ثم أمر بثوب فبسط، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمعوا فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب (١).
وحدثني من لا أتهم، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وعثمان وما بعده: افتحوا ما بدا لكم، والذي نفسي بيده أو نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك (٢).
قال: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي، ورسول الله ﷺ قريب مني، فلما رآني أضرب نزل وأخذ المعول فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب أخرى فلمعت تحته أخرى، ثم ضرب الثالثة فلمعت أخرى. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ قال: أو قد رأيت؟ قلت: نعم. قال: أما الأولى، فإن الله فتح علي بها اليمن، وأما الثانية، فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق (٣).
قال ابن إسحاق (٤): ولما فرغ النبي ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول من دومة (٥) بين الجرف وزغابة (٦) في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة وغطفان، فنزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد بذنب تعمر (٧) إلى جانب أحد. وخرج رسول الله
стр. 527
ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، فعسكروا هنالك، والخندق بينه وبين القوم. فذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وقد كان وادع رسول الله ﷺ على قومه، فلما سمع كعب بحيي أغلق دونه الحصن فأبى أن يفتح له، فناداه: يا كعب افتح لي. قال: إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (١) أن آكل معك منها. فأحفظه ففتح له فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دومة، وبغطفان على قادتها وسادتها فأنزلتهم بذنب تعمر إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام (٢) قد هراق ماءه برعد وبرق ليس فيه شيء، يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب حتى سمح له بأن أعطاه عهدا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين النبي ﷺ (٣).
ولما انتهى الخبر إلى النبي ﷺ بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة سيدا الأنصار، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان فيه حدة، فقال له ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم رجعوا إلى النبي ﷺ
стр. 528
فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه. فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين. فعظم عند ذلك الخوف (١).
قال الله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا الآيات.
وتكلم المنافقون حتى قال معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. فأقام رسول الله ﷺ وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار (٢).
ثم إن النبي ﷺ بعث إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما صلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك.
فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى السعدين فاستشارهما فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا منه، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطعمون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال: فأنت وذاك. فأخذ سعد الصحيفة فمحاها، ثم قال: ليجهدوا علينا (٣).
وأقام رسول الله ﷺ والأحزاب، فلم يكن بينهم قتال إلا فوارس من
стр. 529
قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيؤوا للقتال يا بني كنانة فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. قال: فتيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه بهم في السبخة بين الخندق وسلع.
وخرج علي ﵁ في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، فأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارزني؟ فبرز له علي ﵁، فقال علي: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتهما منه. قال له: أجل. قال له: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي كرم الله وجهه: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا، فقتله علي ﵁. وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وألقى عكرمة يومئذ رمحه وانهزم. وقال علي ﵁ في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه … ونصرت دين محمد بضراب.
نازلته فتركته متجدلا … كالجذع بين دكادك وروابي.
لا تحسبن الله خاذل دينه … ونبيه يا معشر الأحزاب.
وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل، أن عائشة ﵂ كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربة يرفل بها ويقول:
стр. 530
لبث قليلا يشهد الهيجا … حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل (١).
فقالت له أمه: الحق أي بني فقد أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل ورماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بينهم وبيننا فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
وكانت صفية بنت عبد المطلب في فارع - حصن حسان بن ثابت - وكان معها فيه مع النساء والولدان. قالت: فمر بنا يهودي فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة ونقضت وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا. فقالت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: فغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا، احتجزت (٢) ثم أخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة (٣).
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
стр. 531
وروى نحوه يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه.
ثم إن نعيم بن مسعود الغطفاني أتى رسول الله فأسلم. وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت يا رسول الله. قال: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت؛ فإن الحرب خدعة.
فأتى قريظة - وكان نديما لهم في الجاهلية - فقال لهم: قد عرفتم ودي إياكم. قالوا: صدقت. قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدروا أن تتحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة (١) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموه علي. قالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم. فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا منكم من رجالكم فلا تفعلوا.
ثم خرج فأتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
стр. 532
فلما كانت ليلة السبت من شوال، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان، إلى بني قريظة، عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا. فأرسلوا إليهم الجواب أن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله لقد حدثكم نعيم بن مسعود بحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ما ندفع إليكم رجلا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم. وخذل الله بينهم.
فلما أنهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم (١).
قال: فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى هويا (٢) من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون
стр. 533
رفيقي في الجنة. فما قام أحد من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد. فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي من القيام بد حين دعاني، فقال: يا حذيقة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا يقر لهم قرار ولا نار ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ ﵁ فَأَخَذْت بِيَدِ الرّجُلِ الّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْت: مَنْ أَنْتَ؟ فقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله ﷺ أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم.
قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مراحل - وهو ضرب من وشي اليمن فسره ابن هشام - فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم (١).
قال الله تعالى: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا.
وهذا كله من رواية البكائي عن محمد بن إسحاق.
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رجلا قال لحذيفة: صحبتم رسول الله ﷺ وأدركتموه، فذكر الحديث نحو حديث محمد بن كعب، وفي آخره: فجعلت أخبر رسول الله ﷺ عن أبي سفيان، فجعل يضحك حتى جعلت أنظر إلى أنيابه.
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدر
стр. 534
في رمضان سنة اثنين. ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث. ثم قاتل يوم الخندق، وهو يوم الأحزاب وبني قريظة، في شوال سنة أربع، وكذا قال عروة في حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. كذا قالا: سنة أربع، وقالا في قصة الخندق إنها كانت بعد أحد بسنتين (١).
وقال قتادة من رواية شيبان عنه: كان يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين (٢)، فهذا هو المقطوع به. وقول موسى وعروة: إنها في سنة أربع وهم بين، ويشبهه قول عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني. فلما كان يوم الخندق عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني فيحمل قوله على أنه كان قد شرع في أربع عشرة، وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها فلم يعد تلك الزيادة. والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها كثيرا، فتارة يعتدون بالكسر ويعدونه سنة، وتارة يسقطونه. وذهب بعض العلماء إلى ظاهر هذا الحديث وعضدوه بقول موسى بن عقبة وعروة أن الأحزاب في شوال سنة أربع، وذلك مخالف لقول الجماعة، ولما اعترف به موسى وعروة من أن بين أحد والخندق سنتين، والله أعلم.
وقال أبو إسحاق الفزاري، عن حميد، عن أنس قال: خرج رسول الله ﷺ في غداة باردة إلى الخندق، والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم، ولم يكن لهم عبيد: فلما رأى ما بهم من الجوع والنصب قال:
اللهم إن العيش عيش الآخره … فاغفر للأنصار والمهاجره.
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا.
أخرجه البخاري (٣). ولمسلم نحوه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت (٤).
стр. 535
وقال عبد الوارث: حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس نحوه، وزاد قال: ويؤتون بمثل (١) حفنتين شعيرا يصنع لهم بإهالة سنخة وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منكرة فتوضع بين يدي القوم. أخرجه البخاري (٢).
وقال شعبة وغيره: حدثنا أبو إسحاق، سمع البراء يقول: كان رسول الله ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، وقد وارى التراب بياض إبطه وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا.
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا.
إن الألى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا.
رفع بها صوته. أخرجه البخاري (٣).
وعنده أيضا من وجه آخر: ويمد بها صوته.
وقال عبد الواحد بن أيمن المخزومي، عن أبيه، سمع جابرا يقول: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدانة - وهي الجبل - فقلنا: يا رسول الله، إن كدانة قد عرضت فقال: رشوا عليها. ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل، فقلت للمرأة: هل عندك من شيء؟ وذكر نحو ما تقدم وما سقناه من مغازي ابن إسحاق. أخرجه البخاري (٤).
وقال هوذة بن خليفة (٥): حدثنا عوف الأعرابي، عن ميمون بن أستاذ الزهراني، قال: حدثني البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله
стр. 536
ﷺ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية وقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.
وقال الثوري: حدثنا ابن المنكدر، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال: إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير. أخرجه البخاري (١).
وقال الحسن بن الحسن بن عطية العوفي: حدثني أبي، عن أبيه (٢)، عن ابن عباس: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها قال: كان ذلك يوم أبي سفيان؛ يوم الأحزاب.
ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة، قال هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.
قوله: ولما رأى المؤمنون الأحزاب الآية، قال: لأن الله قال لهم في سورة البقرة: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأول المؤمنون ذلك، ولم يزدهم إلا إيمانا وتسليما (٣).
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى
стр. 537
رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا، فقال: لا خير في جسده ولا في ثمنه (١).
وقال الأصمعي: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ضرب الزبير بن العوام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقده إلى القربوس (٢)، فقالوا: ما أجود سيفك، فغضب، يريد أن العمل ليده لا لسيفه.
قال شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي، أن رسول الله ﷺ كان يوم الأحزاب قاعدا على فرضة من فرض الخندق فقال ﷺ : شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، أو بطونهم. أخرجه مسلم (٣).
وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، أن عمر يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال رسول الله ﷺ : وأنا والله ما صليتها بعد. فنزلت مع رسول الله أحسبه قال إلى بطحان (٤)، فتوضأ للصلاة وتوضأنا، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى المغرب. متفق عليه (٥).
وقال جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان، فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ لقاتلت معه وأبليت. فقال: أنت كنت تفعل ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة
стр. 538
مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فائتنا بخبر القوم. فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. فقال ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار. فوضعت سهمي في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته. قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله ﷺ ، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله ﷺ فألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ : قم يا نومان. أخرجه مسلم (١).
وقال أبو نعيم: حدثنا يوسف بن عبد الله بن أبي بردة، عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، عن حذيفة: أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاث من البرد فقال: انطلق إلى عسكر الأحزاب. فقلت: والذي بعثك بالحق ما قمت إليك من البرد إلا حياء منك. قال: فانطلق يا ابن اليمان فلا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إلي. فانطلقت إلى عسكرهم، فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم، حس أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، فقال: يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي إلى الذي عن يساري فأخذت بيده. فكنت فيهم هنية. ثم قمت فأتيت رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فأومأ إلي بيده أن: ادن، فدنوت. ثم أومأ إلي فدنوت. حتى أسبل علي من الثوب الذي عليه وهو يصلي. فلما فرغ قال: ما الخبر؟ قلت: تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجو (٢).
стр. 539
وقال عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد الحنفي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم، فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب. وساق الحديث مطولا (١).
وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا ابن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. متفق عليه (٢).
وقال الليث: حدثني المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده. متفق عليه (٣).
وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: قال رسول الله ﷺ حين أجلى عنه الأحزاب: الآن نغزوهم ولا يغزونا؛ نسير إليهم. أخرجه البخاري (٤).
وقال خارجة بن مصعب، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، قال: تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. كذا روى الكلبي وهو متروك. وذهب العلماء في أمهات المؤمنين أن هذا حكم مختص بهن ولا يتعدى التحريم إلى بناتهن ولا إلى إخوتهن ولا أخواتهن.
واستشهد يوم الأحزاب: عبد الله بن سهل بن رافع الأشهلي، تفرد ابن هشام (٥) بأنه شهد بدرا.
стр. 540
وأنس بن أوس بن عتيك الأشهلي، والطفيل بن النعمان بن خنساء، وثعلبة بن عنمة (١)؛ كلاهما من بني جشم بن الخزرج.
وكعب بن زيد أحد بني النجار، أصابه سهم غرب، وقد شهد هؤلاء الثلاثة بدرا.
ذكر ابن إسحاق (٢) أن هؤلاء الخمسة قتلوا يوم الأحزاب.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: قتل من المشركين يوم الخندق: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي؛ أقبل على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله، وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ : إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه. فرد إليهم رسول الله ﷺ : إنه خبيث الدية لعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته.
غزوة بني قريظة.
وكانوا قد ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله ﷺ . وفيهم نزلت وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم الآيتين.
قال هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل وقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال: فأين؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بني قريظة. فخرج النبي ﷺ . متفق عليه (٣).
وقال حميد بن هلال، عن أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا من سكة بني غنم، موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة. البخاري (٤).
стр. 541
وقال جويرية: عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف من الأحزاب أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت. فما عنف واحدا من الفريقين. متفق عليه (١).
وعند مسلم في بعض طرقه: الظهر بدل العصر. وكأنه وهم.
وقال بشر بن شعيب، عن أبيه، قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيد الله بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة واغتسل واستجمر، فتبدى له جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد. فوثب رسول الله ﷺ فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة. فلبسوا السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس: فاختصم الناس عند غروبها، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثم. وصلى طائفة من الناس احتسابا. وتركت طائفة حتى غربت الشمس فصلوا حين جاؤوا بني قريظة. فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين (٢).
وروى نحوه عبد الله بن عمر، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة، وفيه أن رجلا سلم علينا ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فزعا، فقمت في إثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال رسول الله ﷺ : هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، وقال: وضعتم السلاح، لكنا لم نضع السلاح، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد. وفيه: فمر رسول الله ﷺ بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: هل مر بكم من أحد؟ قالوا: مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج. قال: ليس ذاك بدحية الكلبي
стр. 542
ولكنه جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب، فحاصرهم النبي ﷺ ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف حتى يسمعهم كلامه. فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تك فحاشا. فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم (١).
وقال محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة، عن عائشة قالت: جاء جبريل وعلى ثناياه النقع فقال: أوضعت السلاح؟ والله ما وضعته الملائكة، اخرج إلى بني قريظة. فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن بالرحيل، ثم مر على بني عمرو (٢) فقال: من مر بكم؟ قالوا: دحية. وكان دحية يشبه لحيته ووجهه جبريل. فأتاهم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد، وذكر الحديث بطوله في مسند أحمد (٣).
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): قدم رسول الله ﷺ عليا معه رايته وابتدرها الناس.
وقال موسى بن عقبة (٥). وخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل، فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ ، فسألهم: مر عليكم فارس آنفا؟ فقالوا: مر علينا دحية على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة من ديباج عليه اللأمة. قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله ﷺ يشبه دحية بجبريل. قال: ولما رأى علي بن أبي طالب رسول الله ﷺ مقبلا تلقاه. وقال: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود. وكان علي سمع منهم قولا سيئا لرسول الله ﷺ وأزواجه. فكره علي أن يسمع ذلك، فقال: لم تأمرني بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم. فقال: أظنك سمعت لي منهم أذى؟ فامض فإن أعداء الله لو قد رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت.
стр. 543
فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم - وكانوا في أعلاه - نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافها حتى أسمعهم، فقال: أجيبونا يا معشر يهود يا إخوة القردة، لقد نزل بكم خزي الله. فحاصرهم ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، ورد الله حيي بن أخطب حتى دخل حصنهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاء الأنصار. فقال: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ . فقال: قد أذنت لك. فأتاهم، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، ماذا ترى، فأشار بيده إلى حلقه، يريهم أن ما يراد بكم القتل. فلما انصرف سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد. فزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة.
فقال رسول الله ﷺ كما ذكر - حين راث (١) عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله، قد - والله - انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك. فقال: قد حدث له أمر. فأقبل رجل فقال: يا رسول الله، رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد. فقال رسول الله ﷺ : لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له. فإذ فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما شاء.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، فذكر نحو ما قص موسى بن عقبة. وعنده: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن بالخروج، وأمرهم أن يأخذوا السلاح. ففزغ الناس للحرب، وبعث عليا على المقدمة ودفع إليه اللواء. ثم خرج رسول الله ﷺ على آثارهم. ولم يقل بضع عشرة ليلة (٢).
وقال يونس بن بكير، والبكائي - واللفظ له - عن ابن إسحاق (٣) قال: حاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في
стр. 544
حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذ أبيتم علي هذه. فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم؟ قال فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا، إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما.
رواه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق. لكنه قال عن أبيه، عن معبد بن كعب بن مالك، فذكره وزاد فيه: ثم بعثوا يطلبون أبا لبابة، وذكر ربطه نفسه (١).
وزعم سعيد بن المسيب: أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك حين أعرض عنه رسول الله ﷺ ، وهو عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك فيمن تخلف. والله أعلم.
وفي رواية علي بن أبي طلحة، وعطية العوفي، عن ابن عباس في ارتباطه حين تخلف عن تبوك ما يؤكد قول ابن المسيب (٢).
стр. 545
وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لبابة يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق (١): حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك؟ قال: تيب على أبي لبابة. قلت: أفلا أبشره؟ قال: إن شئت. قال: فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار إليه الناس ليطلقوه. فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
قال عبد الملك بن هشام (٢): أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال: تأتيه امرأته في وقت كل صلاة تحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع - فيما حدثني بعض أهل العلم - والآية التي نزلت في توبته: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا الآية.
قال ابن إسحاق (٣): ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من هدل، أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ .
شعبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال سمعت أبا أمامة بن سهل يحدث عن أبي سعيد قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم، أو إلى خيركم فقال: إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم. فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت عليهم بحكم الله. وربما قال: بحكم الملك. متفق عليه (٤).
стр. 546
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (١) قال: قاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، قد ولاك رسول الله ﷺ أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا من الناحية التي فيها النبي ﷺ ومن معه، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له؛ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: أحكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري.
شعبة وغيره: عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: كنت في سبي قريظة، فأمر رسول الله ﷺ بمن أنبت (٢) أن يقتل، فكنت فيمن لم ينبت (٣).
موسى بن عقبة (٤): قال رسول الله ﷺ حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من أصحابي؟ فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله ﷺ ، فنزلوا على حكمه. فأمر ﵇ بسلاحهم فجعل في قبته، وأمر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد، فأقبل على حمار أعرابي يزعمون أن وطاءه برذعة من ليف، واتبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه ويعظم حق بني قريظة ويذكر حلفهم والذي أبلوه يوم بعاث، ويقول: اختاروك على من سواك رجاء رحمتك وتحننك عليهم، فاستبقهم فإنهم لك جمال وعدد. فأكثر ذلك الرجل، وسعد لا يرجع إليه شيئا، حتى دنوا، فقال الرجل: ألا ترجع إلي فيما أكلمك فيه؟ فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم. ففارقه الرجل، فأتى قومه فقالوا: ما وراءك؟ فأخبرهم أنه غير مستبقيهم، وأن رسول الله ﷺ قتل مقاتلتهم، وكانوا - فيما زعموا - ست مائة مقاتل قتلوا عند دار أبي جهم بالبلاط، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت التي كانت بالسوق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بين من حضر من
стр. 547
المسلمين. وكانت خيل المسلمين ستة وثلاثين فرسا. وأخرج حيي بن أخطب فقال له رسول الله ﷺ : هل أخزاك الله؟ قال له: لقد ظهرت علي وما ألوم إلا نفسي في جهادك والشدة عليك. فأمر به فضربت عنقه. كل ذلك بعين سعد.
وكان عمرو بن سعدى اليهودي في الأسرى، فلما قدموه ليقتلوه فقدوه فقيل: أين عمرو؟ قالوا: والله ما نراه، وإن هذه لرمته (١) التي كان فيها، فما ندري كيف انفلت؟ فقال رسول الله ﷺ : أفلتنا بما علم الله في نفسه. وأقبل ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ فقال: هب لي الزبير - يعني ابن باطا وامرأته - فوهبهما له، فرجع ثابت إلى الزبير. فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ - وكان الزبير يومئذ أعمى كبيرا - قال: هل ينكر الرجل أخاه؟ قال ثابت: أردت أن أجزيك اليوم بيدك. قال: افعل، فإن الكريم يجزي الكريم، فأطلقه. فقال: ليس لي قائد، وقد أخذتم امرأتي وبني. فرجع ثابت إلى رسول الله ﷺ فسأله ذرية الزبير وامرأته، فوهبهم له، فرجع إليه فقال: قد رد إليك رسول الله ﷺ امرأتك وبنيك. قال الزبير: فحائط لي فيه أعذق ليس لي ولأهلي عيش إلا به. فوهبه له رسول الله ﷺ . فقال له ثابت: أسلم، قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالا من قومه بأسمائهم. فقال ثابت: قد قتلوا وفرغ منهم، ولعل الله أن يهديك. فقال الزبير. أسألك بالله وبيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم. فما في العيش خير بعدهم. فذكر ذلك ثابت لرسول الله ﷺ ، فأمر بالزبير فقتل.
قال الله - تعالى - في بني قريظة في سياق أمر الأحزاب: وأنزل الذين ظاهروهم يعني: الذين ظاهروا قريشا: من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا.
وقال عروة في قوله: وأرضا لم تطئوها. هي خيبر.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي،
стр. 548
قال: قال رسول الله ﷺ لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (١).
وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٢): فحبسهم رسول الله ﷺ في دار بنت الحارث النجارية، وخرج إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق. وفيهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. وقد قالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون. أما ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو - والله - القتل. وأتي بحيي بن أخطب وعليه حلة فقاحية (٣) قد شقها من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما - والله - ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله. كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه.
وقال ابن إسحاق (٤)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عمه عروة، عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، قالت: إنها - والله - لعندي تحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتف: يا بنت فلانة. قالت: أنا والله. قلت: ويلك، ما لك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: حدث أحدثته. فانطلق بها فضربت عنقها.
قال عكرمة وغيره: صياصيهم: حصونهم.
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٥): ثم بعث النبي ﷺ سعد بن زيد، أخا بني عبد الأشهل بسبايا بني قريظة إلى نجد. فابتاع له بهم خيلا
стр. 549
وسلاحا. وكان ﷺ قد اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة، وكانت عنده حتى توفي وهي في ملكه، وعرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في مالك فهو أخف عليك وعلي. فتركها. وقد كانت أولا توقفت عن الإسلام ثم أسلمت، فسر النبي ﷺ بذلك، والله أعلم.
وفي ذي الحجة:
وفاة سعد بن معاذ من سنة خمس
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة، رماه في الأكحل. فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع من الخندق، وذكر الحديث، وفيه قالت عائشة: ثم إن كلمه تحجر للبرء فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك. وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها. قال: فانفجر من لبته، فلم يرعهم - ومعهم في المسجد أهل خيمة من بني غفار - إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو فمات منها. متفق عليه (١).
وقال الليث: حدثني أبو الزبير، عن جابر، قال: رمي سعد يوم الأحزاب فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم فحسمه أخرى. فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه فما قطرت منه قطرة. حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، فحكم أن
стр. 550
تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم. قال: وكانوا أربع مائة. فلما فرغ من قتلهم، انفتق عرقه فمات. حديث صحيح (١). (٢)
وقال ابن راهويه: حدثنا عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذا الذي تحرك له العرش - يعني سعد بن معاذ - وشيع جنازته سبعون ألف ملك، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه (٣).
وقال سليمان التيمي، عن الحسن: اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه (٤). (٥)
وقال يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات، فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ قال: فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ، فجلس رسول الله ﷺ على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس قال: سبحان الله - مرتين - فسبح القوم. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فكبر القوم. فقال: عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له (٦).
روى بعضه محمد بن إسحاق، عن معاذ بن رفاعة، قال: أخبرني محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر.
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٧): حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال: أخبرني من شئت من رجال قومي أن جبريل أتى النبي ﷺ في جوف الليل
стр. 551
معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فقام رسول الله ﷺ يجر ثوبه مبادرا إلى سعد بن معاذ فوجده قد قبض.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق (١): حدثني من لا أتهم، عن الحسن البصري قال: كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة. فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: إن له حملة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش.
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢): حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول (٣).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض - تعني حس الأرض - ورائي، فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه. فجلست، فمر سعد وهو يقول:
لبث قليلا يدرك الهيجا حمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: وعليه درع قد خرجت منها أطرافه، فتخوفت على أطرافه، وكان من أطول الناس وأعظمهم. قالت: فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر فيهم عمر، وفيهم رجل عليه مغفر. فقال لي عمر: ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون تحوزا وبلاء. فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها. قالت: فرفع الرجل المغفر عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: ويحك، قد أكثرت وأين التحوز
стр. 552
والفرار إلا إلى الله؟ قالت: ويرمي سعدا رجل من قريش، يقال له ابن العرقة، بسهم، فقال: خذها، وأنا ابن العرقة. فأصاب أكحله. فدعا الله سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى تشفيني من قريظة. وكانوا مواليه وحلفاءه في الجاهلية. فرقأ كلمه وبعث الله الريح على المشركين. وساق الحديث بطوله. وفيه قالت: فانفجر كلمه وقد كان برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (١). ورجع إلى قبته. قالت: وحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. فإني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا - كما قال الله - تعالى - رحماء بينهم. قال: فقلت ما كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عيناه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته (٢).
وقال حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى سعد بن معاذ فأتي به محمولا على حمار وهو مضنى من جرحه، فقال له: أشر علي في هؤلاء. فقال: إني أعلم أن الله قد أمرك فيهم بأمر أنت فاعله. قال: أجل، ولكن أشر علي فيهم، فقال: لو وليت أمرهم قتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم وقسمت أموالهم. فقال: والذي نفسي بيده لقد أشرت علي فيهم بالذي أمرني الله به (٣).
وقال محمد بن سعد: أخبرنا خالد بن مخلد، قال: حدثني محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، سمع عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لما حكم سعد بن معاذ في قريظة أن يقتل من جرت عليه الموسى، قال رسول الله ﷺ : لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات (٤).
стр. 553
وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد، قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل من الأنصار، قال: لما قضى سعد في قريظة ثم رجع انفجر جرحه، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حجره، وسجي بثوب أبيض إذا مد على وجهه بدت رجلاه، وكان رجلا أبيض جسيما، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك وصدق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبل روحه بخير ما تقبلت روح رجل. فلما سمع سعد كلام رسول الله ﷺ فتح عينيه، فقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك رسول الله. قال: وأمه تبكي وتقول:
ويل أم سعد سعدا … حزامة وجدا
فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوها فغيرها من الشعراء أكذب.
وقال عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، قال: وكان النبي ﷺ إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره، فذكر القصة. وقال: فأسرع النبي ﷺ المشي إلى سعد، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله ﷺ إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدا … حزامة وجدا
فقال رسول الله ﷺ : كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به فقالوا: ما حملنا ميتا أخف منه. فقال النبي ﷺ : ما يمنعكم أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط، قد حملوه معكم.
وقال شعبة: أخبرني سماك بن حرب، قال سمعت عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله ﷺ على سعد بن معاذ وهو يكيد (١) بنفسه فقال: جزاك الله خيرا من سيد قوم، فقد أنجزت الله ما وعدته ولينجزنك الله ما وعدك.
стр. 554
وقال ابن نمير: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: بلغني أنه شهد سعدا سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض.
رواه غيره: عن عبيد الله، عن نافع، فقال: عن ابن عمر.
وقال شبابة: أخبرنا أبو معشر، عن المقبري، قال: لما دفن رسول الله ﷺ سعدا قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول (١).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عمرو، عن [محمد بن المنكدر، عن] (٢) محمد بن شرحبيل، أن رجلا أخذ قبضة من تراب قبر سعد يوم دفن، ففتحها بعد فإذا هي مسك.
وقال محمد بن موسى الفطري: أخبرنا معاذ بن رفاعة الزرقي قال: دفن سعد بن معاذ إلى أُسّ دار عقيل بن أبي طالب.
قال محمد بن عمرو بن علقمة: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ استيقظ فجاءه جبريل، أو قال: ملك فقال: من رجل من أمتك مات الليلة استبشر بموته أهل السماء؟ قال: لا أعلمه، إلا أن سعد بن معاذ أمسى قريبا (٣)، ما فعل سعد؟ قالوا: يا رسول الله قبض وجاء قومه فاحتملوه إلى دارهم. فصلى رسول الله ﷺ بالناس الصبح، ثم خرج وخرج الناس مشيا حتى إن شسوع نعالهم تقطع من أرجلهم وإن أرديتهم لتسقط من عواتقهم، فقال قائل: يا رسول الله قد بتت (٤) الناس مشيا قال: أخشى أن تسبقنا إليه الملائكة كما سبقتنا إلى حنظلة (٥).
شعبة: حدثنا سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ.
стр. 555
شعبة: حدثني أبو إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، قال: لما انفجر جرح سعد بن معاذ التزمه رسول الله ﷺ ، جعلت الدماء تسيل على النبي ﷺ ، فجاء أبو بكر فقال: واكسر ظهرناه، فقال: مه يا أبا بكر. ثم جاء عمر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
روى عقبة بن مكرم: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة، مرفوعا: لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد، وقد تقدم هذا، وما فيه صفية.
وليس هذا الضغط من عذاب القبر في شيء. بل هو من روعات المؤمن كنزع روحه، وكألمه من بكاء حميمه عليه، وكروعته من هجوم ملكي الامتحان عليه، وكروعته يوم الموقف وساعة ورود جهنم، ونحو ذلك. نسأل الله أن يؤمن روعاتنا.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: ما كان أحد أشد فقدا على المسلمين بعد رسول الله ﷺ وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ (١).
وقال الواقدي (٢): أخبرنا عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: كان سعد بن معاذ أبيض طوالا، جميلا، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية. فرمي يوم الخندق سنة خمس فمات منها، وهو ابن سبع وثلاثين سنة. ودفن بالبقيع.
وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال رسول الله ﷺ : اهتز عرش الله لموت سعد بن معاذ.
وقال عوف عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال رسول الله ﷺ : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن إسحاق ابن راشد، عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء بنت يزيد بن السكن، أن رسول
стр. 556
الله ﷺ قال لأم سعد بن معاذ: ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك بأن ابنك أول من ضحك الله له واهتز له العرش؟.
وقال يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لفعلت - يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتز له عرش الرحمن (١).
وقال محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعدا. قال: إنما يعني السرير. قال: ورفع أبويه على العرش قال: تفسخت أعواده. قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره فاحتبس، فلما خرج قيل له: يا رسول الله: ما حبسك؟ قال: ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله يكشف عنه (٢).
وقال الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ﷺ أتي بثوب حرير، فجعل أصحابه يتعجبون من لينه فقال: إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة ألين من هذا. متفق على صحته (٣).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عمرو، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: دخلت على أنس بن مالك - وكان واقد من أعظم الناس وأطولهم - فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. فقال: إنك بسعد لشبيه، ثم بكى فأكثر البكاء. ثم قال: يرحم الله سعدا، كان من أعظم الناس وأطولهم. ثم قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا إلى أكيدر دومة، فبعث إلى رسول الله ﷺ بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ ، فجعل الناس يمسحونها وينظرون إليها، فقال: أتعجبون من هذه الجبة؟ قالوا: يا رسول الله ما رأينا ثوبا قط أحسن منه، قال: فوالله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون (٤).
стр. 557
قلت: هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، ولقبه النبيت، ابن مالك بن الأوس - أخي الخزرج - وهما ابنا حارثة بن عمرو، ويدعى حارثة العنقاء، وإليه جماع الأوس والخزرج أنصار رسول الله ﷺ ، ويكنى سعد أبا عمرو، وأمه كبشة بنت رافع الأنصاري، من المبايعات. أسلم هو وأسيد بن الحضير على يد مصعب بن عمير. وكان مصعب قدم المدينة قبل العقبة الآخرة يدعو إلى الإسلام ويقرئ القرآن. فلما أسلم سعد لم يبق من بني عبد الأشهل - عشيرة سعد - أحد إلا أسلم يومئذ. ثم كان مصعب في دار سعد هو وأسعد بن زرارة،، يدعوان إلى الله. وكان سعد وأسعد ابني خالة. وآخى النبي ﷺ بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح. قاله ابن إسحاق (١).
وقال الواقدي عن عبد الله بن جعفر، عن سعد بن إبراهيم، وغيره: آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقاص (٢).
شهد سعد بدرا، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين ولى الناس.
وقال أبو نعيم: حدثنا إسماعيل بن مسلم العبدي، حدثنا أبو المتوكل، أن النبي ﷺ ذكر الحمى فقال: من كانت به فهي حظه من النار. فسألها سعد بن معاذ ربه، فلزمته فلم تفارقه حتى فارق الدنيا.
وكان لسعد من الولد: عمرو، وعبد الله، وأمهما: عمة أسيد بن الحضير هند بنت سماك من بني عبد الأشهل، صحابية. وكان تزوجها أوس بن معاذ أخو سعد - وقتل عبد الله بن عمرو بن سعد - يوم الحرة (٣).
وكان لعمرو من الولد: واقد بن عمرو، وجماعة قيل: إنهم تسعة.
وقتل عمرو أخو سعد بن معاذ يوم أحد، وقتل ابن أخيهما الحارث بن أوس يومئذ شابا. وقد شهدوا بدرا. والحارث أصابه السيف ليلة قتلوا كعب بن الأشرف، واحتمله أصحابه. وشهد بعد ذلك أحدا.
стр. 558
روى عن سعد بن معاذ: عبد الله بن مسعود، قصته بمكة مع أمية بن خلف، وذلك في صحيح البخاري (١).
وحصن بني قريظة على أميال من المدينة، حاصرهم النبي ﷺ خمسا وعشرين ليلة.
واستشهد من المسلمين: خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي، طرحت عليه رحى، فشدخته (٢).
ومات في مدة الحصار أبو سنان بن محصن، بدري مهاجري، وهو أخو عكاشة بن محصن الأسدي. شهد هو وابنه سنان بدرا. ودفن بمقبرة بني قريظة التي يتدافن بها من نزل دورهم من المسلمين. وعاش أربعين سنة. ومنهم من قال: بقي إلى أن بايع تحت الشجرة.
إسلام ابني سعية
وأسد بن عبيد
قال يونس بن بكير، وجرير بن حازم عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة أنه قال: هل تدري عم كان إسلام ثعلبة وأسد ابني سعية، وأسد بن عبيد، نفر من هدل، لم يكونوا من بني قريظة ولا نضير، كانوا فوق ذلك؟ قلت: لا. قال: إنه قدم علينا رجل من الشام يهودي، يقال له: ابن الهيبان، ما رأينا خيرا منه. فكنا نقول إذا احتبس المطر: استسق لنا. فيقول: لا والله، حتى تخرجوا صدقة صاعا من تمر أو مدا من شعير. فنفعل، فيخرج بنا إلى ظاهر حرتنا. فوالله ما يبرح مجلسه حتى تمر بنا الشعاب تسيل. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين. فلما حضرته الوفاة قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: أخرجني نبي
стр. 559
أتوقعه يبعث الآن فهذه البلدة مهاجره، وإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذرية، فلا يمنعنكم ذلك منه ولا تسبقن إليه. ثم مات.
زاد يونس بن بكير في حديثه: فلما كانت الليلة التي افتتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة، وكانوا شبانا أحداثا: يا معشر يهود، هذا الذي كان ذكر لكم ابن الهيبان. قالوا: ما هو؟ فقالوا: بلى - والله - إنه لهو بصفته. ثم نزلوا فأسلموا وخلوا أموالهم وأهلهم، وكانت في الحصن، فلما فتح رد ذلك عليهم (١).
стр. 560
سنة ست من الهجرة
قال البكائي، عن ابن إسحاق (١): ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وخرج في جمادى الأولى إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال. فقال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فهبط في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان. ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا. وراح قافلا.
غزوة ذي قرد (٢)
ثم قدم المدينة فأقام بها ليالي، فأغار عيينة بن حصن في خيل من غطفان على لقاح النبي ﷺ بالغابة (٣)، وفيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح.
وكان أول من نذر (٤) بهم سلمة بن الأكوع، غدا يريد الغابة ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرسه، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية من سلع، ثم صرخ: واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم. وجعل يردهم بنبله، فإذا وجهت الخيل نحوه هرب ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى. وبلغ رسول الله ﷺ ذلك فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيول إلى
стр. 561
رسول الله ﷺ : المقداد، وعباد بن بشر، وأسيد بن ظهير، وعكاشة بن محصن وغيرهم. فأمر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس. وقد قال رسول الله ﷺ فيما بلغني - لأبي عياش: لو أعطيت فرسك رجلا أفرس منك؟ فقلت: يا رسول الله أنا أفرس الناس. وضربت الفرس فوالله ما مشى بي إلا خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله ﷺ قال: لو أعطيته أفرس منك وجوابي له.
ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا، وكان أول من لحق القوم على رجليه. وتلاحق الفرسان في طلب القوم. فأول من أدركهم محرز بن نضلة الأسدي. فأدركهم ووقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا يا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المسلمين. فحمل عليه رجل منهم فقتله. ولم يقتل من المسلمين سواه.
قال عبد الملك بن هشام (١): وقتل يومئذ من المسلمين وقاص بن مجزز (٢) المدلجي.
وقال البكائي عن ابن إسحاق (٣): حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن مجززا إنما كان على فرس عكاشة يقال له الجناح، فقتل مجزز واستلب الجناح. ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة بن ربعي حبيب بن عيينة بن حصن، وغشاه ببرده، ثم لحق بالناس. وأقبل رسول الله ﷺ بالمسلمين، فاسترجعوا وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه.
وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار، كلاهما على بعير، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا. واستنقذوا بعض اللقاح.
وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل (٤) من ذي قرد، وتلاحق الناس، فنزل رسول الله ﷺ به، وأقام عليه يوما وليلة. وقال سلمة: يا رسول الله لو
стр. 562
سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون (١) في غطفان. فقسم رسول الله ﷺ في أصحابه، في كل مائة رجل، جزورا. وأقاموا عليها ثم رجعوا إلى المدينة.
قال: وانفلتت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله ﷺ حتى قدمت عليه، وقالت: إني نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي على بركة الله (٢).
قلت: هذه الغزوة تسمى غزوة الغابة، وتسمى غزوة ذي قرد.
وذكر ابن إسحاق وغيره: أنها كانت في سنة ست. وأخرج مسلم (٣) أنها كانت زمن الحديبية.
قال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا ورباح - غلام النبي ﷺ بظهر رسول الله ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أنديه (٤) مع الإبل. فلما كان بغلس، أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ ، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل. فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله الخبر. وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه. ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به. فجعلت أرميهم وأقول:
стр. 563
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلة رحله، فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع.
وكنت إذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز، حتى ما خلق الله شيئا من سرح النبي ﷺ إلا خلفته ورائي واستنقذته من أيديهم. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا مد الضحاء (١) أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم، وهم في ثنية ضيقة. ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء كان في أيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه مددا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فقام إلي أربعة فصعدوا في الجبل. فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني.
قال رجل منهم: إني أظن - يعني كما قال - فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وعلى إثره أبو قتادة، وعلى إثره المقداد. فولى المشركون. فأنزل من الجبل فأعترض الأخرم فآخذ عنان فرسه فقلت: يا أخرم انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقطعوك، فاتئد حتى يلحق النبي ﷺ وأصحابه فقال: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة (٢) وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة
стр. 564
به، فاختلفا طعنتين، فعقر بأبي قتادة، وقتله أبو قتادة، وتحول على فرس الأخرم. ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابي شيئا. ويعرضون قبل المغيب إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية، ثنية ذي تير (١)، وغربت الشمس، فألحق رجلا فأرميه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع. قال: فقال: يا ثكل أمي، أكوعي بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه، وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين فجبذتهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذو قرد، فإذا نبي الله ﷺ في خمس مائة، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة واحدة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر قال: أكنت فاعلا يا سلمة؟ قلت: نعم، والذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها وخرجوا هرابا.
فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعا. ثم أردفني وراءه على العضباء (٢) راجعين إلى المدينة.
فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من مسابق؟ وكرر ذلك. فقلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابقه. قال: إن شئت. قلت: اذهب إليك. فطفر عن راحلته، وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة. ثم إني ربطت عليه شرفا (٣) أو شرفين - يعني استبقيت نفسي - ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه
стр. 565
بيدي. قلت: سبقتك والله. فضحك وقال: إن (١) أظن حتى قدمنا إلى المدينة.
أخرجه مسلم عن شيخ، عن هاشم (٢).
قرأت على أبي الحسن علي بن عبد الغني الحراني بمصر، وعلى أبي الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية، وعلى أبي سعيد سنقر بن عبد الله بحلب، وعلى أحمد بن سليمان المقدسي بقاسيون، وأخبرنا محمد بن عبد السلام الفقيه، وأبو الغنائم بن محاسن، وعمر بن إبراهيم الأديب، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة.
(ح) وقرأت على أبي الحسين اليونيني، ومحمد بن هاشم العباسي، وإسماعيل بن عثمان الفقيه، ومحمد بن حازم، وعلي بن بقاء، وأحمد بن عبد الله بن عزيز، وخلق سواهم: أخبركم أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر ابن الزبيدي قالا: أخبرنا أبو الوقت السجزي، قال: أخبرنا أبو الحسن الداودي، قال أخبرنا أبو محمد بن حمويه، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة أنه أخبره قال: خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة، حتى إذا كنت بثنية الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، قلت: ويحك ما بك؟ قال: أخذت لقاح النبي ﷺ . قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة. فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه، يا صباحاه. ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها، فجعلت أرميهم وأقول:
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا. فأقبلت بها أسوقها، فلقيني النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش، وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في أثرهم فقال: يا ابن الأكوع ملكت فأسجح، إن القوم