← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه الطبعة • أول نشرة علمية كاملة لهذا الكتاب العظيم حققها العلامة المتخصص بالإمام الذهبي الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف على عشر مجلدات بخط المصنف محفوظة بمكتبة أياصوفيا بإستانبول، ونسخ أخرى من إستانبول، وبغداد، ودمشق، وحلب، والرياض، والقاهرة، والرباط، وباريس، ولندن، وأكسفورد، وكيمبرج، وليدن، وكوتا، وتونس. • توثيق النص بالإشارة إلى موارد الكتاب وتتبعها والعزو إلى تلك الموارد، ومقابلة نص الذهبي بالموارد التي اقتبس منها سواء أشار إليها أم لم يشر. • تفصيل النص بما يظهر معانيه ودلالاته، ومواطن انتهاء الاقتباس، وضبطه بالحركات استنادًا إلى المصادر المتخصصة في كل فن من فنونه. • تخريج أحاديث الكتاب والحكم عليها تصحيحًا أو تضعيفًا وبيان عللها الظاهرة والخفية. • نقد النص وبيان ما وقع فيه المؤلف من أوهام. • عمل أنواع الفهارس التي تيسر الإفادة من الكتاب على أحسن وجه. • كتابة مقدمة ضافية في صدر المجلد الأول تناول فيها المحقق سيرة الذهبي ومنهجه في هذا الكتاب، ووصفَ نسخَه الخطية بما فيها نسخة المؤلف التي كتبها بخطه. أما "درس التحقيق"، وهي دراسة مفصلة لأصول التحقيق العلمي، والمنهج الذي انتهجه المحقق في تحقيق هذا الكتاب، وبيان ما وقع في الطبعات السابقة من نقص كبير، وسقط كثير، وتحريف وتصحيف، ومخالفة لأصول هذا العلم فسيصدر في مجلد مستقل عن هذه الدار نظرًا لظروف المحقق الطارئة. الناشر

стр. 2

مُقدّمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، نَحْمَدُهُ ونَستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن أسوتنا وإمامنا وقدوتنا وشفيعنا محمدًا عبدُهُ ورسولُه، بعثه الله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كُلِّه ولو كره المشركون، فبلَّغَ الرسالةَ، وأتم به اللهُ النِّعمةَ فرضي لنا الإسلام دينًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد، فهذه مُقَدِّمةٌ وجيزةٌ نافعةٌ - وأعوذ باللهِ مما لا ينفع - في سيرةِ إمام المُؤرخينَ شمس الدين أبي عبد الله الذَّهبيِّ، وكتابه العظيمِ الماتع الغزيرِ العَلم "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، جعلتها في ثلاثَة أبواب؛ أولها: في سيرته، وثانيها: في منهجه في كتابة "تاريخ الإسلام"، والثالث: في وصف النُّسخ الخطية التي اعتمدناها، والمنهج الذي انتهجناه في تحقيقه، لِتُجْنَى فوائدُه على أحسن الوجوه، وتُرْتَجَى عوائِدُهُ على أفضل ما يمكنُ لِمِثْلِ هذا الكتابِ الضخم الفخم المُتَنَوِّعِ في مادته الوسيع في مدته.

стр. 3

ثم أتبعته بدراسة موسعة أطلقت عليها "درس التحقيق" تناولت فيها أصول هذا العلم الجليل وما يتعين اتباعه لإخراج النصوص المحققة على أحسن وجه، مبينًا بالأمثلة الكثيرة الموضحة والأدلة الغزيرة ما وقع فيما طبع منه قبل طبعتنا المحققة هذه من مخالفة لأصول هذا المنهج في كل مفصل من مفاصله بحيث صار الاعتماد على مثل تلك الطبعات مخاطرة لا ينبغي لطالب العلم إلا أن يتجنبها حفاظًا على المنهج العلمي الرصين. فالحمد للّه على ما أنعم وتفضل بإتمام تحقيق هذا السفر النفيس الذي ابتدأت في العناية به منذ نَيِّف وثلاثين عامًا، فصورت جل نسخه المحفوظة في خزائن الكتب العالمية. ثم توجت تلك العناية وذلك الاهتمام بأن اخترته موضوعًا لدراسة موسعة نلت بها رتبة الدكتوراه وطبعت بالقاهرة سنة ١٩٧٦ وصفها العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀ بأنها خير دراسة وقف عليها للمعاصرين. وقد بذلت في تحقيقه الوسع واستنفدت الجهد من إتمام جمع نسخه الخطية والمقابلة بينها، والإشارة إلى مناجم الكتاب والتعليق عليه بفرائد الفوائد كلما وجدت لذلك ضرورة وأهمية متجنبًا الحشو الذي نفعه قليل وضرره وبيل، حتى ظهر بهذه الهيئة العلمية الفائقة والصفة البارعة النافعة التي تسر كل محب لتراث هذه الأمة حريص عليه. وتعد هذه النشرة المحققة أول نشرة علمية كاملة لهذا الكتاب العظيم، ذلك أن جميع ما طبع من الكتاب قبل هذه الطبعة يعتريه نقص كثير وسقط لمئات عديدة من التراجم حيث اعتمد الناشرون السابقون أجزاء مختصرة له في كثير من المواضع ولطبقات كاملة، فاختلطت الأصول بالمختصرات، ولم يقف أي منهم على نسخة المؤلف التي كتبها بخطه، بل ولا على نسخ صحيحة معتمدة من نسخه الكثيرة في العالم فسقطت آلاف النصوص، وتحرفت وتصحفت عشرات الألوف من الألفاظ بسبب مخالفة أصول هذا العلم. ومن نعم اللّه عليّ وعميم إحسانه إليَّ أن وفقني اللّه إلى أن أقف على نصف الكتاب تقريبًا بخط مؤلفه الذهبي، وعلى جل النسخ الخطية التي حوتها خزائن الكتب العالمية ما بين مشرق للشمس ومغيب.

стр. 4

وكان من المفروض أن يخرج هذا الكتاب النفيس قبل هذا اليوم بسنين، ولكن مَرَّت عليَّ وأنا أعمل فيه سنون جدبات، اللّه وحده بها عليم، قاسينا فيها ما نحتسبه عند ذي الآلاء والنعم. ثم شاء اللّه، ولا راد لمشيئته، أن يمتحنني حين قبض إليه عبده الصالح أخي "رعد عواد، أبا حيدر" قبل تسع من السنين وهو في زهرة شبابه وقوته. وقد كان - رحمة اللّه عليه - لسنوات طوال قد حمل عني أعباء الحياة ومتابعة شؤوني الدنيوية، فاجتمعت عليَّ بفقده هموم الدنيا وأعباؤها، ووجدت مس الحق في فقده، فأي حزن بقي لي بفنائه، وعجبت من غفلتي وغفلته واستذكرت قول المحدث الثقة الفاضل حِبَّان بن علي العَنَزي في أخيه مِنْدَل، وكان اسمه عمرو: عجبًا يا عَمْرو من غفلتنا … والمنايا مقبلات عَنَقا قاصداتٌ نحونا مسرعةٌ … يتخللن إلينا الطُّرقا فإذا أذكر فقدان أخي … أتقلب في فراشي أرقا وأخي وأيُّ أخ مثل أخي … قد جرى في كُلِّ خيرٍ سَبَقا (١) اللهم أَظِلَّنا وأظِلَّهُ في ظلك يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّكَ، وأعني بحولك وقوتك، وقوِّ قلبي على تحمل هذه الأعباء، بيدك النعماء وإليك الرَّغباء، وارحمني وارحمه برحمتك التي وسعت كل شيء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتب أفقر العباد بشار بن عواد _________ (١) تاريخ مدينة السلام للخطيب ١٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧، وتاريخ الإسلام ط ١٧/ الترجمة ٣٩٩.

стр. 5

الباب الأول سيرة الذهبي ومنزلته العلمية

стр. 6

الفصل الأول سيرة الذهبي أولًا: دراسة تحليلية لموارد سيرة الذهبي: تناولَ الذهبيَّ جملة كبيرةٌ من المؤرخين فترجموا له تراجم تختلف طُولًا وقِصَرًا، وتتباينُ في نوعية المعلومات التي تقدِّمُها استنادًا إلى اختلافِ مشاربهم وتنوعِ ثقافاتهم واهتماماتِهم وأمزجتِهم. ونجد بينَهُم رِفاقًا له في طَلَبِ العلم وتلامذةً، وتلامذةً لتلامذتِه وهلم جرًا إلى أزمنةٍ متأخرةٍ. وقد ترجم له من معاصريه رفيقه علمُ الدين البِرْزاليُّ (١) "ت ٧٣٩ هـ"، وابنُ الوَرْدِي (٢) "ت ٧٤٩ هـ"، والصَّفَدِيُّ (٣) "ت ٧٦٤ هـ"، وابنُ شاكر الكُتبِيُّ (٤) "ت ٧٦٤ هـ"، وشمس الدين الحُسينيُّ (٥) "ت ٧٦٥ هـ"، والإسنويُّ (٦) "ت ٧٧٤ هـ"، والسبكيُّ (٧) "ت ٧٧١ هـ"، وبدر الدين النابلسيُّ (٨) "ت ٧٧٢ هـ"، _________ (١) في معجم شيوخه. وهذا المعجم في عداد المفقودات في عالم المخطوطات العربية، لكن ترجمة الذهبي فيه منقوله في كتاب "رونق الألفاظ" لسبط ابن حجر، و"المنهل الصافي" لابن تغري بردي وغيرهما. (٢) تتمة المختصر، ج ٢ ص ٣٤٩. (٣) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ - ١٦٨، ونَكْت الهميان، ص ٢٤١ - ٢٤٤. (٤) فوات الوفيات: ج ٢ ص ١٨٣، وعيون التواريخ، الورقة ٨٦ - ٨٨ (كيمبرج ٢٩٢٣). (٥) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤ - ٣٨، والذيل على العبر، ص ٢٦٧ - ٢٦٩. (٦) طبقات الشافعية، ج ١ ص ٥٥٨ - ٥٥٩ (ط. الجبوري). (٧) طبقات الشافعية الكبرى، ج ٩ ص ١٠٠ - ١١٦ (من الطبعة الجديدة بعناية صديقينا العالمين الطناحي والحلو رحمهما الله)، وطبقات الشافعية الوسطى (دار الكتب ٥٥٤ تاريخ) وفيها زيادات عما في الطبقات الكبرى، ومعيد النعم، ص ٨٤، ٨٧، ومعجم الشيوخ (التيمورية ١٤٤٦ تاريخ). (٨) معجم الشيوخ، ولم أقف عليه، وقد وقف عليه ابن حجر بخطه (الدرر، ج ٢ ص ١٢٢) ونقل ترجمة الذهبي منه (الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧)، وكان الذهبي قد ذكره في معجمه المختص في حرف النون ٢٨٧.

стр. 7

وابنُ كثير (١) "ت ٧٧٤ هـ"، وابن رافعٍ السلامي (٢) "ت ٧٧٤ هـ"، وبدر الدين الزركشي (٣) "ت ٧٩٤ هـ". وليس في هذه التراجم من اختلافٍ كبير، إلا أن ترجمتي الصفدي والسبكي كانتا من أكثرِ التراجمِ فائدةً لنا؛ فقد قدم لنا الصفدي رأيهُ الشخصي في تقويم الذهبي وتخلُّصِه من الجمود، ونقلَ تقويمًا لكمال الدين ابن الزملكاني "ت ٧٢٧ هـ" لكتابه "تاريخ الإسلام" بعد أنْ أنهاه مطالعة. كما أشار في مقدمة كتابه "الوافي "إلى أن عمدته في تأليف كتابه كان على كتاب "تاريخ الإسلام" للذهبي (٤). أما السبكي فإنه الوحيدُ الذي انتقد الذهبيَّ في كتابه "تاريخ الإسلام" انتقادًا مرًا، كما نقل نقدًا لتلميذه صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي "ت ٧٦١ هـ". وأشار إلى العلاقة التي تربط بين كُلٍّ من المزيِّ والبرزالي وابن تيمية والذهبي وميلهم إلى آراء الحنابلة. وقدم السبكيّ في كل الذي كتبه تقويمًا أشعريًا للذهبي. أما الذين ترجموا له بعد عصره فهم: ابنُ دقماق (٥) "ت ٨٠٩ هـ"، وابنُ الجزريِّ (٦) "ت ٨٣٣ هـ"، وابن ناصر الدين الدمشقي (٧) "ت ٨٤٢ هـ"، وابن قاضي شهبة (٨) "ت ٨٥١ هـ"، وابن حجر العسقلاني (٩) "ت ٨٥٢ هـ"، وبدر الدين العيني (١٠) "ت ٨٥٥ هـ"، وابن تغري بردي (١١) "ت ٨٧٤ هـ"، وسبط ابن _________ (١) البداية والنهاية، ج ١٤ ص ٢٢٥، وطبقات الشافعية (نسخة الرباط ٢١٩ ك). (٢) كتاب الوفيات ٢/ ٥٥ - ٥٦، ومعجم شيوخه الذي لم يصل إلينا، إلا أن سبط ابن حجر نقل ترجمة الذهبي منه في كتابه "رونق الألفاظ". (٣) عقود الجمان، الورقة ٧٩ (نسخة مكتبة فاتح بإستانبول رقم ٢٤٣٥). (٤) الوافي، ج ١ ص ٥٠ - ٥١. (٥) ترجمان الزمان، الورقة ٩٨ - ٩٩ (أحمد الثالث ٢٩٢٧). (٦) غاية النهاية، ج ٢ ص ٧١. (٧) التبيان، الورقة ١٦٦، ومقدمة توضيح المشتبه ١/ ١١٥، والرد الوافر، ص ٣١ - ٣٦. (٨) طبقات الشافعية، ٣/ ٢٠٨، والإعلام بتاريخ أهل الإسلام، م ١ الورقة ٩٠ (باريس ١٣٩٨ عربي). (٩) الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦ - ٤٢٧. (١٠) عقد الجمان، الورقة ٣٧ (أحمد الثالث ٢٩١١). (١١) المنهل الصافي، الورقة ٦٩ - ٧٢ (أحمد الثالث ٣٠١٨)، والنجوم الزاهرة ج ١٠ ص ١٨٢ - ١٨٣، والدليل الشافي، الورقة ٩٦ (نسخة مكتبة قره جلبي باستانبول رقم ٢٦٦).

стр. 8

حجر (١) "٨٩٩ هـ"، والسخاوي (٢) "ت ٩٠٢ هـ"، ويوسف بن عبد الهادي (٣) "ت ٩٠٩ هـ"، والسيوطي (٤) "ت ٩١١ هـ"، والنعيمي (٥) "ت ٩٢٧ هـ"، وابن الحريري (٦) "ت بعد ٩٢٦ هـ"، وابن طولون (٧) "ت ٩٥٣ هـ"، وطاش كبري زادة (٨) "ت ٩٦٧ هـ"، وابن هداية اللّه المصنف (٩) "ت ١٠١٤ هـ"، وابن العماد الحنبلي (١٠) "ت ١٠٨٩ هـ"، والبغدادي (١١) "ت ١٠٩٣ هـ"، والشوكاني (١٢) "ت ١٢٥٠ هـ"، والقنوجي (١٣) "ت ١٣٠٧ هـ"، والكتاني (١٤). وتُقَدِّمُ تراجمُ المتأخِّرينَ نُقولًا جيدة عن بعض معاصريه مما لم يصل إلينا. ونحن نعلم أنَّ الذهبيَّ خلف عددًا كبيرًا من التلاميذِ النُّجب من متعيني رواة القرن الثامن الهجري، وكان لكثيرٍ من هؤلاء مشيخات أو معجمات لشيوخهم (١٥). فكانت هذه المادة هي المعين لما كتبه المتأخرون عن الذهبي. إضافة إلى أن هذه التراجمَ تمثلُ رأيَ أجيال العلماء في الذهبي وتقدير علمه وكتبه. _________ (١) رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠ - ١٨٣ (مصورة معهد المخطوطات رقم ١٠٨٧ تاريخ). (٢) وجيز الكلام، ١/ ٣١ بتحقيقنا والإعلان (في غير موضع منه فراجع فهرسته). (٣) معجم الشافعية، الورقة ٢٥ - ٢٦ (ظاهرية ٤٥٥١ عام). (٤) طبقات الحفاظ، الورقة ٨٤ - ٨٥ (نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية رقم ٨٢٢ ب). (٥) تنبيه الدارس، ج ١ ص ٧٨ وراجع فهرس الجزء الثاني أيضًا. (٦) منتخب الزمان، الورقة ٢٠٧ - ٢٠٨ (مصورة التيمورية ٢٤٠٥). (٧) القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، ص ٣٢٨ (دمشق ١٩٤٩). (٨) مفتاح السعادة، ج ١ ص ٢٦١، ج ٢ ص ٣٥٨ - ٣٥٩. (٩) طبقات الشافعية، ص ٢٣٢ (بيروت ١٩٧١). (١٠) شذرات الذهب، ج ٦ ص ١٥٣. (١١) تراجم العلماء، الورقة ٦٩ - ٧٠ (رئيس الكتاب بإستانبول، رقم ٦٢٧). (١٢) البدر الطالع، ج ٢ ص ١١٠ - ١١٢. (١٣) التاج المكلل، ص ٤١١ - ٤١٢. (١٤) فهرس الفهارس، ج ١ ص ٣١٢ - ٣١٤ (فاس ١٣٤٦ هـ). (١٥) كان القرن الثامن مشحونًا بكثرة المشيخات، يعرف ذلك من يقرأ كتاب الدرر لابن حجر وغيره من الكتب المؤلفة في رجال هذه الفترة. وانظر أيضًا: السخاوي: الإعلان ص ٦٠٥ فما بعد، والذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١١، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٣٥، ٣٧، ٤١، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٤، ٧٥، ٧٦، ٧٩، ٨٠، ٨٤، ٨٨، م ٢ ورقة ١، ٣، ١٠، ١١، ١٥، ١٧، ٢٠، ٢٥، ٤٥، ٤٨، ٥٢، ٥٤، ٥٦، ٦٠، ٦٢، ٦٣، ٧٠، ٧١، ٧٧، ٨٣، ٨٦، ٨٩، ١٠٠.

стр. 9

على أن هذه التراجم كانت متفاوتةً في قيمتها، فقد نقلها قسمٌ منهم عن المتقدمين المعروفين لنا فلم نفد منها كثيرًا. أما القسم الآخر فكان مفيدًا؛ فقد كان ابنُ الجزريِّ هو الوحيد الذي ترجم للذهبي باعتباره أستاذًا في القراءات وأشار إلى أنه سلخ كتابه "طبقات القراء" وأدخله في كتابه "غاية النهاية". أما ابنُ ناصر الدين وابن قاضي شهبة وابن حجر فهم من الذين اتَّصَلُوِا بكتبِ الذهبي؛ فقد شرح ابنُ ناصر الدين كتابَ "المشتبه" للذهبي، ونَظمَ كتابه "تذكرة الحفاظ". ولخص ابن قاضي شهبة "تاريخ الإسلام". وكان لابن حجر اتصالٌ قويٌّ بكثيرٍ من مؤلفات الذهبي، وهو من أعظم النقاد في القرن التاسع الهجري، ولذلك فإن رأيه في الذهبي له قيمته العلمية، أما ابن تغري بردي وسبط ابن حجر فهما أكثر من عني بذكر مؤلفات الذهبي وآثاره؛ ففي الوقت الذي ذكر فيه السبكي (٢٤) مؤلفًا، والصفدي (٣٨) مؤلفًا، وهما من أكثرِ الناس اتصالًا به ذكر لنا ابن تغري بردي وسبط ابن حجر قرابة المئة أثر بين مختصرٍ وتأليفٍ وتخريج. أما كتاب "الإعلان" للسخاوي فقد كان من أحسنِ المصادر المتأخرة، وقد انفرد بعدة أمورٍ لم نجدها في غيره من الكتب، فهو الوحيدُ الذي نقل إلينا خطة الذهبي لتاريخه "المحيط" الذي لم يؤلفه وقد أفادتنا هذه الخطة كثيرًا في تَفَهُّم مفهومِ التاريخ عند الذهبي ومدى التصاقه بالتراجم، بل إنَّ السخاويَّ بنى أصلَ كتابهِ على خطة الذهبي هذه بعد أنْ أضافَ إليها. وقد أشار السخاويُّ إلى نقدِ السبكي وابن المرابط للذهبي ونقل أقوالهما ورَدَّ عليها وفَنَّدها ونقلَ آراء العلماء فيها، كما شاهد خط ابن بصخان المقرئ على الصفحة التي ترجم له الذهبي فيها وكيف أقْذَعَ في الكلام على الذهبي بسبب كلام الذهبيِّ فيه. وقد انفرد السخاويُّ بذكر بعض آثار الذهبي، بل نقل كتيبًا صغيرًا له في كتابه هو "الأمصار ذوات الآثار"، وهو الوحيدُ الذي أشار إلى رسالة الذهبيِّ إلى ابن تيميةَ مما وثق نسبتها إليه لاسيما وقد شَكَّ فيها غيرُ واحدٍ، ثم قدم لنا السخاويُّ تقويمًا لكتب الذهبي في نهاية القرن الثامن الهجري. والسخاوي بعد ذلك من كبار علماء التاريخ امتاز بمنهجٍ على درجةٍ كبيرة من الرُّقيِّ، فأقواله لها قيمتها.

стр. 10

وكتبَ عن الذهبيِّ من المحدثين العرب حسام الدين القدسي (١)، والأستاذ سعيد الأفغاني (٢)، وشيخنا الدكتور مصطفى جواد (٣)، والدكتور صلاح الدين المنجد (٤)، وغيرهم (٥). وكتب عنه من المستشرقين: شبيز (٦)، وبروكلمان (٧)، وسوموجي (٨). وليس في هذه الكتابات الحديثة أكثر من تلخيص لما هو شائعٌ في المصادر، إلا أن ما كتبه الدكتور المنجد يعد جيدًا بسبب اعتمادِه على معجم شيوخ الذهبي وإنْ كان فيما كتبه بعض الأوهام، وقد أفَدنا منها. وكتبتُ أنا سيرة موجزةً لحياتِه في مقدمة كتابه "أهل المئة فصاعدًا" (٩)، وفيها بعض الأوهام أيضًا، ثم كتبت في سنة ١٩٧٥ م كتابي "الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام" الذي طبع في القاهرة في مطلع سنة ١٩٧٦ م والذي نال بحمدِ اللّه تعالى ومَنِّهِ ثناءَ أهلِ العلم عليه. وقد عنينا عند تأليفنا لكتابنا المذكور العناية التامة بمؤلفات الذهبي، لإيماننا بأنَّ من أكثر الينابيع صفاءً وأعلاها ثقةً في تدوين سير العلماء هو دراسة ما خَلَّفَهُ صاحبُ السيرة من تراث كتابي، لا سيما إذا كان العالمُ ظاهرَ الشخصيةِ في كتبه من جهة، وإذا كان قد تناول عصره الذي عاشَ فيه وشاهده من جهة أخرى. ومن هنا كان استيعابُنَا لمؤلفاتِ الذهبيِّ على غايةٍ من الأهمية في استنباط أحداثِ سيرته العلمية؛ وآية ذلك أن الذهبيَّ ترك لنا ثروةً ضخمة من _________ (١) مقدمة الجزء الأول من تاريخ الإسلام، ج ١ ص ٣ - ١٢. (٢) مقدمة سيرة ابن حزم (مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، م ١٦ ج ٩ ص ٣٨٧ - ٣٩٨). (٣) مقدمة المختصر المحتاج إليه، ج ١ ص ١٤ - ١٦. (٤) دائرة المعارف الإسلامية، مادة "الذهبي" من الترجمة العربية. (٥) كتب معظم محققي وناشري كتب الذهبي ترجمة لحياته في مقدمات هذه الكتب وليس فيها جديد. (٦) spies، O.: Beitrage Zur arabaischen، Leteraturgeschichte ١١٢ (Leipziq ١٩٣٢). (٧) Brockelmann، D.: Geschichte der Arabischen، Leteratur، Bannd ٢ p. ٥٧ - ٦٠. (٨) Somogyi: Dhahabi، in Ency. OF Islam (New ed). (٩) مجلة المورد، العدد الرابع من المجلد الثاني، ص ١٠٧ - ١١٣. منه نسخة بدار الكتب المصرية، برقم (٦٥ حديث) وصورت لنفسي نسخة منه.

стр. 11

الكتابات. وقد ظهرتْ شخصيتُه على أشدها في الأقسام الأخيرة من كتبه، وبخاصة تاريخ الإسلام، وتذكرة الحُفَّاظ، وسيرِ أعلامِ النبلاء، ومعرفة القُرَّاء الكبار وغيرها. يضاف إلى أن ما وصلَ إلينا من كتابات للذهبي في الحديث والتاريخ والعقائد، يُوضِّحُ جوانبَ غير معروفة من سيرته، فكان أنْ جمعنا ما تَناثَر منها في ثنايا كتبه من نصوص أفادتنا في دراسة سيرته مدققين تلكم النصوص ومقارنينَ إياها بما حَفِظَتْهُ لنا كُتبُ التراجم على مَر العصور. فضلًا عن أن الإمامَ الذهبيَّ ترك لنا ثلاثة معجمات لشيوخه: المعجم الكبير، والمعجم الأوسط، والمعجم الصغير، وقد وصل إلينا معجمه الكبير (١)، ومعجمه الصغير (٢). ومعلومٌ أنَّ أيَّ معجم للشيوخ يمثلُ في حقيقته سجلًا أمينًا لتطور سيرةِ صاحبهِ العلمية، وقائمة بشيوخه الذين كان على اتصالٍ وثيقٍ بهم بحُكْم رؤيتِه لهم واتِّصالهِ بهم وتَتَلْمُذِه عليهم، ومن ثَمَّ فإن دراسته تؤدي بالباحَث إلى تَلَمُّس الطريق الذي اتخذته دراساته ولقاؤه المشايخ وما أَخَذَ عنهم، وأسماء الكتب والأجزاء التي سمعها منهم مما يشيرُ إلى نوعيةِ اهتمامِه واتجاهاته العلمية، ولذلك فإنها تُعَدُّ من أنفس المصادرِ والمنابع التي يستقي منها الباحثون الكاتبون في سير العلماء، فضَلًا عن أنها تكون المادة الرئيسة لمؤلفي كتب التراجم والرجال خاصة أولئك الذين لم يدركوا عصرَ المؤلف، وإن لم يشيروا إلى ذلك دائمًا (٣). وقد عنيتُ عنايةً كبيرةً بمعجمه الكبير ودرستُه بإمعانٍ ورويَّةٍ، وتَحصَّلَتْ _________ (١) سيأتي الكلام عليه مفصلًا بعد قليل. (٢) منه نسخة بدار الكتب الظاهرية برقم (١٢ مجموع) ويسمى "المعجم اللطيف" أيضًا وهو من تخريج الذهبي نفسه. (٣) انظر بحثنا: "معاجم الشيوخ والمشيخات وأهميتها في دراسة التاريخ الإسلامي" مجلة الأقلام البغدادية ج ٧ السنة الخامسة (١٩٦٩) ص ٦١ فما بعد، ودراستنا عن ابن الدبيثي في المجلة التاريخية (العدد الثالث ص ١١ - ١٢)، ومقدمتنا لـ "مشيخة النعال البغدادي" ص ٥ فما بعد (مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد ١٩٧٥ م بالاشتراك مع عمي العلامة الدكتور ناجي معروف). وقد ذكر السخاوي في الجواهر والدرر أن الذهبي ألف سيرة لنفسه (ص ٧٤٦) ولكنها لم تصل إلينا.

стр. 12

لدي منه نسختان: نقلت الأولى من نسخةٍ بخط المؤلف (١). أما النسخة الثانية فقد قرئت على المؤلف سنة ٧٤٥ هـ، وهي تمثل آخرَ نشرةٍ له، فقد جاء في آخر المجلد الثاني من هذه النسخة سماع صاحبها عبد الله بن أحمد بن يوسف الزرندي (٢) على مُؤلِّفِه ومُخَرِّجه "الحجة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايماز ابن الذهبي - أبقاه الله - في مجالس آخرها يوم السبت رابع عشري شهر رمضان المعظم من سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وقُوبِلَ بأصلِ المخرج وأشارَ بإسقاطِ جماعةٍ من المكتوبينَ على حواشي الأصلِ من أصحاب ابن البخاري (٣) فلم يكتبوا هنا وما عليه مكتوب في الحواشي بخطي وأصله بيد عمي". وقد أشار عبدُ الله الزرندي، سامع النسخة، في حواشيها، وبخطه، إلى مقابلته بالأصل وقراءته على المؤلف في غيرِ موضع منها (٤). ومع أن الذهبيَّ كان قد كتب معجمه وخَرَّجَهُ منذ فترة مبكرة، لكنه بقي يَزيدُ ويحذفُ ويُصَحِّحُ ويُعَلِّقُ ويدقق حتى سنة ٧٤٥ هـ (٥). وقد ظلت بعض الإضافات والإشارات التي تدل على نشرِ الكتاب أكثرَ من مرة واضحة في أصلِ النسخة التي قُوبلت على المؤلف، مثال ذلك قوله: "والله يمد في عمره. _________ (١) نسخة أحمد الثالث (رقم ٤٦٢) وهي في (٢٢٧) ورقة، وجاء في آخرها أن عدد التراجم في سنة ٧٣٨ هـ (١٢٧٨) ترجمة، وذكر أن المؤلف أنهى كتابة المعجم في أول صفر سنة ٧٢٧ هـ، وهي في مجلدين، يبدأ الأول بحرف الألف وينتهي في أثناء حرف العين، ويبدأ المجلد الثاني بمن اسمه "علي" من حرف العين، وينتهي بنهاية الكتاب. (٢) هو جلال الدين عبد الله بن أحمد بن يوسف الزرندي المدني، ولد سنة ٧٢٠ هـ ومات شابًّا في شعبان سنة ٧٤٩ هـ (ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ٣٥٢). وهذه النسخة في دار الكتب المصرية برقم ٦٥ مصطلح، وهي التي نشرها صديقنا الفاضل العالم الدكتور محمد الحبيب الهيلة سنة ١٩٨٨. (٣) هو الإمام فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن البخاري "٥٩٥ - ٦٩٠ هـ" صاحب المشيخة المشهورة التي سمعها الخلق العظيم، وفي خزانة كتبي نسخة مصورة منها عن نسخة المكتبة الأحمدية بحلب ذات الرقم ٢٦١. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٤٤، ٦٩، ٧٦، ٨٤، ٨٦، م ٢ ورقة ١٠، ٢٤، ٤١، ٨٠. (٥) جاء في آخر النسخة من معجم الشيوخ: "تم الكتاب بحمد الله وعونه في ضاحي نهار الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى مغفرته حسين بن محمد سبط الشيخ محمد بن سعد الكاتب ﵀". (م ٢ الورقة ١٠٠).

стр. 13

توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة" (١). وقوله في ترجمة شيخه ورفيقه علم الدين البرزالي: "فالله يُلهمه رشده ويمد في عمره" ثم يقول في آخر الترجمة: "توفي بِخُلَيْص في ثالث ذي الحجة سنة تسع وثلاثين" (٢)، وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن تمام التلي الصالحي الخياط: "فالله يبارك في عمره … توفي في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة" (٣). ومع أنَّ الكتبَ التي ترجمت له ذكرت أن هذا المعجمَ حوى نحوًا من ألف وثلاث مئة ترجمة (٤). إلا أن هذه النسخة تتضمن ألفًا وأربعين ترجمة (٥)، وقد انخفض العددُ بسبب إشارةِ المؤلفِ إلى إسقاطِ جماعةٍ من المكتوبين على حواشي الأصل من أصحاب ابن البخاري (٦). اشتمل معجمُ الذهبيِّ الكبير على شيوخه بالسماع والإجازة مخلوطين إلا أنه لم يستوعبهم، وخاصة شيوخه بالإجازة، إذْ ربما أجاز له الرجلُ ولم يشعر به بخلاف مَنْ سمع منه فإنه يعرفه معرفةً جيدة بسبب اللُّقْيَا. واعتذر الذهبيُّ عن الجمع بين الشيوخِ بالسماع والإجازةِ بأنه وجدَ الحافظَ الكبير أبا القاسم بن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ قَد خلطهم أيضًا (٧). وكتب الذهبي معجمه هذا على حروفِ المعجم في الأسماء والآباء والأجداد، وابتدأ بالأحمدين في حرف الألف تكريمًا لاسم النبي ﷺ (٨) وعمل إحالات للأسماء والنسب المشهورة (٩) وتناول فيه اسم المُتَرْجَمِ وشيئًا من سيرتهِ الحياتيةِ والعلمية، _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٢٨. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٢٥. (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٣١. (٤) انظر مثلًا: الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤، ابن ناصر الدين: بديعة الزمان، ورقة ١٦٦، العيني: عقد الجمان، ورقة ٣٧. (٥) بموجب طبعة الدكتور الهيلة علمًا أن نسخة إستانبول (المنقولة عن نسخة المؤلف الموجودة سنة ٧٢٧ هـ) قد حوت ١٢٧٨ ترجمة كما أشرنا سابقًا، ويبدو أن مؤلفي سيرته قصدوا هذا الرقمَ فهو قريبٌ إلى ما ذكروا. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ١٠١. (٧) انظر مقدمة المعجم (م ١ ورقة ١) وراجع عن تنظيم معجمات الشيوخ وترتيبها مقدمة كتاب "مشيخة النعال البغدادي" ص ١٦ فما بعد. (٨) م ١ ورقة ٢ لكنه لم يبدأ بالمحمدين في حرف الميم (م ٢ ورقة ٢٨). (٩) انظر مثلًا م ١ ورقة ٣٩.

стр. 14

وأورد بعد ذلك حديثًا أَو روايةً عنه بسنده، وتكلم على الأحاديث وخَرَّجها، كما أورد بعض الكتب والأجزاء التي سمعها منه. ثانيًا: بيئة الذهبي ونشأته: قامت دولةُ المماليكِ البَحْريةِ على أنقاضِ الدَّولةِ الأيوبية بمصرَ والشامَ وتمكَّن المماليكُ أن يكوِّنوا دولةً قويةً كان لها الأثر المحمود في إيقافِ التقدم المغولي وتَصْفية الإمارات الصَّليبية في بلادِ الشام (١). وكانت دمشقُ في نهاية القرن السابع الهجري ومطلع القرن الثامن قد أصبحت مركزًا كبيرًا من مراكز الحياة الفِكرية، فيها من المدارس العامرة ودُور الحديث والقُرآن العددُ الكثير، عَمِلَ على تَعْميرها حكامُها وبعضُ المياسِير من أهلِها لاسيما منذ عهد نور الدين بن زنكي (٢). وكانت العنايةُ بالدراسات الدِّينية، من تَفْسيرٍ وحديث وفقه وعقائد، هي السِّمةُ البارزةُ لهذا العصرِ، ولم يَعُد هناك اهتمامٌ بدراسة العُلوم الصِّرفة التي كانت قد أصبحت من "الصنائع المُظلمة" (٣) و"الهذيان" (٤). ثم لاحظنا تباينًا شديدًا في قيمةِ الإنتاج الفكري لهذه المدة وأصالته، فوجدنا الكثيرَ من المؤلَّفات الهزيلةِ التي لم تكن غير تَكرارٍ لما هو موجود في بطون الكُتب السابقة، ووجدنا القليلَ من المؤلفات التي امتازت بالأصالة والإبداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الإبداع أن الواحدَ من العُلماء كان يجد أمامَهُ تُراثًا ضَخْمًا في الموضوع الذي يَرُوم التأليفَ فيه، وهو في وَضعه هذا يختلفُ عن المؤلِّفين الأوَّلين الذين لم يُجابهوا مثل هذا التُّراث. وشَهِدت دمشقُ في هذا العصر نِزاعًا مذهبيًا وعقائديًا حادًا، كان الحُكّامُ المماليكُ يتدخلونَ فيه في كثيرٍ من الأحيان، فيناصرون فئةً على أُخرى (٥). _________ (١) راجع عن عصر المماليك: الدكتور علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية، ط ٢ (القاهرة ١٩٤٨)، والدكتور سعيد عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام، وغيرهما. والكتاب الأخير أحسن ما كتب في الموضوع. (٢) يتضح ذلك من العدد الذي ذكره النعيمي في كتابه "تنبيه الدارس". (٣) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢، ورقة ٤. (٥) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٢٨، ٣٨، ٤٩، وابن حجر: الدرر، ج ١ ص ٦١ وغيرهما.

стр. 15

وكان الأيوبيون قبل ذلك قد عُنُوا عنايةً كبيرة بنشر مذهب الإمام الشافعي، فأسسوا المدارسَ الخاصة به وأوقفوا عليها الوُقوفَ (١). وعُنوا في الوقت نفسه بنشر عَقيدة الأشعري واعتبروها السُّنَّة التي يجب اتِّباعُها (٢)، لذلك أصبحت للأشاعرة صَوْلةٌ وقوة عظيمة في مصر والشام. وقد أَثَّرَ ذلك على المذاهب الأخرى فأصابها الوَهنُ والضَّعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانب كبير منَ القوة، وكانت لهم في دمشق مجموعة من دور الحديث والمَدَارس (٣) وكان النزاعُ العقائديُّ بين الحنابلة والأشاعرة مُضطَرمًا، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد والتمسك بآثار السلف واعتماد الأشاعرة على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي في دراستها (٤). وبقدر ما وَلَّدَ هذا التعصبُ من تَمَزقٍ في المجتمع فإنه وَلَّدَ في الوقت نفسِهِ نشاطًا علميًّا واضحًا في هذا المضمار تمثَّلَ في الكتُب الكثيرةِ التي وُضِعت فيه. كما ظهر تحيزٌ واضح في كثيرٍ من كتابات العصر. وكان الجهلُ والاعتقادُ بالخُرافات والمُغَيَّبات منتشرًا بين العوام في المجتمع الدِّمشقي. وكان التصوف منتشرًا في أرجاء البلاد انتشارًا واسعًا وظهر بينهم كثيرٌ من المشعوذين الذين أَثَّروِا على العوام أيّما تأثير، بل عَمِلَ الحُكَّام المماليك على الاهتمام بهم، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكانَ للملكِ الظاهر بيبرس البندقداري "ت ٦٧٦ هـ" شيخٌ اسمه الخَضِر بن أبي بكر بن موسى العَدَوي، كان "صاحبَ حالٍ ونَفْس مؤثرةٍ وهِمّةٍ إبليسية وحالٍ كاهني"، وكان الظاهر يُعظمه ويزوره أكثر من مرة في الأسبوع ويُطلعه على أسرارِه ويستصحبه في أسفارِه لاعتقاده التام به (٥). وانتشرَ تقديسُ الأشياخ والاعتقاد فيهم، وطلَب النُّذور عند قُبورهم، بل كانوا يسجدون لبعضِ تلك القُبور ويطلبون المغفرةَ من أَصحابها (٦). _________ (١) انظر التفاصيل في كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، ص ٣٨ فما بعد. (٢) وكان صلاح الدين أشعريًا متعصبًا كما هو معروف من سيرته. (٣) انظر النعيمي: تنبيه الدارس ج ٢ ص ٢٩ - ١٢٦. (٤) أبو زهرة: ابن تيمية، ص ٢٥. (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٦) المصدر نفسه، الورقة ٧٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).

стр. 16

في هذه البيئة الفِكْرية والعقائدية المُضْطَربة وُلِدَ مؤرخُ الإسلام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عُثمان بن قايماز بن عبد الله الذَّهبِيُّ في شهر ربيع الآخرِ سنة ٦٧٣ هـ (١). وكان من أُسرة تُركمانية الأصل، تنتهي بالولاء إلى بني تمِيم (٢)، سكنت مدينة مَيّافارقين من أشهر مُدن ديار بكر (٣). ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياتَهُ فيها (٤)، وتُوفي سنة ٦٦١ هـ وقد جاوزَ المِئة، قال الذَّهبيُّ: "قايماز ابن الشيخ عبد الله التُّركمانيُّ الفارقيُّ جد أبي. قال لي ابن عَمِّ والدي علي بن فارس النجار: تُوفي جدُّنا عن مئة وتسع سنين. قلت: عُمِّرَ وأُضِرَّ بأَخَرةٍ، وتوفِّي سنة إحدى وستين وست مئة" (٥)، وكان قد حج (٦). وكان جد فخرُ الدين أبو أحمد عُثمان أُميًا لم يكن له حظٌّ من عِلْم، قد أتخذَ من النِّجارة صنعةً له، لكنه كان "حَسَن اليَقِين بالله" (٧). ويبدو أنه هو الذي قَدِمَ إلى دمشق واتخذها سكنًا له، وتوفي بعد ذلك بها سنة ٦٨٣ هـ وهو في عَشْر السبعين (٨). أما والده شهاب الدين أحمد فقد وُلِدَ سنة ٦٤١ هـ تقريبًا، وعَدَلَ عن صَنْعة أَبيه إلى صنعةِ الذهب المَدْقوق، فبرعَ بها وتَمَيَّزَ، وعُرِفَ بالذَّهبي، وطلبَ العلمَ، فَسمِعَ "صحيحَ البخاري" سنة ٦٦٦ هـ من المِقْداد القَيْسي، وحَجَّ في _________ (١) انظر مثلًا: الذهبي: تاريخ الإسلام ١٥/ ٢٧١ من طبعتنا، الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤، ونكت الهميان، ص ٢٤٢، وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور (الدرر، ص ٣ ص ٤٢٦). (٢) كتب الذهبي بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من تاريخ الإسلام (نسخة أيا صوفيا ٣٠١٢) "تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز مولى بني تميم". (٣) ياقوت: معجم البلدان، ج ٤ ص ٧٠٣ فما بعد. (٤) لم يذكر الذهبي في نسبته أنه دمشقي، بل قال: "الفارقي"، مما يدل على أنه لم ينتقل إلى دمشق. وذكر الدكتور صلاح الدين المنجد في مقدمة "سير أعلام النبلاء" أن قايماز هو الذي قَدِم دمشق وأشار إلى معجم الشيوخ، ولم نجد لذلك دليلًا في مصدره (ج ١ ص ١٥) وانظر معجم الشيوخ (م ١ الورقة ٨٩). (٥) الذهبي: أهل المئة فصاعدًا، ص ١٣٧، ومعجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٨) المصدر نفسه.

стр. 17

أواخر عُمُره، وكان ديِّنًا يقومُ من الليل (١). وقد يَسرت له صنعتُهُ رخاءً وغِنَىً، فأعتقَ من ماله خمسَ رِقابٍ (٢)، وتزوَّجَ من ابنةِ رجلٍ مَوْصِلي الأصلِ هو علم الدين أبو بكر سنجر بن عبد الله عُرِفَ بغناه وكان "خيرًا عاقلًا مديرا للمَنَاشير بديوان الجَيْش … وخَلَّفَ خمسةَ عشر ألفًا" (٣) من الدَّنانير. وأَجَلَّهُ عِلْمه وغناه ومروءته مكانًا جعلت خَلْقًا من أهلِ دمشق يشيعونه يوم وفاته في آخر جُمادى الأولى سنة ٦٩٧ هـ يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين بن جماعة الكِناني (٤). وعُرفَ محمد بابن الذَّهبِيِّ، نسبةً إلى صنعةِ أبيه، وكان هو يُقَيدُ اسمَهُ "ابن الذهبي" (٥). ويبدو أنه اتخذَ صنعةَ أبيه مهنةً له في أول أمره لذلك عُرفَ عند بعض معاصريه بـ "الذَّهبي" مثل الصلاح الصَّفدي (٦) وتاج الدين السُّبكي (٧) والحُسينيّ (٨) وعماد الدين بن كثير (٩) وغيرهم. وعاش طفولتَهُ بين أكنافِ عائلةٍ علميةٍ متدينةٍ، فكانت مرضعتُهُ وعمتُه ستُّ الأهلِ بنتُ عثمان، الحاجة أم محمد، قد حصلت على الإجازة من ابن أبي اليَسَر (١٠)، وجمالِ الدين بن مالك، وزهير بن عُمر الزُّرَعِيِّ وجماعةٍ آخرين، _________ (١) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات ٦٩٧) نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤، ومعجم الشيوخ، م ١ ورقة ١٣، والصفدي: الوافي ٧/ ١٧٩. (٢) كان من بينهم فك أسر امرأتين من أسر الفرنجة من عكا (انظر المصادر في الهامش السابق). (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٥. وتوفي سنة ٦٨٦. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٣. (٥) ونسبته بـ "ابن الذهبي" مقيدة بخطه في معظم الكتب والطبقات التي بخطه مثل طبقة سماع كتاب أهل المئة فصاعدًا (ص ١١١ بتحقيقنا)، وطرر المجلدات التي وصلت بخطه من تاريخ الإسلام (نسخة أيا صوفيا) وطبقة سماع لكتاب "الكاشف" له (نسخة التيمورية رقم ١٩٣٦) وجاء في أول معجم شيوخه: "أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد … ابن الذهبي". (٦) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ ونكت الهميان، ص ٢٤١. (٧) طبقات الشافعية الكبرى ج ٩ ص ١٠٠. (٨) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤. (٩) البداية والنهاية، ج ١٤ ص ٢٢٥. (١٠) انظر في ضبط "اليَسَر" بفتحتين: توضيح المشتبه ١/ ٥٢٧.

стр. 18

وسَمِعَت من عُمر بن القَوّاس وغيرِه، وروى الذهبيُّ عنها (١). وكان خاله عليٌّ قد طلبَ العلمَ وروى عنه الذَّهبيُّ في معجم شيوخه، وقال: "علي بن سَنْجَر بن عبد الله المَوْصليُّ ثم الدِّمشقيُّ الذهبيُّ الحاجُ المباركُ أبو إسماعيل خالي. مولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة. وسمع بإفادة مؤدِّبه ابن الخَبَّاز من أبي بكر بن الأنماطي وبهاء الدين أيوب الحَنَفيِّ وست العرب الكنْدية. وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعةٍ. وكان ذا مروءةٍ وَكَدٍّ على عِيالِه وخَوْفٍ من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة" (٢). وكان زوج خالته فاطمة، أحمدُ بُن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي المعروف بابن الحَرَستاني قد سَمعَ الحديثَ ورواه، وكان حافظًا للقرآن الكريم كثيرَ التِّلاوةِ له، وتُوفي بمصر سنة ٧٠٠ هـ (٣). وطبيعي أن تعتني مثل هذه العائلة المُتدينة التي كان لها حظ من العِلم بأبنائِها، لذلك وجدنا أَخاه من الرضاعة علاء الدين أبا الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العَطّار الشافعي "٦٥٤ - ٧٢٤ هـ" (٤) يُسرع ويَسْتَجِيز للذهبي جملةً من مشايخ عصره في سنة مولده (٥) منهم من دمشق: أحمد بن عبد القادر، أبو العباس العامري "٦٠٩ - ٦٧٣ هـ" (٦)، وابن الصابوني "٦٠٤ - ٦٨٠ هـ" (٧)، وأمينُ الدين بنُ عَساكر "٦١٤ - ٦٨٦ هـ" (٨)، وجمال الدين بن الصَّيرفي "٥٨٣ - ٦٧٨ هـ" (٩). ومن حلب: أحمد بن محمد _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٥٧، ولدت ست الأهل سنة ٦٥٣ هـ وتوفيت سنة ٧٢٩ هـ. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٦. (٣) المصدر السابق، م ١ ورقة ١٢. (٤) الذهبي: ذيل العبر، ص ١٣٦، ومعجم الشيوخ، م ٢ ورقة ١، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١١٧، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٧٣ - ٧٤، النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٦٨ - ٧٠، ٩٩، ١١٢. ورأينا لأبي الحسن بن العطار هذا رسالة في السماع في خزانة كتب جستربتي بدبلن ضمن مجموع برقم ٣٢٩٦. (٥) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٢. (٧) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٥٥. (٨) المصدر السابق، م ١ الورقة ٨٠. (٩) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٨٧.

стр. 19

ابن النَّصِيبي "٦٠٩ - ٦٩٢ هـ" (١). ومن مكة: الإمامُ محب الدين الطَّبريُّ محدث الحَرَم ومفتيه "٦١٥ - ٦٩٤ هـ" (٢)، وغيره (٣). ومن المدينة: كافور بن عبد اللّه الطواشي (٤). ويبدو أن علاء الدين بن العَطّار قد حج في تلك السنة (٥) فحصل بعض الإجازات من مكة والمدينة. وذكر ابن حجر أن الذين أجازوه في هذه السنة "جَمْعٌ جمٌّ" (٦) وقال في ترجمة ابن العطار: "وهو الذي استجازَ للذهبي سنة مولده فانتفعَ الذهبيُّ بعد ذلك بهذه الإجازة انتفاعًا شديدًا" (٧). ويمضي الطِّفلُ إلى أحد المؤدبين هو علاء الدين عليّ بن محمد الحَلَبيُّ المعروف بالبصبص، وكان من أحسنِ الناس خَطًّا وأخبرِهم بتعليم الصِّبيان، فيقيم في مكتبه أربعةَ أعوام (٨)، وفي أثناء ذلك كان جده عثمان يدمنه على النُّطق بالراء يُقَوِّمُ بذلك لسانَهُ (٩). ولا نعرف في أي سنةٍ تركَ المكْتَبَ ولكنه كان في سنة ٦٨٢ هـ لم يزل عنده حيث أَنشدَهُ في هذه السنة شعرًا لأبي القاسم الحَريري (١٠). وقد اتجه الذهبيُّ بعد ذلك إلى شيخه مسعود بن عبد اللّه الصَّالحيِّ فَلَقَّنَهُ جميع القُرآن، ثم قرأ عليه نحوًا من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمامَ مسجدٍ بالشَّاغور، وكان خَيرًا متواضعًا بَرًا بصبيانِهِ لَقَّنَ خَلْقًا، وتوفي سنة ٧٢٠ هـ (١١). وبدأ الصبي بالحضور إلى مجالس الشيوخ ليسمع كلامَ بعضهم (١٢). ولما قَدِمَ عز الدين الفاروثيُّ، عالمُ العِراق، إلى دمشق سنة ٦٩٠ هـ ذهب الفَتَى _________ (١) المصدر السابق، م ١ الورقة ١٨. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨. (٣) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٩٠، م ٢ الورقة ٦، ٣١، ٥٩ - ٦٠، ٨٨، وابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٣٦. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٦. (٥) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٥٩ - ٦٠. (٦) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦. (٧) المصدر السابق، ج ٣ ص ٧٣. (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ١١. (٩) المصدر السابق، م ١ الورقة ٨٩. (١٠) المصدر السابق، م ٢ الورقة ١١ ومات مؤدبه في حدود سنة ٦٩٠ هـ. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٨. (١٢) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٥٨.

стр. 20

وسَلَّم عليه وحَدَّثه (١)، مما يدل على حُبه للعلم والعُلماء منذ الصِّغَر. ثالثًا: بدء عنايته بطلب العلم: بدأ الذَّهبيُّ يعتني بطلبِ العِلْم حينما بلغَ الثامنةَ عشرةَ من عُمُره، وتوجهت عنايتة إلى ناحيتين رئيسيتين هما: القراءات والحديث الشريف. أ - القراءات: اهتم الذهبيُّ بقراءة القرآن الكريم، والعِناية بدراسة علم القِراءات فتوجه سنة ٦٩١ هـ هو ورفقةٌ له، إلى شيخ القُرّاء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العَسقلانيِّ ثم الدمشقيِّ المعروف بالفاضِلِي، فشرَعَ عليه بالجَمْع الكَبير (٢)، وكان الفاضِلي قد صَحِبَ الشيخَ علمَ الدين السَّخَاويَّ المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، وهو الذي انتهت إليه رياسة الإقراء في زمانه (٣)، وجَمَعَ عليه القراءات السَّبع، وتَصَدَّر للإقراء بتُربة أُمِّ الصالح ولكنه أُصِيبَ بطرفٍ من الفالج فكان يُقرئ في بيته، وينتهي الذهبيُّ عليه إلى أواخر سورة القَصَص، ويَزداد الفالج على الشيخ فيمنع الطلبة من الدخول عليه ثم يموت سنة ٦٩٢ هـ، وتظل قراءة الذَّهبيِّ على الفاضليِّ ناقصة (٤). ولكنه كان في أثناء شروعه بالجَمْع الكَبير على الفاضلي، قد شَرَعَ في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكَبيرِ على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي الدِّمشقي "ت ٧٠٨ هـ" (٥). وقرأ ختمةً جامعةً لمذاهب القرَّاء السبعة بما اشتملَ عليه كتاب "التَّيسير" للداني وكتاب "حِرْز الأماني" للشاطبي على ابن جِبْريل _________ (١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٢. وتوفي الفاروثي سنة ٦٩٤. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ج ٢ ص ٧٠٣ - ٧٠٤، ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١. (٣) سبط ابن الجوزي: مرآة، ج ٨ ص ٧٥٨، القفطي: إنباه، ج ٢ ص ٣١١، الحسيني: صلة التكملة، (وفيات ٦٤٣)، الذهبي: العبر، ج ٥ ص ١٧٨، ابن كثير: البداية، ج ١٣ ص ١٧، ابن الجزري: غاية، ج ١ ص ٥٦٨. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ص ٥٦٢ - ٥٦٣، ٥٧٦ - ٥٩٢. (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣٠، ومعرفة القراء، ص ٥٧٦.

стр. 21

المِصْريّ نزيلِ دمشق (١). وما لَبثَ الذهبيُّ أن أصبحَ على معرفةٍ جيدةٍ بالقراءات وأصولها ومسائِلها وهو لَمَّا يَزَل فتىً لم يتعد العِشرينَ من عُمُره، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن خليل الخويي ثم الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ: "جلستُ بين يديه وسألني عن غيرِ مسألةٍ من القراءات فَمَنَّ اللّهُ وأجبته وشهدَ في إجازتي من الحاضرينَ وأجاز لي مَرْوياته" (٢). على أنه استمَّر في تحصيلِ هذا الفن فكتب في سنة ٦٩١ هـ "المقدمة في التجويد" عن مؤلفها المقرئ المُجَوِّد أبي عبد اللّه محمد بن جوهر التلعفري المتوفى سنة ٦٩٦ هـ (٣)، وتلا ختمةً للسبعة على مجد الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوفى سنة ٧١٨ هـ (٤) وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (٥)، وقرأ بالسبع أيضًا على المقرئ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي المتوفى سنة ٧٠٠ هـ، وكان الحلبي هذا من المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي (٦). وقرأ كتاب "المبهج في القراءات السبع" (٧) لسبط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و"السبعة" لابن مجاهد وغيرهما علي شيخه أبي حفص عمر بن القَوَّاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ، وسمع "الشاطبية" من غير واحد من القراء (٨). وتميز الشاب في دراسة القراءات وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين أبا عبد الله محمد بن العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي، وهو من المقرئين المجودين، يتنازل عن حلقته بالجامع الأموي في أواخر سنة ٦٩٢ هـ أو أوائل سنة ٦٩٣ هـ حينما أصابه المرض الذي توفى فيه، وكان _________ (١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٣١. (٣) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٣٩. (٤) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٩٨. (٥) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٧٤. (٦) المصدر السابق، م ٢ الورقة ٦٥ - ٦٦. (٧) عندي منه نسخة مصورة عن نسخة معهد إحياء المخطوطات (رقم ٧٥ قراءات وتجويد) وهو كتاب نفيس للغاية. (٨) انظر مثلًا الذهبي ومعجم الشيوخ م ٢ الورقة ٣٥، ٦٩.

стр. 22

الذهبيُّ قد أكملَ عليه القراءات قبل ذلك (١)، فكان هذا أول منصبٍ علمي يتولاه الذهبيُّ فيما نعلم وإنْ لم يبق فيه أكثرَ من سنةٍ واحدة (٢). ب - الحديث: وفي الوقتِ نفسه كان الذهبيُّ، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قد مال إلى سماع الحديثِ واعتنى به عنايةً فائقة (٣). وانطلق في هذا العلم حتى طَغَى على كُلِّ تفكيره، واستغرق كُلَّ حياتِه بعد ذلك، فسمع ما لا يُحْصَى كَثْرةً من الكتب والأجزاء، ولقي كثيرًا من الشيوخِ والشيخاتِ، وأصيب بالشَّرَهِ في سماع الحديث وقراءته ورافقه ذلك طِيلةَ حياتِه، حتى كان يسمع من أناسٍ قد لا يرضى عنهم، قال في ترجمة علاء الدين أبي الحسن علي بن مظفر الإسكندراني ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية المتوفى سنة ٧١٦ هـ: "ولم يكن عليه ضوءٌ في دِينِه حملني الشَّرَهُ على السماع من مِثْلِهِ، واللّه يسامحه كان يخلُّ بالصلواتِ ويُرْمى بعظائمِ الأمور" (٤)، وقالَ في ترجمة شيخه شهاب الدين غازي بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة ٧٠٩ هـ: "وكانَ ذَا سيرة غير محمودةٍ فاللّه يعفو عنه، كتب عنه خَلْقٌ من أبناء البلد" (٥)، وقال في ترجمة شيخه أبي عبد اللّه محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة ٧٠٦ هـ: "فقير مسكين … ورأيتهم يَذمُّونَهُ … روى لنا عن خطيب مردا جزء البطاقة" (٦)، وذكر عن شيخه محمود بن يحيى التميمي الدمشقي المتوفى سنة ٧٣٣ هـ أنه _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٤٨، وتوفي شيخه بعد ذلك في صفر من سنة ٦٩٣. (٢) قال الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد بن علي شمس الدين أبي عبد اللّه الرقي الحنفي من معرفة القراء ج ٢ ص ٧٥٤: "ولما سافرت إلى بعلبك، سنة ثلاث وتسعين وتعوقت بالقراءة على الموفق، وثب على حلقتي، فأخذها لكوني لم أستأذن الحاكم في الغيبة، وهو الآن يقرئ بالجامع". (٣) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج ٩ ص ١٠٢، والسيوطي: طبقات الحفاظ، الورقة ٨٤. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ١٢. (٥) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٢١. (٦) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٣٠.

стр. 23

كان "سيئ الحال سفيهًا" (١)، وقال عن أحد شيوخه: "لا ينبغي الروايةُ عنه، حكوا لي عنه مصائبَ" (٢)، وقال عن آخر: إنه كان "من عوام الطلبة" (٣) وقال في ترجمة شيخه محمد بن النصير المؤذن المتوفى سنة ٧١٥ هـ: "شُوَيْخٌ عامي سمعنا منه ولم يكن بذاك" (٤)، بل إنه ليذهبُ به حُبُّه للحديثِ إلى القراءةِ على الصُّمِّ، فقد ذكر في ترجمة شيخه محمود بن محمد الخرائطي الصالحي الأصم المتوفى سنة ٧١٦ هـ: "قرأتُ عليه بأقوى صوتي في أذنه" (٥). رابعًا: رحلاته في طلب العلم: كان الذهبيُّ يتحسَّرُ على الرحلة إلى البلدانِ الأخرى لما لذلك من أهميةٍ بالغةٍ في تحصيل عُلُوِّ الإسناد وقدم السماع ولقاء الحُفَّاظِ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم (٦). إلا أن والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الأحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية "٥٩٩ - ٦٩٧ هـ" (٧): "وقد هَمَمْتُ بالرحلةِ إليه ثم تركته لمكان الوالد" (٨)، وقال في ترجمته من معرفة القراء الكبار: "وانفرد عن أقرانه، وكنتُ أتحسر على الرحلةِ إليه، وما أتجسَّرُ خوفًا من الوالد فإنه كان يمنعني" (٩)، وقال في ترجمة المكين الأسمر المقرئ الإسكندراني المتوفى سنة ٦٩٢ هـ: "ولما مات شيخُنَا الفاضلي، فازددتُ تلهفًا _________ (١) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٧٧. (٢) المصدر نفسه، م ١ الورقة ٧٢. (٣) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٥٥. (٤) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٦٧. (٥) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٧٦. (٦) راجع عن أهمية الرحلة: الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، "باب الرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الأسانيد العالية" الورقة ١٦٨ - ١٦٩ (نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية ٣٧١١ ج ١)، وقد طبع الكتاب. (٧) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج ١ ص ٣٤٢ - ٣٤٥. (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٤. (٩) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٥ وقال في تاريخ الإسلام: "وكنت في سنة أربع وتسعين وسنة خمس أتلهف على لقيه وأتحسر وما يمكنني الرحلة إليه لمكان الوالد ثم الوالدة" الورقة ٢٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).

стр. 24

وتحسرًا على لُقِّيِّهِ، ولم يكن الوالدُ يمكنني من السفر" (١). ولم يكن الذهبي ابنًا عاقًّا يخالفُ إرادةَ والده لاسيما أن آدابَ طَلَب العلم تقتضي استئذانَ الأبوين في الرحلة (٢)، ووجوب طاعتهما وبرِّهما، وَترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (٣). ويبدو لنا أن الذهبيَّ كان وحيدَ أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الأقل (٤)، بحيث كان يخافُ عليه هذا الخوفَ كله. ويظهر أنَّ والده قد سمح له بالرحلة حينما بلغ العشرينَ من عمره، وذلك سنة ٦٩٣ هـ (٥). على أنه سمحَ له برحلاتٍ قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعةِ أشهر (٦) في الأغلب، ويرافقه فيها بعض مَنْ يعتمد عليهم (٧). أ - رحلاته داخل البلاد الشامية: تشيرُ المصادرُ إلى رحلاتِ الذهبي عرضًا ولكنها لا تقدمُ لنا عنها الكثير. على أننا استطعنا أنْ نتبينَ أن أولَ رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة ٦٩٣ هـ (٨) حيث قرأ فيها القرآن جمعًا على الموفَّقِ النصيبي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (٩)، وأكْثَرَ عن المُحَدِّثِ الأديبِ الإمام تاج الدين أبي محمد المغربي _________ (١) معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٨٩ وانظر أمثلة أخرى في معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥. (٢) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي، الورقة ١٧٠. (٣) الخطيب البغدادي: الجامع، الورقة ١٧١ - ١٧٥. (٤) لم نقف على أخ لمحمد بن أحمد الذهبي في جميع الكتب المطبوعة والمخطوطة التي اطلعنا عليها، مع أن الذهبي كثير العناية بذكر أقربائه. (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦٥. (٦) قال الذهبي في ترجمة شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد الجذامي الإسكندراني وكان قد بلغ السابعة والثمانين من عمره، ووجد الذهبي بعض صعوبات وتأخير في قراءة القراءات عليه فخاف أن يذهب وقته سدى: "وكنت قد وعدت أبي وحلفت له أني لا أقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخفت أعقه" (معرفة القراء ج ٢ ص ٦٨٩). (٧) كان والده يرافقه في رحلته إلى حلب سنة ٦٩٣ هـ وقد سمع معه فيها، وكان رفيقه في رحلته إلى البلاد المصرية سنة ٦٩٥ ابن أمه في الرضاع داود بن إبراهيم بن داود بن العطار الفقيه الشافعي، وهو أكبر من الذهبي بثمانية أعوام (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٧). (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، ج ١ الورقة ٦٥. (٩) ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١، الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٤.

стр. 25

ثم البعلبكي المتوفى سنة ٦٩٦ (١). وسوف نجده مرة أخرى في بعلبك سنة ٧٠٧ هـ (٢)، وقد سمع في هاتين الرحلتين على كثيرٍ من شيوخ البلد (٣). ورحل بعد ذلك إلى حلب، وأكثرَ فيها عن علاء الدين أبي سعيد سنقر بن عبد اللّه الأرمني ثم الحلبي، قال: "رحلتُ إليه وأكثرتُ عنه، ونعم الشيخ كان دينًا ومروءةً وعقلًا وتعففًا" (٤)، وسمع من جُملةٍ من شيوخها (٥). وتشيرُ المصادرُ إلى أنه قد سمع ببلدان عديدة منها: حمص (٦)، وحماة (٧)، وطرابلس (٨)، والكرك (٩)، والمعرة (١٠)، وبصرى (١١)، ونابلس (١٢)، والرملة (١٣)، والقدس (١٤)، وتبوك (١٥). ب - رحلته إلى البلاد المصرية: على أن رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرزِ رحلاته المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر، _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧١، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٢. (٣) انظر مثلًا الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٤، ٨٣، ٨٨، م ٢ الورقة ٩، ٧٢، ٧٤، ٨١. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٥، وذيل العبر، ص ٣٦، السبكي: طبقات ج ٩ ص ١٠٢، الطباخ: أعلام النبلاء، ج ٤ ص ٥٤٠. (٥) انظر مثلا: الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ٣٤، ٣٩، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٦٣، والصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٢، م ٢ الورقة ٦٨، ٨٢. (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧، ٢٢، ٢٩، م ٢ الورقة ٦، ٩، وذكر أنه نزل في مدرسة القاضي شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور الإسكندراني الفقيه قاضي طرابلس (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٢). (٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦١، م ٢ الورقة ١٦، ٤٢ - ٤٣ وقد سمع بها سنة ٦٩٨ هـ من قاضي القضاة عز الدين محمد بن سلمان الحلبي. (١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٩. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٣. (١٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٦، م ٢ الورقة ٧. (١٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٧، والصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥. (١٤) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٥. (١٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٦٥.

стр. 26

ثم يقول: "ولعلَّ سفره إلى مصر كان بُعَيْدَ وفاةِ أبيه سنة ٦٩٧ هـ وقد عاد سنة ٦٩٩ هـ" (١). واستند في ذلك إلى ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: "وأول ما وليَ تصديرَ حلقةِ إقراءٍ بجامع دمشق في أول رواق زكريا عِوَضًا عن شمس الدين العراقي الضرير المقرئ في المحرم سنة ٦٩٩ هـ بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل" (٢). وقد استطعنا، نتيجةَ تتبعنا لنشاطِ الذهبيِّ أنْ نُحَدِّدَ رحلته إلى البلاد المصرية وأنها كانت بين رجب وذي القعدة من سنة ٦٩٥ هـ، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة ٦٩٥ هـ متوجهًا إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة ٦٩٥ هـ: "وقد رحلتُ إلى لُقِيِّها فماتت وأنا بفلسطين في رجب سنة خمس وتسعينَ وست مئة" (٣)، وقال في ترجمتها من تاريخ الإسلام: "كنت أتلهفُ على لقيها، ورحلتُ إلى مصر وعلمي أنها باقيةٌ فدخلتُ فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام … توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة" (٤)، وبذلك نستنتجُ أنه وصلَ إلى البلادِ المصرية في السادس عشر من رجب سنة ٦٩٥ هـ. وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد اللّه الحلبي المعروف بابن الظاهري (٥) "٦٢٦ - ٦٩٦ هـ"، قال في تاريخ الإسلام: "وبه افتتحتُ السماعَ في الديار المصرية وبه اختتمتُ وعنده نزلتُ وعلى أجزائه اتَّكَلْتُ. وقد سمع منه عَلَمُ الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء" (٦)، وقال في ترجمته من معجم شيوخه: "ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حِلٍّ … " (٧) وطبيعي أنْ يرجع الإمام الذهبي في ذي القعدة من السنة لأنه كان قد وَعَدَ أباهُ وحلف له _________ (١) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج ١ ص ١٨. (٢) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧. (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥٩. (٤) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ولم يذكر ياقوت وادي فحمة هذا. (٥) كان والده محمد مولى الملك الظاهر صاحب حلب، فنسب إليه. (٦) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٧) معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٨.

стр. 27

أنه لا يقيمُ في الرحلة أكثر من أربعة أشهر فخاف أن يَعقَّهُ إذا تأخر (١). وقد تُوفي ابنُ الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة ٦٩٦ هـ (٢). وقد ذكر مترجمو الذهبيِّ أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري (٣) فكيف يَصحُّ القولُ عندئذٍ أنه سافر بُعيد ٦٩٧ هـ!؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعةٍ كبيرة من أشهرهم: مُسْنِدُ الوقتِ أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد الأبرقوهي (٤) المتوفى سنة ٧٠١ هـ (٥)، وشيخ الإسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد القشيري المتوفى سنة ٧٠٢ هـ (٦)، والعلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ (٧)، وغيرهم (٨). وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحلَ إلى الإسكندرية وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التيمي القابسي _________ (١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٨. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، ومعجم الشيوخ م ١ الورقة ١٨، ابن الجزري: تاريخ، م ٢ الورقة ٦٠ (باريس ٦٧٣٩). (٣) انظر مثلًا: السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢، وسبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠. (٤) نسبة إلى (أبرقوه) بلد قرب يَزْد (ياقوت: معجم البلدان، ج ١ ص ٨٥) وقد ولد بها حينما كان أبوه قاضيًا عليها (الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥). (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥، وذيل العبر، ص ١٨، السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢، ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١١٠، ج ٣ ص ٤٢٦، سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، (نسخة الخالدية)، الفاسي: العقد الثمين، ج ٣ ص ١٥، ابن تغري بردي: النجوم، ج ٨ ص ١٩٨، والمنهل الصافي، ج ١ ص ٢١٨، وغيرها. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٥٥، وذيل العبر، ص ٢١، وتذكرة الحفاظ ج ٤ ص ١٤٨١ - ١٤٨٤، ابن سيد الناس: أجوبة، ج ٢ ص ١٧٦ - ١٨٢ بتحقيق صديقنا العلامة محمد الراوندي، الأدفوي: الطالع السعيد، ص ٣١٧ - ٣٣٨، الصفدي: الوافي، ج ٤ ص ١٩٣، ابن حجر: رفع الإصر، الورقة ١١٢ وغيرها. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٧، وتذكرة الحفاظ، ج ٤ ص ١٤٧٧ - ١٤٧٩، ابن شاكر: فوات، ج ٢ ص ١٧، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٤٠، ابن قاضي شهبة: منتقى المعجم المختص، الورقة ١٦٢ (أوقاف)، الصفدي: الوافي، م ١٧ ورقة ٢٣٦ ومعجم شيوخه لخصه وترجمه إلى الفرنسية الأستاذ جورج فايدا وطبع بباريس سنة ١٩٦٢ م. وفي خزانة كتبي الجزء الثالث من إحدى نسخه الخطية. (٨) انظر مثلًا: الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢١، ٤٢، ٦٤، ٩٦.

стр. 28

ثم الإسكندراني: "وكنتُ في شوال هذه السنة في الإسكندرية وهو حيٌّ، وسمعتُ منه التجريدَ" (١). وفي ثغر الإسكندرية مضى الذهبيُّ إلى أسندِ أهلها في القراءاتِ، الإمام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن الصواف الجذامي الإسكندراني المقرئ المشهور "٦٠٩ - ٧٠٥ هـ" (٢) فَأُدخلَ عليه فوجده قد أُضر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءًا ورفع صوته فسمع ثم كلَّمه في أن يجمع عليه القراءات السبع فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة فقرأ عليه الفاتحةَ وآياتٍ من البقرة، والشيخُ يَرُدُّ الخِلافَ ويردّ رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تَخَيَّ الشيخُ منه نَقْصَ المعرفةِ وطلب منه أن يذهب إلى أحدِ تلامذته، قال الذهبي: "وزَهّدني فيه أني كنتُ لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضًا فكنتُ لا أقرأ ربع حزب جمعًا، حتى ينقطع صوتي لمكان صَمَمِه" فخاف الذهبي ضياعَ الوقتِ القصيرِ، فتركه (٣) وذهب إلى الإمام المقرئ صدر الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليِم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون "٦١٠ - ٦٩٥ هـ" (٤) وكان قد ضعُفَ وأُضِرَّ، فختم عليه بقراءتي وَرْشٍ وحفص في مدة أحد عشر يومًا مع جماعة من رفاقه (٥). وسمع بالإسكندرية من جملة من علمائها المتميزين (٦) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغَرَّافي ثم الإسكندراني "٦٢٨ - ٧٠٤ هـ" شيخ دار الحديث النبيهية بالإسكندرية (٧). كما رحل إلى _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٥. (٢) الذهبي: ذيل العبر، ص ٣٢، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ١٨٥ - ١٨٦، الجزري: غاية، ج ٢ ص ٣٦٦، المقريزي: السلوك، ج ٢ قسم ١ ص ٢١. (٣) الذهبي: طبقات القراء، ج ٢ ص ٦٩٨، ومعجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٨٤. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٣. (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، م ١ الورقة ٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ومعرفة القراء ج ٢ ص ٦٩٤. (٦) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢١، ٢٢، ٧٥، ٨٦، م ٢ الورقة ١٧، ٦٠، ٧٤، ٨٣، ٨٥. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٣ الورقة ٢ - ٣، وذيل العبر، ص ٢٨ - ٣٢، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٩٤، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٨٥ - ٨٦، المقريزي: السلوك، ج ٢ قسم ١ ص ١٣. وانظر أيضًا: السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢.

стр. 29

بلببيس وسمع بها (١). لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهدُ نفسه في قراءة أكبر كميةٍ ممكنةٍ على شيوخ تلك البلاد؛ فقد ذكر مثلًا أنه قرأ جميعَ سيرةِ ابن هشام على شيخه أبي المعالي الأبرقوهي في ستة أيام فقط (٢). ج - رحلته للحج وسماعه هناك: وفي سنة ٦٩٨ هـ، أي بُعَيدَ وفاة والده رحل الذهبي للحج، قال في حوادث السنة من تاريخ الإسلام: "وحج بنا الأميرُ شمس الدين العينتابي" (٣)، وكان يرافقه في حَجِّه جماعةٌ من أصحابهِ وشيوخهِ (٤)، منهم شيخُ دارِ الحديث بالمدرسة المستنصرية (٥) العالم المسند أبو عبد اللّه محمد بن عبد المحسن المعروف بابن الخرَّاط الحنبلي "٦٣٨ - ٧٢٨ هـ"، وكان ابن الخراط قد قَدِمَ دمشق في تلك السنة وجلس للوعظِ بدمشق في شهر رمضان (٦)، قال الذهبي: "ورافقنا في الحج فسمعتُ منه بالعلى ومعان كتاب "الفرج بعد الشدة" (٧). وقد سمع بمكة (٨)، وعرفة (٩)، ومنى (١٠)، والمدينة (١١) من مجموعة من الشيوخ. خامسًا: طبيعة دراساته: لم ينقطع الذهبيُّ طيلةَ حياته عن الدراسةِ والسَّماعِ لا يشغله عنهما شاغلٌ، _________ (١) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٣) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٣ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٢، م ٢ الورقة ١٦. (٥) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج ١ ص ٣٥٤ - ٣٦٠. (٦) ذكر ذلك علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٩ هـ (ابن رجب: الديل، ج ٢ ص ٣٨٥) والذهبي في معجم شيوخه، م ٢ الورقة ٥٠. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٥٠ والكتاب المذكور للتنوخي كما هو معروف. (٨) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢. (٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٠. (١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٣، ٨٤. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٥٠.

стр. 30

تَدُلُّ على ذلك مُعجماتُ شيوخِه لا سيما المعجم الكبير. وكانت دراستُه وسماعاتُه متنوعةً لم تقتصرْ على القراءات والحديث. وقد عُني بدراسة النحو فسمع "الحاجبية" في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء النَّصيبي البَعْلبكي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (١). ودرس على شيخِ العربيةِ وإمامِ أهلِ الأدب في مصرَ آنذاكَ الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن النَّحَّاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ (٢). إضافةً إلى سماعه لعددٍ كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب. واهتم بالكتب التاريخيةِ فسمع عددًا كبيرًا منها على شيوخه، في المغازي والسِّيرة (٣)، والتاريخ العام، ومُعجمات الشيوخ والمَشْيخات (٤)، وكتب التَّراجم الأخرى (٥). إلا أن عنايتَهُ الرئيسةَ في السماع كانت منصبةً على الحديثِ؛ فقد سَمعَ الذهبيُّ مئاتِ الكتبِ والأجزاء الحديثية طيلةَ حياتِه في طلب العلم، يَعْرِفُ ذلك من يقرأ مُعجماتِ شيوخه وكُتبه بِرَوِيَّةٍ وإمعانٍ، فضلًا عن أن هذه الكتب والأجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي على شيوخه، فهناك العددُ الهائلُ من الأحاديث النبوية الشريفة التي لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلةً حسب. يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سَمعَ الكتابَ أو الجزءَ على أكثر من شيخٍ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عددًا كبيرًا منها، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة؛ فقد سمع "جزء الحسن بن عَرَفة" وهو من الأجزاءِ الحديثية المشهورة أكثر من أربعينَ مرةً على أكثر من أربعينَ شيخًا (٦)، وسمع "نُسخة أبي مُسْهِر" _________ (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٤. (٢) المصدر نفسه، م ٢ الورقة ٣٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٨٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٣) انظر مثلًا: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٤) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٥، ٢٢، ٢٦، ٢٨، ٣٣، ٤٢، ٤٦، ٥٥، ٨٠، م ٢ الورقة ٩، ١٠، ٥٠، ٧١، ١٠٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) مثلًا: تاريخ الإسلام، الورقة ٦٨، ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٢) وغيرها. (٦) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٩، ١٦، ١٧، ٣٣، ٣٦، ٣٨، ٤٩، ٥٣، ٥٨، ٦٤، ٧٢، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٦، م ٢ الورقة ٨، ١١، ١٣، ٢٤، ٣١، ٣٢، ٣٧، ٣٩، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٥٩، ٧٧، ٧٩، ٨٢، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٩٨، ١٠٠.

стр. 31

عبد الأعلى بن مُسْهِر المتوفى سنة ٢١٨ هـ (١) أكثر من اثنتي عشرة مرة (٢)، وسمع "جزء ابن فِيل" (٣) لأبي طاهر الحسن بن أحمد بن فِيل البالسيّ على أكثر من عشرة من الشيوخ (٤). وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبيَ لم يُعْن بذكر مسموعاته بصورة مفصَّلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حَجَر مثلًا في "المُعْجَم المُفهرس" الذي رَتَبه أساسًا على الكتب (٥)، وفي "المجْمَع المُؤَسَّس" الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضًا (٦). ومع ذلك فإنَّ المَرْويات لا تمثل أصلا دراسات الطالب أو العالم، لأن الكتب المروية محدودة عمومًا، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاءُ من الكُتب الفقهية والتاريخية والأدبية ودواوين الشعراء ونحوها، وطائفة كبيرة منها لا تروى. على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته أنه عُنِيَ بالعلوم الدينية عمومًا والعلوم المُساعدة لها كالنَّحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درسَ كُتبًا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها. سادسًا: صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري: اتصل الذهبيُّ اتصالًا وثيقًا بثلاثةٍ من شيوخ ذلك العصر وهم: جمال الدين أبو الحجاج يُوسُف (٧) بن عبد الرحمن المِزّي الشافعي "٦٥٤ - ٧٤٢ هـ"، _________ (١) منه نسخة بدار الكتب المصرية، رقم ٢٥٥٥١ ب. (٢) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣٨، ٥٠، ٦٦، ٧٢، ٧٥، م ٢ ورقة ٢٠، ٣٢، ٣٥، ٣٧، ٥١، ٦٥. (٣) منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٥٥٦٨ ب. (٤) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦، ٢٠، ٧٢، ٧٤، م ٢ الورقة ٣١، ٣٧، ٥٣، ٧٧، ٨٨. (٥) ابن حجر: المعجم المفهرس (دار الكتب ٨٢ مصطلح الحديث). (٦) نسختي المصورة (عن دار الكتب ٧٥ مصطلح الحديث). وطبع أخيرًا بتحقيق صديقنا الأستاذ محمد شكور المياديني. (٧) راجع الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٩٠، وتذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ١٤٩٨، الحسيني: الذيل على ذيل العبر، ص ٢٢٩، السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥١ (القاهرة =

стр. 32

وتقي الدين أبو العباس أحمد (١) بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني "٦٦١ - ٧٢٨ هـ"، وعَلَم الدين أبو محمد القاسم (٢) بن محمد البِرْزاليّ "٦٦٥ - ٧٣٩ هـ"، وترافق معهم طيلة حياتهم. وكان الذهبي أصعر رِفاقه سنًا، وكان أبو الحَجّاج المِزي أكبرهم. وكان بعضهم يقرأ على بعض؛ فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه. وقد ساعد من شَدِّ أواصر هذه الرفقةِ اتجاهُهم نحو طَلَبِ الحديثِ منذ فترة مبكرة وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزيَّ والبرزاليَّ والذهبيَّ كانوا من الشافعية. وكان كلُّ واحدٍ منهم محبا للآخر ذاكرًا فضله. ويذكر الذهبي جيدًا أن علم الدين البرزالي هو الذي حَبَّبَ إليه العنايةَ بالحديث النبويِّ الشريف؛ فقال في معجم شيوخه الكبير: "الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر" (٣). وقال في موضع آخر: "وهو الذي حَبَّبَ إليَّ طلب الحديث فإنه رأى خطي، فقال: خَطُّكَ يشبه خط المحدثين! فأثَّرَ قولُه فيَّ، وسمعتُ منه، وتخرجتُ به في أشياء" (٤)، وكان على غايةٍ من الإعجاب بعلمه ولا سيما معجم _________ = ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٩١ - ١٩٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٨، والتبيان، الورقة ١٦٦، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٣ - ٢٣٧، ابن تغري بردي: النجوم، ج ١٠ ص ٧٦، ابن طولون: المَعَزَّة، ص ١٠، ابن العماد: شذرات، ج ٦ ص ١٣٦، الكتاني: فهرس ج ١ ص ١٠٧. (١) ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية معروفة تناولها معظم المؤرخين الذين تناولوا عصره ومنهم الذهبي. ومن الذين كتبوا عنه مفردًا ابن ناصر الدين في "الرد الوافر" (بيروت ١٣٩٣ هـ)، وابن قدامة: "العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية". ومن المحدثين: محمد كرد علي في "ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية" (لم يذكر مكان الطبع ولا تاريخه)، ومحمد بن بهجة البيطار في "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" (دمشق ١٩٦١)، ومحمد أبو زهرة: "ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" (القاهرة ١٩٥٢). (٢) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، ذيل العبر ص ٢٠٩، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ١٨ - ٢١، السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٤٦ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٨٥، ابن شاكر: فوات، ج ٣ ص ١٩٦ (طـ. إحسان عباس)، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢١ - ٣٢٣، ابن تغري بردي: النجوم، ج ٩ ص ٣١٩، ابن العماد: شذرات، ج ٦ ص ١٢٤. (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥. (٤) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٣.

стр. 33

شيوخه (١) الذي خرجه لنفسه وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالإجازة (٢). وكتب الذهبيُّ عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: "العلامةُ الحافظ البارع أستاذ الجماعة … محدث الإسلام" (٣)، وأنه كان "خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضع مشكلاتنا" (٤). أما ابنُ تيمية فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابًا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدًا له آراؤُه الخاصة التي تقومُ في أصلها على اتِّباعِ آثارِ السلف، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ هـ يدخل في خُصوماتٍ عقائدية حادة معَ علماء عصره من المخالفين له (٥)، ويقيمُ الحدودَ بنفسه ويحلق رؤوسَ الصبيان (٦)، ويحاربُ المشعوذين من أدعياء التصوف (٧)، ويمنع من تقديم النذور (٨)، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات ويُريقُ الخمورَ (٩)، ويقاتل بعض مَنْ يعتقد فساد عقيدته (١٠)، ويشتط على القضاة (١١)، بل بلغ الأمرُ به في إحدى المرات أنْ دخل السجن وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه (١٢). وظهرت شخصيتُه السياسية في الحرب الغازانية سنة ٦٩٩ هـ وما بعدها لاسيما _________ (١) نظم الذهبي في هذا المعجم بيتين من الشعر، قال: إنْ رمتَ تفتيشَ الخرائنِ كلها … وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي (ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠). (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، وذيل العبر، ص ٢٠٨، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠. (٣) معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٧٠، وانظر تذكرة الحفاظ، ح ٤ ص ١٤٩٨ - ١٤٩٩. (٤) ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٥ - ٢٣٦. (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: الوافي، ج ٥ ص ٢٢، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٤، ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٥٥. (٦) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٩. (٧) الصفدي: الوافي، ج ٥ ص ١٨، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٣، وانظر فتواه في "الصوفية والفقراء" (نشرها رشيد رضا بالقاهرة ١٣٤٨ ط ٢). (٨) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٤. (٩) المصدر نفسه، ج ١٤ ص ١١. (١٠) المصدر نفسه، ج ١٤ ص ١٢. (١١) ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٥٦. (١٢) السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٧، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤.

стр. 34

سنة ٧٠٢ هـ حيث لعب دورًا كبيرًا في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب (١). وقد أحب الذهبيُّ شيخَهُ ورفيقه وأُعجبَ به، فقال بعد أنْ مدحه مدحًا عظيمًا: "وهو أكبر من أنْ يُنَبِّه مِثْلي على نعوته، فلو حلفتُ بين الركن والمقام لحلفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، ولا واللّه ما رأى هو مثل نفسه في العلم" (٢) ولما مات رثاه بقصيدة (٣)، وذكر أن مصنفاته قد جاوزت الألف (٤)، وبالغ في ذِكْرِ مساوئ مَنْ حَطَّ عليه مثل الأمير سيف الدين تنكز (٥) نائب الشام. ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية بأقلَّ من محبةِ الذهبيِّ له، بل ربما كان المزي أكثرهم إعجابًا ومحبة له مع أنه أكبر منه سنًا (٦). ومع أن الذهبيَّ قد خالف رفيقه وشيخه "في مسائل أصلية وفرعية" (٧) وأرسل إليه نصيحته الذهبية (٨) التي يُقَرِّعُه ويلومُه وينتقدُ بعضَ أرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرًا عظيمًا، بحيث قال تاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ: "إن هذه الرفقة: المزي والذهبي والبرزالي أضرَّ _________ (١) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٤ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: أعيان العصر، ج ٨ الورقة ١ - ٧ (أيا صوفيا ٢٩٦٨)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٩ فما بعد. وينظر بحثي: "من محراب العلم إلى ميدان القتال"، مجلة الرسالة الإسلامية ببغداد ١٩٨٤. (٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٨ - ١٦٩. (٣) ابن ناصر الدين: بديعة الزمان، الورقة ١٦٥، والرد الوافر، ص ٣٥ - ٣٦. (٤) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٠. وقال الصفدي: "ومن الذي يأتي على مجموعها! " وذكر منها جملة كبيرة (الوافي، ج ٥ ص ٢٣ - ٣٠). (٥) ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ٦١. وعاتب الذهبي تلميذه تاج الدين السبكي بسبب كلام وقع منه في ابن تيمية فاعتذر منه السبكي برسالة أرسلها إليه (ابن حجر: الدرر، ج ١ ص ١٦٩). (٦) انظر أقوال المزي في ابن تيمية في كتاب الرد الوافر (ص ١٢٨ - ١٣٠) وأقوال البرزالي في الكتاب نفسه (ص ١١٩ - ١٢٣). وكان ابن تيمية شديد الإعجاب بالمزي، فلما باشر دار الحديث الأشرفية بعد الشريشي قال ابن تيمية: "لم يَلِهَا من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه"، انظر: ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٩، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣٥. (٧) ابن حجر: الدرر، ص ١ ص ١٦٦. (٨) الذهبي: النصيحة الذهبية لابن تيمية (دمشق ١٣٤٧ هـ).

стр. 35

بها أبو العباس بن تيمية إضرارًا بَيِّنًا، وحملها من عظائم الأمور أمرًا ليس هينًا وجَرَّهم إلى ما كان التباعدُ عنه أولى بهم" (١). إنَّ هذه الصلةَ بين الرفقة وما اختطوه لأنفسهم فيما ارتضوه ومالوا إليه من آراءِ الحنابلةِ قد أدت في كثيرٍ من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس فيهم. وقد أُوذيَ المزيُّ بسبب ذلك (٢)، وحرم الذهبي بسب آرائه من تولِّي أكبرِ دارٍ للحديثِ بدمشق هي دار الحديث الأشرفية (٣) التي شغرت مشيختها بعد وفاةِ رفيقه المزي سنة ٧٤٢ هـ. فأشار قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أنْ يعين الذهبيُّ لها، فتكلم الشافعيةُ بأنَّ الذهبي ليس بأشعري، وأنّ المزي ما وليها إلا بعد أن كتبَ بخطه وأشهدَ على نفسِه بأنه أشعريٌّ، واتسع النقاش بينهم ورفض الشافعية أنْ يتولاها الذهبيُّ بعد أن جمعهم نائب الشام أَلْطُنْبُغَا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الأمر إلا بتولية السبكي نفسه (٤). ثم أثرت صلةُ الذهبيِّ بابن تيمية فيما اختصر (٥) أو ألف (٦) من كتب، وفي بلورة بعض آرائه، وحُبِّهِ للحنابلةِ (٧)، وموقفه من بعض المتصوفة (٨) ولا سيما _________ (١) السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤ هـ). (٢) من ذلك ما حدث سنة ٧٠٥ هـ حينما وقعت المناظرة بين ابن تيمية والشافعية، فقرأ الشيخ جمال الدين المزي فصلًا بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى القاضي الشافعي ابن صصرى، وكان من أعداء ابن تيمية، فأمر بسجن المزي، ولما بلغ ابن تيمية ذلك تألم كثيرًا وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، فغضب نائب دمشق فأعيد المزي ثم أفرج عنه. (ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٣٧، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٤). (٣) منسوبة إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الأيوبي، ابتدأ عمارتها سنة ٦٢٨ هـ وافتتحت سنة ٦٣٠ هـ وأول مَنْ وليها محدث عصره الشيخ تقي الدين بن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (انظر الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والنعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ١٩ فما بعد). (٤) السبكي: طبقات الشافعية، ج ٦ ص ١٧٠ - ١٧١ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية، ج ٢ ص ١٩١. (٥) من ذلك مثلًا "المنتقى من منهاج الاعتدال" لشيخه ابن تيمية (وانظر الفصل الخاص بكتبه). (٦) من ذلك مثلًا كتاب "العلو" (وانظر الفصل الخاص بكتبه). (٧) الذهبي: معجم الشيوخ م ١ الورقة ٤. (٨) قال في ترجمة شيخه بهاء الدين أبي المحاسن عبد المحسن بن محمد المعروف بابن العديم المتوفى سنة ٧٠٤ هـ: "وكان يدخل في ترهات الصوفية" (معجم الشيوخ، م ١ =

стр. 36

طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (١). وهو يذكر أن علم المنطق "نفعهُ قليلٌ وضرره وبيلٌ وما هو من علوم الإسلام" (٢)، ويقول عن الفلسفة: "الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها مَنْ يُرْجَى فلاحهُ ولا يركن إلى اعتقادها مَنْ يلوح نجاحه؛ فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال مَنْ لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه باللّه، إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم كسفة فما الظن بالمردود عليهم؟! " (٣). ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقةَ ابن تيمية، أنْ جعلت بعضَ الناس يجدون فيها سببًا لطعنهم في كتاباتهم بسبب اعتقادهم بتحيزها (٤). وقد أثارت هذه المطاعنُ نقاشًا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (٥) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في تاريخ الإسلام (٦). ومع أن كثيرًا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبيِّ بسبب العقائد كان يغلب عليها طابَعُ التحاملِ والتعصب (٧). إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأنَّ تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطًا شديدًا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية. وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحًا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه فاهتم اهتمامًا كبيرًا بالتراجم حتى صارت أساسَ كتابه ومحور تفكيره. ثم أثر تكوينه الفكري هذا في نظرته إلى الأحداثِ التاريخية وأسس _________ = الورقة ٨٥). (١) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الأحمدي البازدار المتوفى سنة ٧٢٥ هـ: "كان من كبار الأحمدية، وله أتباع، ثم إنه تاب وترك تلك الرعونات" (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٠). (٢) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٤ وقال في ترجمة أحد شيوخه: "ثم دخل في المنطق، فاللّه يسلم، ثم أقبل على شأنه" معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٦٦ - ٦٧. (٣) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٥ - ٢٦ وانظر معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٤٩. (٤) السبكي: معيد النعم، ص ٧٤، والطبقات، ج ٢ ص ١٣ - ١٥، ٢٢ - ٢٥، ج ٩ ص ١٠٣. (٥) السخاوي: الإعلان، ص ٤٩٩ فما بعد، وابن عبد الهادي: معجم الشافعية، الورقة ٤٧ - ٤٨. (٦) انظر أدناه الباب الثاني تجد فيه تفصيلًا مغنيًا. (٧) انظر الفصل الأخير من الباب الثاني.

стр. 37

انتقائها ونوعية اهتماماته؛ كما ستراه مفصلًا في الباب الثاني من هذه المقدمة. سابعًا: نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية: بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم "تاريخ الإسلام" الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤ هـ (١). وقد تولى الذهبيُّ في سنة ٧٠٣ هـ الخطابةَ بمسجد كفر بطنا (٢)، وهي قريةٌ بغوطة دمشق (٣)، وظل مقيمًا بها إلى سنة ٧١٨ هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرةَ كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وفي شوال سنة ٧١٨ هـ توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن الشريشي الوائلي، وكيلُ بيتِ المال، وشيخُ دارِ الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (٤)، وكانت هذه الدار من كُبرياتِ دورِ الحديث بدمشق آنذاك (٥)، تولَّاها كمال الدين بن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة اعتبارًا من سنة ٦٨٥ هـ وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (٦). قال ابن كثير في حوادث سنة ٧١٨ هـ: "وفي يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضًا عن كمال الدين بن الشريشي … وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة" (٧). وقد اتخذها الذهبيُّ سكنًا له ثم مات فيها بعد ذلك. _________ (١) انظر الورقة الأخيرة من نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤. (٢) الحسيني: ذيل العبر، ص ٢٦٩، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٢٨. (٣) محمد كرد علي: غوطة دمشق، ص ٢٤. (٤) الذهبي: ذيل العبر، ص ٩٩، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٩١، النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٣٣ - ٣٤. (٥) النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣١٦، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر. (٦) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٨، ٩١، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣٤. (٧) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٨.

стр. 38

وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩ هـ ولي شمسُ الدين الذهبي دارَ الحديث الظاهرية (١) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهبل ونزل عن خطابة كفر بطنا (٢). ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩ هـ، تولَّى الذهبيُّ تدريسَ الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضًا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعًا بذلك (٣). وفي هذه السنة أيضًا، أعني سنة ٧٣٩ هـ، كمل تعميرُ دار الحديث والقرآن التنكزية (٤)، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (٥). وقد أَخطأ محيي الدين عبد القادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين بن تيمية في دار الحديث السكرية (٦)، فترجمه فيها (٧) وكرر ذلك مع أن الذهبيَّ لم يتول هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن "التنكزية" تحرفت إلى "السكرية" (٨) فظن الرجلُ أنه تَولَّاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن _________ (١) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة ٦٧٦ هـ، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها: النعيمي: الدارس، ج ١ ص ٣٤٨. (٢) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٤٣. (٣) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٦ وتجد نص التوقيع في كتابه. (٤) منسوبة إلى الأمير تنكز نائب الشام، وليها سنة ٧١٢ هـ ومات معتقلًا بالإسكندرية في أوائل سنة ٧٤١ هـ (الحسيني: ذيل العبر، ص ٢١٩ - ٢٢٠، ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ٥٥ - ٦٢) قال ابن كثير في حوادث سنة ٧٣٩ هـ: "ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا لكل منهم جِرايةٌ وجامكية كل شهرٍ سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرًا يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهمًا وثماني أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن … " إلخ، ج ١٤ ص ١٨٤. (٥) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٨٤، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ١٢٣. (٦) تنبيه الدارس، ج ١ ص ٧٧ - ٧٨. (٧) المصدر نفسه، ج ١ ص ٧٨ - ٧٩. (٨) علمًا بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من البداية والنهاية (ج ١٤ ص ١٨٤) وهذه النسخة كثيرة الأغلاط كما هو معروف.

стр. 39

ترجم لشيخها تقي الدين بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ: "ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد .. ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي، قال الشيخ شمس الدين السيد في ذيل العبر في (١) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (٢) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي. انتهى، وقال الصلاح الصفدي في تاريخه في حرف السين: سليمان بن عبد الحكم … إلخ" (٣) ثم قال في "دار القرآن والحديث التنكزية" من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: "قال السيد الحسيني في ذيل العبر في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (٤): والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية. وقال الصلاح الصفدي في تاريخه في حرف السين: سليمان بن عبد الحكم … إلخ". (٥) وهذا النص الأخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في ذيل العبر (٦). إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأنَّ الذهبيَّ خلف ابن تيمية سنة ٧٢٨ هـ في دار الحديث السكرية وهو وهمٌ لا أساسَ له (٧). ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية (٨)، التي أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة ٥٩٦ هـ. وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن. وحينما توفي سنة ٧٤٨ هـ كان يتولى مشيخة _________ (١) زيادة مني يقتضيها السياق. (٢) هكذا في الأصل. وفي ذيل العبر (ص ٢٧٦) وذيل تذكرة الحفاظ (ص ١١٩): عبد الحكيم. وهو الصحيح. (٣) النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٧٧ - ٨٠. (٤) زيادة من عندي يقتضيها السياق. (٥) النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ١٢٧. (٦) الحسيني: ذيل العبر ص ٢٧٦. (٧) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج ١ ص ٢٢ والطريف أن ابن تيمية لم يكن متوليًا لهذه المدرسة سنة ٧٢٨ هـ فقد اعتقل في ١٦ رمضان سنة ٧٢٦ هـ وظل معتقلًا بالقلعة إلى حين وفاته في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨ (ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٢٣، ١٣٥). (٨) النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٩٤.

стр. 40

الحديث في خمسة أماكن هي: ١ - مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين بن الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته (١). ٢ - دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين بن الواني الحنفي في مرض موته أيضًا فدرس فيها في ذي القعدة (٢). ٣ - دار الحديث التنكزية، ودرس فيها بعده الإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكيم المالكي كما مر بنا قبل قليل (٣). ٤ - دار الحديث الفاضلية بالكَلَّاسة، ودَرَّس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٤). ٥ - تربة أم الصالح، دَرَّس فيها بعده تلميذه أبو الفداء عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٥). ثامنًا: وفاته وأولاده: أضرَّ الذهبيُّ في أُخرياتِ سني حياته، قبل موتِه بأربع سنين أو أكثر، بماءٍ نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بَصَرُكَ، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرَف بنفسي، لأنني ما زال بصري ينقص قليلًا قليلًا إلى أنْ تكامل عدمه (٦). وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨ هـ ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاةَ عليه جملةٌ من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي (٧). وقد رَثاهُ _________ (١) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦ وهو منسوب إلى شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٨٢). (٢) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦. (٣) وانظر أيضًا ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦. (٤) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦، والنعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٩٤. (٥) قال في كتابه البداية والنهاية في حوادث سنة ٧٤٨ هـ: "وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضًا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسًا مشهودًا ولله الحمد والمنة … إلخ" ج ١٤ ص ٢٢٥. (٦) الصفدي: نكت الهميان، ص ٢٤٢، ابن دقماق: ترجمان الزمان، الورقة ٩٩. (٧) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٥ - ١٠٦ وقد زاره والده تقي الدين السبكي قبل المغرب =
следующие страницы →