← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ومن قوله فيها: وما هو إلا أن أراها فجاءة … فأبهت حتى ما أكاد أجيب وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتئي … وأنسى الذي أعددت حين تغيب عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة الفزاري من قيس عيلان، واسم عيينة: حذيفة، فأصابته لقوة (١) فجحظت عيناه، فسمي عيينة، ويكنى أبا مالك، وهو سيد بني فزارة وفارسهم. قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: أجدبت بلاد آل بدر، فسار عيينة في نحو مائة بيت من آله حتى أشرف على بطن نخل فهاب النبي ﷺ ، فورد المدينة ولم يسلم ولم يبعد، وقال: أريد أدنو من جوارك فوادعني. فوادعه النبي ﷺ ثلاثة أشهر، فلما فرغت انصرف عيينة إلى بلادهم، فأغار على لقاح النبي ﷺ بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا سمنت في بلاده ثم غزوته؟! وقال الواقدي (٢): حدثني عبد العزيز بن عقبة بن سلمة، عن عمه إياس بن سلمة، عن أبيه قال: أغار عيينة في أربعين رجلا على لقاح رسول الله ﷺ وكانت عشرين لقحة فساقها وقتل ابنا لأبي ذر كان فيها، فخرج النبي ﷺ في طلبهم إلى ذي قرد فاستنقذ عشر لقاح وأفلت القوم بالباقي، وقتلوا حبيب بن عيينة، وابن عمه مسعدة، وجماعة. الواقدي (٣)، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان عيينة بن حصن أحد رؤوس الأحزاب، فأرسل النبي ﷺ إليه وإلى الحارث بن عوف: أرأيتما إن جعلت لكم ثلث تمر المدينة، أترجعان بمن معكما؟ فرضيا بذلك، فبينا النبي ﷺ يريد أن يكتب لهم الصلح جاء أسيد بن حضير، وعيينة ماد رجليه بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا عين

стр. 1367

الهجرس (١) اقبض رجليك، والله لولا رسول الله ﷺ خضبتك بالرمح، ثم أقبل على النبي ﷺ وقال: إن كان أمر من السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف، متى طمعتم بهذا منا. وقال السعدان كذلك (٢). فقال النبي ﷺ : شق الكتاب، فشقه، فقال عيينة: أما والله للتي تركتم خير لكم من الخطة التي أخذتم، وما لكم بالقوم طاقة، فقال عباد بن بشر: يا عيينة، أبالسيف تخوفنا! ستعلم أينا أجزع، والله لولا مكان رسول الله ﷺ ما وصلتم إلى قومكم، فرجعا وهما يقولان: والله ما نرى أنا ندرك منهم شيئا. قال الواقدي: فلما انكشف الأحزاب رد عيينة إلى بلاده، ثم أسلم قبل الفتح بيسير. ابن سعد (٣): أخبرنا علي بن محمد، عن علي بن سليم، عن الزبير بن خبيب، قال: أقبل عيينة بن حصن، فتلقاه ركب خارجين من المدينة، فسألهم فقالوا: الناس ثلاثة: رجل أسلم فهو مع رسول الله ﷺ يقاتل العرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله، ورجل يظهر الإسلام ويظهر لقريش أنه معهم، قال: ما يسمى هؤلاء؟ قال: يسمون المنافقين. قال: ما في من وصفتم أحزم من هؤلاء، اشهدوا أنني منهم. ثم ساق ابن سعد قصة طويلة بلا إسناد في نفاق عيينة يوم الطائف، وفي أسره عجوزا يوم هوزان يلتمس بها الفداء، فجاء ابنها فبذل فيها مائة من الإبل، فتقاعد عيينة، ثم غاب عنه، ونزله إلى خمسين، فامتنع ثم لم يزل به إلى أن بذل فيها عشرة من الإبل، فغضب وامتنع، ثم جاءه فقال: يا عم، أطلقها وأشكرك، قال: لا حاجة لي بمدحك، ثم قال: ما رأيت كاليوم أمرا أنكد، وأقبل يلوم نفسه، فقال الفتى: أنت صنعت هذا: عمدت إلى عجوز والله ما ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد، ولا صاحبها بواجد،

стр. 1368

فأخذتها من بين من ترى، فقال: خذها لا بارك الله لك فيها. قال الفتى: إن رسول الله ﷺ قد كسا السبي فأخطأها من بينهم الكسوة، فهلا كسوتها؟ قال: لا والله. فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب، ثم ولى الفتى وهو يقول: إنك لغير بصير بالفرص. وأعطى النبي ﷺ عيينة من الغنائم مائة من الإبل (١). الواقدي: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ وأنا عنده، فقال: من هذه الحميراء؟ قال: هذه عائشة بنت أبي بكر. فقال: ألا أنزل لك عن أحسن الناس: ابنة جمرة؟ قال: لا، فلما خرج، قلت: يا رسول الله، من هذا؟ قال: هذا الحمق المطاع. قال ابن سعد: قالوا وارتد عيينة حين ارتدت العرب، ولحق بطليحة الأسدي حين تنبأ فآمن به، فلما هزم طليحة أخذ خالد بن الوليد عيينة فأوثقه وبعث به إلى الصديق، قال ابن عباس، فنظرت إليه والغلمان ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون: أي عدو الله كفرت بعد إيمانك! فيقول: والله ما كنت آمنت، فلما كلمه أبو بكر رجع إلى الإسلام فأمنه. المدائني، عن عامر بن أبي محمد، قال: قال عيينة لعمر: احترس أو أخرج العجم من المدينة فإني لا آمن أن يطعنك رجل منهم. المدائني، عن عبد الله بن فائد، قال: كانت أم البنين بنت عيينة عند عثمان، فدخل عيينة على عثمان بلا إذن، فعتبه عثمان، فقال: ما كنت أرى أنني أحجب عن رجل من مضر، فقال عثمان: أدن فأصب من العشاء، قال: إني صائم، قال: تصوم الليل! قال: إني وجدت صوم الليل أيسر علي! قال المدائني: ثم عمي عيينة في إمرة عثمان. أبو الأشهب، عن الحسن (٢) قال: عاتب عثمان عيينة، فقال: ألم أفعل، ألم أفعل، وكنت تأتي عمر ولا تأتينا؟! فقال: كان عمر خيرا لنا منك، أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا.

стр. 1369

قطبة بن عامر، أبو زيد الأنصاري السلمي. شهد بدرا والعقبتين. قيس بن قهد (١) بن قيس بن ثعلبة الأنصاري، أحد بني مالك بن النجار. قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري. وخالفه الأكثر، وقيل: هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي. وقال ابن ماكولا (٢): إنه شهد بدرا، روى عنه ابنه سليم، وقيس بن أبي حازم. وله حديث في الركعتين بعد الفجر. لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر المشهور الذي قال فيه النبي ﷺ : أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٣) قال مالك (٤): بلغني أن لبيدا عمر مائة وأربعين سنة، ويكنى أبا عقيل. قال ابن أبي حاتم (٥): بعث الوليد بن عقبة إلى منزل لبيد عشرين جزورا فنحرت. وقيل: إنه توفي سنة إحدى وأربعين. خ م د ن: المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي. ممن بايع تحت الشجرة. روى عنه ابنه سعيد بن المسيب (٦). معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري. شهد بدرا وغيرها. وروى عنه ابن عباس، وهو الذي قال: جعلت

стр. 1370

يوم بدر أبا جهل من شأني، فلما أمكنني حملت عليه فضربته فقطعت قدمة بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنه القتال، فقاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها، ثم تمطيت عليها حتى طرحتها (١). محمد بن جعفر بن أبي طالب، أبو القاسم الهاشمي. ولدته أسماء بنت عميس بالحبشة في أيام هجرة أبويه إليها، وتوفي شابا. قال أبو أحمد الحاكم: إنه تزوج بأم كلثوم بنت علي بعد عمر بن الخطاب. وقال ابن عبد البر (٢): إنه استشهد بتستر، فالله أعلم. قال جرير بن حازم: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، أن النبي ﷺ لما نعى أباه جعفرا أمهل ثلاثا لا يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأننا أفرخ، فأمر بحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال: أما محمد فيشبه عمنا أبا طالب، وأما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها، وقال: اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، ثلاثا، ثم جاءت أمنا أسماء، فذكرت يتمنا، فقال: العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة! معبد بن العباس بن عبد المطلب، أبو العباس الهاشمي. قتل شابا بالمغرب في وقعة إفريقية. ع: معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس. قديم الإسلام، له هجرة إلى الحبشة، شهد خيبر وما بعدها، وقيل: شهد بدرا (٣) وسيأتي في سنة أربعين (٤).

стр. 1371

منقذ بن عمرو الأنصاري أحد بني مازن بن النجار. كان قد أصابته آمة (١) في رأسه فكسرت لسانه (٢) ونازعت عقله، وهو الذي كان يغبن (٣) في البيوع، فقال له النبي ﷺ : إذا بعت فقل: لا خلابة. د: نعيم بن مسعود أبو سلمة الغطفاني الأشجعي، أسلم زمن الخندق، وهو الذي خذل بين الأحزاب، وكان يسكن المدينة. وله عقب. روى عنه ابنه سلمة (٤). أبو خزيمة بن أوس بن زيد، أحد بني النجار. شهد بدرا والمشاهد، وهو الذي وجد زيد بن ثابت معه الآيتين من آخر سورة براءة، توفي زمن عثمان. أبو ذؤيب الهذلي، خويلد بن خالد، الشاعر المشهور. أدرك الجاهلية وأسلم في خلافة الصديق، وكان أشعر هذيل، وكانت هذيل أشعر العرب، ومن شعره: وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع وتجلدي للشامتين أريهم … أني لريب الدهر لا أتضعضع توفي غازيا بإفريقية في خلافة عثمان، وقد شهد سقيفة بني ساعدة، وصلى على النبي ﷺ . أبو زبيد الطائي الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر النصراني. أنشد عثمان قصيدة في الأسد بديعة، فقال له: تفتأ تذكر الأسد ما حييت إني لأحسبك جبانا، وكان أبو زبيد يجالس الوليد بن عقبة. أبو سبرة بن أبي رهم (٥) بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود

стр. 1372

القرشي العامري. قديم الإسلام، يقال: إنه هاجر إلى الحبشة، وقد شهد بدرا والمشاهد بعدها، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد، وأمهما برة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ . آخى رسول الله ﷺ بين أبي سبرة وبين سلمة بن سلامة بن وقش. قال الزبير بن بكار (١): لا نعلم أحدا من أهل بدر رجع إلى مكة فنزلها، غير أبي سبرة فإنه سكنها بعد وفاة النبي ﷺ ، وولده ينكرون ذلك، وتوفي في خلافة عثمان ﵁. خ م د ق: أبو لبابة (٢) بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية الأنصاري، اسمه بشير، وقيل: رفاعة. رده النبي ﷺ في غزوة بدر من الروحاء، فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، وكان من سادة الصحابة. توفي في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة علي، وقيل: في خلافة معاوية، وهو أحد النقباء ليلة العقبة. روى عنه ابناه السائب، وعبد الرحمن، وعبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وعبيد الله بن أبي يزيد، وعبد الله بن كعب بن مالك، وسلمان الأغر، ورواية بعض هؤلاء عنه مرسلة لعدم إدراكهم إياه. ت ن ق: أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة. تقدم في سنة إحدى وعشرين، وتوفي في خلافة عثمان، اسمه خالد، وقيل: شيبة، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، وهو أخو أبي حذيفة. كان صالحا زاهدا، وهو أخو مصعب بن عمير لأمه، أسلم يوم الفتح وذهبت عينه يوم اليرموك (٣).

стр. 1373

الطبقة الرابعة. (٣١ - ٤٠ هـ)

стр. 1374

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين قال أبو عبد الله الحاكم: أجمع مشايخنا على أن نيسابور فتحت صلحا، وكان فتحها في سنة إحدى وثلاثين، ثم روى بإسناده إلى مصعب بن أبي الزهراء أن كنار (١) صاحب نيسابور كتب إلى سعيد بن العاص والي الكوفة، وإلى عبد الله بن عامر والي البصرة، يدعوهما إلى خراسان ويخبرهما أن مرو قد قتل أهلها يزدجرد، فندب سعيد بن العاص الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير لها، فأتى ابن عامر دهقان، فقال: ما تجعل لي إن سبقت بك؟ قال: لك خراجك وخراج أهل بيتك إلى يوم القيامة، فأخذ به على قومس، وأسرع إلى أن نزل على نيسابور، فقاتل أهلها سبعة أشهر ثم فتحها، فاستعمله عثمان عليها أيضا، وكان ابن خالة عثمان، ويقال: تفل النبي ﷺ في فيه وهو صغير. وفيها قال خليفة (٢): أحرم عبد الله بن عامر من نيسابور، واستخلف قيس بن الهيثم وغيره على خراسان، وقيل: إن ذلك كان في السنة الماضية. وفيها غزوة الأساود، فغزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر في البحر، وسار فيه إلى ناحية مصيصة. و فيها توفي: الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي أبو مروان. وكان له من الولد عشرون ذكرا وثمان بنات، أسلم يوم الفتح، وقدم المدينة، فكان فيما قيل يفشي سر رسول الله ﷺ ، فطرده وسبه، وأرسله إلى بطن وج (٣)، فلم يزل طريدا إلى أن ولي عثمان، فأدخله المدينة ووصل

стр. 1375

رحمه وأعطاه مائة ألف درهم، لأنه كان عم عثمان بن عفان. وقيل: إنما نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف لأنه كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته. وقد رويت أحاديث منكرة في لعنه لا يجوز الاحتجاج بها، وليس له في الجملة خصوص الصحبة بل عمومها. قال حماد بن سلمة وجرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى النخعي قال: كنت بين مروان، والحسن، والحسين، والحسين يساب مروان، فقال مروان: إنكم أهل بيت ملعونون، فغضب الحسن وقال: والله لقد لعن الله أباك على لسان نبيه وأنت في صلبه، أبو يحيى مجهول. وقال العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ رأى في المنام كأن بني الحكم ينزون على منبره، فأصبح كالمتغيظ، وقال: مالي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة (١). وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش بن قيس، عن عطاء، عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ ، فدخل علي يقود الحكم بأذنه فلعنه نبي الله ﷺ ثلاثا، قال الدارقطني: تفرد معتمر (٢). وقال جعفر بن سليمان الضبعي: حدثنا سعيد أخو حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن الجزري، عن عمرو بن مرة - وله صحبة - قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على رسول الله ﷺ ، فقال: ائذنوا له لعنه الله وكل من خرج من صلبه إلا المؤمنين، إسناده فيه من يجهل (٣). وعن عبد الله بن عمرو قال: كان الحكم يجلس إلى رسول الله ﷺ وينقل حديثه إلى قريش، فلعنه رسول الله ﷺ ، ومن يخرج من صلبه إلى

стр. 1376

يوم القيامة. تفرد به سليمان بن قرم، وهو ضعيف. وقال أحمد في مسنده (١): حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فقال: ليدخلن عليكم رجل لعين، فما زلت أتشوف حتى دخل فلان، يعني: الحكم (٢). وقال الشعبي: سمعت ابن الزبير يقول: ورب هذا البيت إن الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد ﷺ . إسناده صحيح (٣). وعن إسحاق بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ في حجرته، فسمع حسا فاستنكره، فذهبوا فنظروا فإذا الحكم يطلع على النبي ﷺ ، فلعنه وما في صلبه ونفاه. رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عبادة بن زياد أن مدرك بن سليمان الطائي حدثه عن إسحاق فذكره (٤). وقال أبو سلمة التبوذكي: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل عليكم رجل لعين، قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه، فأشفقت، فدخل الحكم بن أبي العاص (٥). سوى ق: أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، واسمه صخر. أحد دهاة العرب، وشيخ قريش، وقائدهم نوبة الأحزاب، ثم أسلم

стр. 1377

يوم الفتح وشهد حنينا، وأعطاه النبي ﷺ من الغنائم مائة من الإبل وأربعين أوقية، وقد فقئت عينه يوم الطائف، ثم شهد اليرموك، فكان يذكر يومئذ ويحض على القتال. روى عنه ابن عباس، وقيس بن أبي حازم. وقيل: فقئت عينه الأخرى يوم اليرموك في سبيل الله ﵀، وكان مقدم جيش الجاهلية يوم أحد. وكان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين، وكان يتجر إلى الشام وغيرها. وكان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان، فكان يقاتل ويقول: يا نصر الله اقترب. وكان يقف على الكراديس يقص ويقول: الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وهؤلاء دارة الروم وأنصار المشركين، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. توفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وله نحو تسعين سنة (١). ويقال: توفي فيها المقداد، والعباس، وابن عوف، وعامر بن ربيعة، وسيأتون بعدها ﵃. يزدجرد بن شهريار بن برويز المجوسي الفارسي، كسرى زمانه. انهزم من المسلمين في دار ملكه إلى مرو، وضعفت دولة الأكاسرة وولت أيامهم، فكان هذا خاتمتهم، ثار عليه أمراء مرو، وقيل: بل بيته الترك وقتلوا خواصه، فهرب والتجأ إلى بيت رجل فقتله غدرا، ثم قتل به، والله أعلم.

стр. 1378

سنة اثنتين وثلاثين فيها كانت وقعة المضيق بالقرب من قسطنطينية، وأميرها معاوية. و توفي فيها: أبي بن كعب، قاله خليفة (١) وحده. وأوس بن الصامت، أخو عبادة، وقد تقدما. سنان بن أبي سنان بن محصن الأسدي، حليف بني عبد شمس. وكان أسن من عمه عكاشة، هاجر هو وأبوه وشهد بدرا. توفي أبوه والنبي ﷺ يحاصر بني قريظة، وكان سنان من سادة الصحابة. قال الواقدي: هو أول من بايع تحت الشجرة. الطفيل بن الحارث بن المطلب، فيها في قول، وقد ذكر. وأخوه الحصين توفي بعده بأربعة أشهر، وقد شهد بدرا. قال رسول الله ﷺ : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام (٢). ع: العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الفضل عم النبي ﷺ . ولد قبل النبي ﷺ بسنتين أو ثلاث، وحضر بدرا فأسره المسلمون، ثم أسلم بعد أن فدى نفسه وقدم مكة. له أحاديث. روى عنه: ابناه عبد الله وعبيد الله، والأحنف بن قيس، وعامر بن سعد، ومالك بن أوس بن الحدثان، ونافع بن جبير بن مطعم، وأم كلثوم بنته، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وله فضائل ومناقب ﵁. قال الكلبي: كان العباس شريفا مهيبا عاقلا.

стр. 1379

وقال غيره: كان أبيض بضا جميلا طويلا فخما مهيبا، له ضفيرتان، عاش ثمانيا وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وعلى ضريحه قبة عظيمة. وقال خليفة (١) وحده: توفي سنة أربع وثلاثين. وقال الزبير بن بكار: كان للعباس ثوب لعاري بن هاشم وجفنة لجائعهم، وكان يمنع الجار، ويبذل المال، ويعطي في النوائب، وكان نديم أبي سفيان بن حرب في الجاهلية. وعن سهل بن سعد قال: لما رجع النبي ﷺ من بدر استأذنه العباس أن يرجع إلى مكة حتى يهاجر منها، فقال: اطمئن يا عم فإنك خاتم المهاجرين كما أنا خاتم النبيين. رواه أبو يعلى (٢) والهيثم بن كليب في مسنديهما. وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : إن عم الرجل صنو أبيه ومن آذى العباس فقد آذاني. وصحح الترمذي من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث هذا الحديث إلى آخره (٣). وقال محمد بن طلحة التميمي - وهو ثقة - عن أبي سهيل بن مالك، عن سعيد بن المسيب، عن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ، فأقبل العباس، فقال النبي ﷺ : هذا العباس عم نبيكم أجود قريش كفا وأوصلها، أخرجه النسائي (٤).

стр. 1380

وروى عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن العباس، أن رسول الله ﷺ قال: العباس مني وأنا منه (١). وقال ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب عن ابن عباس: إن النبي ﷺ جعل على العباس وولده كساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم اخلفه في ولده. تفرد به عبد الوهاب بن عطاء، عن ثور، حسنه الترمذي (٢). وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يجل أحدا ما يجل العباس، أو يكرم العباس (٣). وقال أنس: قحط الناس، فاستسقى عمر بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا نتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فسقوا. أخرجه البخاري (٤). وقال أبو معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن غيره، أن عمر فرض لمن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض للعباس اثني عشر ألفا. وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة قال: كان العباس إذا مر بعمر أو بعثمان وهما راكبان نزلا حتى يجاوزهما إجلالا لعم رسول الله ﷺ . وقال عمرو بن مرة، عن أبي صالح السمان، عن صهيب مولى العباس قال: رأيت عليا يقبل يد العباس ورجله ويقول: يا عم ارض عني.

стр. 1381

وقال ثور بن يزيد، عن مكحول، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: العباس خير هذه الأمة وراث النبي ﷺ وعمه. إسناده صحيح. وقال الضحاك بن عثمان الحزامي: كان يكون للعباس الحاجة إلى غلمانه وهم بالغابة، فيقف على سلع في آخر الليل فيناديهم فيسمعهم، والغابة على نحو من تسعة أميال. وقال علي بن عبد الله بن عباس: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكا. وقال المدائني: إنه توفي سنة ثلاث وثلاثين (١). عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، وقيل: إن ذكر ثعلبة في نسبه خطأ. شهد بدرا والعقبة، وهو الذي أري الأذان. روى عنه ابنه محمد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن المسيب، وآخرون. عاش هذا أربعا وستين سنة. ورى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن زيد أن عبد الله شهد النبي ﷺ عند المنحر وحلق رأسه، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره، فأعطاه. قال محمد: فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم (٢). ع: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي، حليف بني زهرة، وأمه أم عبد هذيلة أيضا. كان من السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان له أصحاب سادة، منهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة السلماني، وأبو وائل، وطارق بن شهاب، وزر بن حبيش وأبو عمرو الشيباني، وأبو

стр. 1382

الأحوص، وزيد بن وهب، وخلق سواهم، وكان صاحب نعل النبي ﷺ ، فكان إذا خلعها حملها أو شالها. وكان يدخل على النبي ﷺ ويخدمه ويلزمه. وتلقن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. قال ابن سيرين: قال عبد الله بن مسعود: لو أعلم أحدا أحدث بالعرضة الأخيرة مني تناله الإبل لرحلت إليه. وقال عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي، وسئل عن عبد الله، فقال: علم القرآن والسنة ثم انتهى. وعن ابن مسعود، قال: كناني النبي ﷺ أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي. وعن ابن المسيب قال: رأيت ابن مسعود عظيم البطن أحمش الساقين. وقال قيس بن أبي حازم: رأيته آدم خفيف اللحم. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان نحيفا قصيرا، شديد الأدمة وكان لا يخضب. وعن غيره قال: كان ابن مسعود لطيف القد، وكان من أجود الناس ثوبا، أبيض، وأطيب الناس ريحا. وقال ابن إسحاق: أسلم ابن مسعود بعد اثنتين وعشرين نفسا. وقال أبو الأحوص: سمعت أبا مسعود البدري وأبا موسى حين مات ابن مسعود، وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله؟ قال: لئن قلت ذاك لقد كان يؤذن له إذا حجبنا ويشهد إذا غبنا. وقال أبو موسى: مكثت حينا وما أحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم وخروجهم عليه. وقال القاسم بن عبد الرحمن: كان عبد الله بن مسعود يلبس رسول الله ﷺ نعليه ويمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه، فأخذهما عبد الله وأعطاه العصا، وكان يدخل الحجرة أمامه بالعصا. وعن عبيد الله بن عبد الله، قال: كان عبد الله صاحب سواد رسول الله

стр. 1383

ﷺ يعني سره -، وصاحب وساده، يعني: فراشه، وصاحب سواكه ونعليه وطهوره، وهذا يكون في السفر. وعن عبيدة عن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ في حائط فبشرني بالجنة. وقال رسول الله ﷺ : من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد. قال ابن مسعود: ثم قعدت أدعو فجعل رسول الله ﷺ يقول: سل تعطه، فكان فيما قلت: اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد (١). وقال أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : لو كنت مؤمرا أحدا عن غير مشورة لأمرت عليهم ابن أم عبد. رواه أحمد في مسنده (٢) والترمذي (٣). وعن علي قال: أمر رسول الله ﷺ ابن مسعود فصعد شجرة فنظر الصحابة إلى ساقي عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله ﷺ : ما تضحكون؟ لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من أحد. رواه مغيرة، عن أم موسى، عن علي (٤). وقال عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد، حسنه الترمذي (٥) لكن لفظه: وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه.

стр. 1384

وقال منصور، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد (١). وروي نحوه من طرق أخر. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي ﷺ في هديه ودله وسمته (٢). وقال أبو إسحاق السبيعي: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: قلنا لحذيفة: أخبرنا برجل قريب السمت والدل برسول الله صلى الله عليه سلم حتى نلزمه، قال: ما أعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا ولا دلا من رسول الله ﷺ حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفة (٣). وقال أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، فقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وقال عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة (٤). وقال مسروق، عن عبد الله قال: ما من آية إلا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لأتيته (٥).

стр. 1385

وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن مسعود كره لزيد نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ كتاب المصاحف ويتولاها رجل غيري، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب أبيه، يا أهل الكوفة، اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها. قلت: قال ذلك لما جعل عثمان زيد بن ثابت على كتابة المصاحف، وتطلب سائر مصاحف الصحابة ليغسلها أو يحرقها، فعل ذلك ليجمع الأمة على مصحف واحد. قال أبو وائل: خطب ابن مسعود، وقال: غلوا مصاحفكم، كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، وإن زيدا ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان (١). وقال أبو وائل: إني لجالس مع عمر، إذ جاء ابن مسعود، فكاد الجلوس يوارونه من قصره - يعني وهو قائم - فضحك عمر حين رآه، وجعل يكلم عمر ويضاحكه وهو قائم عليه، ثم ولى فأتبعه عمر بصره حتى توارى، فقال: كنيف (٢) ملئ علما. وقال الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي موسى أنه قال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم، يعني ابن مسعود. وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبد الله: سمعت أبا موسى يقول: مجلس كنت أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة. وقال الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير قال: جاء نعي عبد الله إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله. وقال مسروق: انتهى علم الصحابة إلى علي وابن مسعود. وقال زيد بن وهب: رأيت بعيني عبد الله أثرين أسودين من البكاء.

стр. 1386

وعن ابن مسعود قال: حبذا المكروهان الموت والفقر، وايم الله ما هو إلا الغنى والفقر، وما أبالي بأيهما ابتدئت. وقال سيف بن عمر، عن عطية، عن أبي سيف قال: اتخذ ابن مسعود ضيعة برذان، ومات عن تسعين ألف مثقال، سوى رقيق وعروض وماشية. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: إن ابن مسعود أوصى إلى الزبير بن العوام. وقال قيس بن أبي حازم: دخل الزبير على عثمان بعد وفاة ابن مسعود، فقال: أعطني عطاء عبد الله فعيال عبد الله أحق به من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألفا. همام، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود، في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، قال: هما زانيان ما اجتمعا، قال قتادة: فقلت لسالم: أي رجل كان أبوك؟ قال: كان قارئا لكتاب الله. الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: والله ما أعلم النبي ﷺ ترك أحدا أعلم بكتاب الله من هذا، يريد عبد الله بن مسعود. الطيالسي: حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: حدثني حبة العرني، قال: كتب عمر: يا أهل الكوفة، أنتم رأس العرب وجمجمتها، وسهمي الذي أرمي به، قد بعثت إليكم بعبد الله وخرت لكم وآثرتكم به على نفسي. توفي عبد الله بالمدينة، وكان قدمها فمرض أياما ودفن بالبقيع، وله ثلاث وستون سنة، في أواخر السنة (١). ع: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو محمد القرشي الزهري. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى.

стр. 1387

روى عنه بنوه إبراهيم، وحميد، وعمرو، ومصعب، وأبو سلمة، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأنس بن مالك، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيلان بن شرحبيل، وآخرون. وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة. وكان على ميمنة عمر في قدمته إلى الجابية، وعلى ميسرته في نوبة سرغ (١). مولده بعد الفيل بعشر سنين، وقد أسقط البخاري وغيره عبدا من نسبه. وقال الهيثم بن كليب وغيره: عبد الحارث في عبد بن الحارث. وعن عبد الرحمن قال: كان اسمي عبد عمرة، فسماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن (٢). وعن سهلة بنت عاصم قالت: كان عبد الرحمن أبيض، أعين، أهدب الأشفار، أقنى، طويل النابين الأعليين، ربما أدمى نابه شفته. له جمة أسفل أذنيه، أعنق، ضخم الكفين. وقال ابن إسحاق: كان عبد الرحمن ساقط الثنيتين، أهتم أعسر، أعرج، كان قد أصيب يوم أحد فهتم، وجرح عشرين جراحة، بعضها في رجله فعرج. وعن يعقوب بن عتبة قال: كان طوالا، حسن الوجه، رقيق البشرة، فيه جنأ، أبيض بحمرة، لا يغير شيبه. وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: كنا نسير مع عثمان، فرأى أبي فقال عثمان: ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ، فضلا في الهجرتين جميعا. وعن أنس قال: قدم عبد الرحمن المدينة فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الخزرجي، فقال: إن لي زوجتين، فانظر أيهما شئت حتى

стр. 1388

أطلقها لتتزوجها وأشاطرك نصف مالي، فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على السوق، فذهب ورجع وقد حصل شيئا. وقد روى أحمد في مسنده (١) من حديث أنس، أن عبد الرحمن أثرى وكثر ماله حتى قدمت له مرة سبع مائة راحلة تحمل البر والدقيق، فلما قدمت سمع لها أهل المدينة رجة، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: عبد الرحمن بن عوف لا يدخل الجنة إلا حبوا، فلما بلغه قال: يا أمه أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله. قلت: كان تاجرا سعيدا فتح عليه في التجارة وتمول، حتى إنه باع مرة أرضا بأربعين ألف دينار فتصدق بها، وحمل على خمس مائة فرس في سبيل الله، ثم على خمس مائة راحلة. وفي الصحيح (٢) أن النبي ﷺ غاب مرة فقدموا عبد الرحمن يصلي بالناس، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي بالناس، فأراد أن يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن اثبت مكانك، فصلى وصلى رسول الله صلى عليه وسلم خلفه، وهذه منقبة عظيمة. وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبيه قال: رأيت الجنة، وأني دخلتها حبوا، ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء (٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن خالدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا خالد لا تؤذ رجلا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبا لم تدرك عمله (٤).

стр. 1389

وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: خياركم خياركم لنسائي. قال: فأوصى عبد الرحمن لهن بحديقة قومت بأربع مائة ألف (١). وقال عبد الله بن جعفر: حدثتني أم بكر بنت المسور، أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسمها في فقراء بني زهرة، وفي المهاجرين، وأمهات المؤمنين، فقالت عائشة: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة، زاد يحيى الحماني فيه عن عبد الله أنها قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون (٢). وقال ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن حصين، عن عوف بن الحارث، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: إن الذي يحنو عليكن بعدي لهو الصادق البار، اللهم اسق ابن عوف من سلسبيل الجنة (٣). وعن نيار الأسلمي قال: كان عبد الرحمن ممن يفتي في عهد رسول الله ﷺ . وقال يزيد بن هارون: حدثنا المعلى الجزري، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أن عبد الرحمن قال لأصحاب الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنفصل منها؟ قال علي: أنا أول من رضيت، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك أمين في أهل السماء والأرض. وقال ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيد بن أزهر، عن أبيه أن عثمان اشتكى رعافا، فدعا حمران، فقال: اكتب لعبد الرحمن العهد من

стр. 1390

بعدي، فكتب له، فانطلق حمران إلى عبد الرحمن، فقال: لك البشرى، إن عثمان كتب لك العهد من بعده، فقام بين القبر والمنبر فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فأمتني قبل عثمان، فلم يعش إلا ستة أشهر. وعن سعد بن الحسن قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده. وعن الزهري قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لمن شهد بدرا، فوجدوا مائة، لكل رجل أربع مائة دينار، وأوصى بألف فرس في سبيل الله. وقال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: سمعت عليا يقول يوم مات أبي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها (١). وقال محمد بن سيرين: اقتسم نساء ابن عوف ثمنهن فكان ثلاث مائة وعشرين ألفا. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله خمس وسبعون سنة، ودفن بالبقيع ﵁ (٢). خ د ت ن: كعب الأحبار، أبو إسحاق بن ماتع الحميري اليماني الكتابي. أسلم في خلافة أبي بكر، أو أول خلافة عمر. روى عن عمر، وصهيب، وعن كتب أهل الكتاب، وكان في الغالب يعرف حقها من باطلها لسعة علمه وكثرة اطلاعه. روى عنه ابن امرأته تبيع الحميري، وأسلم مولى عمر، وأبو سلام الأسود، وآخرون. ومن الصحابة أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية. وسكن الشام وغزا بها، وتوفي بحمص طالب غزاة. قال خالد بن معدان، عن كعب الأحبار: لأن أبكي من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا (٣). ع: أبو الدرداء، واسمه عويمر بن عبد الله، وقيل: ابن زيد، وقيل: ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، وقيل: عويمر بن قيس بن زيد،

стр. 1391

ويقال: عامر بن مالك، حكيم هذه الأمة. له عن النبي ﷺ عدة أحاديث. روى عنه أنس، وأبو أمامة، وجبير بن نفير، وعلقمة، وزيد بن وهب، وقبيصة بن ذؤيب، وأهله أم الدرداء، وابنه بلال بن أبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وخالد بن معدان، وخلق سواهم. ولي قضاء دمشق، وداره بباب البريد وتعرف اليوم بدار الغزي. كذا قال ابن عساكر (١). وقيل: كان أقنى، أشهل، يخضب بالصفرة. وقال الأعمش، عن خيثمة، قال أبو الدرداء: كنت تاجرا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت العبادة. تأخر إسلام أبي الدرداء، فقال سعيد بن عبد العزيز: إنه أسلم يوم بدر وشهد أحدا، وأن رسول الله ﷺ أمره أن يرد من على الجبل يوم أحد، فردهم وحده، وكان يومئذ حسن البلاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم الفارس عويمر (٢). وعنه ﷺ قال: حكيم أمتي عويمر (٣). وفي البخاري (٤) من حديث أنس، قال: مات رسول الله ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري.

стр. 1392

وقال الشعبي: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ستة، فسمى الأربعة وأبي بن كعب، وسعد بن عبيد، قال: وكان بقي على مجمع بن جارية سورة أو سورتان، حين توفي النبي ﷺ . وكان ابن مسعود قد أخذ من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، وتعلم بقية القرآن من مجمع، ولم يجمع أحد من خلفاء الصحابة القرآن غير عثمان. وعن أبي الزاهرية قال: كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلاما. وقال معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: قال النبي ﷺ : إن الله وعدني إسلام أبي الدرداء (١) قال: فأسلم. وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء. وقال أبو جحيفة السوائي: آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فجاءه سلمان يعوده، فإذا أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار، وليس له في شيء من الدنيا حاجة، فجاءه أبو الدرداء فرحب بسلمان وقرب إليه طعاما، فقال سلمان: كل، قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن، فأفطر، ثم بات سلمان عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان، وقال: إن لجسدك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، صم وأفطر وصل وأت أهلك وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان وجه الصبح قال: قم الآن إن شئت، فقاما وتوضئا ثم ركعا ثم خرجا، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله ﷺ بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا مثل ما قال لك سلمان (٢).

стр. 1393

وقال سالم بن أبي الجعد: قال أبو الدرداء: سلوني فوالله لئن فقدتموني لتفقدن رجلا عظيما. وقال يزيد بن عميرة: احتضر معاذ، قالوا: أوصنا، قال: التمسوا العلم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام. وعن أبي ذر أنه قال: ما أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء. قال أبو عمرو الداني: عرض على أبي الدرداء القرآن: عبد الله بن عامر، وخليد بن سعد القارئ، وراشد بن سعد، وخالد بن معدان. قلت: في عرض هؤلاء عليه نظر. قال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا أعجميا، فقرأ ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء: ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ فلم يقدر يقولها، فقال أبو الدرداء: طعام الفاجر، فأقرأه طعام الفاجر. وقال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين، فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ، وأبو الدرداء. روى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة قال: كان أبو الدرداء يصلح قدرا له، فوقعت على وجهها فجعلت تسبح، فقال: يا سلمان تعال إلى ما لم يسمع أبوك مثله قط، فجاء سلمان وسكن الصوت، فأخبره، فقال سلمان: لو لم تصح (١) لرأيت أو لسمعت من آيات الله الكبرى. حديث صحيح (٢). وقال مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: ارجعا إلي أعيدا علي قضيتكما. وقال أبو وائل، عن أبي الدرداء قال: إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله أن يأجرني فيه.

стр. 1394

وقال ميمون بن مهران: قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات. وقال عون بن عبد الله قلت لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر. قالت: التفكر والاعتبار. وعن أبي الدرداء أنه قيل له: كم تسبح في كل يوم؟ وكان لا يفتر من الذكر - قال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع. وقال معاوية بن قرة: قال أبو الدرداء: ثلاثة أحبهن ويكرههن الناس: الفقر والمرض والموت. وعنه قال: أحب الموت اشتياقا لربي، وأحب الفقر تواضعا لربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي (١). وقال عكرمة بن عمار، عن أبي قدامة محمد بن عبيد الحنفي، عن أم الدرداء قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مائة خليل في الله يدعو لهم في الصلاة، قالت: فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل ذلك، أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة. قال الواقدي وأبو مسهر: مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين (٢). ع: أبو ذر الغفاري، اسمه جندب بن جنادة على الصحيح، وقيل: جندب بن سكن، وقيل: برير بن عبد الله، أو ابن جنادة. أحد السابقين الأولين، يقال: كان خامسا في الإسلام، ثم انصرف إلى بلاد قومه، وأقام بها بأمر النبي ﷺ ، ثم لما هاجر النبي ﷺ هاجر أبو ذر إلى المدينة. وروي أنه كان آدم جسيما، كث اللحية.

стр. 1395

قال أبو داود: لم يشهد أبو ذر بدرا، وإنما ألحقه عمر مع القراء، وكان يوازي ابن مسعود في العلم والفضل، وكان زاهدا أمارا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم. وعن النبي ﷺ قال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. حسنه الترمذي (١) من حديث عبد الله بن عمرو. وعن علي ﵁، وسئل عن أبي ذر فقال: وعى علما عجز الناس عنه، ثم أوكى عليه، فلم يخرج منه شيئا. وقال النبي ﷺ : يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم (٢). وقال أبو غسان النهدي: حدثنا مسعود بن سعد، عن الحسن بن عبيد الله، عن رياح بن الحارث، عن ثعلبة، أن عليا قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بيده على صدره. وقال بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن مسعود قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، فقال ماكان يقوله، فتلوم عليه بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ أبو ذر متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله ﷺ ماشيا، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال: يرحم الله أبا ذر يمشي وحده (٣)، ويموت وحده، ويحشر وحده، فضرب الدهر من

стр. 1396

ضربه (١)، وسير أبو ذر إلى الربذة، فمات بها، واتفق مرور عبد لله بن مسعود به من الكوفة فصلى عليه وشهده، ومناقب أبي ذر كثيرة. روى عنه أنس، وجبير بن نفير، وزيد بن وهب، وسعيد بن المسيب، وأبو سالم الجيشاني سفيان بن هانئ، والأحنف بن قيس، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبو مراوح، وقيس بن عباد، وسويد بن غفلة، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الصامت، والمعرور بن سويد، وأبو عثمان النهدي، وخلق سواهم. وقد استوعب ابن عساكر في تاريخ دمشق أخباره وأحواله (٢). قال حسين المعلم، عن ابن بريدة: كان أبو ذر رجلا أسود، كث اللحية. كان أبو موسى يكرمه، ويقول: مرحبا بأخي، فيقول: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل. ومن أخبار أبي ذر أنه كان شجاعا مقداما. قال محمد بن سعد (٣): أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثنا ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: كان أبو ذر رجلا يصيب، وكان شجاعا ينفرد وحده ويقطع الطريق، ويغير على الصرم (٤)، كأنه السبع، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام. فضيل بن مرزوق، قال: حدثتني جبلة بنت مصفى (٥)، عن حاطب، قال: قال أبو ذر: ما ترك رسول الله ﷺ شيئا مما صبه جبريل وميكائيل في صدره إلا قد صبه في صدري، ولا تركت شيئا مما صبه رسول الله ﷺ في

стр. 1397

صدري إلا وقد صببته في صدر مالك بن ضمرة. أبو إسحاق السبيعي، عن هانئ بن هانئ، سمع عليا يقول: أبو ذر وعاء ملئ علما، ثم أوكي عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قبض (١). شريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت بحب أربعة لأن الله يحبهم: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد. أبو ربيعة هذا خرج له أبو داود وغيره، قال أبو حاتم (٢): منكر الحديث. عبد الحميد بن بهرام: حدثنا شهر، حدثتني أسماء أن أبا ذر كان يخدم النبي ﷺ ، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد، وكان هو بيته، فدخل النبي ﷺ المسجد ليلة فوجده نائما، فنكته برجله، فجلس فقال له: ألا أراك نائما؟ قال: فأين أنام؟ فجلس إليه رسول الله ﷺ فقال: كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ قال: ألحق بالشام. قال: كيف أنت إذا أخرجوك منها؟ قال: إذا أرجع إلى المسجد فيكون بيتي ومنزلي. قال: فكيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟ قال: إذا آخذ سيفي فأقاتل حتى أموت، قال: فكشر إليه رسول الله ﷺ وقال: أدلك على خير من ذلك: تنقاد لهم حيث قادوك حتى تلقاني وأنت على ذلك. أخرجه الإمام أحمد (٣). الأوزاعي قال: حدثني أبو كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر، وقد اجتمعوا عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه، فأتاه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه وقال: أرقيب أنت علي! لو وضعتم الصمصامة على هذه، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. رواه غير واحد عن الأوزاعي. واسم أبي أبي كثير مرثد، صدوق (٤).

стр. 1398

عن ثعلبة بن الحكم، عن علي قال: لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي. ثم ضرب بيده على صدره (١). الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الأحنف، قال: رأيت أبا ذر قام بالمدينة على ملأ من قريش، فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض (٢) كتفه، فما رأيت أحدا رد عليه شيئا، وذكر الحديث وهو حديث صحيح (٣). ابن لهيعة قال: حدثنا أبو قبيل: قال: سمعت مالك بن عبد الله الزيادي، يحدث عن أبي ذر أنه دخل على عثمان، فقال عثمان: يا كعب، إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى؟ قال: إن كان - يعني زكى - فلا بأس، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول ﷺ يقول: ما أحب أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق. أنشدك الله يا عثمان أسمعته مرارا؟ قال: نعم (٤). جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان قال: تناجى عثمان وأبو ذر حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر مبتسما وقال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي عدن. وأمره أن يخرج إلى الربذة. الأعمش، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن سيدان، عن أبي ذر، قال: لو أمرني عثمان أن أمشي على رأسي لمشيت. وعن أبي جويرية، عن زيد بن خالد الجهني، أن أبا ذر قال لعثمان: والله لو أمرتني أن أحبو لحبوت ما استطعت. أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر لعثمان: يا أمير المؤمنين، افتح الباب لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين

стр. 1399

كما يمرق السهم من الرمية، يعني الخوارج. العوام بن حوشب قال: حدثني رجل عن شيخ وامرأته من بني ثعلبة، قالا: نزلنا بالربذة، فمر بنا شيخ أشعث، فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستأذناه أن نغسل رأسه، فأذن لنا واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذر فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لك راية؟ فقال: لا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي. حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قالت أم ذر: والله ما سير عثمان أبا ذر - تعني إلى الربذة - ولكن رسول الله ﷺ قال له: إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها. ابن شوذب، عن غالب القطان قال: قلت: يا أبا سعيد أعثمان أخرج أبا ذر؟ قال: معاذ الله. أبو سعيد هو الحسن. أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، فإذا أخذه دعا خادمه فسأله ما يكفيه للسنة فاشتراه، ثم اشترى فلوسا بما بقي، وقال: إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكأ عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه. الأوزاعي، عن يحيى قال: كان لأبي ذر ثلاثون فرسا يحمل عليها، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها ويريح بقيتها، فإذا رجعت حمل على الخمسة عشر الأخرى. ثابت البناني قال: بنى أبو الدرداء مسكنا فمر عليه أبو ذر، فقال: ما هذا؟ تعمر دارا أمر الله بخرابها!؟ حسين المعلم، عن ابن بريدة، قال: كان أبو موسى يكرم أبا ذر، وكان أبو موسى خفيف اللحم، قصيرا، وكان أبو ذر رجلا أسود، كث

стр. 1400

الشعر، فكان أبو موسى، يقول: مرحبا بأخي، فيقول: لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل (١). قيل: لم يعش بعده ابن مسعود إلا نحو عشر أيام. وقال الجريري: حدثنا أبو العلاء بن عبد الله، عن نعيم بن قعنب قال: أتيت أبا ذر فجاءت امرأته بثريدة، فقال: كل فإني صائم، ثم قام يصلي، ثم انفتل فأكل، فقلت: إنا لله ما كنت أخاف أن تكذبني! قال: ما كذبت، إني صمت من هذا الشهر ثلاثة أيام، فكتب لي أجره وحل لي الطعام.

стр. 1401

سنة ثلاث وثلاثين فيها كانت غزوة قبرس - قاله ابن إسحاق وغيره - وغزوة إفريقية، وأمير الناس عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قاله الليث. وفيها قال خليفة (١): جمع قارن جمعا عظيما بباذغيس وهراة، وأقبل في أربعين ألفا فترك قيس بن الهيثم البلاد وهرب، فقام بأمر المسلمين عبد الله بن خازم السلمي، وجمع أربعة آلاف مقاتل، والتقى هو وقارن، ونصره الله وقتل وسبى، وكتب إلى ابن عامر بالفتح، فاستعمله ابن عامر على خراسان، ثم وجه ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فصالحه صاحب زرنج (٢) وبقي بها حتى حوصر عثمان. قال خليفة (٣): وفيها غزا معاوية ملطية وحصن المرأة من أرض الروم. قال (٤): وفيها غزا عبد الله بن أبي سرح الحبشة، فأصيبت فيها عين معاوية بن حديج. وفيها توفي: عبد الله بن كعب الأنصاري المازني. أحد البدريين، ورخه المدائني، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاثين. وعبد الله بن مسعود في قول، وقد تقدم. ع: المقداد بن الأسود الكندي البهراني. كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري، فيقال: تبناه، وقيل: كان عبدا حبشيا له فتبناه، واسم أبيه عمرو بن ثعلبة بن مالك من ولد الحاف بن قضاعة وقيل: إنه أصاب دما في كندة، فهرب إلى مكة، وحالف الأسود بن عبد يغوث.

стр. 1402

كان من السابقين الأولين، شهد بدرا، ولم يصح أنه كان في المسلمين فارس يومئذ غيره، واختلفوا في الزبير. روى عنه: على بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهمام بن الحارث، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وآخرون. عاش سبعين سنة، وصلى عليه عثمان. وكان رجلا آدم طوالا، أبطن، كثير شعر الرأس، أعين، مقرون الحاجبين، وكان يوم فتح مكة على ميمنة النبي ﷺ . وقال ابن عون، عن عمير بن إسحاق، عن المقداد: إن رسول الله ﷺ بعثه مبعثا، فلما رجع قال: كيف وجدت الإمارة؟ قلت: يا رسول الله ما ظننت إلا أن الناس كلهم لي خول، والله لا ألي على عمل ما عشت (١). وقال ثابت البناني: كان عبد الرحمن والمقداد يتحدثان، فقال له ابن عوف: مالك لا تزوج. قال زوجني بنتك، قال: فأغلظ عليه وأحنقه، فشكا إلى رسول الله ﷺ ، فعرف الغم في وجهه فقال: لكني أزوجك ولا فخر، فزوجه بابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فكان بها من الجمال والعقل والتمام مع قرابتها من رسول الله ﷺ (٢). وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : أمرني الله بحب أربعة: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد. رواه أحمد في مسنده (٣). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : الجنة تشتاق إلى أربعة، فذكرهم. إسناده ضعيف.

стр. 1403

وعن كريمة بنت المقداد أن المقداد أوصى للحسن والحسين لكل واحد منهما بثمانية عشر ألف درهم، وأوصى لأمهات المؤمنين لكل واحدة بسبعة آلاف درهم. وعن أبي فائد، أن المقداد بن عمرو شرب دهن الخروع، فمات. وقيل: إنه مات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع (١).

стр. 1404

سنة أربع وثلاثين فيها وثب أهل الكوفة على أميرهم سعيد بن العاص فأخرجوه، ورضوا بأبي موسى الأشعري، وكتبوا فيه إلى عثمان فولاه عليهم، ثم إنه بعد قليل رد إليهم على الإمرة سعيد بن العاص، فخرجوا ومنعوه. وفيها كانت غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية، وأميرها ابن أبي سرح. وفيها توفي: إياس بن أبي البكير بن عبد ياليل الكناني حليف بني عدي. كان من المهاجرين، شهد بدرا هو وإخوته: خالد، وعاقل، وعامر، ولم يشهد بدرا إخوة أربعة سواهم، وقد شهد إياس فتح مصر. أخوه عاقل بن البكير، ويقال: ابن أبي البكير، كأنه كان يكنى باسمه. قتل ببدر؛ قال ابن سعد (١): كان اسم عاقل غافلا، فغيره النبي ﷺ ، وكان أبو معشر والواقدي يقولان: ابن أبي البكير، وكان موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن الكلبي يقولون: ابن البكير. وعن يزيد بن رومان أن الإخوة الأربعة أسلموا في دار الأرقم. ع: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم أبو الوليد الأنصاري الخزرجي. أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرا والمشاهد، وولي قضاء فلسطين، وسكن الشام. روى عنه أبو أمامة، وأنس بن مالك، وجبير، وحطان بن عبد الله الرقاشي، وأبو الأشعث شراحيل الصنعاني، وأبو إدريس عائذ الله الخولاني، وخلق سواهم. وكان فيما بلغنا رجلا طوالا جسيما جميلا، توفي بالرملة، ويقال: توفي ببيت المقدس.

стр. 1405

وقال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ، وأبي، وأبو أيوب، وأبو الدرداء، وعبادة، فلما استخلف عمر، كتب يزيد بن أبي سفيان إليه: إن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فقال: أعينوني بثلاثة، فخرج معاذ، وأبو الدرداء، وعبادة. وروى إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه، أن عبادة بن الصامت أنكر على معاوية شيئا، فقال: لا أساكنك بأرض، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره بفعل معاوية، فقال له: ارحل إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك. وقال عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (١). وفي مسند أحمد (٢) من حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، قال: كتب معاوية إلى عثمان: إن عبادة قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن يكف، وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب إليه أن رحل عبادة حتى ترده إلينا، قال: فدخل على عثمان فلم يفجأه إلا به وهو معه في الدار، فالتفت إليه، فقال: يا عبادة مالنا ولك؟ فقام عبادة بين ظهري الناس، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، ولا تضلوا بربكم. وقال الهيثم بن عدي وحده: إن عبادة توفي سنة خمس وأربعين، ولا متابع له، وقال جماعة: إنه توفي سنة أربع وثلاثين (٣).
следующие страницы →