسِدْر" (٣). وقد نقل النووي في "شرحه" (٣/ ٢٠٠) الإجماع على نجاسته. ثالثاً: الودي: وهو: "البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر بعد البول" (٤) مباشرة، وهو لا يوجب الغُسل. رابعاً: المَذي: وهو ماءٌ أبيض لَزج رقيق، يخرج بلا دَفْق عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع أو إِرادته، وقد لا يحسُّ الإِنسان بخروجه، وهي من النجاسات التي يشقُّ الاحتراز

стр. 30

عنها، فخُفِّف تطهيرُه، ولا غُسل على من يصيبه ذلك؛ بل عليه الوضوء، ويغسل ذكَره وخصيتيه قبل ذلك، ويأخذ كفّاً من ماء، وينضح بها ثوبه. والأدلة على ذلك ما يأتي: عن عليٍّ ﵁ قال: كنت رجلاً مذَّاء، فأمرْت رجلاً أن يسأل النّبيّ ﷺ -لمكان ابنته- فسأل، فقال: "توضأ، واغسل ذَكَرَك" (١). وفي رواية: "إِذا وَجَدَ أحدُكم ذلك؟ فليَنْضَحْ (٢) فرْجَه، وليتوضَّأ وضوءه للصلاة" (٣). وفي رواية: "ليغسل ذكَرَهُ وأنثييه" (٤). وفي رواية: "من المَذْي الوضوء، ومن المَنِيِّ الغُسْل" (٥). قال أبو عيسى الترمذي: "وهو قول عامَّة أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ

стр. 31

والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق". وعن سهل بن حُنيف ﵁ قال: "كنتُ ألقَى من المذي شدَّة وعناء، فكنتُ أُكثر منه الغسل، فذكرْتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، وسألته عنه فقال: "إِنَّما يُجزئك من ذلك الوضوء". فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفّاً من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنَّه أصاب منه" (١). قال الشوكاني ﵀: "فدلَّ هذا الحديث على أن مجرَّد النَّضح يكفي في رفع نجاسة المذْي، ولا يصحُّ أن يُقال هنا ما قيل في المنِيّ، إِنَّ سبب غسله كونه مستقذراً، لأنَّ مجرَّد النضح لا يزيل عين المذي كما يزيله الغسل، فظهر بهذا أنَّ نضحه واجب، وأنَّه نَجِس خُفِّف تطهيره" (٢). خامساً: الميتة: وهي ما مات من غير تذكية أو ذبح شرعي. ودليل نجاستها قوله ﷺ : "إِذا دُبِغَ الإِهاب، فقد طَهُرَ" (٣). قال الصنعاني ﵀ في "سبل السلام" (١/ ٥٢): "وأمّا الميتة؛

стр. 32

فلولا أنَّه وَرَدَ "دباغ الأديم طَهوره" (١) و"أيّما إِهاب دُبغ؛ فقد طهُر" (٢)؛ لقُلْنا بطهارتها إِذ الوارد في القرآن تحريم أكْلها لكن حكَمْنا بالنَّجاسة لمَّا قام عليها دليلٌ غير دليل تحريمها". ويندرج تحتها ما قُطع من البهيمة وهي حيَّة؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ؛ فهو ميتة" (٣). ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد؛ فإِنَّها طاهرة حلال أكلها؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان فأمّا الميتتان: فالحوت والجراد وأمّا الدَّمان: فالكبد والطحال" (٤). ولقوله ﷺ في البحر: "هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه" (٥). وجلد الميتة نجس كذلك -كما لا يخفى-؛ للحديث المتقدّم: "إِذا

стр. 33

دُبِغَ الإِهاب؛ فقد طَهُر". وتقدّم في هذا المعنى بعض النصوص غير بعيد. وعن ابن عباس ﵄ قال: "تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ ، فقال: "هلاَّ أخذْتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟. فقالوا: إِنَّها مَيتة. فقال: "إِنَّما حَرُم أكلُها" (١). فقوله ﷺ : "طَهُر"؛ يدلُّ على نجاسته قبل الدِّباغة؛ كما هو بيِّن. سادساً: لحم الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : "من لَعِبَ بالنَّرْدَشير (٣)؛ فكأنَّما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه" (٤). سابعاً: الكلب: ومن الأدلة على نجاسته:

стр. 34

قوله ﷺ : "إِذا شَرِبَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليَغْسِلْهُ سبعاً" (١). وقوله ﷺ : "طَهور (٢) إِناء أحدكم إِذا وَلَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب" (٣). ثامناً: لحم السباع (٤): ومن أدلة نجاستها ما يرويه عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سُئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع فقال ﷺ : "إذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يحمل الخَبَث" (٥) وفي لفظ: "لم ينجِّسْه شيء" (٦). تاسعاً: لحم الحمار: عن أنس ﵁ قال: "إِنَّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحُمر ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَتِ الحُمُر فأمَر منادياً فنادى في النَّاس: "إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن

стр. 35

لحوم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس". فأُكْفِئت القُدور وإِنَّها لتفور باللحم" (١) عاشراً: الجَلاَّلة (٢): فقد ثبت في حديث ابن عمر: أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلاَّلة وألبانها" (٣). وقال عبد الله بن أبي أوفى: " ... تحدَّثنا أنّما حرَّمها رسول الله ﷺ ألبته من أجل أنها تأكل العَذِرة" (٤). وثبت عن ابن عمر ﵄: أنَّه كان إِذا أراد أكل الجلاَّلة حبَسها ثلاثاً (٥). قال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (٦): "وألبان الجلاَّلة حرام، وهي الإِبل التي تأكل الجلَّة -وهي العَذِرة- والبقر والغنم كذلك، فإِن مُنعت من أكلها حتى سقط عنها اسم الجلاَّلة؛ فألبانها حلال طاهرة".

стр. 36

وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله ﷺ أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال: "كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئاً فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث) " (٢). والبيض أيضاً يحمل نفس الحكم (٣). حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته: لأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤). الأسْآر (٥) وتُقسَم إِلى قسمين: القسم الأول: الأسآر الطاهرة: وتندرج تحتها الأنواع الآتية:

стр. 37

١ - سؤر الآدمي: قال ابن قدامة في "المغني" (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: " ... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً، عند عامّة أهل العلم ... ". وفي ذلك أدلَّة؛ منها: قوله ﷺ : " ... إنَّ المؤمن لا ينجس" (٢). وفي رواية: "إنَّ المسلم لا ينجس" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب". فقالت: إني حائض. فقال: "إنَّ حيضتك ليست بيدك"، فناولَتْهُ (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا

стр. 38

حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ" (١). وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض. وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: سألتُ النّبيّ ﷺ عن مواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها" (٢). وقد أورده الترمذي ﵀ في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها). وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية: أولاً: التمشي مع القاعدة المعروفة: "الأصل في الأعيان الطهارة". ثانياً: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئاً ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣). وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان.

стр. 39

قال ابن كثير ﵀ في تفسيره ": وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ... ". وقال ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير في علم التفسير" (١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح". ٢ - سؤر ما يؤكل لحمه: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: "إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث" (٢). جاء في "سُبل السلام" (١/ ٥٣): "والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضاً الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه ﷺ علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريراً". قال أبو بكر بن المنذر: "أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به" (٣). ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى.

стр. 40

٣ - سؤر الهرة: عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات" (٢). وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم"، وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ بفضلها (٤). وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي ﵀: "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد
следующие страницы →