← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رسول الله ﷺ : المقداد، وعباد بن بشر، وأسيد بن ظهير، وعكاشة بن محصن وغيرهم. فأمر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس. وقد قال رسول الله ﷺ فيما بلغني - لأبي عياش: لو أعطيت فرسك رجلا أفرس منك؟ فقلت: يا رسول الله أنا أفرس الناس. وضربت الفرس فوالله ما مشى بي إلا خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله ﷺ قال: لو أعطيته أفرس منك وجوابي له. ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا، وكان أول من لحق القوم على رجليه. وتلاحق الفرسان في طلب القوم. فأول من أدركهم محرز بن نضلة الأسدي. فأدركهم ووقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا يا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المسلمين. فحمل عليه رجل منهم فقتله. ولم يقتل من المسلمين سواه. قال عبد الملك بن هشام (١): وقتل يومئذ من المسلمين وقاص بن مجزز (٢) المدلجي. وقال البكائي عن ابن إسحاق (٣): حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن مجززا إنما كان على فرس عكاشة يقال له الجناح، فقتل مجزز واستلب الجناح. ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة بن ربعي حبيب بن عيينة بن حصن، وغشاه ببرده، ثم لحق بالناس. وأقبل رسول الله ﷺ بالمسلمين، فاسترجعوا وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ : ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه. وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار، كلاهما على بعير، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا. واستنقذوا بعض اللقاح. وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل (٤) من ذي قرد، وتلاحق الناس، فنزل رسول الله ﷺ به، وأقام عليه يوما وليلة. وقال سلمة: يا رسول الله لو

стр. 562

سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون (١) في غطفان. فقسم رسول الله ﷺ في أصحابه، في كل مائة رجل، جزورا. وأقاموا عليها ثم رجعوا إلى المدينة. قال: وانفلتت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله ﷺ حتى قدمت عليه، وقالت: إني نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي على بركة الله (٢). قلت: هذه الغزوة تسمى غزوة الغابة، وتسمى غزوة ذي قرد. وذكر ابن إسحاق وغيره: أنها كانت في سنة ست. وأخرج مسلم (٣) أنها كانت زمن الحديبية. قال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا ورباح - غلام النبي ﷺ بظهر رسول الله ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أنديه (٤) مع الإبل. فلما كان بغلس، أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ ، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل. فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة وأخبر رسول الله الخبر. وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه. ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به. فجعلت أرميهم وأقول:

стр. 563

أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلة رحله، فيقع سهمي في الرحل حتى انتظمت كتفه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع. وكنت إذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم فأرتجز، حتى ما خلق الله شيئا من سرح النبي ﷺ إلا خلفته ورائي واستنقذته من أيديهم. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا مد الضحاء (١) أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم، وهم في ثنية ضيقة. ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء كان في أيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه مددا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فقام إلي أربعة فصعدوا في الجبل. فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني. قال رجل منهم: إني أظن - يعني كما قال - فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وعلى إثره أبو قتادة، وعلى إثره المقداد. فولى المشركون. فأنزل من الجبل فأعترض الأخرم فآخذ عنان فرسه فقلت: يا أخرم انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقطعوك، فاتئد حتى يلحق النبي ﷺ وأصحابه فقال: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة (٢) وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة

стр. 564

به، فاختلفا طعنتين، فعقر بأبي قتادة، وقتله أبو قتادة، وتحول على فرس الأخرم. ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابي شيئا. ويعرضون قبل المغيب إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية، ثنية ذي تير (١)، وغربت الشمس، فألحق رجلا فأرميه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع. قال: فقال: يا ثكل أمي، أكوعي بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه، وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين فجبذتهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي جليتهم عنه ذو قرد، فإذا نبي الله ﷺ في خمس مائة، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة واحدة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر قال: أكنت فاعلا يا سلمة؟ قلت: نعم، والذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها وخرجوا هرابا. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة. وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعا. ثم أردفني وراءه على العضباء (٢) راجعين إلى المدينة. فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من مسابق؟ وكرر ذلك. فقلت له: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابقه. قال: إن شئت. قلت: اذهب إليك. فطفر عن راحلته، وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة. ثم إني ربطت عليه شرفا (٣) أو شرفين - يعني استبقيت نفسي - ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه

стр. 565

بيدي. قلت: سبقتك والله. فضحك وقال: إن (١) أظن حتى قدمنا إلى المدينة. أخرجه مسلم عن شيخ، عن هاشم (٢). قرأت على أبي الحسن علي بن عبد الغني الحراني بمصر، وعلى أبي الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية، وعلى أبي سعيد سنقر بن عبد الله بحلب، وعلى أحمد بن سليمان المقدسي بقاسيون، وأخبرنا محمد بن عبد السلام الفقيه، وأبو الغنائم بن محاسن، وعمر بن إبراهيم الأديب، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة. (ح) وقرأت على أبي الحسين اليونيني، ومحمد بن هاشم العباسي، وإسماعيل بن عثمان الفقيه، ومحمد بن حازم، وعلي بن بقاء، وأحمد بن عبد الله بن عزيز، وخلق سواهم: أخبركم أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر ابن الزبيدي قالا: أخبرنا أبو الوقت السجزي، قال: أخبرنا أبو الحسن الداودي، قال أخبرنا أبو محمد بن حمويه، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة أنه أخبره قال: خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة، حتى إذا كنت بثنية الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، قلت: ويحك ما بك؟ قال: أخذت لقاح النبي ﷺ . قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة. فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها: يا صباحاه، يا صباحاه. ثم اندفعت حتى ألقاهم وقد أخذوها، فجعلت أرميهم وأقول: أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا. فأقبلت بها أسوقها، فلقيني النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش، وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في أثرهم فقال: يا ابن الأكوع ملكت فأسجح، إن القوم

стр. 566

يقرون في قومهم (١). مقتل أبي رافع وهو سلام بن أبي الحقيق، وقيل: عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي، لعنه الله. قال البكائي، عن ابن إسحاق (٢): ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ . وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف. فاستأذنت الخزرج رسول الله ﷺ في قتل ابن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. وحدثني الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه غناء عن رسول الله ﷺ إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ وفي الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا. فتذاكروا من رجل لرسول الله ﷺ كابن الأشرف، فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر. فاستأذنوا رسول الله ﷺ ، فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج خمسة من بني سلمة: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة بن ربعي، وآخر (٣) حليف لهم. فأمر عليهم ابن عتيك، فخرجوا حتى قدموا خيبر، فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله، ثم قاموا

стр. 567

على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه، والله ما يدلنا عليه في سواد البيت إلا بياضه، كأنه قبطية (١) ملقاة. فلما صاحت علينا جعل الرجل منا يرفع سيفه عليها ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ عن قتل النساء، فيكف يده. فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وهو يقول: قطني قطني، أي حسبي. قال: وخرجنا، وكان ابن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة، فوثئت يده وثأ (٢) شديدا وحملناه حتى نأتي منهرا (٣) من عيونهم فندخل فيه. فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبون، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه. فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أنه هلك؟ فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدتها وفي يدها المصباح وحوله رجال وهي تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي فقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، ثم قالت: فاض (٤)، وإله يهود. فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلي منها. قال: ثم جاء فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه واختلفنا في قتله، فكلنا يدعيه. فقال: هاتوا أسيافكم. فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام والشراب. وقال زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بعث رسول الله ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم. أخرجه البخاري (٥).

стр. 568

وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع رجالا من الأنصار، عليهم عبد الله - يعني ابن عتيك - وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه. وكان في حصن له بأرض الحجاز. فلما دنوا وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق فمتلطف للبواب لعلي أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته. وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل لأغلق. فدخلت فكمنت، فأغلق الباب وعلق الأقاليد على ود (١)، فقمت ففتحت الباب. وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي (٢). فلما أن ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، وجعلت كلما فتحت بابا أغلقته علي من داخل، وقلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت. قلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغني شيئا، فصاح، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الضرب يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت صدر السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعلمت أني قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت - في ليلة مقمرة - فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست عند الباب. فقلت: لا أبرح الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا. فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع. فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء النجاء، فقد قتل الله أبا رافع. فانتهينا إلى النبي ﷺ وحدثناه فقال: ابسط رجلك. فبسطتها. فمسحها، فكأنما لم أشكها قط. أخرجه البخاري (٣).

стр. 569

وأخرجه أيضا (١) من حديث إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جده عن البراء بنحوه. وفيه: ثم انطلقت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر. وفيه: ثم جئت كأني أغيثه وغيرت صوتي، وقلت: مالك يا أبا رافع. قال: ألا أعجبك، دخل علي رجل فضربني بالسيف. قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله، ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، وإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه ثم أتكئ عليه حتى سمعت صوت العظم. ثم خرجت دهشا إلى السلم، فسقطت فاختلعت رجلي فعصبتها. ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية. فلما كان وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع. فقمت أمشي، ما بي قلبة (٢)، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة قال: كان سلام بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب يدعوهم إلى قتال رسول الله ﷺ ويجعل لهم الجعل العظيم. فبعث النبي ﷺ إليه جماعة فبيتوه ليلا (٣). وقال موسى بن عقبة في مغازيه: فطرقوا أبا رافع اليهودي بخيبر فقتلوه في بيته (٤).

стр. 570

قتل ابن نبيح الهذلي ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس السلمي إلى سفيان بن نبيح الهذلي ثم اللحياني، ليقتله وهو بعرنة وادي مكة (١). وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق (٢): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: إنه بلغني أن ابن نبيح الهذلي يجمع الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة، فأته فاقتله. قلت: يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه. قال: آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. فخرجت متوشحا سيفي، حتى دفعت إليه في ظعن يرتاد لهن منزلا وقت العصر. فلما رأيته وجدت له ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة. فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي إيماء. فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاء لذلك. قال: أجل نحن في ذلك. فمشيت معه حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه. فلما قدمت على رسول الله ﷺ قال: أفلح الوجه. قلت: قد قتلته يا رسول الله. قال: صدقت. ثم قام بي فدخل بي بيته فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك. فخرجت بها على الناس. فقالوا: ما هذه العصا؟ فقلت: أعطانيها رسول الله ﷺ ، وأمرني أن أمسكها عندي. قالوا: أفلا ترجع فتسأله فرجعت فسألته: لم أعطيتنيها يا رسول الله؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون (٣) يومئذ. قال: فقرنها

стр. 571

عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه، فدفنا جميعا. رواه عبد الوارث بن سعيد، عن ابن إسحاق فقال (١): إلى خالد بن سفيان الهذلي. وقال موسى بن عقبة: بعثه رسول الله ﷺ إلى سفيان بن عبد الله بن أبي نبيح الهذلي، والله أعلم (٢). غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع قال ابن إسحاق: غزا رسول الله ﷺ بني المصطلق من خزاعة، في شعبان سنة ست. كذا قال ابن إسحاق (٣). وقال ابن شهاب وعروة: هي في شعبان سنة خمس. وكذلك يروى عن قتادة. وقاله أيضا الواقدي (٤)، فقال: خرج رسول الله ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس، وقدم المدينة لهلال رمضان. قلت: وفيها حديث الإفك، وقد تقدم ذلك في سنة خمس. وهو الصحيح.

стр. 572

سرية نجد قيل: إنها كانت في المحرم سنة ست قال الليث بن سعد: حدثني سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ما عندك؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال: أطلقوه. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت يا ثمامة. قال: لا، ولكني أسلمت، فوالله لا يأتيكم من اليمامة حبة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . متفق عليه (١)، وأخرجه مسلم (٢) أيضا من حديث عبد الحميد بن جعفر عن المقبري، به. وخالفهما محمد بن إسحاق، فيما روى يونس بن بكير عنه (٣): حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: كان إسلام ثمامة بن أثال أن رسول الله ﷺ دعا الله حين عرض لرسول الله ﷺ بما عرض له وهو مشرك، فأراد

стр. 573

قتله، فأقبل معتمرا حتى دخل المدينة، فتحير فيها حتى أخذ، فأتي به رسول الله ﷺ ، فأمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد. وفيه: وإن تسأل مالا تعطه. قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: ما نصنع بدم ثمامة؟ والله لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دمه. قلت: وهذا يدل على أن إسلام ثمامة كان بعد إسلام أبي هريرة، وهو في سنة سبع. فذكر الحديث، وفيه: فانصرف من مكة إلى اليمامة، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام. وكانت اليمامة ريف مكة. قال: فأذن النبي ﷺ . وفيها: كان من السرايا - على ما زعم الواقدي - (١): قال: بعث رسول الله ﷺ في ربيع الأول أو الآخر عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر (٢). وفيهم ثابت بن أقرم وشجاع (٣) بن وهب. فأسرعوا، ونذر بهم القوم وهربوا. فنزل عكاشة على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعير، فساقوها إلى المدينة (٤). وقال: وفيها بعث سرية أبي عبيدة إلى (٥) القصة، في أربعين رجلا، فساروا ليلهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح. فأغار عليهم وأعجزهم هربا في الجبال. وأصابوا رجلا فأسلم. وبعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلا بالقوم. فقتل أصحاب محمد، وأفلت هو جريحا (٦).

стр. 574

قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم. فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم على مكان فأصابوا مواشي وأسراء، منهم زوجها. فوهبها النبي ﷺ نفسها وزوجها (١). وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الطرف، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا. فهربت الأعراب وخافوا، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا. وغاب أربع ليال (٢). وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص، في جمادى الأولى وأخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص، فاستجار بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته (٣). وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أقبل دحية الكلبي من عند قيصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كان بحسمى (٤)، فلقيه ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق وسلبوه. فجاء رسول الله ﷺ قبل أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيد بن حارثة إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى وكانت في جمادى الآخرة (٥). ثم سرية زيد إلى وادي القرى في رجب (٦). ثم قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة قال: خرج علي ﵁ في مائة إلى فدك إلى حي من بني سعد بن بكر. وذلك أن رسول الله ﷺ بلغه عنهم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر. فسار إليهم الليل وكمن النهار، وأصاب عينا فأقر له أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر (٧).

стр. 575

قال الواقدي (١): وذلك في شعبان. وكانت غزوة أم قرفة في رمضان سار إليها زيد بن حارثة لأنها كانت تؤذي النبي ﷺ ذكره الواقدي (٢). قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان. فقال له رسول الله ﷺ : إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم. فأسلم القوم، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ - والدة أبي سلمة - وكان أبوها ملكهم (٣). وفي شوال كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذي قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الإبل. فبعثه في عشرين فارسا وراءهم (٤). وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: إن رهطا من عكل وعرينة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنا أناس من أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وزاد، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا في ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا وهم كذلك. قال قتادة: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية. قال قتادة: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يحث في خطبته بعد ذلك على الصدقة وينهى عن المثلة. متفق عليه (٥). وفي بعض طرقه: من عكل، أو عرينة. ورواه شعبة، وهمام، وغيرهما، عن قتادة فقال: من عرينة، من غير شك.

стр. 576

وكذلك قال حميد، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وقال زهير: حدثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس: أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله ﷺ فبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم - وهو البرسام (١) - فقالوا: هذا الوجع قد وقع يا رسول الله، فلو أذنت لنا فرحنا إلى الإبل. قال: نعم، فاخرجوا وكونوا فيها. فخرجوا، فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل. وجاء الآخر وقد جرح، قال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم. فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم. أخرجه مسلم (٢). وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم رهط من عكل فأسلموا فاجتووا الأرض، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أتي بهم، فأمر بمسامير فأحميت لهم، فكواهم وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يحسمهم (٣) وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. أخرجه البخاري (٤). إسلام أبي العاص مبسوطا أسلم أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي العبشمي، ختن (٥) رسول الله ﷺ على ابنته زينب، أم أمامة، في وسط سنة ست. واسمه لقيط، قاله ابن معين والفلاس. وقال ابن سعد: اسمه مقسم وأمه هالة بنت خويلد خالة زوجته، فهما أبناء خالة. تزوج بها

стр. 577

قبل المبعث، فولدت له عليا فمات طفلا، وأمامة التي صلى النبي ﷺ وهو حاملها وهي التي تزوجها علي ﵁ بعد موت خالتها فاطمة ﵂ وكان أبو العاص يدعى جرو البطحاء، وأسر يوم بدر، وكانت زينب بمكة. قال يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فبعثت في فدائه بمال منه قلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها. فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة رق لها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا. ففعلوا. فأخذ عليه عهدا أن يخلي زينب إلى رسول الله ﷺ سرا (١). وقال ابن إسحاق (٢): فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب. وذلك بعد بدر بشهر. قال: وكان أبو العاص من رجال قريش المعدودين مالا وأمانة وتجارة. وكان الإسلام قد فرق بينه وبين زينب، إلا أن النبي ﷺ كان لا يقدر أن يفرق بينهما. قال يونس، عن ابن إسحاق (٣): حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا. وكانت معه بضائع لقريش. فأقبل قافلا فلقيته سرية للنبي ﷺ ، فاستاقوا عيره وهرب. وقدموا على رسول الله ﷺ بما أصابوا فقسمه بينهم. وأتى أبو العاص حتى دخل على زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من رسول الله ﷺ رد ماله عليه. فدعا رسول الله ﷺ السرية فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم. وقد أصبتم له مالا ولغيره مما كان معه، وهو فيء، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقكم: قالوا: بل نرده عليه، فردوا - والله - عليه ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالشنة، والرجل بالإداوة

стр. 578

وبالحبل. ثم خرج حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس بضائعهم. حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرا. فقال: أما والله ما منعنى أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوفت أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم. فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وأما موسى بن عقبة فذكر أن أموال أبي العاص إنما أخذها أبو بصير في الهدنة بعد هذا التاريخ (١). وقال ابن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: قدم أبو العاص من الشام ومعه أموال المشركين. وقد أسلمت امرأته زينب وهاجرت. فقيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال التي معك؟ فقال: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. فكفلت عنه امرأته أن يرجع فيؤدي إلى كل ذي حق حقه؛ فيرجع ويسلم. ففعل. وما فرق بينهما - يعني النبي ﷺ (٢). وقال ابن لهيعة عن موسى بن جبير الأنصاري، عن عراك بن مالك، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن زينب بنت رسول الله ﷺ أرسل إليها زوجها أبو العاص أن خذي لي أمانا من أبيك. فأطلعت رأسها من باب حجرتها، والنبي ﷺ في الصبح، فقالت: أيها الناس إني زينب بنت رسول الله، وإني قد أجرت أبا العاص. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة قال: أيها الناس إني لا علم لي بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنه يجير على الناس أدناهم. وقال ابن إسحاق (٣) عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رد النبي ﷺ ابنته على أبي العاص على النكاح الأول بعد ست سنين.

стр. 579

وقال حجاج بن أرطاة، عن محمد بن عبيد الله العرزمي - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ ردها بمهر جديد ونكاح جديد (١). قال الإمام أحمد (٢): هذا حديث ضعيف، والصحيح أن رسول الله ﷺ أقرهما على النكاح الأول. وقال ابن إسحاق (٣): ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة مسلما، فلم يشهد مع النبي ﷺ مشهدا. ثم قدم المدينة بعد ذلك، فتوفي في آخر سنة اثنتي عشرة، والله أعلم. سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم في شوال قيل إن سلام بن أبي الحقيق لما قتل، أمرت يهود عليهم أسير بن زارم (٤) فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ . فوجه رسول الله ﷺ ابن رواحة في ثلاثة نفر سرا، فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك. فقدم على رسول الله ﷺ فأخبره. فندب رسول الله ﷺ الناس فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم ابن رواحة. فقدموا على أسير فقالوا: نحن آمنون نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك. فقالوا: نعم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع في ذلك فخرج، وخرج معه ثلاثون من اليهود، مع كل رجل رديف من المسلمين. حتى إذا كانوا بقرقرة ثبار ندم أسير فقال

стр. 580

عبد الله بن أنيس - وكان في السرية -: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت: غدرا، أي عدو الله. فعل ذلك مرتين. فنزلت فسقت بالقوم حتى انفردت (١) إلى أسير فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه، فسقط وبيده مخرش (٢) فضربني فشجني مأمومة (٣)، وملنا إلى أصحابه فقتلناهم، وهرب منهم رجل. فقدمنا على رسول الله ﷺ فقال: لقد نجاكم الله من القوم الظالمين (٤). وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، (ح) وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن أنيس إلى بشير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، فذكر نحو ما تقدم، والله أعلم. قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم. وعروة في مغازيه، رواية أبي الأسود (٥). وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان. وكانت الحديبية في شوال (٦). وفي الصحيحين (٧) عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنسا

стр. 581

أخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته، عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها. أخرجه البخاري (١). وقال شعبة، عن عمرو بن مرة سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد بيعة الرضوان - قال: كنا يومئذ ألفا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم (٢). وعلقه البخاري في صحيحه (٣). وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه (٤). وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة. اتفقا عليه أيضا. وكأن جابرا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددا لم يعتبره. والعرب تفعل هذا كثيرا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة. ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرا قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال: يرحمه الله -، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة

стр. 582

مائة. أخرجه البخاري (١). وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ : أنتم خير أهل الأرض. اتفقا عليه من حديث ابن عيينة (٢). وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. صحيح (٣). وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا. وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه. والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري (٤): معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة (٥) الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ : أشيروا علي. أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعها

стр. 583

الله. أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: فروحوا إذا. قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش (١)، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل، فألحت (٢)، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء (٣). قال: فروحوا إذا. قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . قال المسور ومروان في حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد ب لغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - قال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا (٤)، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش (٥) لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (٦) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب

стр. 584

ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد (١) مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل (٢)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ : إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (٣)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (٤) أو لينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ . فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (٥) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا (٦) من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات. أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم

стр. 585

أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا (١). والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي ﷺ . فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.

стр. 586

قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ : قد سهل لكم من أمركم. قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب فقال رسول الله ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ : فأجره (١) لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: بلى، فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله -. فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺ

стр. 587

فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: بلى، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت. فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا (١). فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ ولا تمسكوا بعصم الكوافر. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا

стр. 588

فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ : قتل - والله - صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله (١). وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية - ثنية المرار - فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ : كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر. فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ . قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم (٢). وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة،

стр. 589

والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري (١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها. فقعد رسول الله ﷺ على جباها (٢)، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (٣). وقال البكائي: قال ابن إسحاق (٤): حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق (٥): وكان جابر بن عبد الله - فيما بلغني - يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ . فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟.

стр. 590

قال ابن هشام (١): أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشرة رجلا مِنْ بَنِي مَالِكٍ بنْ ثَقِيفٍ. فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وأصلح الأمر. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح (٢) وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله - تعالى - ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها (٣). وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها. قال ابن إسحاق (٤): فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من (٥) شعاب، فلما خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين - وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ : قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرايئل فلم يقولوها. قال عبد الملك بن هشام (٦): فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص (٧) في طريق تخرجه على ثنية المرار،

стр. 591

مهبط الحديبية من أسفل مكة فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس مائة: وذكر عطشا أصابهم، فأتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين (١). وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي قال: قال جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : هل في القوم من طهور؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ : على رسلكم، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: سبحان الله. ثم قال: أسبغوا الوضوء. فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون. رواه مسدد عنه (٢). وقال عكرمة بن عمار العجلي، حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزر كم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع

стр. 592

عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جرباننا (١). ثم قال نبي الله ﷺ : هل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة (٢)، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ : فرغ الوضوء. أخرجه مسلم (٣). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر (٤) فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ : ابسطوا أنطاعكم وعباءكم. ففعلوا. ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره. ودعا لهم ثم قال: قربوا أوعيتكم. فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير (٥). وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم (٦). مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتي بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.

стр. 593

متفق عليه (١). وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه (٢). وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري (٣). وجاء أنهم كانوا بقباء. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون. فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة. أخرجه مسلم (٤)، والبخاري أيضا بمعناه (٥)، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ : لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا. عبد الرحمن ضعيف (٦). وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة.

стр. 594

وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ . فقال: حي على الطهور المبارك والبركة من السماء (١). حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (٢). وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد (٣). وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ . قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبينا هم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة. وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن

стр. 595

روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخْرُجوا على اسم الله فبايعوا، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون - وهم بالحديبية بل أن يرجع عثمان بن عفان -: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون. قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا. فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت (١). وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٢): فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال - حين بلغه أن عثمان قد قتل -: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٣): حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيا. ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان، ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ ، وقد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. وقال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك - وليس بالقوي قاله النسائي (٤) - عن قتادة، عن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺ

стр. 596

ببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ : إن عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير. وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة. وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (١). وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (٢). وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ : علام تبايعني؟ قال: على ما في نفسك (٣). وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللفظ له - عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضا. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق

стр. 597

عليه (١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: بايعني يا سلمة. فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: وأيضا. قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: وأيضا. فبايعت الثالثة. فقال: يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد (٣)، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . وجاء عمي عامر برجل من العبلات (٤) يقال له: مكرز، يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه. فعفا عنهم

стр. 598

رسول الله ﷺ ، وأنزلت: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية. أخرجه مسلم (١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية، أخرجه مسلم (٢). وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر. فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ ، فقال - يعني عمر - يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري (٣) فقال: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (٤). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخل

стр. 599

النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد. قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: وإن منكم إلا واردها، فقال: قد قال - تعالى -: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا. أخرجه مسلم (١). قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد ابن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد لله قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار. أخرجه النسائي (٢). وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ : كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية (٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٤)، حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو، قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما

стр. 600

عشر سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث (١). الاسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: امحه. فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح - يعني السيف بقرابه - متفق عليه (٢). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁. فقال رسول الله ﷺ : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (٤).
следующие страницы →