← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأمّا الدَّجاج؛ فلا حرج في أكله، ولو أكَل الأقذار (١)، وقد ثبت أنَّ رسول الله ﷺ أكلهُ؛ كما في حديث زَهْدَم؛ قال: "كنَّا عند أبي موسى الأشعري -وكان بيننا وبين هذا الحيِّ من جَرْم إِخاء - فأُتِي بطعام فيه لحم دجاج، وفي القوم رجُل جالس أحمر، فلم يدْنُ من طعامه، فقال: ادْنُ؛ فقد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه. قال: إِنّي رأيته يأكل شيئاً فقذِرته، فحَلَفْتُ أن لا آكله ... (وذكر الحديث) " (٢). والبيض أيضاً يحمل نفس الحكم (٣). حادي عشر: عظام وشَعْر وقَرْن ما يُحكم بنجاسته: لأنها تتغذَّى بالنجاسة؛ إِلا إِذا قَبِلت الدِّباغ (٤). الأسْآر (٥) وتُقسَم إِلى قسمين: القسم الأول: الأسآر الطاهرة: وتندرج تحتها الأنواع الآتية:

стр. 37

١ - سؤر الآدمي: قال ابن قدامة في "المغني" (١) -في معرض كلامه عن سؤر الآدمي-: " ... فهو طاهر، وسؤره طاهر سواء كان مسلماً أو كافراً، عند عامّة أهل العلم ... ". وفي ذلك أدلَّة؛ منها: قوله ﷺ : " ... إنَّ المؤمن لا ينجس" (٢). وفي رواية: "إنَّ المسلم لا ينجس" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة! ناوليني الثوب". فقالت: إني حائض. فقال: "إنَّ حيضتك ليست بيدك"، فناولَتْهُ (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النّبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ (٥) وأنا

стр. 38

حائض، ثمَّ أناولُه النّبيّ ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ" (١). وهذا صريح في طهارة فم وسؤر الحائض. وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: سألتُ النّبيّ ﷺ عن مواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها" (٢). وقد أورده الترمذي ﵀ في (باب: مواكلة الحائض وسؤرها). وأما القول بطهارة سؤر الكافر؛ فللأسباب الآتية: أولاً: التمشي مع القاعدة المعروفة: "الأصل في الأعيان الطهارة". ثانياً: مخالطة المسلمين للمشركين وإباحة ذبائحهم والزواج منهم، ولا نعلم أنَّهم كانوا يغسلون شيئاً ممّا أصابته أبدانهم أو ثيابهم (٣). وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكون نَجَس﴾ (٤)؛ فلا يُراد منها نجاسة الأبدان.

стр. 39

قال ابن كثير ﵀ في تفسيره ": وأما نجاسة بدنه؛ فالجمهور على أنَّه ليس البدن والذات؛ لأنَّ الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب ... ". وقال ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير في علم التفسير" (١): والثالث: أنَّه لمّا كان علينا اجتنابهم كما تُجتَنَب الأنجاس؛ صاروا بحُكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو صحيح". ٢ - سؤر ما يؤكل لحمه: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إِنِّي لَتَحْت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابُها، فسمعته يقول: "إِنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ ألا لا وصيَّة لوارث" (٢). جاء في "سُبل السلام" (١/ ٥٣): "والحديث دليل على أنَّ لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. قيل: وهو إِجماع. وهو أيضاً الأصل، فذِكْر الحديث بيانٌ للأصل، ثمَّ هذا مبنيٌّ على أنَّه ﷺ علِم سيلان اللُّعاب عليه؛ ليكون تقريراً". قال أبو بكر بن المنذر: "أجمع أهلُ العلم -لا اختلاف بينهم- أنَّ سُؤر ما يؤكل لحمُه طاهر؛ يجوزُ شربُه والتطهر به" (٣). ويرى أهل العلم طهارة روث ما يؤكل لحمه؛ فالقول بطهارة سؤره أولى.

стр. 40

٣ - سؤر الهرة: عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنَّ أبا قتادة دخل فسكبت له وَضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (١) لها الإِناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظرُ إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّها من الطَوَّافين عليكم والطَوَّافات" (٢). وعن داود بن صالح بن دينار التمَّار عن أمه: أنَّ مولاتها أرسلَتها بهريسة (٣) إِلى عائشة، فوجدَتها تصلِّي، فأشارت إِليَّ أن ضعيها، فجاءت هرَّة، فأكَلت منها، فلمَّا انصرفتْ، أكَلت من حيث أكَلت الهرة. فقالت: إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّها ليست بنَجَس، إِنَّما هي من الطوَّافين عليكم"، وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ بفضلها (٤). وفي طهارة سؤر الهرة قال الترمذي ﵀: "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين ومَن بعدهم؛ مِثل: الشافعي وأحمد

стр. 41

وإسحاق؛ لم يَروْا بسؤر الهرَّة بأساً". القسم الثاني: الأسآر النَّجسة: ويدخل في ذلك: ١ - سؤر الكلب: ومن الأدلَّة على ذلك: قوله ﷺ : "إِذا شَرِب الكلب في إِناء أحدكم؛ فليغسله سبعاً" (١). وفي رواية: "إِذا ولَغَ الكلب في إِناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبع مرار" (٢). قال بعض أهل العلم: "ولو كان سؤره طاهراً؛ لم تَجُزْ إِراقته، ولا وَجَب غسْله". وجاء في "سُبل السلام": "والإِراقة إِضاعة مال، فلو كان الماء طاهراً؛ لَما أمر بإِضاعته، إِذ قد نهى عن إِضاعة المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه" (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات، أولاهنَّ بالتراب" (٤). وقوله ﷺ : "طَهور"؛ تدلُّ على نجاسة سؤر الكلب؛ كما قال بعض أهل

стр. 42

العلم. ٢ - سؤر الحمار: ودليل ذلك قوله ﷺ عن أنس ﵁ قال: " أنَّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ، فقال: أُكِلَتِ الحُمُر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُكلَت الحُمر، ثم جاءه جاءٍ، فقال: أُفْنِيَت الحُمُر، فأمَر منادياً، فنادى في النَّاس: "إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحُمُر الأهليَّة؛ فإِنَّها رجس". فأُكْفِئت القُدور وِإنَّها لتفور باللحم" (١). وفي رواية (٢): فأمَر رسول الله ﷺ أبا طلحة، فنادى: إِنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر؛ فإِنَّها رِجْس أو نَجَس". وقال الترمذي ﵀ في "سننه": "باب: سؤر الحمار (وأورد الحديث السابق) ". ٣ - سؤر الخنزير: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣). واستدلَّ من استدل من العلماء على نجاسة لحم الحمار بقوله ﷺ :

стр. 43

"فإِنها رجس" (١)؛ فالخنزير بهذا الوصف أولى. وكلُّ شيء ثبتت نجاسة لحمه؛ يُحْكَم بنجاسة سؤره. وكلّ شيء لا يؤكل لحمه -سوى الهِرّ-؛ يُحْكم بنجاسة سؤره" (٢). ٤ - سؤر السباع (٣): ومن أدلَّة ذلك ما يرويه عبد الله بن عمر ﵄ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدوابِّ والسباع؟ فقال ﷺ : "إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم يَحْمِل الخَبَث" (٤). وفي لفظ: "لم يُنَجِّسْهُ شيء" (٥). قال شيخنا الألباني -حفظه الله- في "تمام المنَّة" (٦): " ... قال ابن التُّركماني في "الجوهر النقي" (١/ ٢٥٠): وظاهر هذا يدلُّ على نجاسة سؤر السباع، إذ لولا ذلك؛ لم يكن لهذا الشرط فائدة، ولكان التقييد به ضائعاً. وذكَر النووي نحوه في "المجموع" (١/ ١٧٣) " ... اهـ

стр. 44

قلتُ: والذي جاء في "المجموع": "واحتجَّ مَن منَع الطهارة بسؤر السباع بحديث ابن عمر ﵄: أنَّ النّبيَّ سئل عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من السباع والدوابِّ؟ فقال: "إِذا كان الماء قُلَّتين؛ لم ينجس". قالوا: فدلَّ على أنَّ لورود السباع تأثيراً في تنجيس الماء ... ". ما يُظنّ أنَّه نجس وليس كذلك أولاً: المَنِيّ (١): ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي: ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلاً نزل بعائشة ﵂ فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: "إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فرْكاً فيصلي فيه" (٢). وفي رواية: "لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظُفُري" (٣). ولو كان المنيُّ نجساً؛ لما صلَّى النّبيُّ ﷺ في ثوبه ذلك. قال أبو عيسى الترمذي ﵀ عن الفرك: "وهو قول غير واحد من

стр. 45

أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل". جاء في "السيل الجرَّار": "وقد ثبت من حديث عائشة ﵂ عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي (١)، ولو كان نجساً؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطباً" (٣). وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما

стр. 46

ثابتٌ (١). وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابساً، ثم يصلِّي فيه" (٤). وعن عطاء عن ابن عباس ﵄: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: "أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط" (٥). قال ابن حزم في "المحلَّى" المسألة (١٣١): "والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق". وجاء في "سبل السلام" (١/ ٥٥): "وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦).

стр. 47

قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضاً، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجساً؛ لما أجزأ مسْحه". وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص: كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ ﷺ ، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه" (١). وعنها ﵂ أيضاً: أنَّ رسول الله ﷺ : "كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه" (٢). وقال أبو عيسى ﵀: "وحديث عائشة ﵂ أنَّها غسلت منيَّاً من ثوب رسول الله ﷺ ؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره". وقال ابن حزم في "المحلَّى" (مسألة ١٣١): "وأمّا حديث سليمان بن يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله ﷺ بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس،

стр. 48

وإِنَّما فيه أنَّه ﷺ كان يغسله، وأنَّ عائشة ﵂ كانت تغسله وأفعاله ﷺ ليست على الوجوب". ثمَّ ذكر ﵀ حديث أنس بن مالك ﵀ في حكِّ البزاق باليد من المسجد. ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: "أنَّ النّبيَّ ﷺ رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده .. ". قال ابن حزم ﵀: "فلم يكن هذا دليلاً عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجساً". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٦٠٥): "وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول" (١). وقال ﵀: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ ﷺ أمر أحداً من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقيناً أنَّ هذا لم يكن واجباً عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره" (٢). وقال الحافظ في "الفتح": " ... لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛

стр. 49

لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب". قال: "وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث" (١). ثانياً: الخمر: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وليس هناك من دليل على نجاستها. أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). فإِن كلمة "رجْس" تعني النجاسة الحُكمية لا الحسِّيَّة، وإلاَّ لَزمنا من ذلك أن نحكم بنجاسة الأنصاب والأزلام. وكذلك التحريم لا يقتضي النجاسة، وإلا لزِمنا الحكم بنجاسة الأمهات والبنات والأخوات والعمَّات ... لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ ... ﴾ (٣) الآية. والطعام المسروق يحرُم أكْله، ولا يُقال بنجاسته. جاء في "سُبُل السلام" (١/ ٥٢): "والحقّ أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، وأنَّ التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإِنَّ الحشيشة محرَّمة طاهرة، وكذا المخدِّرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها، وأمَّا النجاسة؛ فيلازمها

стр. 50

التحريم، فكلُّ نجس محرَّم، ولا عَكْس، وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها؛ بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإِنَّه يحرُم لُبْس الحرير والذهب، وهما طاهران ضرورة شرعية وِإجماعاً". وجاء في "الدراري المضيَّة" (١) (١/ ٢٨): "ولو كان مجرَّد تحريم الشيء مستلزماً لنجاسته لكان مِثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمتْ عَليكُمْ أمَّهاتُكُم ... ﴾ إِلى آخره دليلاً على نجاسة النساء المذكورات في الآية، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها، وهي طاهرة بالاتِّفاق كالأنصاب (٢) والأزلام (٣) وما يُسكر من النباتات والثمرات بأصل الخِلقة. فإِن قلتَ: إِذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته يدلُّ على أنَّه نجس كما قلتَ في نجاسة الروثة ولحم الخنزير؛ فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الخَمْرُ والميْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ (٤)؟! قلتُ: لمَّا وقع الخمر هنا مقترناً بالأنصاب والأزلام؛ كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرجسية إِلى غير النجاسة الشرعية. وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْركونَ نَجَسٌ﴾ (٥)؛ لمّا جاءت الأدلَّة

стр. 51

الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين؛ كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضُّؤ في آنيتهم والأكل فيها؛ كان ذلك دليلاً على أنَّ المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية". وجاء في "السيل الجرَّار" (١/ ٣٥): "وليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسُّك به ... ". ثمَّ ذكر أن الرِّجْس في آية المائدة إِنَّما هو الحرام وليس النجس؛ بدلالة السياق. ثالثاً: روث وبول ما يؤكل لحمه: عن أنس ﵀ قال: "قدِم أناس من عُكْل أو عُرَيْنة، فاجْتَوَوا (١) المدينة، فأمرهم النّبيُّ ﷺ بلقاح (٢)، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعيَ النبي ﷺ واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعَثَ في آثارهم، فلما ارتفع النهار؛ جيء بهم، فأَمَر، فقَطَع أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسُمِّرت (٣) أعينُهم، وأُلقوا في الحَرَّة (٤) يَستسْقون فلا

стр. 52

يُسقون". قال أبو قِلابة: "فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد أيمانِهم وحاربوا الله ورسولَه" (١). قال الإِمام أبو البركات ابن تيمية ﵀: " ... فإِذا أُطْلِق الإِذن في ذلك (٢)، ولم يشترط حائلاً يقي من الأبوال، وأُطلق الإِذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإِسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمر بغَسْل أفواههم وما يصيبهم منها؛ لأجل صلاة ولا غيرها، مع اعتيادهم شربها؛ دلَّ ذلك على مذهب القائلين بالطهارة" (٣). وقال ﵀: "فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإِبل وما يلحق بها طاهرة" (٤). وقال: "والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه؛ تمسُّكاً بالأصل، واستصحاباً للبراءة الأصلية، والنجاسة حُكم شرعيٌّ ناقل عن الحُكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلُح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلاً كذلك ... " (٥).

стр. 53

واستدلَّ بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يُؤكل لحمه (١). واستدلوا معه أيضاً بقول ابن مسعود ﵀: "إِنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم" (٢)، وذلك أنَّ التحليل يستلزم الطهارة (٣). وفي الحديث: "صلّوا في مرابض الغنم (٤)، ولا تصلُّوا في أعطان الإِبل (٥) " (٦). وفي بعض الروايات: "فإِنَّها خُلقت من الشياطين" (٧). وعن جابر بن سَمُرة ﵄: أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: "إِن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا توضَّأ".

стр. 54

قال: أتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال: "نعم؛ فتوضَّأ من لحوم الإِبل". قال: أصلِّي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أصلِّي في مبارك الإِبل؟ قال: "لا" (١). جاء في "الفتاوى": "وسُئل عن بول ما يؤكل لحمه؛ هل هو نجس؟ فأجاب: أمّا بول ما يؤكل لحمه وروث ذلك، فإِنَّ أكثر السلف على أنَّ ذلك ليس بنجس وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويُقال: إِنَّه لم يذهب أحد من الصحابة إِلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَث، لا سَلَف له من الصحابة، وقد بَسَطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنَّا فيه بضعة عشر دليلاً شرعيّاً، وأنَّ ذلك ليس بنجس، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليل شرعيٌّ على نجاسته أصلاً" (٢). وجاء فيه أيضاً: " ... أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة؛ لبيَّنه النّبيّ ﷺ ، ولم يبيِّنْه؛ فليست نجسة، وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها، ومباشرتهم لكثير منها، خصوصاً الأمَّة التي بُعِث فيها رسول الله ﷺ ؛ فإِنَّ الإِبِل والغنم غالب أموالهم، ولا يزالون يُباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم، مع كثرة الاحتفاء فيهم. فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، وعدم مخالطته، ويمنع من الصلاة مع ذلك، ويجب تطهير الأرض ممَّا فيه ذلك إِذا صُلّي فيها، ويحرُم شرب اللبن الذي يقع فيه بعْرها، وتُغسل اليد إِذا أصابها البول أو رطوبة البعر، إِلى غير ذلك من أحكام النجاسة؛ لوجب أن يبيِّن النّبيّ

стр. 55

- ﷺ بياناً تحصل به معرفة الحكم، ولو بيَّن ذلك؛ لنُقِل جميعه أو بعضه؛ فإِنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مِثل ذلك، فلمَّا لم ينقل ذلك؛ عُلِم أنَّه لم يبيِّن لهم نجاستها. وعدم ذِكْر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النَّهي عنه، والتقرير دليل الإِباحة، ومِن وجْه أنّ مِثل هذا يجب بيانه بالخطاب، ولا تُحال الأمّة فيه على الرَّأي؛ لأنَّه من الأصول، لا من الفروع ... " (١). وجاء فيه أيضاً: "ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكُروا وجوباً ولا تحريماً؛ كان إِجماعاً منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم، وهو المطلوب، وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام" (٢). وفيه أيضاً: " ... وهو إِجماع الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها، مع القطع ببولها وروثها على الحنطة، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحدٌ، ولا احترز عن شيء ممَّا في البيادر؛ لوصول البول إِليه، ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة" (٣). وفيه أيضاً: "ما ثبت واستفاض من أنّ رسول الله ﷺ طاف على راحلته، وأدخَلها المسجد الحرام الذي فضَّله الله على جميع بقاع الأرض، ومعلوم أنَّه

стр. 56

ليس على الدواب من العقل ما تمنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره؛ للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود، فلو كانت أبوالها نجسة؛ لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس ... " (١). قال ابن عباس: "طاف النّبيّ ﷺ على بعيره" (٢). وعن أم سلمة ﵂ قالت: "شكوت إِلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفتُ، ورسول الله ﷺ حينئذ يصلّي إِلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطُّور وكِتابٍ مَسْطورٍ﴾ (٣) " (٤). قال ابن بطال: "في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحْمها المسجد إِذا احتيج إِلى ذلك؛ لأنَّ بولها لا ينجسه؛ بخلاف غيرها من الدواب" (٥). قال البخاري ﵀: "وصلّى أبو موسى في دار البريد والسِّرْقين

стр. 57

والبَرِّيَّة إِلى جنبه، فقال: ها هنا وثمَّ سواء" (١). رابعاً: الدماء سوى دم الحيض والنفاس: كنت قد تكلّمتُ في (باب النجاسات) عن نجاسة دم الحيض، وأما سائر الدِّماء؛ فطاهرة، سواء كان دم إِنسان أو دم مأكول اللحم من الحيوان؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا يُترك هذا الأصل إلا بنصٍّ صحيح. ومن الأدلة على ذلك: قصّة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٢).

стр. 58

قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "ومن الظاهر أنَّ النّبيّ ﷺ عَلِم بها؛ لأنَّه يبعُد أن لا يطَّلع على مِثل هذه الواقعة العظيمة، ولم يُنْقَل أنَّه أخبره بأنّ صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١/ ١٦٥) " (١). وكذلك قول الحسن -رحمه الله تعالى-: "ما زال المسلمون يصلُّون في جراحاتهم" (٢). وعن محمد بن سيرين عن يحيى الجزَّار؛ قال: "صلى ابن مسعود ﵁ وعلى بطنه فرث ودم جزور نحرها، ولم يتوضَّأ" (٣). وصحَّ عن ابن مسعود ﵁ أيضاً: "أنَّه نحر جزوراً، فتلطَّخ بدمها وفرْثها، ثمَّ أقيمت الصلاة، فصلى ولم يتوضَّأ" (٤). فائدة: إِنَّ القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حُجَّة؛ إِلا أنَّه محرَّم بنصّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تماماً في الخمر، ولا يخفى أنَّه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بيّنه الصنعاني في "سبل

стр. 59

السلام" ثمَّ الشوكاني وغيرهما ... " (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- "وجملة القول: أنَّه لم يَرِد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة، فلا يُتْرَك إلاَّ بنص صحيح يجوز به ترْك الأصل، وإِذ لم يَرِدْ شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب، والله أعلم" (٢). وذكر نحوه الشوكاني ﵀ في "السيل الجرَّار" (٣) و"الدَّراري المضيَّة" (٤). خامساً: رطوبات فرج المرأة: وذلك لاستصحاب البراءة الأصلية؛ كما تقدَّم مراراً ذِكر هذه القاعدة، ولا أعلم أحداً من أهل العلم ذكَرها في النجاسات. واحتجَّ الشَّيخُ الموفَّقُ وغيره على طهارة رطوبة فرجِ المرأة: بأنَّ منيَّ الرَّجل عند الجماع يخالطُ منيَّ المرأة، ولو كان منيُّها نجساً؛ لما اكتفى منه الرسول ﷺ بالفرك. "الفتح" (شرح الحديث ٢٣٠).

стр. 60

سادساً: قيء الآدمي: إِذِ الأصل الطهارة، فلا يُنقل عنها إلا بدليل. قال الشوكاني في "السيل الجرَّار" (١/ ٤٣): "قد عرَّفناك في أول كتاب الطهارة أنَّ الأصل في جميع الأشياء الطهارة، وأنَّه لا يَنْقُل عن ذلك إلاَّ ناقلٌ صحيح صالح للاحتجاج به غيرَ معارض بما يرجُح عليه أو يساويه، فإِنْ وجدنا ذلك؛ فبها ونعمت، وإِنْ لم نجدْ ذلك كذلك؛ وَجَب علينا الوقوف في موقف المنع، ونقول لمدَّعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمَّن أنَّ الله سبحانه أوجب على عباده واجباً هو غسل هذه العين التي تزعم أنَّها نجسة، وأنَّه يمنع وجودها صحة الصلاة بها؛ فهات الدليل على ذلك". ولم يذكره ﵀ في النجاسات في "الدرر البهية" (١). وإلى طهارة قيء الآدمي ذهب شيخنا الألباني في "تمام المنة" (٢). سابعاً: عرق الجنب والحائض: عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النّبيّ ﷺ لقِيَه في بعض طريق المدينة وهو جُنُب، فانخَنَسْتُ منه، فذهب فاغتسل ثمَّ جاء، فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ ". قال: كنتُ جُنُباً، فكرهتُ أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: "سبحان الله! إِنَّ المسلم لا ينجس" (٣).

стр. 61

وبوَّب البخاري في "صحيحه" باباً في ذلك، فقال: "باب عرق الجُنُب، وأن المسلم لا ينجُسُ". ثامناً: ميتة ما لا نفس له سائلة: كالذُّباب والنَّمل والعنكبوت ونحو ذلك ... وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة والبراءة الأصلية مستصحبة. وفي الحديث: "إِذا وقع الذُّباب في إِناء أحدكم؛ فلَيغْمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإِنَّ في إِحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (١). وإِنَّما أمر بغمس الذباب كلّه حفاظاً على الطعام أو الشراب، وفيه دليل الطهارة. وممَّن قال بطهارة ما لا نفس له سائلة: أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في "منتقى الأخبار"، والشوكاني في شرحه "نيل الأوطار" (١/ ٦٨). والصنعاني في "سبل السلام" (١/ ٣٦). إِزالة النجاسات أولاً: حكم إِزالة النجاسة: وحكم إِزالة النجاسات فرض. قال ابن حزم ﵀: "وإِزالة النجاسة وكل ما أمَر الله تعالى بإِزالته فرض".

стр. 62

وقال: "وهذه المسألة تنقسم أقساماً كثيرة، يجمعها أنَّ كلَّ شيء أمَر الله تعالى على لسان رسوله ﷺ باجتنابه أو جاء نصٌّ بتحريمه أو أمَر كذلك بغسله أو مسْحه؛ فكلُّ ذلك فرض يعصي مَن خالفه؛ لما ذكرنا قَبْل مِنْ أَنَّ طاعته تعالى وطاعة رسوله ﷺ فرض" (١). ثانياً: قاعدة جليلة جامعة في تطهير النجاسات: جاء في "السيل الجرَّار" (١/ ٤٢): "والواجب اتِّباع الدليل في إِزالة عين النجاسة، فما ورد فيه الغَسْل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم؛ كان ذلك هو تطهيره. وما ورَد فيه الصبُّ أو الرشُّ أو الحتُّ أو المسح على الأرض أو مجرَّد المشي في أرض طاهرة؛ كان ذلك هو تطهيره. وقد ثبت في السنَّة أنً النعل الذي يصيبه القذر يطهَّر بالمسح، وهو من المغلَّظة اصطلاحاً، وكذلك ورد في الثوب إِذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنَّه يطهِّره المرور على أرض طاهرة" (٢). ثالثاً: تطهير النجاسات: ١ - العَذِرة (الغائط): وتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه: أمّا الماء: فلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣).

стр. 63

وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ". قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النّبيُّ ﷺ إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به" (٣). وأمّا الحجارة: فلقوله ﷺ : "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٤). وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه" (٥). وأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها: ما يرويه أبو هريرة ﵁ قال: اتَّبعتُ النّبيّ ﷺ وخرج

стр. 64

لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجاراً أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث" (١). فنهيُ النّبيّ ﷺ عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له ﷺ : "ابغني أحجاراً أستنفض بها" وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه ﷺ قال: "ولا تأتني بعظم ولا روث". ومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما. وقد علَّل النّبيّ ﷺ سبب هذا النهي، فقال: "لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ" (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: " ... وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالباً، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث

стр. 65

والرِّمَّةَ (١) وقال: "إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ" فلمّا نهى عن هذين تعليلاً بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصاً بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك" (٢). وذكر نحوه الحافظ ﵀ في "الفتح" (١/ ٢٥٦). وقال الشوكاني ﵀ في "الدراري المضية": "وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم ... " (٤). وتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب: لقوله ﷺ : "إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور" (٥). وفي رواية: "إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب" (٦). ٢ - دم الحيض: وتطهير دم الحيض من الثوب بحكِّه بضِلع وغَسْله بماء وسِدْر أو صابون ونحوه، ثم ينضح الماء في سائر الثوب:

стр. 66

لقوله ﷺ : "حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر" (١). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ عن ثوبها؛ إِذا طَهُرت من حيضها؛ كيف تصنع به؟ قال: إِن رأيتِ فيه دماً؛ فحُكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره، فصلِّي فيه" (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الصحيحة" (٢٩٩): "في هذه الرواية زيادة: "ثم انضحي في سائره"، وهي زيادة هامَّة؛ لأنَّها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام: "ثم لتنضحه"؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب كله. ويشهد له حديث عائشة قالت: "كانت إِحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح على سائره، ثمَّ تصلِّي فيه" (٣). وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ خولة بنت يَسار ﵂ أتت النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: "إِذا طَهُرْتِ؛ فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه".

стр. 67

فقالت: فإِنْ لم يخرج الدَّم؟ قال: "يكفيك غسل الدم، ولا يضرُّك أثره" (١). قال الشوكاني ﵀: "ويستفاد من قوله: "لا يضرُّك أثره": أنَّ بقاء أثر النجاسة الذي عسُرت إِزالته: لا يضرُّ، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما، حتى يذهب لون الدم؛ لأنَّه مستقذر، وربَّما نسَبها من رآه إِلى التقصير في إِزالته" (٢). ٣ - الإِناء الذي ولغ فيه الكلب: ويكون ذلك بغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب. لقوله ﷺ : "طَهور إِناء أحدكم إِذا ولَغَ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات أولاهنَّ بالتراب" (٣). ٤ - البول: ويُطهَّرُ البول عموماً بالغَسْل: ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ : " ... وبول الجارية يُغسل" (٤).

стр. 68

وأمّا إِذا كان بول ذَكَر رضيع لم يَطْعَم؛ فيخفَّف فيه بالنَّضح كما تقدَّم، لقوله ﷺ في الحديث السابق: "بَوْل الغلام يُنْضَح". وكما في حديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن ﵂: "أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إِلى رسول الله ﷺ ، فأجْلَسَه رسول الله ﷺ في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغْسِلْه" (١). وكذلك حديث أبي السَّمح ﵁ قال: كنتُ أخدم النّبيّ ﷺ ، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: "ولِّني قفاك"، فأوليّه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن -أو حسين-، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: "يُغْسَل من بول الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام" (٢). وأمّا الأرض التي يصيبها البول: فيَتِمُّ تطهيرها بأخذ ما بيل عليه من التراب وإلقائه، ثمَّ يُصبُّ على مكانه الماء. فعن أبي هريرة: "أنَّ أعرابياً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال: اللهمَّ ارحَمْني ومحمَّداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال النّبيّ ﷺ : "لقد تحجَّرتَ واسعاً" (٣)، ثمَّ لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إِليه، فنهاهم النّبيُّ ﷺ ، وقال: "إِنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلاً من ماء أو قال: ذَنوباً من ماء) " (٤).

стр. 69

وفي رواية عبد الله بن معقل بن مقرِّن؛ قال: "صلَّى أعرابي مع النّبيّ ﷺ (بهذه القصة، وقال فيه): قال -يعني: النّبيّ ﷺ -: "خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" (١). ٥ - إِزالة الأذى من الذيل (٢) والثَّوب: عن أمِّ ولد لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أنَّها سألت أم سلمة زوج النّبيّ ﷺ ، فقالت: إِنِّي إِمرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذِر، فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله ﷺ : "يُطهِّره ما بعده" (٣). وعن امرأة من بني عبد الأشهل ﵂ قالت: "قلتُ: يا رسول

стр. 70

الله! إِنَّ لنا طريقاً إِلى المسجد مُنْتِنة، فكيف نفعل إِذا مُطرنا؟ قال: "أليس بعدها طريق هى أطيب منها؟ ". قالت: قلتُ: بلى. قال: "فهذه بهذه" (١). ٦ - الوَدْي: ويُطهَّر بالغَسْل. ٧ - المَذْي: يُطهَّر ما لامس الفرج منه والأنثيين بالغَسْل، لقوله ﷺ : "ليغسل ذكره وأنثييه" (٢). ويُطهره من الثياب بالنضح والرش: كما في حديث سهل بن حُنيف ﵁: ... فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفّاً من ماء، فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه أصاب منه" (٣). ٨ - جلد الميتة: ويكون ذلك بدبغها: لقوله ﷺ : "إِذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طهُر" (٤). ولقوله ﷺ : "أيّما إِهاب دُبِغ فقد طَهُر" (٥).

стр. 71

٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه: يُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى. وحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا. ولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم. قال الزُّهري: "لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ" (١). وعن ابن عباس ﵄ عن ميمونة: أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم" (٢). وسئل شيخ الإِسلام ﵀ عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟ فأجاب ﵀: "إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ...

стр. 72

والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم" (١). ١٠ - إِذا كان الماء كثيراً ووقعت فيه نجاسة: إِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهراً. جاء في "الفتاوى": "وسُئل ﵀ عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟ فأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ... وأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة) " (٢). ١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة: وذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها.

стр. 73

١٢ - حبل الغسيل: أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح. "وإن كان سِلكاً يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل" (١). ١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام. وأيضاً؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد ﵁: أنَّ النّبيّ ﷺ قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب والنتن)؟ فقال: "الماء طهور لا ينجِّسه شيء" (٥).

стр. 74

وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات. وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة. ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شارباً للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضاً؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه". وبه قال الشوكاني ﵀ في "السيل الجرَّار". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٦١١): " ... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر". "وسئل ﵀ عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل تراباً؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.

стр. 75

وقال ﵀: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع" (١). رابعاً: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة: الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك. قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث "حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر" (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها: .... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقاً، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتاباً وسُنَّةً مطلقاً غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣). مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ...
следующие страницы →