خرج عليه أبو مسلم الخراساني وحاربه فعجز نصر عنه واستصرخ بمروان غير مرة فبعد عن إنجاده واشتغل عنه باختلال الجزيرة وأذربيجان، فتقهقر قدام أبي مسلم فأدركه الموت على فاقة إليه بناحية ساوة.
وقيل: بل مرض بالري وحمل إلى ساوة فمات بها في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين.
وقد ولي خراسان عشرة أعوام وفي أول سنة اثنتين وثلاثين خطب للسفاح بمرو.
٢٩٨ - ن ق: نصر بن علقمة الحضرمي، أبو علقمة الحمصي
روى عن أخيه محفوظ، وجبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود العنسي. وعنه الوضين بن عطاء، وصدقة السمين، ويحيى بن حمزة، وبقية بن الوليد، وابن ابن أخيه خزيمة بن جنادة بن محفوظ.
قال دحيم: هو وأخوه ثقتان (١).
٢٩٩ - م ٤: النعمان بن راشد، أبو إسحاق الرقي
عن ميمون بن مهران، والزهري، وزيد بن أبي أنيسة. وعنه ابن جريج، وحماد بن سلمة، ووهيب، وحماد بن زيد، وغيرهم.
ضعفه ابن معين (٢)، وغيره، وحسن أمره أبو حاتم (٣).
وقال البخاري (٤): في حديثه وهم كثير (٥).
٣٠٠ - د ن: النعمان بن المنذر، أبو الوزير الغساني الدمشقي
عن عطاء بن أبي رباح، ومكحول، ونافع، وجماعة. وعنه الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة، وابن شابور، وجماعة.
وثقه أبو زرعة (٦):
стр. 3117
وقال أبو مسهر: كان قدرياً.
قال خليفة (١): توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وقال ابن سعد (٢): في أول خلافة بني العباس (٣).
٣٠١ - ق: نوح بن ذكوان البصري
عن أخيه أيوب بن ذكوان، والحسن البصري، وعطاء، ويحيى بن أبي كثير. وعنه يوسف بن أبي كثير وسويد بن عبد العزيز.
قال أبو حاتم (٤): ليس بشيء (٥).
٣٠٢ - د ق: هاشم بن بلال، أبو عقيل الشامي. قاضي واسط
روى عن أبي سلام الأسود، وسابق بن ناجية. وعنه مسعر، وشعبة، وهشيم.
وثقه ابن معين (٦).
٣٠٣ - هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي
قد ذكر في الحوادث أنه خرج بدمشق.
• - ٤: هلال بن خباب، أبو العلاء البصري
يأتي في الطبقة الآتية.
٣٠٤ - ع: همام بن منبه بن كامل بن سيج اليماني الأبناوي الصنعاني، أبو عقبة. صاحب الصحيفة التي كتبها عن أبي هريرة
وروى عن ابن عباس، ومعاوية أيضاً. وعنه أخوه وهب ومات قبله
стр. 3118
بدهر، وابن أخيه عقيل بن معقل، ومعمر بن راشد، وعلي بن الحسن بن أتش الصنعاني.
وثقه يحيى بن معين (١)، وغيره.
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول في صحيفة همام: أدركه معمر أيام السودان فقرأ عليه همام حتى إذا مل أخذ معمر فقرأ عليه الباقي، وعبد الرزاق لم يكن يعرف ما قرئ عليه مما هو قرأه وهي نحو من مائة وأربعين حديثاً.
وقال أحمد: كان يغزو ويشتري الكتب لأخيه، فجالس أبا هريرة بالمدينة، وكان قد عاش حتى أدرك ظهور المسودة وسقط حاجباه على عينيه من الكبر.
وقال ابن عيينة: كنت أتوقع قدوم همام مع الحجاج عشر سنين.
وقال خليفة (٢): مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة.
قلت: لعله عاش مائة سنة. وآخر من روى عنه الصحيفة التي له عن أبي هريرة معمر، وعاش بعده إحدى وعشرين سنة ليس إلا، وآخر من رواها عن معمر عبد الرزاق وعاش بعده ثمانيا وخمسين سنة، وآخر من رواها عنه إسحاق الدبري وعاش بعد عبد الرزاق ثلاثاً وسبعين سنة، وآخر من روى عن الدبري من الرجال أبو القاسم الطبراني وعاش بعده ستاً وسبعين سنة، والطبراني ممن جاوز المائة بيقين.
قال البخاري: قال علي (٣): سألت رجلاً قد لقي هماما عن موته فقال: سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٤).
٣٠٥ - هود بن عطاء اليمامي
عن أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، وشداد بن عبد الله، وسالم
стр. 3119
ابن عبد الله. وعنه الأوزاعي، ومعاوية بن سلام، وعبد الملك بن محمد الصنعاني.
قال ابن حبان (١): منكر الرواية على قلتها. يروي عن أنس ما لا يشبه حديثه، وفي القلب عن مثله.
٣٠٦ - واصل بن عطاء، أبو حذيفة البصري الغزال. مولى بني مخزوم، وقيل مولى بني ضبة
ولد سنة ثمانين بالمدينة. وكان أحد البلغاء المفوهين، لكنه يلثغ بالراء يبدلها غيناً، فكان لاقتداره على العربية وتوسعه في الكلام يتجنب الراء في خطابه حتى قيل فيه:
ويجعل البر قمحا في تصرفه … وخالف الراء حتى احتال للشعر.
وهو من رؤوس المعتزلة بل معلمهم الأول، والخوارج لما كفرت بالكبائر، قال واصل: بل الفاسق لا مؤمن ولا كافر بل هو منزلة بين المنزلتين، فطرده لذلك الحسن، فمن ثم قيل لهم المعتزلة لذلك.
وما أملح ما قال بعض الشعراء
وجعلت وصلي الراء لم تنطق به … وقطعتني حتى كأنك واصل.
وبلغنا أن لواصل تصانيف منها: تأليف في أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب معاني القرآن، وغير ذلك.
وقيل: إنما عرف بالغزال لأنه كان يدور في سوق الغزل فيتصدق على النساء.
ومن مقالاته أنه كان يشك في عدالة من حضر وقعة الجمل، فقال: إحدى الفئتين مخطئة في نفس الأمر، فلو شهد عندي علي، وطلحة، وعائشة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم، لأن أحدهم فاسق لا بعينه.
قلت: والفاسق إذا لم يتب فهو عنده مخلد في النار - نسأل الله العافية -.
ويحكى أنه كان يمتحن بأشياء في الراء ويتحيل لها حتى قيل له: اقرأ أول سورة براءة فقال على البديه: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من
стр. 3120
الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين وهلالين (١)، وكان يجيز القراءة بالمعنى، وهذه جراءة على كتاب الله العزيز.
ويقال: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (٢).
٣٠٧ - خ م د ن: واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أحد الأخوة
روى عن سعيد بن مرجانة، ونافع، ووالده محمد. وعنه أخوه عاصم، وابنه عثمان، وشعبة، وغيرهم (٣).
٣٠٨ - واهب بن عبد الله المعافري، أبو عبد الله الكعبي المصري
روى عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عمر، وحسان بن كريب، وجماعة. وعنه عبد الرحمن بن شريح، والليث، وابن لهيعة، وضمام بن إسماعيل، ورجاء بن أبي عطاء المؤذن.
وثقه ابن حبان (٤).
وقد خرج له البخاري في كتاب الأدب وكان معمراً عالي السند.
قال ابن يونس: توفي ببرقة سنة سبع وثلاثين ومائة (٥).
٣٠٩ - ن: الوليد بن قيس، أبو همام السكوني الكوفي، والد شجاع بن الوليد
روى عن سويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، والضحاك بن قيس. وعنه سفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وعنبسة بن سعيد.
وثقه ابن معين.
ولم يدرك ابنه السماع منه لأنه مات والولد صغير (٦).
٣١٠ - م ٤: الوليد بن أبي هشام البصري
стр. 3121
عن الحسن، ونافع، وأبي بكر بن حزم. وعنه أخوه أبو المقدام هشام بن زياد، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل ابن علية.
وثقه أحمد بن حنبل (١).
٣١١ - ع: يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، مولاهم البصري. واسم أبيه زيد بن الحارث، ويحيى، وعبد الله - جد المقرئ يعقوب - أخوان.
سمع أنس بن مالك، وسالم بن عبد الله، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وجماعة. روى عنه شعبة، وسفيان، وعباد بن العوام، وعبد الوارث، وهشيم، وابن علية، وآخرون، وقد روى عنه محمد بن سيرين أحد شيوخه.
قال ابن سعد (٢): ثقة له أحاديث، قال: وكان صاحب قرآن وعربية.
قلت: توفي سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (٣).
٣١٢ - يحيى بن حيان، أبو هلال الطائي الكوفي
عن شريح القاضي. وعنه السفيانان، وشريك، والقاسم بن مالك المزني (٤).
٣١٣ - د ت ق: يحيى بن عبد الله الكوفي، أبو الحارث الجابر. كان يجبر الأعضاء المكسورة
روى عن سالم بن أبي الجعد، وأبي ماجدة الحنفي. وعنه شعبة، وإسرائيل، وأبو عوانة، وجرير، وحفص بن غياث.
قال أحمد (٥): ليس به بأس.
стр. 3122
وقال يحيى (١)، والنسائي (٢): ضعيف.
وقال ابن حبان (٣): لا يحتج به (٤).
٣١٤ - م د ن: يحيى بن عتيق البصري
عن مجاهد، والحسن، وابن سيرين. وعنه الحمادان، وهمام، وابن علية.
قال فيه أويب السختياني لما بلغه موته: لقد هدني موته (٥).
• - يحيى بن أبي كثير. قد مضى.
٣١٥ - ن ق: يحيى بن ميمون الضبي العطار
بصري ثقة مقل. روى عن أبي عثمان النهدي، وسعيد بن جبير. وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وابن علية، وعلي بن عاصم (٦).
٣١٦ - د: يحيى بن يحيى بن قيس بن حارثة بن عمرو، أبو عثمان الأزدي الغساني
عالم أهل دمشق، ورئيسهم، ولي قضاء الموصل لعمر بن عبد العزيز.
وروى عن أبي إدريس الخولاني، وعروة بن الزبير، ومكحول، ومحمود بن لبيد، وعمرة، وابن المسيب، وغيرهم. وعنه ابنه هشام، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ومحمد بن راشد المكحولي، وأبو بكر بن أبي مريم، وسفيان بن عيينة، وآخرون.
وثقه ابن معين.
وقال ابن سعد: كان عالماً بالفتيا والقضاء وله أحاديث (٧). توفي سنة
стр. 3123
خمس وثلاثين ومائة (١). وكذا أرخه ابن أبي حاتم قال (٢): فيقال: إنه شرق بشربة ماء فمات (٣).
وقال يزيد بن محمد في تاريخ الموصل: ولي الموصل لعمر بن عبد العزيز حربها وخراجها وقضاءها وكان محدثاً فقيهاً فصيحاً بليغاً.
وقيل: بل توفي في رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة، عاش سبعين سنة.
٣١٧ - م د: يحيى بن يزيد الهنائي البصري
عن أنس بن مالك، وعن الفرزدق. وعنه شعبة، وخلف بن خليفة، وإسماعيل بن علية. كنيته أبو يزيد (٤)(٥).
٣١٨ - يزيد بن أيهم، أبو رواحة الحمصي
عن الهيثم بن مالك الطائي، وعبد الأعلى بن هلال، ولقمان بن عامر، وغيرهم، وعنه إسماعيل بن عياش، وصفوان بن عمرو، وبقية، وآخرون.
ما علمت فيه جرحاً (٦).
٣١٩ - ٤، م متابعة: يزيد بن أبي زياد الكوفي، مولى بني هاشم
عن إبراهيم النخعي، وسالم بن أبي الجعد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومولاه من فوق عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومجاهد، وجماعة. وعنه شعبة، وسفيان، وزائدة، وابن عيينة، وعلي بن مسهر، وابن نمير، وهشيم، وعلي بن عاصم، وخلق.
وكان محدثاً مكثراً شيعياً ليس بحجة يكنى أبا زياد وأبا عبد الله واسم أبيه ميسرة. قيل: كان يوم قتل الحسين مراهقاً، وكان صدوقاً في نفسه سيئ الحفظ.
стр. 3124
قال ابن معين (١): ضعيف الحديث.
وقال ابن حبان (٢): كبر وساء حفظه فكان يتلقن، مولده سنة سبع وأربعين. وسماع من سمع منه في أول أمره صحيح.
وقد خلط ابن حبان ترجمته بترجمة يزيد بن أبي زياد الدمشقي.
وسئل أحمد بن حنبل عن يزيد فضعفه وحرك رأسه.
وساق له ابن حبان مناكير.
توفي على الصحيح سنة ست وثلاثين ومائة (٣).
٣٢٠ - ت: يزيد بن زياد، وقيل ابن أبي زياد المخزومي، مولاهم، المدني
عن محمد بن كعب القرظي. وعنه ابن إسحاق، ومالك.
وثقه النسائي (٤).
• - يزيد بن زياد الدمشقي
يأتي في طبقة الثوري.
٣٢١ - ٤: يزيد بن أبي سعيد القرشي، النحوي، أبو الحسن المروزي
عن سليمان بن بريدة، وأخيه عبد الله بن بريدة، وعكرمة، ومجاهد. وعنه الحسين بن واقد، وعبد الله بن سعد الدشتكي، وأبو حمزة السكري، ونوح الجامع.
قال ابن أبي داود: هو من نحو، بطن من الأزد.
وقال ابن معين (٥)، وأبو زرعة (٦): ثقة.
стр. 3125
وقال ابن حبان (١): كان متقنا من العباد تقياً من الرفعاء، تالياً لكتاب الله، عالماً بما فيه عاملاً. قتله أبو مسلم سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٢).
٣٢٢ - ع: يزيد بن عبد الله بن خصيفة بن يزيد، وهو ابن ابن أخي السائب بن يزيد الكندي المدني
عن السائب وعروة بن الزبير، وبشر بن سعيد، ويزيد بن قسيط. وعنه السفيانان، ومالك، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، وآخرون.
وثقه ابن معين (٣).
وقال ابن سعد (٤): كان عابداً ناسكاً، كثير الحديث، ثبتاً (٥).
٣٢٣ - ع: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أبو عبد الله الليثي المدني الأعرج ابن أخي عبد الله بن شداد
روى عن محمد بن كعب، وشرحبيل بن سعد، وأبي بكر بن حزم، ومحمد بن إبراهيم التيمي، والزهري، وعدة. وعنه مالك، والليث بن سعد، وبكر بن مضر، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن أبي حازم، والدراوردي، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وآخرون.
وثقه ابن معين، وغيره، وكان من أئمة العلم.
توفي سنة تسع وثلاثين ومائة (٦).
٣٢٤ - يزيد بن عبد الله بن أبي يزيد، أبو عبد الله النجراني الدمشقي
عن القاسم أبي عبد الرحمن، والحسن بن ذكوان، وغيرهما. وعنه
стр. 3126
يحيى بن حمزة، وسويد بن عبد العزيز، وصدقة بن عبد الله، وعدة.
وهو بالكنية أشهر.
قال أبو حاتم (١): صالح الحديث (٢).
٣٢٥ - يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني
قد ذكر. وحكى الوليد بن مسلم أنه عاش إلى سنة ثمان وثلاثين ومائة.
٣٢٦ - يزيد بن عمر بن هبيرة، الأمير أبو خالد الفزاري
متولي العراق والعجم لمروان الحمار، كان سخياً جواداً، وبطلاً شجاعاً. وخطيباً بليغاً، وكان من الأكلة، وله في كثرة الأكل أخبار. حاصرته المسودة بواسط مدة طويلة بعد أن عمل معهم المصاف، فخذل، وكان أبو جعفر قد أمنه، ثم قتله صبراً وغدر به، فدخلوا عليه داره وقتلوا قبله ابنه داود ومواليه وحاجبه، ثم نزلوا عليه بأسيافهم، وقد سجد لله - تعالى - وكان قد ولي إمرة قنسرين للوليد بن يزيد، وكان مع مروان إذ غلب على الأمر.
ولد في سنة سبع وثمانين.
قال المدائني: كان جسيماً، كثير الأكل، طويلاً ضخماً، خطيباً شجاعاً، وكان رزقه في العام ستمائة ألف، فكان يقسمها في خواصه وفي العلماء والوجوه.
وعن محمد بن كثير، قال: ألح السفاح على أخيه أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، وهو يراجعه حتى كتب إليه والله لتقتلنه، قال: فولى قتله الهيثم بن شعبة دخل عليه داره في طائفة.
وقد ولي أبوه أيضاً إمرة العراقين ليزيد بن عبد الملك.
قتل يزيد في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٣).
٣٢٧ - د ت ق: يزيد بن عمرو المعافري المصري
стр. 3127
عن تدوم (١) الحميري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الرحمن الحبلي، وجماعة، وقيل أخذ عن عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وابن لهيعة.
وهو ثقة مقل (٢).
٣٢٨ - د ن خ قرنه: يزيد بن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب القرشي المطلبي
عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وعلي بن رباح، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، وأبي الهيثم العتواري. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وهو أكبر منه، ويزيد بن عبد العزيز الرعيني، والليث بن سعد، وآخرون.
قرنه البخاري بآخر (٣).
٣٢٩ - يزيد بن أبي مسلم النحوي، ثم الأزدي نسيب شيبان النحوي
روى عن مجاهد، وعكرمة، وسليمان، وعبد الله ابني بريدة. وهو من علماء مرو، وهو يزيد بن أبي سعيد المذكور آنفا (٤).
اختلف في اسم أبيه.
٣٣٠ - م د ت ق: يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، أخو عبد الرحمن
عن يزيد بن الأصم، ومكحول، ورزيق بن حيان، ووهب بن منبه لقيه في الموسم. وعنه الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة، والسفيانان، وأبو المليح الرقي، وحسين الجعفي، وآخرون.
وكان أحد الأئمة الأعلام.
قال أبو داود (٥): ثقة أجازه الوليد بن يزيد بخمسين ألف دينار، وقد ذكر للقضاء مرة فإذا هو أكبر من القضاء.
стр. 3128
وجاء عن سفيان بن عيينة، قال: لا أعلم مكحولاً خلف مثل يزيد بن يزيد بالشام إلا ما ذكره ابن جريج من سليمان.
وقال حسين الجعفي: قدم علينا يزيد بن يزيد، فذكر من بكائه.
وقال الفسوي (١): سألت هشام بن عمار عنه، فقال: ذاك أفسد نفسه، خرج فأعان على قتل الوليد بن يزيد وأخذ مائة ألف دينار.
قال دحيم: لما مات مكحول أحدقوا بيزيد بن يزيد وكان رجلاً سكيتاً فتحولوا إلى سليمان بن موسى فأوسعهم، وفي رواية: كان زميتاً لا يحدث إلا أن يسأل.
وقد وثقه ابن معين، والنسائي.
قال ابن عيينة: كان حسن الهيئة، حسن النحو، يقولون: لم يكن في أصحاب مكحول مثله.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد: لم يكن لعمي يزيد كتاب.
قال ابن سعد (٢) وخليفة (٣): مات سنة أربع وثلاثين ومائة.
وقال آخرون: مات سنة ثلاث وثلاثين (٤).
٣٣١ - يزيد الشني الأعرج
بصري صدوق. عن مجاهد، ومورق العجلي. وعن مهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان الضبعي، وجماعة (٥).
٣٣٢ - د ت ن: يعيش بن الوليد بن هشام الأموي الدمشقي، نزيل قرقيسياء
روى عن أبيه، وعن معاوية بن أبي سفيان، ومعدان بن أبي طلحة. وعنه الأوزاعي، وعكرمة بن عمار.
ولما قدم دمشق نزل على مكحول فأكرمه وعمل له دعوة حفلة.
стр. 3129
قتلته المسودة (١).
٣٣٣ - يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، أمير الأندلس عند قتل الوليد بن يزيد
فإنه لما قتل اضطرب أمر المغرب والأندلس، وهاجت القبائل، ثم اتفقوا على تقديم هذا بالأندلس عليهم إلى أن تجتمع الأمة على خليفة، فمهد الجزيرة كلها وامتدت أيامه إلى أن دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي الأندلس فحارب يوسف وهزمه في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين ومائة (٢).
٣٣٤ - ٤: يونس بن خباب الكوفي، مولى بني أسيد
روى عن أبيه، ومجاهد، وطاوس والمنهال بن عمرو، وجماعة. وعنه شعبة، وسفيان، وحماد بن زيد، ومعتمر بن سليمان، وطائفة سواهم. وكان رافضياً جلداً. قال عباد بن عباد: سمعته يقول: عثمان بن عفان قتل بنتي النبي ﷺ .
قلت: قتل واحدة فلم زوجه بالأخرى؟!.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن معين (٣): ليس بشيء، رجل سوء.
وضعفه النسائي، وغير واحد.
وذكر الدارقطني أن عباد بن العوام سمع هذا المدبر يقول في حديث سؤال منكر ونكير: ويسأل عن علي ﵁ قال: فقلت له: لم نسمع بهذا! فقال: أنت من هؤلاء الذين يحبون عثمان الذي قتل بنتي رسول الله ﷺ (٤).
وقيل: كنيته أبو حمزة (٥).
стр. 3130
٣٣٥ - ع: يونس بن عبيد بن دينار، أبو عبد الله البصري. أحد أعلام الهدى. ويقال: كنيته أبو عبيد، مولى لعبد القيس
رأى أنس بن مالك، وروى عن إبراهيم التيمي، والحسن، وابن سيرين، وحميد بن هلال، وزياد بن جبير، وعمرو بن سعيد الثقفي، وجماعة. وعنه شعبة، والسفيانان، والحمادان، وهشيم، وعبد الوارث وابن علية (١)، وخلق كثير.
وكان ثقة ثبتاً، حافظاً، ورعاً، رأساً في العلم والعمل.
قال يونس: ما كتبت شيئاً قط.
وقال أبو حاتم (٢): هو أكبر من سليمان التيمي لا يبلغ سليمان منزلة يونس.
وقال سعيد بن عامر الضبعي: ما رأيت رجلاً قط أفضل من يونس بن عبيد، ثم قال: وأهل البصرة على ذا.
قال معاذ بن معاذ: صليت على يونس بن عبيد سنة تسع وثلاثين.
قال سفيان الثوري: ما رأيت مثل أربعة رأيتهم بالبصرة: أيوب، ويونس، وابن عون، وسليمان التيمي.
قال علي ابن المديني: له نحو مائتي حديث.
وقال غيره: كان يونس خزازاً بالبصرة.
قال سعيد بن عامر: هان على يونس أن يأخذ ناقصاً، قال: وغلبني أن أعطي راجحاً.
وقال حماد بن زيد: شكا رجل إلى يونس وجعاً فقال: يا هذا إن هذه الدنيا دار لا توافقك فالتمس داراً توافقك.
وقال هشام بن حسان: ما رأيت أحداً يطلب بالعلم وجه الله إلا يونس بن عبيد.
وقال ابن شوذب: سمعت يونس يقول: خصلتان إذا صلحتا من العالم صلح ما سواهما: صلاته ولسانه.
стр. 3131
وقال حماد بن زيد: كان يونس يحدث، ثم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: رأيت سليمان، وعبد الله ابني علي بن عبد الله بن عباس، وولدي سليمان جعفرا، ومحمداً يحملون سرير يونس بن عبيد على أعناقهم يوم جنازته فقال عبد الله بن علي: هذا والله الشرف.
قلت: كان عبد الله هذا قد استجار بأخيه سليمان ونزل عنده بالبصرة فأجاره من المنصور.
وقال مؤمل بن إسماعيل: جاء رجل إلى سوق الخز يطلب مطرف خز بأربعمائة فقال يونس بن عبيد: عندنا مطرف بمائتين، فنادى المنادي بالصلاة فقام ليصلي، ثم جاء وقد باع ابن أخيه المطرف بأربعمائة فقال للرجل: يا هذا المطرف الذي اشتريته بأربعمائة هو الذي قلت لك بمائتين فإن شئت خذه وخذ مائتين أو دعه.
وقال أمية بن بسطام: جاءت يونس امرأة بجبة خز فقال لها: بكم هي؟ قالت: بخمسمائة قال: هي خير من ذلك، قالت: بستمائة، قال: هي خير من ذلك، فلم يزل يدرجها حتى بلغت ألفاً.
وقال سعيد بن عامر الضبعي: قال يونس بن عبيد: إني لأعد مائة خصلة من البر ما في منها خصلة.
وقال هشيم: كان أيوب إذا رأى يونس بن عبيد قال: هذا سيدنا.
قال عبد الملك بن موسى: ما رأيت رجلاً قط أكثر استغفاراً من يونس.
وقال حماد بن زيد: سمعت يونس يقول: عهدنا إلى ما يصلح الناس كتبناه، وعهدنا إلى ما يصلحنا فتركناه، كأنه يريد العمل.
وروى أسماء بن عبيد عن يونس، قال: يرجى للرهق بالبر الجنة ويخاف على المتأله النار بعقوقه.
وعن يونس قال: لو همتهم نفوسهم ما اختصموا في القدر.
روى ابن شوذب، عن يونس: خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح: صلاته ولسانه (١).
стр. 3132
وروى سلام بن أبي مطيع قال: إني لأحسب ابن سيرين سكت حسبة، وأن الحسن تكلم حسبة.
وعن يونس، أنه قال لابنه: لأن تلقى الله بالزنا والسرقة أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو بن عبيد.
وقال أسماء بن عبيد: سمعت يونس بن عبيد يقول: ليس شيء أعز من درهم طيب ورجل يعمل على سنة.
وبلغنا أن رجلاً شكا الحاجة إلى يونس فقال له: يا هذا، يسرك ببصرك هذا مائة ألف؟ قال: لا، قال: فبلسانك الذي تنطق به؟ قال: لا، قال: فبعقلك مائة ألف؟ وهو يقول: لا، فذكره نعم الله عليه، وقال: أرى لك مئين ألوفاً وأنت تشكو الحاجة.
قال حماد بن زيد: مرض يونس مرة فقال أيوب: ما في العيش بعدك من خير.
قلت: مناقب يونس كثيرة، وقد توفي سنة تسع وثلاثين ومائة (١).
٣٣٦ - د ت ق: يونس بن ميسرة بن حلبس الجبلاني الأعمى، أبو حلبس، ويقال: أبو عبيد، وهو أخو يزيد وأيوب
كان من كبار علماء دمشق. روى عن معاوية، وعبد الله بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وابن عمر والصنابحي، وأبي مسلم الخولاني وأم الدرداء، وغيرهم. روى عنه خالد بن يزيد المري، وسليمان بن عتبة، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومروان بن جناح، وعمرو بن واقد، وآخرون.
قال المفضل الغلابي، وأبو عبيد، وأبو حسان الزيادي: إنه بلغ مائة وعشرين سنة.
وكان يقرئ القرآن في الجامع، وله كلام نافع في الزهد والمعرفة فمن ذلك، قال: الزهد أن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب سواء. وقال: إذا تكلفت ما لا يعنيك لقيت ما يعنيك.
وقال هشام بن عمار: حدثنا عمرو بن واقد، قال: حدثنا يونس بن حلبس: قال: سمعت معاوية على منبر دمشق يقول: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 3133
يقول: إن رجلاً في بني إسرائيل قتل تسعاً وتسعين نفساً … وذكر الحديث (١).
قال العجلي (٢) والدارقطني (٣)، وغيرهما: ثقة.
وروى مدرك بن أبي سعد الفزاري، عن يونس بن حلبس، أنه كان يدعو: اللهم إني أسألك حزماً في لين، وقوة في دين، وإيماناً في يقين، ونشاطاً في هدى، وبراً في استقامة، وكسباً من حلال.
وقال الهيثم بن عمران: كنت جالساً عند يونس بن حلبس وكان عند المغيب يدعو بدعوات فيها: اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك. فأقول: من أين يرزق هذا الشهادة، وهو أعمى، فلما دخلت المسودة دمشق قتل، فبلغني أن الخراسانيين اللذين قتلاه بكيا عليه لما أخبرا بصلاحه، وكان من آنس الناس مجلساً. رواها هشام بن عمار عن الهيثم، فهذا يدلك على أن المسودة فعلوا عند افتتاحهم دمشق أقبح مما فعلت التتار، وذلك في عام اثنين وثلاثين ومائة (٤).
٣٣٧ - م د ت: أبو بكر بن نافع، مولى ابن عمر
روى عن أبيه، وسالم بن عبد الله. وعنه مالك، والدراوردي.
قال أحمد بن حنبل: هو أوثق إخوته، وهم: هو، وعبد الله، وعمرو (٥).
٣٣٨ - ت ن ق: أبو الجحاف التيمي الكوفي، داود بن أبي عوف
روى عن الشعبي، وعكرمة، وأبي حازم الأشجعي، وشهر بن حوشب. وعنه سفيان، وشريك، وعبد السلام بن حرب، وتليد بن سليمان، وغيرهم.
стр. 3134
قال أحمد بن حنبل (١): صالح الحديث.
وضعفه ابن عدي (٢)، ومشاه غيره (٣).
٣٣٩ - د: أبو الجودي الأسدي
شامي نزل واسط، يقال: اسمه الحارث بن عمير. عن سعيد بن المهاجر، وعمر بن عبد العزيز، ونافع. وعنه شعبة وعبثر، وهشيم، وأبو معاوية.
وثقه ابن معين (٤).
٣٤٠ - ت ق: أبو حمزة القصاب الكوفي الأعور، اسمه ميمون
روى عن أبي وائل، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم. وعنه الثوري، والحمادان، وعبد الوارث، وابن علية.
ضعفه أحمد (٥) والدارقطني (٦)، وغيرهما (٧).
أما أبو حمزة القصاب عمران، فقد مر (٨).
• - أبو رجاء الأزدي الحداني البصري، هو محمد بن سيف (٩)
٣٤١ - م د ت ق: أبو ريحانة السعدي، مولاهم، البصري، عبد الله بن مطر، ويقال: زياد بن مطر
روى عن سفينة وابن عباس، وابن عمر. وعنه وهيب، وبشر بن المفضل، وابن علية، وعلي بن عاصم.
قال ابن معين: صالح (١٠).
стр. 3135
• - أبو الزعراء الجشمي عمرو، قد مر (١).
• - أبو الزناد المدني، هو عبد الله بن ذكوان قد ذكر (٢).
• - أبو سهيل بن مالك الأصبحي، هو نافع قد ذكر (٣).
• - أبو طوالة، هو عبد الله بن عبد الرحمن، قد ذكر (٤).
٣٤٢ - خت ت: أبو ظلال القسملي البصري الأعمى، اسمه هلال
روى عن أنس. وعنه حماد بن سلمة، وعبد العزيز بن مسلم، ويزيد بن هارون.
ضعفه ابن معين (٥)، وجماعة (٦).
• - أبو العلاء القصاب، اسمه أيوب، قد ذكر (٧).
٣٤٣ - د ت ق: أبو غالب الباهلي الخياط
بصري اسمه نافع وقيل رافع. روى عن أنس، وغيره. وعنه سلام بن أبي الصهباء، وهمام، وعبد الوارث، وغيرهم.
قال ابن معين: صالح.
وقال أبو حاتم (٨): شيخ (٩).
قلت: الظاهر أنه هو الذي روى عن أبي سعيد، وعنه ثابت بن محمد العبدي، فالله أعلم (١٠).
• - أبو فروة الجهني، اسمه مسلم. مر.
стр. 3136
• - أبو فروة الهمداني، عروة بن الحارث. مر (١).
٣٤٤ - أبو مسلم الخراساني، صاحب الدعوة، عبد الرحمن بن مسلم، وقيل: عبد الرحمن بن عثمان بن يسار
ذكر ابن خلكان (٢) أنه كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة، أعور العين، عريض الجبهة، حسن اللحية، طويل الشعر والظهر، خافض الصوت، فصيحاً بالعربي والفارسي، حلو المنطق، راوية للشعر، عالماً بالأمور، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور وتنزل به الفادحة فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي النساء إلا مرة في السنة.
ولد سنة مائة من الهجرة، وأول ظهوره بمرو كان في سنة تسع وعشرين، فظهر في خمسين رجلاً وآل أمره إلى أن هرب منه نصر بن سيار أمير خراسان، وصفت ممالكها لأبي مسلم في سنتين وأربعة أشهر.
قال محمد بن أحمد بن القواس في تاريخه: قدم أبو مسلم، وحفص بن سليمان الخلال على إبراهيم الإمام وهو بالحميمة فأمرهما بالمصير إلى خراسان.
وقد روى أبو مسلم عن عكرمة مرسلاً، وعن ثابت البناني، وأبي الزبير، وإسماعيل السدي، ومحمد بن علي العباسي، وجماعة. روى عنه إبراهيم الصائغ، وابن شبرمة، وابن المبارك، وغيرهم.
روى مصعب بن بشر عن أبيه قال: قام رجل إلى أبي مسلم، وهو يخطب فقال: ما هذا السواد؟ قال: حدثني أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة، يا غلام اضرب عنقه.
ويروى أن سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز، وقحطبة توجهوا من خراسان إلى الحج سنة أربع وعشرين فدخلوا الكوفة فأتوا عاصم بن يونس وهو في الحبس، فدعاهم إلى ولد العباس ومعه عيسى وإدريس ابنا
стр. 3137
معقل حبسهم يوسف بن عمر فيمن حبس من عمال خالد القسري، ومع هذين الأخوين أبو مسلم يخدمهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: من ذا؟ قالوا: غلام من السراجين يخدمنا، وقد كان أبو مسلم سمع الأخوين يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكى فدعواه إلى القيام بالأمر فأجاب.
قال ابن خلكان (١): كانا قد حبسا على مال الخراج، وعيسى هو جد الأمير أبي دلف، فكان أبو مسلم يختلف إلى الحبس يتعهدهما، فقدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي فدخلوا يسلمون على الأخوين فرأوا أبا مسلم فأعجبهم عقله وكلامه، ومال هو إليهم، ثم عرف أمرهم ودعوتهم، وهرب الأخوان من الحبس فصحب هو النقباء إلى مكة، ثم أحضروا عشرة آلاف دينار ومائتي ألف درهم إلى إبراهيم بن محمد وقد مات أبوه، وأهدوا له أبا مسلم فأعجب به وقال لهم: هذا عضلة من العضل، فأقام يخدم إبراهيم الإمام، وعاد النقباء إلى خراسان فقال إبراهيم: إني قد جربت هذا وعرفت ظاهر كلامه وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم قلده الأمر ونفذه إلى خراسان.
قال المأمون: أجل الملوك ثلاثة قاموا بنقل الدول: الإسكندر، وأزدشير، وأبو مسلم.
ويروى أن أبا مسلم من ولد بزر جمهر، ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، أوصى به أبوه إلى عيسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فقال إبراهيم - لما عزم على توجهه إلى خراسان -: غير اسمك وكان اسمه إبراهيم بن عثمان، فقال: قد سميت نفسي أبا مسلم عبد الرحمن بن مسلم، ثم مضى وله ذؤابة، وهو على حمار وله تسع عشرة سنة.
وعن بعضهم قال: كنت أطلب العلم فلا آتي موضعاً إلا وجدت أبا مسلم قد سبقني إليه، فألفته فدعاني إلى منزله، ثم لاعبني بالشطرنج، وكان يلهج بهذين البيتين:
ذروني ذروني ما قررت فإني … متى ما أهج حربا تضيق بكم أرضي
وأبعث في سود الحديد إليكم … كتائب سودا طالما انتظرت نهضي
قال علي بن عثام: قال إبراهيم الصائغ: لما رأيت العرب وضيعتها
стр. 3138
خفت أن لا تكون لله فيهم حاجة فلما سلط الله عليهم أبا مسلم رجوت أن تكون لله فيهم حاجة.
وقال حسن بن رشيد: سمعت يزيد النحوي يقول: أتاني إبراهيم الصائغ فقال: أما ترى ما يعمل هذا الطاغية إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم. قلت: لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت، إن أمرت ونهيت يقبل منا أو يقتلنا، ولكني أخاف أن يبسط علي العذاب وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط، فقال الصائغ: لكني لا أنتهي عنه فدخل عليه فأمره ونهاه فقتله.
وقيل: كان أبو مسلم يجتمع بإبراهيم الصائغ، وهو عالم أهل مرو ويعده بإقامة الحق، فلما ظهر بسط يده - يعني في القتل - فدخل عليه فوعظه.
وقد ذكرنا جملة من أخبار أبي مسلم في الحوادث وكيف قتله المنصور، وكان ذلك في سنة سبع وثلاثين بالمدائن.
٣٤٥ - د ت: أبو نصيرة الواسطي، مسلم بن عبيد
عن أنس، وأبي عسيب، وأبي رجاء العطاردي. وعنه حشرج بن نباتة وسويد بن عبد العزيز، وهشيم، ويزيد بن هارون.
وثقه أحمد بن حنبل.
وقال ابن معين: صالح، ولينه الأزدي.
له في (الجامع) (١) و (السنن) (٢) هذا الحديث فقط: قال عثمان بن واقد عن أبي نصيرة عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : لم يضر من استغفر الله، ولو عاد في اليوم سبعين مرة. وقال الترمذي: ليس إسناده بالقوي (٣).
• - أبو هارون العبدي، عمارة بن جوين. قد مر (٤).
آخر الطبقة الرابعة عشرة.
стр. 3139
الطبقة الخامسة عشرة
(١٤١ - ١٥٠ هـ)
стр. 3140
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعين ومائة.
فيها توفي أسماء بن عبيد والد جويرية بن أسماء، وأبان بن تغلب الكوفي، وإسحاق بن راشد، والحسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي العباسي، والحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد، وأبو إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز، وسليمان الأحول قاضي المدائن بخلف فيه، وعاصم الأحول في قول الهيثم بن عدي، وعثمان البتي في قول، والقاسم بن الوليد الهمداني الكوفي، وموسى بن عقبة صاحب المغازي، وموسى بن كعب أمير ديار مصر.
وفيها كان ظهور الريوندية (١). قال أبو الحسن المدائني: هم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة، ويقولون فيما زعم بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم ﵇ حلت في عثمان بن نهيك، وأن المنصور هو ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل. قال: فأتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون: هذا، فقبض المنصور منهم نحو المائتين من الكبار، فغضب الباقون وقالوا: علام حبسوا؟، ثم عهدوا إلى نعش فحفوا به، يوهمون أنها جنازة قد اجتمعوا لها، ثم إنهم مروا بها على باب السجن فعنده شدوا على الناس بالسلاح واقتحموا السجن، فأخرجوا أصحابهم الذين قبض عليهم المنصور، وقصدوا نحو المنصور، وهم نحو من ستمائة، فتنادى الناس، وأغلقت المدينة، وخرج المنصور من قصره ماشياً لم يجد فرساً، فأتي بدابة وهو يريدهم، فجاءه معن بن زائدة فترجل له وعزم عليه وأخذ بلجام الدابة،
стр. 3141
وقال: إنك تكفى يا أمير المؤمنين. وجاء مالك ابن الهيثم فوقف على باب القصر، ثم قاتلوهم حتى أثخنوهم.
وجاء خازم بن خزيمة فقال: يا أمير المؤمنين أقتلهم؟ قال: نعم. فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط، فكروا على خازم فهزموه، ثم كر عليهم هو والهيثم بن شعبة بجندهما، وأحاطوا بهم، ووضعوا فيهم السيف فأبادوهم، فلا ﵏. وقد جاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم، فرموه بنشابة، فمرض منها ومات، فاستعمل المنصور مكانه على الحرس أخاه عيسى بن نهيك. وكان هذا كله في المدينة الملقبة بالهاشمية وهي بقرب الكوفة. ثم إن المنصور قدم سماطاً بعد العصر وبالغ في إكرام معن.
وروى المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: إني لواقف بباب القصر إذ اطلع رجل إلى المنصور فقال: هذا رب العزة الذي يرزقنا ويطعمنا. قال: فحدثت المنصور بعد ذلك فقال: يا هذلي يدخلهم الله النار في طاعتنا ونقتلهم، أحب إلينا من أن يدخلهم الله الجنة في معصيتنا.
وعن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه سمع المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطآت وقى الله شرها: قتلت أبا مسلم وأنا في خرق، ومن حولي يقدم طاعته ويؤثرها ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعاً. وخرجت (١) يوم الريوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعاً.
وقيل: كان معن بن زائدة ممن قاتل المسودة مع ابن هبيرة، فلما قامت دولة المسودة اختفى معن إلى أن ظهر يوم الريوندية، فأبلى يومئذ وبين حتى كان النصر على يديه، ثم اختفى كما هو، فتطلبه المنصور ونودي بأمانه فأتي به فأمر له بمال جليل، وولاه اليمن (٢).
وفيها أمر المنصور ابنه المهدي وجعله ولي عهد المسلمين وبعثه على
стр. 3142
خراسان وأن ينزل الري، ففعل، وبلغ المنصور أن أمير خراسان عبد الجبار الأزدي يقتل رؤساء الخراسانيين، فقال لأبي أيوب الخوزي: إن هذا قد أفنى شيعتنا ولم يفعل هذا إلا وهو يريد أن يخلع الطاعة. فقال: اكتب إليه أنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجند والفرسان، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت، فليس به امتناع، فكتب إليه بذلك فكان جوابه أن الترك قد جاشت، وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان، فكتب المنصور إليه بمشورة أبي أيوب: إن خراسان أهم من غيرها، وإني موجه إليك جيشاً مدداً من عندي، يريد المنصور بهذا أن عبد الجبار إن هم بالخروج وثبوا عليه، فكان جوابه: إن خراسان مجدبة وأخاف من الغلاء على الجند. فقال أبو أيوب للمنصور: هذا رجل قد أبدى صفحته وقد خلع فلا تناظره، فوجه إليه خازم بن خزيمة. قال: فجهز المهدي من الري خازم بن خزيمة لحربه مقدمة، ثم سار المهدي إلى أن قدم نيسابور، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار فقاتلوه فهزموه، فالتجأ إلى مكان، فعبر إليه المجشر بن مزاحم بجند مرو الروذ فأسره، ثم أتى به خازم بن خزيمة فألبسه عباءة وأركبه بعيراً مقلوباً وسيره إلى المنصور في طائفة من أصحابه وأولاده، فبسط عليهم العذاب، واستخرج منهم الأموال، ثم قتل عبد الجبار وسير أولاده إلى جزيرة دهلك ببحر اليمن، فلم يزالوا بها حتى أغارت الهند عليهم فأسروهم ونجا منه عبد الرحمن ولد عبد الجبار، فجاء فكتب في الديوان وبقي بمصر حياً إلى سنة تسعين (١) ومائة (٢).
وفيها انتهى بناء مدينة المصيصة بتولي جبريل بن يحيى الخراساني.
وفيها افتتح المسلمون طبرستان وغنموا غنائم عظيمة بعد حروب جرت.
وفيها عزل عن المدينة ومكة زياد بن عبيد الله. ثم ولي المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وولي مكة الهيثم بن معاوية العتكي (٣).
стр. 3143
وحج بالناس أمير الشام صالح بن علي العباسي.
وفيها استناب المهدي عنه على خراسان الأمير أسد بن عبد الله.
سنة اثنتين وأربعين ومائة.
فيها توفي أسلم المنقري، وحبيب بن أبي عمرة القصاب، والحسن بن عبيد الله، والحسن بن عمرو الفقيمي، وأبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني المصري، وحميد الطويل في قول. وخالد الحذاء، وسعد بن إسحاق بن كعب في قول، والأمير سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وعاصم بن سليمان الأحول بخلف، وعمرو بن عبيد المعتزلي فيها أو في سنة ثلاث، ومحمد بن أبي إسماعيل الكوفي، وهارون بن عنترة.
وفيها نزع الطاعة متولي السند عيينة بن موسى بن كعب فخرج المنصور بالجيش فنزل البصرة وجهز عمر بن حفص العتكي محارباً له ومتولياً على السند والهند فسار حتى غلب على السند واستوسق له الأمر (١).
وفيها نقض إصبهبذ طبرستان وقتل من ببلاده من المسلمين فانتدب له خازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، وأبو الخصيب مرزوق مولى المنصور فحاصروه في قلعته وطال الحصار ولم يزالوا إلى أن احتال مرزوق (٢)، فقال لأصحابه اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك فلحق بالإصبهبذ ففتح له فدخل إليه، فقال: إنما فعلوا بي ما رأيت تهمة منهم لي بأن هواي معك وأخبره بأنه معه فإنه يدله على عورة العسكر، فوثق به وقربه. وكان باب قلعته حجراً، فلم يزل يظهر له النصيحة والإصبهبذ يغتر إلى أن صيره أحد من يتولى الباب فرأى منه ما يحب: ثم نفذ مرزوق إلى العسكر في نشابة، ووعدهم ليلة معينة في فتح باب الحصن، ثم فعل ذلك، ودخلوا فقتلوا المقاتلة وسبوا الحريم، فمص الإصبهبذ سماً في خاتمه
стр. 3144
فهلك، فكان من جملة السبي شكلة والدة إبراهيم بن المهدي من بنات الأمراء، ووالدة منصور بن المهدي المعروفة بالمحترمة (١) من بنات الملوك.
وفيها عزل عن إمرة مصر نوفل بن الفرات بمحمد بن الأشعث، ثم عزل محمد وأعيد نوفل، ثم عزل ثانياً فوليها حميد بن قحطبة.
وفيها حج بالناس إسماعيل بن علي. وقيل: فيها استعمل المنصور أخاه العباس على بلاد الجزيرة والثغر.
وفيها كان توثب العبيد بالبصرة فانتدب لهم صاحب الشرطة فقتلهم.
وفيها ولي محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة البحر فنزل مدينة قيس، وهي جزيرة في البحر، فجاءته مراكب الهنود فلم يخرج إليهم، فخرج ابنه فقتل وقتل معه طائفة، ثم هرب محمد منها فدخلها العدو فخربوها. قال خليفة بن خياط (٢): فهي خراب إلى اليوم.
قلت: هي اليوم عامرة يسافر إليها التجار وهي جزيرة كيش كذا ينطقون بها.
سنة ثلاث وأربعين ومائة
فيها توفي حجاج بن أبي عثمان الصواف، وحميد الطويل على الصحيح، وحيي بن عبد الله المعافري، وخطاب بن صالح المدني، وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني، وعبد الرحمن بن عطاء المدني، وعبد الرحمن بن ميمون المدني بمصر، وعلي بن أبي طلحة مولى بني هاشم. وليث بن أبي سليم في قول، ومطرف بن طريف في قول، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وفيها سار أبو الأحوص العبدي في ستة آلاف فارس من مصر إلى إفريقية فنزل برقة، ثم التقى هو وأبو الخطاب الإباضي فانهزم أبو الأحوص، فسار أمير مصر بنفسه وجيوشه، وهو محمد بن الأشعث فالتقى
стр. 3145
هو والإباضية فقتل في المصاف أبو الخطاب، وانهزموا (١).
وفيها بلغ المنصور أن الديلم قد أوقعوا بالمسلمين وقتلوا منهم خلائق فندب الناس للجهاد.
وفيها عزل الهيثم عن مكة بالسري بن عبد الله بن الحارث بن العباس العباسي فأتى سريا عهده وهو باليمامة.
وفيها عزل عن مصر حميد بن قحطبة وأعيد نوفل ثالثاً، ثم عزل نوفل، ووليها يزيد بن حاتم الأزدي.
وحج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي أمير الكوفة.
وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه، وصنف الليث بمصر، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون على حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل ولله الحمد تناول العلم، وأخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله.
سنة أربع وأربعين ومائة.
فيها توفي إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة أحد الضعفاء، وإسماعيل بن أبي أمية في قول، وأسيد بن عبد الرحمن الفلسطيني، وأبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، وسعيد الجريري. وسليمان التيمي في قول. وعبد الله بن حسن بن حسن في قول. وعبد الله بن أبي سبرة المدني (٢).
стр. 3146
وعبد الله بن شبرمة الفقيه. وعقيل بن خالد الأيلي. وعبد الأعلى بن السمح الفقيه بمصر. وعمرو بن عبيد في قول. ومجالد بن سعيد، وهلال بن خباب. وواصل بن السائب الرقاشي. ويزيد بن أبي مريم الدمشقي.
وفيها غزا محمد ابن السفاح الديلم بجيش الكوفة والبصرة، وواسط والجزيرة.
وفيها قدم المهدي من خراسان فدخل بابنة عمه ريطة بنت السفاح.
وفيها حج المنصور وخلف على العساكر خازم بن خزيمة فاستعمل على المدينة رياح بن عثمان المري وعزل محمداً القسري.
وكان المنصور قد أهمه شأن محمد، وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لتخلفهما عن الحضور إلى عنده مع الأشراف، فقيل: إن محمداً ذكر أن المنصور لما حج في حياة أخيه السفاح كان ممن بايع له ليلة اشتور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني أمية فسأل المنصور زياداً متولي المدينة عن ابني عبد الله بن حسن. فقال: ما يهمك يا أمير المؤمنين من أمرهما أنا آتيك بهما، فضمنه إياهما في سنة ست وثلاثين ومائة.
قال عبد العزيز بن عمران: حدثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال: لما استخلف المنصور لم يكن همه إلا طلب محمد والمسألة عنه بكل طريق، فدعا بني هاشم واحداً واحداً كلهم يخليه ويسأله عنه فيقولون: يا أمير المؤمنين قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم فهو يخافك، وهو الآن لا يريد لك خلافاً ولا معصية. وأما حسن بن زيد فأخبره بأمره وقال: لا آمن أن يخرج. فذكر يحيى البرمكي أن المنصور اشترى رقيقاً من رقيق الأعراب فكان يعطي الرجل منهم البعير والبعيرين وفرقهم في طلب محمد بن عبد الله بأطراف المدينة يتجسسون أمره، وهو مختف.
وذكر السندي مولى المنصور قال: رفع عقبة بن مسلم الأزدي عند المنصور واقعة، وذلك أن عمر بن حفص أوفد من السند وفداً فيهم عقبة فأعجب المنصور هيئته فاستخلى به وقال: إني لأرى لك هيئة وموضعاً وإني
стр. 3147
لأريدك لأمر أنا به معنى لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكون، فإن كفيتنيه رفعتك. فقال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين في. قال: فاخف شخصك واستر أمرك وائتني يوم كذا، فأتاه في الوقت المعين. فقال له: إن بني عمنا هؤلاء قد أبو إلا كيداً لملكنا واغتيالاً له ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم فاخرج إليهم بكسوة وألطاف حتى تأتيهم بكتاب مبتكر تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير إلى بلادهم فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد الله بن حسن متقشفاً متخشعاً فإن جبهك، وهو فاعل فاصبر حتى يأنس بك ويلين لك ناحيته. فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل علي. قال: فشخص عقبة حتى قدم على عبد الله فلقيه بالكتاب فأنكره وانتهره وقال: ما أعرف هؤلاء، فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبل الكتاب وألطافه، وأنس به فسأله عقبة الجواب. فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فسلم عليهم وأخبرهم أن ابني خارجان لوقت كذا وكذا. فأسرع عقبة بهذا إلى المنصور.
وقيل: كان محمد، وإبراهيم ابنا عبد الله منهومين بالصيد.
وقال المدائني: قدم محمد البصرة مختفياً في أربعين رجلاً فأتى عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن هشام، فقال له عبد الرحمن: أهلكتني وشهرتني فانزل عندي وفرق أصحابك، فأبى عليه فقال: انزل في بني راسف، ففعل.
وقال غيره: أقام محمد يدعو الناس سراً.
وقيل: نزل على عبد الله بن سفيان المري، ثم خرج بعد ستة أيام فسار المنصور حتى نزل الجسر.
وكان المنصور لما حج سنة أربعين ومائة أكرم عبد الله بن حسن، ثم قال لعقبة: تراء له، ثم قال: يا أبا محمد قد علمت ما أعطيتني من العهود أن لا تبغي سوءاً. قال: فأنا على ذلك، فاستدار له عقبة حتى قام بين يديه فأعرض عنه فأتاه من ورائه فغمزه بأصبعه فرفع رأسه بغتة فملأ عينه منه
стр. 3148
فوثب حتى جلس بين يدي المنصور، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله. قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم سجنه.
وجاء من وجه آخر أن المنصور أقبل على عبد الله، فقال: أرى ابنيك قد استوحشا مني وإني لأحب أن يأنسا بي وأن يأتياني فأخلطهما بنفسي، فقال: وحقك يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم ولا بموضعهما، ولقد خرجا عن يدي فبقي في سجن المنصور ثلاثة أعوام.
وقيل: إن محمداً، وإبراهيم هما باغتيال المنصور بمكة، وواطأهما قائد كبير من قواده فنمي الخبر إلى المنصور، فاحترز وطلب القائد فهرب، وأقبل أبو جعفر المنصور يلج في طلب محمد حتى أعياه، وجعل زياد بن عبيد الله يدافع عن محمد فقبض المنصور على زياد واستأصل أمواله، واستعمل على المدينة محمد بن خالد القسري، وأمره ببذل الأموال في طلب محمد وأخيه، فبذل أكثر من مائة ألف دينار فلم يصنع شيئاً ولا قدر عليهما فاتهمه المنصور، فعزله، وولى رياح بن عثمان بن حيان المري، فدعا القسري فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي، وهو أعلم بها فقال: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به رياح فوجئت عنقه وضرب أسواطاً، ثم بسط العذاب على كاتبه وعلى مولاه فأسرف وجد في طلب محمد بن عبد الله فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى، وهو جبل جهينة من أعمال ينبع. قال: فاستعمل على ينبع عمرو بن عثمان الجهني وأمره بتطلب محمد، فخرج عمرو إليه ليلة بالرجال ففزع محمد وفر منهم، فانفلت، وله ابن صغير، ولد له هناك من جارية فوقع الطفل من الجبل من يد أمه فتقطع، فقال محمد بن عبد الله:
منخرق السربال يشكو الوجى … تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف وأزرى به … كذاك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد
فلما طال أمر الأخوين على المنصور أمر رياحاً بأخذ بني حسن وحبسهم، فأخذ حسناً، وإبراهيم ابني حسن بن حسن وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان، وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، ومحمدا
стр. 3149
وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم المذكور، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن، وأخاه علياً العابد، ثم قيدهم وجهر على المنبر بسب محمد بن عبد الله وأخيه فسبح الناس وعظموا ما قال، فقال رياح: ألصق الله بوجوهكم الهوان لأكتبن إلى خليفتكم غشكم وقلة نصحكم، فقالوا: لا نسمع منك يا ابن المحدودة وبادروه يرمونه بالحصى، فنزل واقتحم دار مروان وأغلق الباب، فحف بها الناس فرموه وشتموه، ثم إنهم كفوا، ثم إن آل حسن حملوا في أقيادهم إلى العراق، ولما نظر إليهم جعفر الصادق وهم يخرج بهم من دار مروان جرت دموعه على لحيته، ثم قال: والله لا تحفظ لله حرمة بعد هؤلاء، وأخذ معهم أخوهم من أمهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو ابن فاطمة بنت الحسين (١).
وقال الواقدي: أنا رأيت عبد الله بن حسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان وهم في الحديد فيجعلون في المحامل عراة ليس تحتهم وطاء وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام.
قال الواقدي: قال عبد الرحمن بن أبي الموال: وأخذ معهم يومئذ نحو من أربع مائة نفس من جهينة ومزينة، وغيرهم، فأراهم بالربذة مكتفين في الشمس، وسجنت مع عبد الله بن حسن، فوافى المنصور الربذة منصرفاً من الحج فسأل عبد الله بن حسن من المنصور أن يأذن له في الدخول إليه فامتنع، ثم دعاني المنصور من بينهم فأدخلت عليه، وعنده عمه عيسى بن علي فسلمت، فقال المنصور: لا سلم الله عليك، أين الفاسقان ابنا الفاسق، فقلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين؟ قال: وما ذاك؟ قلت: امرأتي طالق، وعلي وعلي إن كنت أعرف مكانهما، فلم يقبل مني، وأقمت بين العقابين، فضربني أربع مائة سوط، فغاب عقلي ورددت إلى أصحابي، ثم أحضر الديباج، وهو محمد بن عبد الله العثماني فسأله عنهما فحلف له، فلم يقبل، وضربه مائة سوط، وجعل في عنقه علاً فأتي به إلينا وقد لصق قميصه على جسمه من الدماء، ثم سير بنا إلى العراق. فأول من مات بالحبس عبد الله بن حسن، فصلى عليه أخوه حسن، ثم مات حسن
стр. 3150
بعده فصلى عليه الديباج، ثم مات الديباج فقطع رأسه وأرسل مع جماعة من الشيعة ليطوفوا به بخراسان ويحلفوا أن هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن الذي كانوا يجدون في الكتب خروجه فيما زعموا على أبي جعفر.
وقيل: لما أتي بهم المنصور نظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم. قال: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك، ثم أمر بأسطوانة فنقرت، ثم أدخل فيها، ثم شد عليه وهو حي، وكان محمد من أحسن الناس صورة.
وقيل: إن المنصور قتل محمد بن عبد الله الديباج، وجاء من غير وجه أنه قتله، فالله أعلم.
وروي عن موسى بن عبد الله بن حسن. قال: ما كنا نعرف في الحبس أوقات الصلاة إلا بأجزاء كان يقرؤها علي بن الحسن.
وقيل: إن المنصور أمر بقتل عبد الله بن حسن سراً.
وقال ابن عائشة: سمعت مولى لبني دارم قال: قلت لبشير الرحال: ما تسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنه أرسل إلي بعد أخذه عبد الله بن حسن، فأتيته، فأمرني بدخول بيت فدخلته فإذا بعبد الله بن حسن مقتولاً، فسقطت مغشياً علي، فلما أفقت أعطيت الله عهداً أن لا يختلف في أمره سيفان إلا وكنت عليه، ثم قلت للرسول الذي معي من قبله: لا تخبره بما أصابني فيقتلني.
ويقال: إن المنصور سقى السم غير واحد منهم.
سنة خمس وأربعين ومائة.
توفي فيها محمد بن عبد الله بن حسن، وأخوه إبراهيم قتلاً، والأجلح الكندي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، وحبيب بن الشهيد، وحجاج بن أرطاة، والحسن بن ثوبان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن المنصور، ورؤبة بن
стр. 3151
العجاج التميمي، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، وعبد الملك بن أبي سليمان الكوفي، وعمر بن عبد الله مولى عفرة، وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري، ومحمد بن عبد الله الديباج، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن عروة في قول، ويحيى بن الحارث الذماري، ونصر بن حاجب الخراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي.
وفيها بالغ رياح والي المدينة في طلب محمد بن عبد الله حتى أحرجه. فعزم على الظهور، فدخل مرة المدينة خفية. فعن الفضل بن دكين قال: بلغني أن عبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب، وعبد الحميد بن جعفر قد دخلوا عليه فقالوا: ما تنتظر بالخروج، والله ما نجد في هذه البلدة أشأم عليها منك، ما يمنعك أن تخرج، اخرج وحدك، فكان من قصته أن رياحاً طلب جعفر بن محمد وبني عمه وجماعة من وجوه قريش ليلة، قال راوي القصة: إنا لعنده، إذ سمعنا التكبير فقام رياح فاختفى وخرجنا نحن فكان ظهور محمد بالمدينة في مائتي رجل وخمسين رجلاً، فمر بالسوق، ثم مر بالسجن، فأخرج من فيه، ودخل داره وأتى على حماره وذلك في أول رجب، ثم أمر برياح، وابني مسلم فحبسوا بعد أن مانع أصحاب رياح بعض الشيء. ولما خطب محمد حمد الله تعالى، ثم قال: أما بعد، فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيراً لكعبة الله، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ إن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين، والأنصار، اللهم إنهم قد فعلوا وفعلوا فاحصهم عدداً واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحداً.
قال علي بن الجعد: كان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد الله عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول: لو التقينا لمال إلي القواد كلهم، وقد خرج معه مثل ابن عجلان، وعبد الحميد بن جعفر.
وقال محمد بن سعد (١): خرج ابن عجلان معه فلما قتل، وولي المدينة
стр. 3152
جعفر بن سليمان أتوه بابن عجلان فكلمه جعفر كلاماً شديداً وقال: خرجت مع الكذاب وأمر بقطع يده. فلم ينطق إلا أنه حرك شفتيه، فقام من حضر من العلماء فقالوا: أصلح الله الأمير، إن ابن عجلان فقيه المدينة وعابدها، وإنما شبه عليه وظن أنه المهدي الذي جاءت فيه الرواية، ولم يزالوا يرغبون إليه حتى تركه.
ولزم عبيد الله بن عمر ضيعة له واعتزل فيها، وخرج أخواه عبد الله، وأبو بكر مع محمد بن عبد الله ولم يقتلا، عفا عنهما المنصور. واختفى جعفر الصادق وذهب إلى مال له بالفرع معتزلاً للفتنة ﵀، ثم إن محمداً استعمل عماله على المدينة ولم يتخلف عنه من الوجوه إلا نفر، منهم الضحاك بن عثمان، وعبد الله بن منذر الحزاميان، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.
قال سعد بن عبد الحميد بن جعفر: أخبرني غير واحد أن مالكاً استفتي في الخروج مع محمد وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته.
قال أبو داود السجستاني: كان سفيان الثوري يتكلم في عبد الحميد بن جعفر لخروجه مع محمد ويقول: إن مر بك المهدي وأنت في البيت فلا تخرج إليه حتى يجتمع عليه الناس. وذكر سفيان صفين فقال: ما أدري أخطأوا أم أصابوا.
وقيل: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد شاخ ليبايعه فقال: يا ابن أخي، أنت والله مقتول، كيف أبايعك؟ فارتدع الناس عنه قليلاً، فأتته حمادة بنت معاوية بن عبد الله فقالت: يا عم، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم فلا تثبط عنه الناس فتقتل ابن خالي وإخوتي، فأبى إلا أن ينهى عنه، فيقال: إنها قتلته، فأراد محمد الصلاة عليه، فقال ابنه عبد الله: تقتل أبي وتصلي عليه؟ فنحاه الحرس وصلى محمد. ثم إنه استعمل على مكة الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وعلى اليمن القاسم بن إسحاق، فقتل القاسم قبل أن يصل إليها، واستعمل
стр. 3153
على الشام موسى بن عبدة ليذهب إليها ويدعو إلى محمد فقتل محمد قبل أن يصل موسى. وكان محمد شديد الأدمة جسيماً فيه تمتمة.
وروى عباس بن سفيان عن أشياخ له قالوا: لما ظهر محمد قال المنصور لإخوته: إن هذا الأحمق يعني عبد الله بن علي، وكان في سجنه لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب فادخلوا عليه فشاوروه ولا تعلموه إني أمرتكم، فدخلوا عليه جميعاً، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم وما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني من دهر؟ قالوا: استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا. قال: ليس هذا بشيء فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد. قال: فما ترون ابن سلامة صانعاً، يعني المنصور، قالوا: لا ندري. قال: إن البخل قد قتله فمروه أن يخرج الأموال ويعط الأجناد فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله.
قال: وجهز المنصور عيسى بن موسى لحرب محمد وكتب إليه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبت ورجعت أؤمنك وجميع أهل بيتك وأفعل لك وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، فكتب جوابه إلى المنصور: من المهدي محمد بن عبد الله أبي عبد الله: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، ثم ذكر شرفه، وأبوته حتى إنه قال: فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وابن أهونهم عذاباً في النار (١)، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار، وأنا أوفى بالعهد منك لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي، أم أمان أبي مسلم (٢).
стр. 3154
فأجابه المنصور: جل (١) فخرك بقرابة النساء، لتضل به الغوغاء، لم يجعل الله النساء كالعمومة، بل جعل العم أباً، وأما ما ذكرت من كذا، فأمره كذا، ولقد بعث الله محمداً ﷺ وله أعمام أربعة، فأجاب اثنان، أحدهما أبي، وأبى اثنان، أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، ولا ينبغي لك ولا لمؤمن أن يفخر بالنار. وفخرك بأنك لم تلدك أمة فتعديت طورك وفخرت على من هو خير منك، إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وما خيار بني أبيك إلا بنو إماء، ما ولد فيكم بعد وفاة النبي ﷺ أفضل من علي بن الحسين، وهو لأم ولد، وهو خير من جدك، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي، وجدته أم ولد، وهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر بن محمد، وهو خير منك، وأما قولك إنكم بنو رسول الله ﷺ فإن الله قال في كتابه ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ولكنكم بنو ابنته، وأما ما فخرت به من علي، وسابقته، فقد حضرت رسول الله ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في ستة أهل الشورى فتركوه، ثم قتل عثمان، وهو به متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته وأغلق دونه بابه، ثم طلبها بكل وجه، وقاتل عليها، وتفرق عنه عسكره، وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم قام بعده حسن فباعها من معاوية بدراهم وثياب ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالاً من غير ولاته، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه. ثم خرج الحسين بن علي على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم حتى قتل يحيى بن زيد (٢) بن علي بخراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوكم بلا وطاء في المحامل إلى الشام حتى خرجنا على بني أمية فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وفضلنا سلفكم فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له على حمزة والعباس، وجعفر، وليس
стр. 3155
كما ظننت، ولقد خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، مجتمع عليهم بالفضل، وابتلي أبوكم بالقتال والحرب، ف انت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكرنا فضله ﵁.
وكان محمد قد أخرج من السجن بالمدينة (١) محمد بن خالد القسري، فرأى القسري أن الأمر ضعيف، فكتب إلى المنصور في أمره فبلغ محمدا فحبسه.
قال ابن عساكر (٢): ذبح ابن خضير أحد أعوان محمد رياح بن عثمان في هذه السنة.
وأما ابن معاوية فلما مضى إلى مكة كان في سبعين راكباً وسبعة أفراس فقاتل السري أمير مكة فقتل سبعة من أصحاب السري، فانهزم السري ودخل ابن معاوية مكة فخطب ونعى إليهم المنصور، ودعا لمحمد، ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به، فجمع جموعاً تقدم بها على محمد، فلما كان بقديد بلغه مصرع محمد فانهزم إلى البصرة فلحق بإبراهيم بن عبد الله حتى قتل إبراهيم.
وندب المنصور لقتال محمد ابن عمه عيسى بن موسى وقال في نفسه: لا أبالي أيهما قتل صاحبه، فجهز مع عيسى أربعة آلاف فارس، وفيهم محمد ابن السفاح، فلما وصل إلى فند كتب إلى أهل المدينة في خرق الحرير يتألفهم، فتفرق عن محمد خلق، وسار منهم طائفة لتلقي عيسى والتحيز إليه، فاستشار محمد عبد الحميد بن جعفر فقال: أنت أعلم بضعف جمعك وقلتهم، وبقوة خصمك وكثرة جنده، والرأي أن تلحق بمصر، فوالله لا يردك عنها راد فيقاتل الرجل بمثل رجاله وسلاحه، فصاح جبير بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة وقد ورد أن النبي ﷺ قال: رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة. ثم إن محمداً استشار: هل يخندق على نفسه، فاختلف عليه رأي أصحابه، فلما تيقن قرب عيسى بن موسى منه، حفر خندق رسول الله ﷺ وحفر فيه بيده تأسياً بالنبي ﷺ .