← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (١). وهو يذكر أن علم المنطق "نفعهُ قليلٌ وضرره وبيلٌ وما هو من علوم الإسلام" (٢)، ويقول عن الفلسفة: "الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها مَنْ يُرْجَى فلاحهُ ولا يركن إلى اعتقادها مَنْ يلوح نجاحه؛ فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق، ولكن ضلال مَنْ لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري، واغوثاه باللّه، إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم كسفة فما الظن بالمردود عليهم؟! " (٣). ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقةَ ابن تيمية، أنْ جعلت بعضَ الناس يجدون فيها سببًا لطعنهم في كتاباتهم بسبب اعتقادهم بتحيزها (٤). وقد أثارت هذه المطاعنُ نقاشًا بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده (٥) وهو ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في تاريخ الإسلام (٦). ومع أن كثيرًا من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبيِّ بسبب العقائد كان يغلب عليها طابَعُ التحاملِ والتعصب (٧). إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف بأنَّ تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطًا شديدًا بالحديث والمحدثين ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية. وقد أثر ذلك، كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيرا واضحًا حينما ربطه بالحديث النبوي الشريف وعلومه فاهتم اهتمامًا كبيرًا بالتراجم حتى صارت أساسَ كتابه ومحور تفكيره. ثم أثر تكوينه الفكري هذا في نظرته إلى الأحداثِ التاريخية وأسس _________ = الورقة ٨٥). (١) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الأحمدي البازدار المتوفى سنة ٧٢٥ هـ: "كان من كبار الأحمدية، وله أتباع، ثم إنه تاب وترك تلك الرعونات" (معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٠). (٢) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٤ وقال في ترجمة أحد شيوخه: "ثم دخل في المنطق، فاللّه يسلم، ثم أقبل على شأنه" معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٦٦ - ٦٧. (٣) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٥ - ٢٦ وانظر معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٤٩. (٤) السبكي: معيد النعم، ص ٧٤، والطبقات، ج ٢ ص ١٣ - ١٥، ٢٢ - ٢٥، ج ٩ ص ١٠٣. (٥) السخاوي: الإعلان، ص ٤٩٩ فما بعد، وابن عبد الهادي: معجم الشافعية، الورقة ٤٧ - ٤٨. (٦) انظر أدناه الباب الثاني تجد فيه تفصيلًا مغنيًا. (٧) انظر الفصل الأخير من الباب الثاني.

стр. 37

انتقائها ونوعية اهتماماته؛ كما ستراه مفصلًا في الباب الثاني من هذه المقدمة. سابعًا: نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية: بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم "تاريخ الإسلام" الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤ هـ (١). وقد تولى الذهبيُّ في سنة ٧٠٣ هـ الخطابةَ بمسجد كفر بطنا (٢)، وهي قريةٌ بغوطة دمشق (٣)، وظل مقيمًا بها إلى سنة ٧١٨ هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرةَ كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وفي شوال سنة ٧١٨ هـ توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن الشريشي الوائلي، وكيلُ بيتِ المال، وشيخُ دارِ الحديث بتربة أم الصالح وغيرها (٤)، وكانت هذه الدار من كُبرياتِ دورِ الحديث بدمشق آنذاك (٥)، تولَّاها كمال الدين بن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة اعتبارًا من سنة ٦٨٥ هـ وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله (٦). قال ابن كثير في حوادث سنة ٧١٨ هـ: "وفي يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضًا عن كمال الدين بن الشريشي … وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة" (٧). وقد اتخذها الذهبيُّ سكنًا له ثم مات فيها بعد ذلك. _________ (١) انظر الورقة الأخيرة من نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤. (٢) الحسيني: ذيل العبر، ص ٢٦٩، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٢٨. (٣) محمد كرد علي: غوطة دمشق، ص ٢٤. (٤) الذهبي: ذيل العبر، ص ٩٩، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٩١، النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٣٣ - ٣٤. (٥) النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣١٦، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر. (٦) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٨، ٩١، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٣٤. (٧) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ٨٨.

стр. 38

وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩ هـ ولي شمسُ الدين الذهبي دارَ الحديث الظاهرية (١) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد بن جهبل ونزل عن خطابة كفر بطنا (٢). ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩ هـ، تولَّى الذهبيُّ تدريسَ الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضًا عنه، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعًا بذلك (٣). وفي هذه السنة أيضًا، أعني سنة ٧٣٩ هـ، كمل تعميرُ دار الحديث والقرآن التنكزية (٤)، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها (٥). وقد أَخطأ محيي الدين عبد القادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين بن تيمية في دار الحديث السكرية (٦)، فترجمه فيها (٧) وكرر ذلك مع أن الذهبيَّ لم يتول هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن "التنكزية" تحرفت إلى "السكرية" (٨) فظن الرجلُ أنه تَولَّاها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن _________ (١) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة ٦٧٦ هـ، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها: النعيمي: الدارس، ج ١ ص ٣٤٨. (٢) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٤٣. (٣) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٦ وتجد نص التوقيع في كتابه. (٤) منسوبة إلى الأمير تنكز نائب الشام، وليها سنة ٧١٢ هـ ومات معتقلًا بالإسكندرية في أوائل سنة ٧٤١ هـ (الحسيني: ذيل العبر، ص ٢١٩ - ٢٢٠، ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ٥٥ - ٦٢) قال ابن كثير في حوادث سنة ٧٣٩ هـ: "ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا لكل منهم جِرايةٌ وجامكية كل شهرٍ سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرًا يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهمًا وثماني أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن … " إلخ، ج ١٤ ص ١٨٤. (٥) ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٨٤، النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ١٢٣. (٦) تنبيه الدارس، ج ١ ص ٧٧ - ٧٨. (٧) المصدر نفسه، ج ١ ص ٧٨ - ٧٩. (٨) علمًا بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من البداية والنهاية (ج ١٤ ص ١٨٤) وهذه النسخة كثيرة الأغلاط كما هو معروف.

стр. 39

ترجم لشيخها تقي الدين بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ: "ثم وليها بعده الحافظ الذهبي وهو محمد .. ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر المالكي، قال الشيخ شمس الدين السيد في ذيل العبر في (١) سنة تسع وأربعين وسبع مئة: والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم (٢) المالكي مدرس الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي. انتهى، وقال الصلاح الصفدي في تاريخه في حرف السين: سليمان بن عبد الحكم … إلخ" (٣) ثم قال في "دار القرآن والحديث التنكزية" من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: "قال السيد الحسيني في ذيل العبر في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (٤): والإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكم المالكي شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ التنكزية بعد الذهبي. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث السكرية. وقال الصلاح الصفدي في تاريخه في حرف السين: سليمان بن عبد الحكم … إلخ". (٥) وهذا النص الأخير هو الصحيح وهو الذي أورده الحسيني في ذيل العبر (٦). إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأنَّ الذهبيَّ خلف ابن تيمية سنة ٧٢٨ هـ في دار الحديث السكرية وهو وهمٌ لا أساسَ له (٧). ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية (٨)، التي أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة ٥٩٦ هـ. وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن. وحينما توفي سنة ٧٤٨ هـ كان يتولى مشيخة _________ (١) زيادة مني يقتضيها السياق. (٢) هكذا في الأصل. وفي ذيل العبر (ص ٢٧٦) وذيل تذكرة الحفاظ (ص ١١٩): عبد الحكيم. وهو الصحيح. (٣) النعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٧٧ - ٨٠. (٤) زيادة من عندي يقتضيها السياق. (٥) النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ١٢٧. (٦) الحسيني: ذيل العبر ص ٢٧٦. (٧) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج ١ ص ٢٢ والطريف أن ابن تيمية لم يكن متوليًا لهذه المدرسة سنة ٧٢٨ هـ فقد اعتقل في ١٦ رمضان سنة ٧٢٦ هـ وظل معتقلًا بالقلعة إلى حين وفاته في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨ (ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٢٣، ١٣٥). (٨) النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٩٤.

стр. 40

الحديث في خمسة أماكن هي: ١ - مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين بن الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته (١). ٢ - دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين بن الواني الحنفي في مرض موته أيضًا فدرس فيها في ذي القعدة (٢). ٣ - دار الحديث التنكزية، ودرس فيها بعده الإمام صدر الدين سليمان بن عبد الحكيم المالكي كما مر بنا قبل قليل (٣). ٤ - دار الحديث الفاضلية بالكَلَّاسة، ودَرَّس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٤). ٥ - تربة أم الصالح، دَرَّس فيها بعده تلميذه أبو الفداء عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٥). ثامنًا: وفاته وأولاده: أضرَّ الذهبيُّ في أُخرياتِ سني حياته، قبل موتِه بأربع سنين أو أكثر، بماءٍ نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بَصَرُكَ، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرَف بنفسي، لأنني ما زال بصري ينقص قليلًا قليلًا إلى أنْ تكامل عدمه (٦). وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨ هـ ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاةَ عليه جملةٌ من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي (٧). وقد رَثاهُ _________ (١) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦ وهو منسوب إلى شرف الدين محمد بن عروة الموصلي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (النعيمي: تنبيه الدارس، ج ١ ص ٨٢). (٢) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦. (٣) وانظر أيضًا ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦. (٤) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦، والنعيمي: تنبيه، ج ١ ص ٩٤. (٥) قال في كتابه البداية والنهاية في حوادث سنة ٧٤٨ هـ: "وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضًا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسًا مشهودًا ولله الحمد والمنة … إلخ" ج ١٤ ص ٢٢٥. (٦) الصفدي: نكت الهميان، ص ٢٤٢، ابن دقماق: ترجمان الزمان، الورقة ٩٩. (٧) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٥ - ١٠٦ وقد زاره والده تقي الدين السبكي قبل المغرب =

стр. 41

غيرُ واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي (١) والتاج السبكي (٢) وغيرهم. ترك الذهبي ثلاثةً من أولاده عُرِفوا بالعلم هم: ١ - ابنته أمة العزيز، وقد أجاز لها غيرُ واحدٍ باستدعاء والدها منهم: شيخ المستنصرية رشيد الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله البغدادي المتوفى سنة ٧٠٧ هـ (٣). ويظهر أنها تزوجت في حياة والدها وخلفت ولدًا اسمه عبد القادر سمع مع جده من أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة ٧٣٧ هـ (٤)، وأجاز له جده رواية كتابه تاريخ الإسلام (٥). ٢ - ابنه أبو الدرداء عبد الله، ولد سنة ٧٠٨ هـ وأسمعه أبوه من خَلْقٍ كثير، وحدث ومات في ذي الحجة سنة ٧٥٤ هـ (٦). ٣ - ابنه شهاب الدين أبو هريرة عبد الرحمن، ولد سنة ٧١٥ هـ وسمع مع والده أجزاء حديثية كثيرة (٧)، وسمع من عيسى المطعم الدلال المتوفى سنة ٧١٩ هـ، وخرج له أبوه أربعين حديثًا عن نحو المئة نفس، وحدث منذ سنة ٧٤٠ هـ وتأخرت وفاته إلى ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ (٨) وخلف ولدًا اسمه محمد، سمع مع جده (٩)، وأجاز له جده رواية كتابه تاريخ الإسلام (١٠). _________ = وسأله عن حاله. الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٥٦، ونكت الهميان، ص ٢٤٢، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧ وغيرهم ممن ترجم له. (١) الوافي، ج ٢ ص ١٦٥. (٢) طبقات، ج ٩ ص ١٠٩ - ١١١ وهي طويلة أورد بعضها، وابن قاضي شهبة: الإعلام، م ١ الورقة ٩٠. (٣) الذهبي: منتقى المعجم المختص، الورقة ٣٩ (باريس ٠٧٦ ٢) ومعجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٤٦، وانظر أيضًا م ١ ورقة ٧٨. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٧. (٥) راجع طرة المجلد الحادي والعشرين من "تاريخ الإسلام" الذي بخط الذهبي (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٦) ابن حجر: الدرر، ج ص ٣٩٢. (٧) انظر مثلًا: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٣٨، ٦٩ - ٧٠، ٧٤ - ٧٥، ٧٨، ٨٥، م ٢ الورقة ٤٥،٤٤، ٥٣. (٨) ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ٤٤٩، والتونسي: دستور الإعلام بمعارف الأعلام، الورقة ١١٦ (نسخة ولى الدين جار الله ١٦٠٥ - ٦٩٧). (٩) معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٤٤. (١٠) انظر طرة المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا ٣٠١٤).

стр. 42

الفصل الثاني منزلة الذهبي العلمية لعل خيرَ ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خَلَّفها، وتبيان قيمتها مقارنةً بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسينَ بها في العصورِ التالية، والمساهمة الفعلية التي قَدَّمتها للحضارة الإسلامية (١). وسيرة الذهبي العلمية، استنادًا إلى آثاره، ذات وجوهٍ متعددة يَستبينها الباحثُ الفاحصُ من نوعية تلك الآثار. وأول ما يلاحظ الدارسُ العَدَد الضخمَ من الكتبِ التي اختصرها والتي تربو على خمسين كتابًا، معظمها من الكتب الكبيرةِ التي اكتسبت أهميةً عظيمة عند الدارسين، والتي تُعَدُّ من بين أحسن الكتبِ التي وضعت في عصرها وأكثرها أصالةً، مما يدلُّ على استيعاب الذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته بالجيد الأصيلِ منها، وتمتعه بقابليةٍ ممتازة على الانتقاء. ومما يثيرُ الانتباهَ أنَّ مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمودُ والنقلُ، بل إنَّ المطلع عليها الدارس لها برويةٍ وإمعان يجد فيها إضافاتٍ كثيرة، وتعليقاتٍ نفيسة، واستدراكاتٍ بارعة، وتصحيحاتٍ وتصويباتٍ لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارناتٍ تَدلُّ على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر؛ فهو اختصارٌ مع سَدِّ نقصٍ وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذي أُوتُوا بسطةً في العلم ومعرفة في فنونه. والذهبي حين يُضيفُ إلى الكتابِ المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص _________ (١) استوفينا آثار الذهبي في كتابنا: "الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام" المطبوع بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م ص ١٣٩ - ٢٧٦ فراجعه إن شئت استزادة.

стр. 43

يعتري ذلك الكتاب. فحينما اختصر - مثلًا - كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لعز الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٥ هـ زاده من عدة تواريخ منها: "تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص" لأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، و"مسند" الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ، و"مسند" بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، و"طبقات" ابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، ومن كتابات ابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ (١). وقال سبط ابن حجر عند كلامه على اختصار الذهبي لمعجم شيوخ الأئمة النبل لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ: "زاده فوائد ومحاسن" (٢). ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقاتٍ نفيسة، من ذلك - مثلًا - ما عمله في كتاب "الكاشف" الذي اختصره من "تهذيب الكمال" لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على روح النص الأصلي، فقد بَثَّ فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفًا من تآليفه مخالفًا للأصل المختصر منه في كثيرٍ من الأمور، وآيةُ ذلك أنه عَلَّقَ على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلا أو إبطالًا، كما حقق كثيرًا من التراجم وزادها تدقيقًا لا نجده في الأصل. فضلًا عن بيان رأيه في كثير من الرواة على أسس من دراساته الواسعة وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يَصِفَ هذا المختصر بأنه "كتاب نفيس" (٣). وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات، فمن ذلك - مثلًا - ما ظهر في مختصره لكتاب "المستدرك على الصحيحين" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ الذي قصد فيه مؤلفه أن يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته يدل على ذلك _________ (١) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٢١٨. (٢) رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠. (٣) طبقات الشافعية، ج ٩ ص ١٠٤.

стр. 44

قوله في ترجمة الحاكم في سير أعلام النبلاء (١): "في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل؛ فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء". وغالبًا ما يقوم الذهبي بتخريج الأحاديث الواردة في الكتب التي يقوم باختصارها، فغالب التخريج في كتاب "تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" الذي لخصه من كتاب "العلل" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ هو من كلام الذهبي (٢). ولما اختصر الذهبي كتاب "السنن الكبرى" للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تَدلُّ على تبحُّرهِ بهذا الفن، ووضع رموزًا على الحديث لمن خَرَّجه من أصحاب الصحيحين والسنن الأربع، وخَرَّجَ الأحاديثَ التي لم ترد في هذه الكتب الستة. وكثيرًا ما كان الذهبي يخرج تراجمَ الكتب التي يختصرها في علم الرجال، من ذلك - مثلًا - ما عمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ حيثُ زادَ في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحبِ الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيثي في تاريخه (٣). كما تظهر مقارنات دقيقة بالكتب والتواريخ التي من بابته كتاريخ محب الدين بن النجار المتوفى سنة ٦٤٣ هـ الذي ذَيَّلَ به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ (٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ (٥)، والتكملة لوفيات النقلة _________ (١) سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦. (٢) الذهبي: تلخيص العلل، ورقة ٨٥ (نسخة الأزهر رقم ٢٩٠ حديث). (٣) انظر المختصر المحتاج، مثلًا ج ١ ص ١٨، ٢٠، ٢١، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٥، ٤٠، ٤٢، ٤٤، ٤٧، ١٠١، ١١٦، ١١٧، ١١٩، ١٤٨، ١٧٩، ١٩٩، … إلخ. (٤) انظر المختصر المحتاج، مثلًا ج ١ ص ٢١، ٤٩، ٥١، ٦٩، ٧٢، ٧٧، ٨٠، ١٠١، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٢، ١٧٥، ١٧٨، ١٨١، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٨، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١١، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٢٨، … إلخ. (٥) المصدر السابق، مثلًا ج ١ ص ١٥٨.

стр. 45

لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (١) وغيرها. أو من كتب الشعر ككتاب "الخريدة" للعماد الأصبهاني القرشي المتوفى سنة ٥٩٦ هـ (٢). أو من كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٦ هـ (٣)، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ وصاحب "المشيخة" المشهورة (٤)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الأبرقوهي المتوفى سنة ٧٠١ هـ (٥)، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (٦) وغيرهم كثير أو من خطوط العلماء نحو قوله: "قرأت بخط ابن قدامة" (٧). فضلًا عما أضافَ هو من الأسانيدِ التي قرأها على شيوخه مما يَتَّصلُ بتلك التراجم، وهي إضافةٌ أصيلةٌ للترجمة، فهو حينما يقول مثلًا: "وروى لنا عنه بمصر أبو المعالي الأبرقوهي" (٨) أو "روى لنا عنه أبو العباس بن الظاهري وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبد الدائم ومحمد بن يوسف الإربلي … إلخ" (٩) فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (١٠). ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضًا تواريخ وفيات المترجمين الذين لم يذكُرْ صاحبُ الكتاب الأصلي وفياتهم، فنحن نعلم - مثلًا - أن ابن الدبيثي لم يذكر وفاة أحدٍ ممن ذكرهم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة ٦٢١ هـ وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخرَ إخراجٍ له (١١)، في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري، فاستخرج الذهبيُّ وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون _________ (١) المصدر نفسه ج ١ ص ١٧٥. (٢) المختصر، ج ١ ص ٢٢٥. (٣) المختصر، مثلًا ج ٢ ص ٦٢. (٤) المصدر نفسه، مثلًا ج ٢ ص ٦٣. (٥) المختصر، مثلًا ج ٢ ص ٣٦. (٦) المصدر نفسه، مثلًا ج ٢ ص ٣٦، ٦٢. (٧) المصدر نفسه، مثلًا ج ١ ص ٦٥. (٨) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢١. (٩) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢٣. (١٠) انظر مزيدًا من الأمثلة، المختصر، مثلًا ج ١ ص ٧٦، ١٣٠، ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢، ٢٢٦، ٢٣١. (١١) انظر كتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته، ص ٤ (بغداد ١٩٧٤).

стр. 46

معلومات الكتاب أتم (١). يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الأحاديث الواردة في هذه المختصرات بسنده إذا وجد مجالًا لذلك (٢). وأعاد الذهبيُّ تنظيمَ بعض الكتبِ التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب "الكنى" لأبي أحمد الحاكم المتوفى سنة ٣٧٨ هـ أعادَ ترتيبَهُ على حروفِ المعجم بعد أنْ أضافَ إليه أشياء أخرى مما ليس فيه (٣). كما رتب "المجرد من تهذيب الكمال" على عشرة طبقاتٍ ورَتَّبَ كُلَّ طبقةٍ على حروف المعجم، في حين كان كتاب "تهذيب الكمال" للمزي مرتبًا على حروف المعجم (٤). وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عُني بالقراءاتِ ودرسها على كبار شيوخِ عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح "الأستاذ الثقة الكبير" (٥) فيها. وذكر ابنُ ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ أنه كان "إمامًا في القراءات" (٦). لكننا نلاحظُ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل جدًّا (٧). ولعلَّ السببَ في ذلك يعود إلى أنه عُنيَ بهذه الناحية في مطلع حياته العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديثِ والتاريخ وغيرهما. ولم نعرف من آثاره في هذا الفن غير كتاب "التلويحات في علم القراءات" (٨) وكتاب "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى القراءات وإنْ كانت محتوياته غالبًا ما تتعلقُ بموضوع القراءات. وقد شهد له ابن الجزري بالإحسان فيه (٩)، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه "غاية النهاية" كما _________ (١) انظر المختصر المحتاج إليه، مثلًا ج ١ ص ٧٦، ٨٦، ١٠٦، ١٣٣، ١٥١، ١٥٢، .. إلخ ونجد أيضًا ذكرًا لوفيات من يرد اسمه عرضًا في بعض الأحيان ج ١ ص ١٠٣. (٢) المختصر المحتاج إليه ج ١ ص ٤٩، ٦٥. (٣) انظر مقدمة نسخة فيض الله رقم ١٥٣١ من الكتاب. (٤) انظر كلامنا على كتاب "المجرد من تهذيب الكمال " في كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٣٠. (٥) ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١. (٦) الرد الوافر، ص ٣١. (٧) ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١، قال: "ولم أعلم أحدًا قرأ عليه القراءات كاملًا، بل شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو والبقرة جمعًا. وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد بن اللبان وجماعة. وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن ". (٨) انظر كتابنا الذهبي ومنهجه ١٤٠. (٩) غاية، ج ٢ ص ٧١.

стр. 47

نَصَّ على ذلك في المقدمة (١) ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه "كتاب حافل" (٢). ومع كل ذلك فإنَّ هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف الوجوه وأقلها آثارًا. على أنَّ مكانة الذهبيِّ العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقًا وأكثرها تألقًا عند دراستنا له مُحَدِّثًا يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبيُّ في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة "حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفًا" (٣). وقد رأينا إقباله العظيم عليه وشَرَهه لسماعِه وذاك العدد الضخم من الشيوخ الذين حوتهم معجماتُ شيوخِه الثلاثة والكتب والأجزاء والمجاميع الكثيرة التي قرأها على الشيوخ أكثر من مرة. وقد فَتحتْ له هذه المعرفةُ الواسعة آفاقًا عظيمةً في هذا الفن فاختصر عددًا كبيرًا من الكتب وألَّفَ عددًا أكبر يستبينه الباحثُ عند إلقائِه نظرةً على قائمةِ مؤلفاتِه في هذا المجال. كما ألف في مصطلح الحديث كتبًا، وخرَّجَ التخاريجَ الكثيرة من الأربعينات، والثلاثينات، والعوالي، والأجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فَصَّلْنَا القولَ فيه عند كلامنا على آثاره. ومع أن الذهبي قد عاش في عصرٍ غَلَبَ عليه الجمودُ والنقلُ والتلخيص، فإنه قد تخلَّص من كثيرٍ من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته، قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "لم أجدْ عنده جُمودَ المحدثين ولا كودنة (٤) النَّقَلَةِ بل هو فقيهُ النظر له دُرْبةٌ بأقوالِ الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات. وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنَّه لا يتعدى حديثًا يورده حتى يُبَيِّنَ ما فيه من ضَعْفِ متنٍ أو ظلامِ إسنادٍ أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده" (٥). إن هذه البراعة في علم الحديث والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبيَّ ينطلق بعد ذلك يُجَرِّحُ، ويُعَدِّلُ، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على _________ (١) المصدر نفسه، ج ١ ص ٣. (٢) الإعلان، ص ٥٦٤. (٣) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٦. (٤) الكودنة: البلادة. (٥) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.

стр. 48

كبار العلماء (١)، "فدخل في كل باب من أبوابه" على حَدِّ تعبيرِ تلميذِه تاج الدين السبكي (٢)، حتى أطلق عليه معاصروه "محدث العصر" (٣). وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلًا الله أنْ يصلَ إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته (٤). ومفهومُ التاريخِ عند الذهبيِّ يَتَّصلُ اتصالًا وثيقًا بالحديث النبوي وعلومه، ويظهر ذلك من كتب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم "التاريخ". وقد أصبح واضحًا أن الغاية الرئيسية من العناية بالرجال تأتي لضبط الرواة أولًا (٥)، وهو ما يظهرُ في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عن المحدثين المؤرخين لاسيما في ذلك العصر (٦). وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرتُه الواسعةُ باعتباره مؤرخًا، كما نرى. وقد خلف الذهبيُّ في هذا الفن عددًا ضخمًا من الآثار ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل "تاريخ _________ (١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٥. (٢) الطبقات الوسطى (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم ٥٥٤). (٣) السبكي: الطبقات، ج ٩ ص ١٠٠، العيني: عقد الجمان، ورقة ٣٧ (أحمد الثالث رقم ٢٩١١). (٤) استنادًا إلى حديث رسول الله ﷺ "ماء زمزم لما شُربَ له" وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في الإعلان (ص ٤٧٢). وقديمًا شرب ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ ماء زمزم وطلب علمًا نافعًا (الذهبي: تذكرة، ج ٢ ص ٧٢١). وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ: "شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حُسْنَ التصنيف" (الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ١٠٤٤). وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ رسالة في "التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم" منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم ٣٣١٧. (٥) انظر كتابنا: "أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين". بغداد، مطبعة الحكومة ١٩٦٦ م، وبحثنا: "مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين" المنشور في مجلة الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الثالث ١٩٦٥ م. (٦) حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ أن من بين مستدركاته على الذهبي في كتابه "المشتبه" أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم روايةٌ حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: "فإنَّ غالب من ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي والسير والمبتدأ والأنساب والتواريخ والأخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد في ذلك من الأسماء ولو لم يكن لهم رواية". تبصير المنتبه، ج ٤ ص ١٥١٣.

стр. 49

مدينة السلام" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والذيول عليه لابن السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، وابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ، وابن النجار المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. ومنها أيضًا "تاريخ دمشق" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، و"تاريخ مصر" لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، و"تاريخ نيسابور" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، و"تاريخ خوارزم" لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨ هـ. ومن كتب الوفيات: "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ وصلته للحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ. ومن كتب الأنساب: كتاب "الأنساب" لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ. ومن كتب الصحابة كتاب "أسد الغابة" لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ. ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب "تهذيب الكمال في معرفة الرجال" لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، و"المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة النبل" لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ وغيرها. فكانت هذه المختصراتُ المادةَ الرئيسةَ التي كَوَّنَتْ شخصيته العلمية ومعرفته بالعصور السابقة. أما تراجم المعاصرين فَيُعَدُّ الذهبيُّ من بين أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهميةَ هذا الأمر فكان كتابه "المعجم المختص بالمحدثين" خير دليل على ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي (١)، لأنَّ هذا هو التاريخ الأكثر أهمية وخطرًا، وهو الذي يعطي المؤرخَ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن غيره. لقد أنتجت هذه المعرفةُ الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها كتابه العظيم "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" الذي هو إلى كتب الرجال أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث كما سيأتي بيانه في فصول قادمة، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي سوف نُفَصِّلُ القولَ فيها في فصل آتٍ. ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال أنه لم يقتصر في تأليفه على عصرٍ معين، أو فئةٍ معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت _________ (١) ابن الوردي: تتمة المختصر، ج ٢ ص ٣٤٩.

стр. 50

مؤلفاتُه رجالَ الإسلام من أولِ ظهورهِ حتى عصره، بله المعاصرينَ له. وهو في كتابته للترجمة فنانٌ تراجميٌّ مليء بفن التراجم يجد الباحثُ فيها دقةً متناهيةً في التعبير وحبكًا للترجمة تشدُّ القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها، وإبداء لآرائه الشخصية فيها (١). وقد عانى الذهبيُّ كتابة "السيرة" وهو فَنٌّ خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة "الترجمة" المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة الفقه، والحديث، وغيرهم. ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول: "إنه كان شيخَ الجرحِ والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جُمعت الأمةُ في صعيدٍ واحد فنظرها ثم أخذ يعبر عنها إخبار مَنْ حَضَرها" (٢). وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (٣)، وعَدَّهُ الإمامُ السيوطيُّ المتوفى سنة ٩١١ هـ رأسَ طبقةٍ ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ وشهاب الدين النابلسي المتوفى سنة ٧٥٨ هـ (٤)، وهم من أعلام الحُفَّاظِ المحدثين المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيالٌ في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعةٍ أحدهم الذهبي (٥). ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددًا من المؤلفات الرئيسة فيه مثل تاريخ أبي شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هـ وتاريخ أبي الفدا المتوفى سنة ٧٣٢ هـ وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ وتواريخ: الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وابن الأثير المتوفى سنة _________ (١) انظر الباب الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في تاريخ الإسلام. (٢) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠١. (٣) السخاوي: الإعلام، ص ٢٠٤. (٤) السيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٥ فما بعد (نسخة الإسكندرية). (٥) المصدر نفسه، ورقة ٨٦.

стр. 51

٦٣٠ هـ وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ وغيرها مما يَطُولُ تَعدادُه (١). وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل "تاريخ الإسلام" و"العبر" و"دول الإسلام" وغيرها. ونَستبينُ من نطاقِ كتاباتِه هذه أنه كان مؤرخًا جَوَّالَ الذهنية استطاع استيعابَ عصورِ التاريخِ الإسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترةٌ تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أنْ درسها دراسةً عميقةً قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب. وهذا أمرٌ لم يتأت لكثيرٍ من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه. وحينما كتب الذهبيُّ كتابه "تذكرة الحفاظ" ورتبه على الطبقات تكلم في نهاية أكثرها على الأوضاع السياسيةِ والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجَملَ الأوضاعَ العامةَ بفقراتٍ قليلة دللت على سَعَةِ أُفقهِ التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبةٍ كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الإسلامي المترامي الأطراف بعبارةٍ وجيزة. وهذا أمرٌ لا يتأتى إلا لمن استوعبَ العصرَ ودرسه دراسةً عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم العام (٢). ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أُوتيَ من ذكاءٍ وإدراك واسعين جعلت منه ناقدًا رجاليًا ماهرًا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" الذي اعتبره معاصروه (٣) ومَنْ جاء بعدهم (٤) من أحسن كتبه وأجلها. وقد تناوله عددٌ كبيرٌ من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكًا وتعقيبًا وتلخيصًا بحيث قال شمس الدين السخاوي: "وعَوَّلَ عليه مَنْ جاء بعده" (٥). وللذهبيِّ التفاتاتٌ بارعة في أصول النقد؛ فقد ألف رسالة في "ذْكر مَنْ يعتمد قولُه في الجرح والتعديل" تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد _________ (١) انظر أدناه كلامنا على نهج الذهبي في الموارد. (٢) انظر مثلًا الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج ١ ص ٧٠، ١٥٨ - ١٦٠، ٢٤٤، ٣٢٨، ج ٢ ص ٥٣٠، ٦٢٧ - ٦٢٨، ج ٤ ص ١٢٦٦، ١٤٨٥. (٣) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٤، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٥. (٤) ابن حجر: لسان الميزان، ج ١ ص ٤. (٥) الإعلان، ص ٥٨٧.

стр. 52

وكيفية أخذ أقوالهم (١). وأورد في مقدمة "الميزان" عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبَيَّنَ مدلولاتها في النقد (٢). وهو في كتبه يشرح بعض هذه الأصول، من ذلك مثلًا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: "شيعيٌّ جَلْدٌ، لكنه صَدوقٌ، فلنا صِدْقُه وعليه بدعته. وقد وَثَّقَهُ أحمد بن حنبل، وابنُ معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليًا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائلٍ أنْ يقولَ: كيف ساغ توثيقُ مبتدعٍ وحَدُّ الثقةِ العدالةُ والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا مَنْ هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كَغُلُوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرق (٣)، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدةٌ بينةٌ. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوعُ لا يُحْتَجُّ بهم ولا كرامة .. ولم يكن أبان ابن تغلب يَعْرضُ للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًا أفضل منهما" (٤). وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: "أحَدُ الأعلامِ صَدوقٌ، تُكُلِّمَ فيه بلا حجةٍ، ولكن هذه عقوبةٌ من الله لكلامه في ابن مندة بهوى، قال الخطيب: "رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين. قلت (يعني الذهبي): هذا مذهبٌ رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضربٌ من التدليس. وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع، لا أُحبُّ حكايته، ولا أقبلُ قولَ كُلٍّ منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبًا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها … قلتُ: كلامُ الأقران بعضهم في بعض لا يُعْبَأُ به، لاسيما إذا لاحَ لكَ أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسد، ما ينجو منه إلا مَنْ عصم الله، وما علمتُ أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ، اللهم فلا تجعلْ في قلوبنا غلًا للذين _________ (١) نسخة أيا صوفيا رقم ٢٩٥٣، ونشرها صديقنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وطبعت أربع طبعات. (٢) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٣ - ٤. (٣) لعل هذا هو الأصوب في قراءتها، وفي الأصل: "تحرف" بالفاء. (٤) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٥ - ٦ وانظر أمثلة أخرى في معجم الشيوخ م ١ الورقة ٢٥٦، م ٢ الورقة ٧٢.

стр. 53

آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (١). ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعًا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سندٍ قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلًا - ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في "تاريخه" وذكر أن في حديثه خللًا كبيرًا، فقال: "ولا عبرةَ بكلام الفسويِّ" (٢) وأورد في "ميزان الاعتدال" مآخذَ الفسوي عليه ورَدَّ عليها ثم قال: "فهذا الذي استنكره الفسويُّ من حديثه ما سُبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد" (٣) والميزان مليءٌ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثيرِ الأمثلةِ منها. ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تَعَدَّى ذلك إلى نقدِ الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر؛ من ذلك مثلًا نقده لكتاب "الضعفاء" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ الذي اختصره وذَيَّلَ عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "قد أورده أيضًا العلامة ابن الجوزي في الضعفاء ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثقه. وهذا من عيوبِ كتابهِ يسردُ الجرحَ ويسكتُ عن التوثيق" (٤). وقال في ترجمة حفص بن بغيل من الميزان: "قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف. قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل مَنْ لم يقل فيه إمامٌ عاصَرَ ذاك الرجلَ أو أخذ عمن عاصره مما يدلُّ على عدالته. وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خَلْقٌ كثير مستورون، ما ضَعَّفَهُمْ أحدٌ ولا هُمْ بمجاهيل" (٥). وانتقد الذهبيُّ كتاب "الضعفاء" لأبي جعفر بن عمرو العقيلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ لإيرادِه بعضَ الثقاتِ ومنهم حافظ عصره _________ (١) نفسه، ج ١ ص ١١١ وانظر تاريخ الإسلام، الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الذهبي: تذكرة، ج ١ ص ٦٧. (٣) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج ٢ ص ١٠٧ وانظر: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٤) المصدر نفسه، ج ١ ص ١٦. وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في اللسان فراجعه هناك تجد فائدة. (٥) ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٥٥٦.

стр. 54

عليّ بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: "ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع" ورد عليه حينما نقل قولَ عبد الله بن أحمد بن حنبل: "كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه … ثم ترك حديثه"، بقوله: "بل حديثه عنه في مسنده" وهذا رَدٌّ مفحمٌ من الذهبي، بل قال بعد ذلك: "وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شَحَنَ صحيحه بحديث ابن المديني" (١). ولا يقتصر الذهبيُّ في نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرًا ما يذكر محاسنها ومميزاتها؛ فقد سبق أنْ قال إنَّ كتاب العقيلي مفيد (٢)، وقال عن كتاب "الكامل" لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥ هـ إنه "أكمل الكتب وأجملها في ذلك" (٣)، وقال في ترجمة الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ: "وإذا شئتَ أنْ تتبين براعةَ هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك" (٤). ونحن نعلم أيضًا أن الذهبيَّ قد عانى في تآليف خاصة رَدَّ بها على كتب معينة، فقد ألف كتابًا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة ٦٢٨ هـ (٥). كما ألف كتاب "مَنْ تُكُلِّمَ فيه وهو مُوَثَّقٌ" رَدَّ به على جملة من كتب الضعفاء. وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح "شيخَ الجرح والتعديل" كما ذكر تاج الدين السبكي (٦). وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين … وكان آيةً في نقد الرجال، عمدةً في الجرح والتعديل" (٧)، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ: "وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال" (٨)، فأصبحت أقوالُ الذهبيِّ فيمن يترجمُ لهم تُعتبرُ عند النقاد _________ (١) ميزان الاعتدال، ج ٣ ص ١٣٨ - ١٤٠. (٢) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢. (٣) المصدر نفسه، ج ١ ص ٢. (٤) تذكرة الحفاظ، ج ٣ ص ٩٩٣ - ٩٩٤. (٥) الذهبي: الرد على ابن القطان، (نسخة الظاهرية، مجموع رقم ٧٠). (٦) الطبقات، ج ٩ ص ١٠١. (٧) الرد الوافر، ص ٣١. (٨) الإعلان، ص ٧٢٢.

стр. 55

والمؤرخين الذين جاؤوا بعده أقصى حدودِ الاعتبار، وظهرتْ بصورةٍ جلية في المؤلفات التي كتبتْ بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ (١). وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الأمثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروحٍ علميٍّ يعتمدُ الدليلَ والإقناع، من ذلك - مثلًا - مناقشته لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حبان البستي التميمي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ بالزندقة لقوله: "إنَّ النبوة هي العلم والعمل" وما تبع ذلك من كتابةِ الخليفةِ أمرًا بقتله لهذا السبب، قال الذهبيُّ: "وهذا أيضًا له مَحْملٌ حَسَنٌ ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة. فمعلومٌ أن الرجلَ لا يصيرُ حاجًا بمجردِ الوقوفِ بعرفة، وإنما ذكر مهمَّ الحجِّ، ومهمَّ النبوة؛ إذْ أكملُ صفاتِ النبيِّ العلم والعمل، ولا يكون أحد نبيًا إلا أنْ يكون عالمًا عَاملًا. نعم، النبوةُ موهبةٌ من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلةَ للبشرِ في اكتسابها أبدًا، وبها يتولَّدُ العلمُ النافع الصالح، ولا ريبَ أن إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي" (٢). ومن الأمثلة الطريفة أيضًا مناقشته لمسألة معرفة النبي ﷺ الكتابة، فقال في ترجمة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ: "ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكَفَّرَهُ بإجازةِ الكَتْبِ على رسولِ الله ﷺ النبيِّ الأمي وأنه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك مَنْ لمَ يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنةَ وقَبَّحُوا عند العامة ما أتى به وتكلَّم به خطباؤهم في الجُمع وقال شاعرهم: برئت ممن شَرَى دنيا بآخرةٍ … وقال: إنَّ رسول الله قد كتبا وصنف أبو الوليد رسالةً بَيَّنَ فيها أن ذلك غير قادحٍ في المعجزة فرجع بها جماعة. قلتُ: ما كُلُّ مَنْ عرف أنْ يكتبَ اسمه فقط بخارجٍ عن كونه أميًّا لأنه _________ (١) انظر مثلًا كتابه: "لسان الميزان". (٢) الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ٩٢١ - ٩٢٢، وانظر أيضًا ميزان الاعتدال، ج ٣ ص ٥٠٧ - ٥٠٨ ففيه تفصيل أكثر في هذه المسألة.

стр. 56

لا يسمى كاتبًا. وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحُكْمُ للغَلَبةِ لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: "إنَّا أمةٌ أمية" أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٢)﴾ (١) [الجمعة] وقال في موضع آخر معقبًا على هذه المسألة أيضًا: "قلتُ: وما المانعُ من جوازِ تعلم النبيِّ ﷺ يَسيرَ الكتابةِ بعد أنْ كان أميًا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرةِ ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عَرَفَ من الخَطِّ وفهمه وكتبَ الكلمةَ والكلمتين كما كتبَ اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابتُه لهذا القَدْرِ اليسيرِ ما يُخْرِجُه من كونِه أميًا ككثييرٍ من الملوك أميين ويكتبون العلامة" (٢). ومثل هذا كثير في كتب الذهبي. وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان حنبليَّ العقيدةِ قد أثَّرَتْ فيه البيئةُ الدمشقيةُ وصُحْبَتُه لشيخِ الإسلام ابن تيمية. ومع أن الذهبي لم يكن متحمسًا للخوض في مضايق العقائد ويعتبر السكوت فيها أوْلى وأسلم (٣)، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها. وقد اعتبر "الاعتزال بدعة" (٤) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجومًا عنيفًا (٥). وكان على غايةٍ من الإعجاب بأعمالِ السلف وإنجازاتهم (٦)، واهتم اهتمامًا كبيرًا بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أُصيبوا بها حينما أعلن المأمونُ رأيه وألزم الناس القولَ بخلقِ القرآن، وبَيَّنَ مواقفهم الجريئة من هذا الأمر (٧). لقد اختصر الذهبيُّ عددًا من الكتب المهمة في العقائد منها - مثلًا - كتاب "البعث والنشور" وكتاب "القدر" اللذان للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتاب "الفاروق في الصفات" لشيخ الإسلام الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١ هـ، وكتاب _________ (١) الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ١١٨١ - ١١٨٢. (٢) المصدر نفسه، ج ٢ ص ٧٤٢. (٣) تذكرة، ج ٢ ص ٦٠٠، ج ٤ ص ١٤٩٩. (٤) انظر مثلا تذكرة الحفاظ، ج ٣ ص ١١٢٢. (٥) أهل المئة فصاعدًا، ص ١١٥. (٦) تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٦٢٧ - ٦٢٨. (٧) انظر مثلًا تذكرة، ج ١ ص ٤٧٦، ٤٧٧، ٥٦١، ٥٨٩، ج ٢ ص ٧٣٠، ٧٣٣، ٧٤٧، .. إلخ.

стр. 57

"منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض والاعتزال" لرفيقه وشيخه تقي الدين بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. وخَلَّفَ الذهبيُّ عددًا من الآثار في هذا العلم منها كتاب "الكبائر وبيان المحارم" وكتاب "الأربعين في صفات رب العالمين" وكتاب "العرش" و"كتاب مسألة الوعيد" وغيرها. ولعل من أشهرها كتابه المعروف "العُلُوُّ للعليِّ الغفار" الذي يُعَدَّ أوسعَ هذه الكتب وأكثرها شهرة. بحث الذهبيُّ العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسة التي تكون هذه الكتب والأدلة المستعملة فيها من الأحاديث النبوية الشريفة. وقد انْتُقِدَ الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب "العلو": "ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لأنَّ فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبيّ أنه كان شافعيَّ الفروع حنبليَّ المعتقد" (١). ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيهًا أو عالمًا بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وبرهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة وغيرهم (٢). وقد ألف في أصوله، وعني باختصار كتاب "المحلى" لابن حزم (٣)، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عددًا من الكتب والأجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له فيه خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلًا كلامُه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (٤). وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبرُ القرآنَ والحديثَ هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحًا في بيتين من الشعر له ذكرهما غيرُ واحدٍ ممن ترجمَ له وهما: الفقه قال اللهُ قال رسولُه … إنْ صَحَّ والإجماع فاجهدْ فيه وحذارِ من نصبِ الخلافِ جهالةً … بين النبيِّ وبين رأي فقيهِ (٥) _________ (١) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤٨ هامش ٢. (٢) انظر أعلاه كلامنا على سيرته ورونق الألفاظ لسبط ابن حجر، ورقة ١٨٠. (٣) وهو كتاب "المستحلى في اختصار المحلى" وانظر كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٥٠ - ٢٥١. (٤) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٧١٣ - ٧١٥. (٥) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣١، الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٦.

стр. 58

وهذا الذي قدمناه لا يعني أنَّ الذهبيَّ لم يكن عارفًا بالفقه، لكنه كان عَزُوفًا عنه لانشغاله بالحديث وروايته الذي هو الأصل الثاني للفقه، قال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "له دُربةٌ بمذاهب الأئمةِ وأرباب المقالات قائمًا بين الخلف ينشر السنة ومذهب السلف" (١). ولغةُ الذهبيِّ في كتبه لغةٌ جيدة قياسًا بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قَلَّما وجدنا له لحنًا في كتبه. وهو باعتباره محدثًا كبيرًا وناقدًا ماهرًا دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمةِ المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضَلًا عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمنَ قراءةَ مثل هذه الكتب. وقد عني الذهبيُّ في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفةً من الأشعار عن شيوخه (٢). وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضًا من نظمه في المدح (٣)، والرثاء (٤). وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته (٥)، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى (٦). وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابه "تاريخ الإسلام " والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر _________ (١) المصدر نفسه. (٢) انظر مثلًا معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٣، ٧، ١٥، ٢٠، ٢٤، ٢٩، ٣٤، ٣٥، ٤٥، ٤٨، ٥٢، ٥٥، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٥، و ٦٦، ٦٩، ٧٥، ٧٧، ٨١، ٨٣، ٨٩، م ٢ الورقة ١ - ٦، ١١، ١٢، ٣٠، ٣٣، ٣٦، ٤٠، ٥٢، ٥٦، ٥٩، ٠ ٦، ٦٦، ٧٤، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٩٩ - ٩٦. (٣) من بين الذين مدحهم الذهبي ووصل إلينا شعره فيهم: إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي الحنفي النحاس المتوفى سنة ٧١٠ هـ (معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٣٤) وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ وولده التاج المتوفى سنة ٧٧١ هـ (طبقات السبكي، ج ٩ ص ١٠٦، والسيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٦) ومعجم البرزالي (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠). (٤) من ذلك قصيدته في رثاء رفيقه وشيخه ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣٥ - ٣٦، والتبيان، ورقة ١٦٥). (٥) ج ٩ ص ١٠٧ - ١٠٩. (٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ١٣٢.

стр. 59

البغدادي الخرقي في وفيات سنة ٤٥٥ هـ "ولا يكاد يوجد ديوانه" (١). كان للذهبيِّ خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي بطلب العلم (٢). وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوبًا بخطه، وهو وإنْ لم يكن جميلًا مراعيًا لأصولِ الخطاطين والكتاب، لكنه يمتازُ بالدقة والإتقان لا سيما للذي يُدْمِنُ عليه. وعُرفَ الذهبيُّ بزهدِه وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنسُ إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار، قال تلميذه تقي الدين بن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: "كان خيرًا صالحًا متواضعًا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار والاشتغال بالعبادة. له وردٌ بالليل وعنده مروءةٌ وعصبية وكرم" (٣). وقال الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ: "مع ما كان عليه من الزهد التام والإيثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت" (٤) ويكفي الذهبيَّ أنه أفنى حياته في دراسة حديثِ رسولِ الله ﷺ وتدريسه. لقد أصبحت كتبُ الذهبيِّ متداولةً في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظمِ المواردِ التي استقى منها الكُتَّابُ الذين جاؤوا بعده، قال ابن حجر: "ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءةً، ونسخًا، وسماعًا" (٥)، وقال تلميذه الحسيني: "وقد سار بجملة منها الركبانُ في أقطار البلدان" (٦) وحسبنا أنْ نلقي نظرةً عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عُملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة. وكان الذهبيُّ مدرسةً قائمة بذاتها خَرَّجت العديدَ من الحُفَّاظِ والعلماء. وقد أتاحتْ له معرفتُه العظيمةُ الواسعة بالحديثِ وعلومِه والتاريخ وفنونه مكانةً مرموقةً بين أساتيذ العصر، فأَمَّهُ طلبةُ العلم من كُلِّ حدبٍ وصوب. ونحن نعلم _________ (١) تاريخ الإسلام، ١٠/ ٦٥ (من طبعتنا). (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٢٥، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٣٢٣. (٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠. (٤) عقود الجمان (نسخة مكتبة فاتح رقم ٤٤٣٥). (٥) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧. (٦) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦.

стр. 60

أن الذهبيَّ تولى مناصبَ تدريسية كثيرة نعرفُ منها مشيخةَ الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية. وقد أتاحت له هذه المناصبُ أن يدرس عليه عددٌ كبيرٌ من الطلبة يفوقُ الحصرَ، قال تلميذه الحسيني: "وحمل عنه الكتابَ والسُّنَّةَ خلائق" (١) وقال ابن قاضي شهبة الأسدي: "سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه .. وتخرج به حفاظ" (٢). وإنَّ كُتُبَ القرنِ الثامن لتزخرُ بمئاتٍ من تلاميذِ الذهبيِّ النُّجُبِ لم نجد في إيرادهم كثيرَ فائدةٍ في مثل هذا البحث. ونرى من المفيد أنْ نقتطفَ في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضًا منها، فقد وصفه رفيقُه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في معجم شيوخه - والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية - بقوله: "رجلٌ فاضل، صحيح الذهن. اشتغل ورحل، وكتب الكثير. وله تصانيف واختصارات مفيدة. وله معرفةٌ بشيوخ القراءات" (٣). وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. حافظٌ لا يُجارى ولافظ لا يبارى، أتقنَ الحديثَ ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرَّف تراجم الناس، وأزالىَ الإبهام في تواريخهم والإلباس. ذِهْنٌ يَتوقَّدُ ذكاؤه، ويصحُّ إلى الذهب نِسْبتُه وانتماؤه. جمع الكثير، ونَفعَ الجَمَّ الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف … اجتمعتُ به وأخذتُ عنه وقرأت عليه كثيرًا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة" (٤). وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل وَرَدِّهِ عليه، فإنه قال في حقه: "شيخنا وأستاذنا، الإمام الحافظ … محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم _________ (١) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٦. (٢) الإعلام، م ١ ورقة ٩٠ (نسخة باريس ١٣٩٨). (٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، ورقة ١٨٠. (٤) الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.

стр. 61

وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصرهم … وأما أستاذنا أبو عبد الله فنضيرٌ لا نظيرَ له، وكبير (١) هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمامُ الوجود حفظًا، وذَهَبُ العصر معنىً ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل … وهو الذي خرَّجَنا في هذه الصناعة، وأدْخَلَنا في عداد الجماعة" (٢)، وقال أيضًا: "وسمع منه الجمعُ الكثير. وما زال يخدم هذا الفن إلى أنْ رسخت فيه قَدَمُه، وتَعب الليلُ والنهار وما تعبَ لسانُه وقلمه، وضُربت باسمه الأمثالُ وسار اسمه مسيرَ لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلصُ إذا نزل المطر، ولا يُدْبرُ إذا أقبلت الليالي. وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد وتناديه السؤالات من كل نادٍ" (٣) ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ بأنه "الشيخ الإمامُ العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده" (٤). وقال في موضع آخر: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين" (٥). وقال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ: "الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين … وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه" (٦). وحينما قدم _________ (١) في المطبوع من الطبقات الكبرى "فبصر" و"كنز" وهما مصحفتان، والذي أثبتناه مجود التقييد في مشيخة التاج السبكي، وهي أصل في التقييد لأن ناسخها قرأها على التاج السبكي نفسه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وأما قوله "نضير" فمعناه: نعمة. وقد أورد صديقنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يرحمه الله هذه العبارة في مقدمته لكتاب "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص ١٤٥ فجعلها: "فبحر لا نظير له وكنز" وعلق عليها في الحاشية فقال: "هذا هو الصواب في هذه الكلمة. وقد وقعت محرفة على أنحاء شتى ومَرَّ عليها محققون أفاضل"، وأطال النفس فيها - كعادته في تعليقاته النفيسة - يرحمه الله - وذكر عشرة ممن استشهد بها. واستدل على صحة عبارته بورودها في "جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين لنعمان الآلوسي" ص ٣٢. وعندي أن صديقنا العلامة طيب الله ثراه قد وقع بما وقع فيه غيره فتحرفت عنده مثلما هي محرفة في "جلاء العينين"، ويلاحظ أن الألفاظ "بصر" و"نضر" و"نضير" أكثر قربًا من "بحر"، وينظر بلابد تعليقنا على مشيخة السبكي (بتحقيقنا). (٢) الطبقات، ج ٩ ص ١٠٠ - ١٠١. (٣) المصدر نفسه، ج ٩ ص ١٠٣. (٤) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤. (٥) المصدر نفسه، ص ٣٦. (٦) البداية والنهاية، ج ١٤ ص ٢٢٥.

стр. 62

العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الأصل الأطرابلسي (١) إلى دمشق سنة ٧٣٤ هـ ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه. ما زلتُ بالسمعِ أهواكم وما ذكرت … أخباركم قَطُّ إلا مِلْتُ من طَرَب وليس من عجبٍ أنْ ملتُ نحوكم … فالناسُ بالطبع قد مالوا إلى الذهب (٢) ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢ هـ بأنه "الحافظ الهمامُ مُفيدُ الشام ومؤرخُ الإسلام" (٣). وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ: "قرأتُ بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامةَ زمانِه في الرجال وأحوالهم حديدَ الفهمِ ثاقبَ الذهنِ وشهرتُه تُغني عن الإطناب فيه" (٤). وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ: "الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين" (٥). وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة ٨٩٩ هـ في "رونق الألفاظ" وبالغَ في الإطنابِ فيه وقال: "الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علمًا عليه … فلله دَرُّه من إمامٍ مُحَدِّثٍ … فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصَحَّحَ وعَدَّلَ وجرح وأتقن هذه الصناعة … فهو الإمامُ سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين". وقال في موضع آخر: "وكتب بخطه كثيرًا من الأجزاء والكتب وحَصَّلَ الأصولَ وانتقى على جماعة من شيوخه … وعُني بهذا الفن أعظم عناية وبرع فيه وخدمه الليل والنهار" (٦). _________ (١) توفى سنة ٧٧٤ هـ وقد ترجمه ابن حجر في الدرر، ج ٤ ص ٣٠٦ - ٣٠٧. (٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ٣١ - ٣٢. (٣) المصدر نفسه، ص ٣١. (٤) الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧. (٥) عقد الجمان، ورقة ٣٧ (نسخة أحمد الثالث ٢٩١١). (٦) الورقة ١٨٠.

стр. 63

الباب الثاني منهج الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام

стр. 64

الفصل الأول تنظيم الكتاب وأساليب عرضه توطئة: جعل الذهبي كتابه في واحدٍ وعشرين مجلدًا راعى فيها أنْ تكونَ متناسقة من حيث عدد أوراقها ولم يراع فيها أية ناحية تنظيمية، ولذلك لم يلتزم النُّسَّاخُ فيما بعد بتجزئة المؤلف هذه (١). وتناول في كتابه الحوادث والتراجم ابتداء من السنة الأولى للهجرة حتى سنة ٧٠٠ هـ. ووضع خطة عامة للكتاب قسمه بموجبها إلى وحدات زمنية أمدُها عشر سنواتٍ أطلق عليها لفظ "الطبقة". ورَتَّبَ الحوادثَ حسب السنوات، أما التراجم فاتبع فيها تنظيماتٍ مختلفة. ولما كانت "الطبقة" هي الأساس الذي قامت عليه الخطة العامة للكتاب، فقد أصبح لابد من دراسة تنظيم الكتاب استنادًا إليها وتبيان مفهومها مقارنة بكتبه الأخرى وبمفهومها عند المؤلفين السابقين. ولما كان الكتاب قد احتوى على الحوادث والتراجم بصورة منفصلة فقد أصبح لزامًا علينا أنْ ندرسَ العلاقةَ التنظيمية بينهما، ومن ثم دراسة تنظيم الحوادث وتنظيم التراجم، كل على حدة، ومحاولة التعرف على الأساليب التي اتبعها الذهبي في عرض كل منهما، ودراسة عناصر أسلوبه اللغوي والأدبي الذي عرض فيه مادته. أولًا: الخطة العامة للكتاب: أظهرت الدراسات الحديثة لكتب الطبقات التي سبقت تاريخ الإسلام للذهبي أنها لم تستعمل "الطبقة" كوحدة زمنية ثابتة، بل كانت تعني اللقيا في _________ (١) انظر في الباب الثالث الكلام على نسخ الكتاب.

стр. 65

الأغلب (١). وقد رتب الذهبي كثيرًا من كتبة الرئيسة على الطبقات، بالرغم مما في هذا النظام من بعض العيوب (٢). لكن مفهوم الطبقة عند الذهبي يختلف من كتاب إلى آخر، حيث نجد أنه رتب كتابه "تذكرة الحفاظ" الذي تناول فيه كبارَ حُفَّاظ الحديثِ من الصحابة حتى عصره، على إحدى وعشرين طبقة استنادًا إلى اللقيا بين المشايخ، وهو بذلك لم يدخل سِني الوفيات باعتباره، حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى، وقد علل الذهبيُّ ذلك بقوله في ترجمة أبي الأحوص سلام بن سليم: "مات سنة تسع وسبعين ومئة مع مالك وحماد وإنما أخَّرته لأنه أصغر منهما قليلًا، ولابد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين وإلا فلو بُولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات وأكثر" (٣). أما كتابه الآخر "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" (٤) فقد جعله في سبع عشرة طبقة فقط حسب اللقيا في القراءة مع أنه تناول الفترة الزمنية نفسها التي تناولها كتابه "تذكرة الحفاظ" ومع أنه جعل الصحابة طبقتين. بينما رتب كتابه الثالث "سير أعلام النبلاء" على أربعين طبقة، علمًا أن الفترة الزمنية التي تناولها هي نفسها التي تناولها في كتابيه السابقين (٥). ومن هذا الذي قدمنا يتضح لنا أن الذهبي لم يراع الوحدة الزمنية الثابتة في جميع هذه الكتب. أما كتابه "المُعين في طبقات المحدثين" فقد جعل الطبقات الأولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله: "طبقة الزهري وقتادة" (٦) و"طبقة الأعمش وأبي حنيفة" (٧) و"طبقة ابن المديني _________ (١) راجع عن مفهوم الطبقة عند المؤلفين السابقين، الدكتور أكرم العمري: مقدمة كتاب الطبقات لخليفة بن خياط، ص ٤٥ فما بعد، وبحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ. (مجلة الأقلام، العدد الخاص من السنة الأولى، بغداد ١٩٦٥). (٢) لعل من أهم عيوبه الرئيسة هو عدم اتباع المصنفين تقسيمًا واحدًا حيث يتباين عدد الطبقات بين مصنف وآخر، فلم يعد بالإمكان أن نكتفي بالقول أن فلانًا الفلاني في الطبقة الفلانية لأنه قد يكون في الطبقة السادسة عند مؤلف بينما هو في الطبقة الثامنة عند مؤلف آخر (انظر التفاصيل عند العمري: بحوث ص ١٨٦). (٣) الذهبي: تذكرة، ج ١ ص ٢٥٠. (٤) حققناه بالمشاركة سنة ١٩٨٤ في مجلدين. ونشرته مؤسسة الرسالة ببيروت. (٥) تنظر مقدمتي لسير أعلام النبلاء ١/ ١٠٠. (٦) الورقة ٧ من نسختي المصورة. (٧) الورقة ٨.

стр. 66

وأحمد" (١) ونحوها، إلا أنه غَيَّرَ هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري حيث أخذ يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: "الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة" (٢) و"طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة" (٣) وهلم جرًّا. ويتبين من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون في حدود عشرين سنة (٤) أو خمس وعشرين (٥) أو ثلاثين سنة (٦). وبذلك يتحدد مفهوم "الطبقة" عند الذهبي في جميع الكتب المذكورة باللقيا بين المشايخ، والتعاصر بين مجموعة من الناس. ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في "تاريخ الإسلام" فتألف كتابه من سبعين طبقة، فهل يعني هذا أنه وضع تحديدًا زمنيا واضحًا للطبقة مخالفًا طريقته في كتبه الأخرى؟ علمًا أن عمله هذا لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم. وقد دفع عمله هذا الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول بأنه خالف الأقدمينَ الذين اعتبروا اللقيا أساسَ التقسيم على الطبقات، بل خالف نهجه هو في "تذكرة الحفاظ" الذي اعتبر فيه اللقيا ولم يعتبر الوفيات. (٧) على أننا لا نعتقد أن الذهبي خالف الأقدمين في مفهوم الطبقة فقد استعملها بالمفهوم نفسه في جميع كتبه الأخرى كما بينا قبل قليل، بينما استعمل "الطبقة" في "تاريخ الإسلام" لتدل على "العقد" وهو مفهومٌ يختلف عن المفهوم الذي أراده في كتبه الأخرى والذي جارى فيه الأقدمين. ومن ثم فإننا نعتقد أن ربط الشكل الذي اتبعه الذهبي في "تاريخ الإسلام" بأدبِ الطبقات أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر، بل يجب أن يربط، فيما نرى، بأدبِ التنظيم على السنين الذي يخضع لتعاقُبِ السنين المفردة، فَتُذكرُ مختلفُ الحوادث والوفيات في كلِّ سنةٍ منفصلة عن الأخرى. وآيات هذا الذي نقوله _________ (١) الورقة ١٤. (٢) الورقة ١٩. (٣) الورقة ٣٢. (٤) الورقة ٢١، ٣٢. (٥) الورقة ٢٢، ٢٤. (٦) الورقة ٢٠، ٢١. (٧) انظر: روزنتال: علم التاريخ، ص ١٢١، العمري: بحوث، ص ١٩١.

стр. 67

ودِلالاته في الترتيب الذي اتبعه الذهبي في كتابه؛ فقد رتب الحوادث على السنين مبتدئًا بالسنة الأولى للهجرة ومنتهيًا بسنة ٧٠٠ هـ، وجعل حوادث كل سنة منفردة بنفسها، ووضع لها عنوانًا خاصًّا. وكان يفصل الحادثة عن الأخرى في السنة الواحدة باستعماله لفظة "وفيها"، أو يذكر الشهر الذي وقعت فيه نحو قوله: "وفي المحرم" أو "وفي رمضان" ونحوهما، وربما عيَّن اليومَ، لا سيما في القسم الأخير من كتابه. وعلى الرغم من أن الذهبي قسم كتابه إلى "عقود"، وهو الذي أطلق عليه لفظة "طبقة" فإنه لم يلتزم بهذا التقسيم في الحوادث إطلاقًا، ولو التزم به لكان من المفروض أن يذكر حوادث الطبقة مندمجة ببعضها، بل إنه لم يلتزم حتى بذكر حوادثِ كلِّ طبقةٍ ووفياتها بصورةٍ منتظمة. وقد وصل إلينا، لحسن الحظ، قسم من تاريخه بخطه، ومن دراسة هذا القسم تتبين صحةُ دعوانا: ففي المجلدين السابع (١) والثامن (٢) اللذين أرَّخَ فيهما ما بين سنتي ١٧١ - ٢٣٠ هـ ذكر حوادث "الطبقة" مرتبةً حسب السنين ثم ذكر وفياتها، ولكن القسم الموجود من المجلد الثاني عشر (٣) ليس فيه غير الوفيات من سنة ٣٥١ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ، وكذلك المجلد الثالث عشر (٤) لم يحتو غير الوفيات من سنة ٤٠١ هـ إلى سنة ٤٥٠ هـ، أما المجلد الخامس عشر (٥) فترد فيه وفيات ٥٠١ - ٥٤٦ هـ (٦) متسلسلة ثم حوادث السنوات ٥٠١ - ٥٥٠ هـ متسلسلة في مكان واحد أيضًا (٧). والظاهر أنه اتبع هذه الطريقة، أعني: جمع حوادث كل مجلد في مكان واحد، في جميع المجلدات ابتداء من المجلد الحادي عشر الذي يبتدئ من أول سنة ٣٠١ هـ إلى نهاية المجلد الخامس عشر. ويبدو - أيضًا - أن المجلدات الأربعة المبتدئة بالمجلد الحادي عشر والمنتهية بالمجلد الرابع عشر قد احتوى كل مجلد منها - أيضًا - على حوادث خمسين سنة _________ (١) أيا صوفيا ٣٠٠٦. (٢) أيا صوفيا ٣٠٠٧. (٣) أيا صوفيا ٣٠٠٨. (٤) أيا صوفيا ٣٠٠٩. (٥) أيا صوفيا ٣٠١٠. (٦) الورقة ٢ - ٤٦ من النسخة أعلاه. (٧) الورقة ٤٧ فما بعد من النسخة أعلاه.

стр. 68

بصورة متتالية، وهاكَ دلالات ذلك: ١ - على الرغم من عدم وصول المجلد الحادي عشر إلينا، فإننا استطعنا من إشارة وردت عند السخاوي في كتاب "الإعلان" أنْ نعرفَ أن المجلد العاشر من نسخة الذهبي الموقوفة على المدرسة المحمودية بالقاهرة قد انتهى بنهاية المتوفين من الطبقة الثلاثين (١) (٢٩١ - ٣٠٠ هـ). ولما كان المجلد الثاني عشر قد وصل إلينا وهو يتناول الفترة من سنة ٣٥٠ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ (٢) فقد أصبح من الواضح أن الذهبي تناول في المجلد الحادي عشر الفترة الممتدة من سنة ٣٠١ هـ إلى سنة ٣٥٠ هـ. ولكن كيف عرفنا أنه تناول حوادث هذه الفترة مجتمعة ولم تصلْ إلينا أية قطعةٍ من هذا المجلد الذي هو بخطه؟ وجواب ذلك في النسخ التي نسخت عنها وحافظت على ذاتية الذهبي في بعض تنظيمه، فمن ذلك - مثلًا - المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٩١٧/ ١٥) والذي اختص بالحوادث فقط (٣)، حيث نجد حوادثَ السنين (٣٠١ - ٣٥٠ هـ) قد سارت متناسقةً ومتتابعة من غير وجود أي عنوان يدل على أن الذهبي تناول حوادث كل طبقة - مثلًا - بصورة منفصلة (٤)، بل إنَّ الخط نفسه يتغير في بداية حوادث سنة (٣٥١ هـ) التي بدأها الناسخ بعنوان جديد وورقة جديدة. وعند تتبعنا لتنظيم هذا المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث ومقارنته بما تبقى لنا من مجلدات بخط المؤلف نجده يضع بدايات للحوادث كلما انتقل من مجلد إلى آخر، أو من مجموعة حوادث جمعها الذهبي إلى أخرى حيث بدأ حوادث سنة ٥٠١ هـ بالبسملة وبداية ورقة _________ (١) ذكر السخاوي عند الكلام على كتابه الذي جمعه على حروف المعجم وأصله من "تاريخ الإسلام" للذهبي أن هناك نقصًا يسيرًا في نسخة "تاريخ الإسلام" الموقوفة على المدرسة المحمودية، وهي النسخة التي اعتمدها في تجريد التراجم، فقال: "وقد سقط من آخر الطبقة الثلاثين، وهي سنة إحدى وتسعين ومئتين إلى آخر القرن، وهو آخر المجلد العاشر: من ذكر محمود بن أحمد بن الفرج إلى آخر الطبقة ولم يثبته البدر البشتكي في النسخة التي بخطه بالباسطية فكأنه سقط قبل كتابته، فيراجع من نسخة أخرى" ص ٥٩٧ - ٥٩٨. (٢) أيا صوفيا ٣٠٠٨، وانظر أعلاه وصفه عند كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٠). (٣) انظر أعلاه كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٨). (٤) الورقة ١ - ٥٠ من النسخة أعلاه.

стр. 69

جديدة (١)، واستمر كلامه على حوادث السنين متناسقًا حتى سنة ٥٥٠ هـ (٢). وفي مطلع القرن السابع بدأ الحوادث بصفحة جديدة ووضع لها عنوانًا (٣)، ثم تناول حوادث عشرين سنة بصورة متتابعة ومتناسقة (٤)، وهي الحوادث الموجودة على هذا الشكل في المجلد الثامن عشر الذي وصل إلينا بخط المؤلف (٥). ثم ابتدأ حوادث سنة ٦٢١ هـ ببداية جديدة ووضع لها عنوانًا وسار به بصورة رتيبة إلى سنة ٦٥٠ هـ (٦)، وهو ما فعله الذهبي في المجلد التاسع عشر من نسخته (٧). وقد قال في بداية حوادث ٦٥١ هـ "بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي، ذكر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر" (٨) وهذه هي عبارة الذهبي بنصها (٩). ٢ - وهذا الذي ذكرته من المحافظة على الترتيب في المجلد المحفوظ بمكتبة السلطان أحمد الثالث رقم (٢٩١٧/ ١٥) قد حافظ عليه - أيضًا - ناسخ المجلد المحفوظ في المكتبة الأحمدية بحلب رقم (١٢٢٠/ ١) والمتضمن حوادث السنوات (٣٠١ - ٥٥٠ هـ) (١٠) وصاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٩١٧/ ٤) والتي تبين لنا أنها انتقاء من "تاريخ الإسلام" (١١). ٣ - أما المجلد الثاني عشر فقد وصلت إلينا جميع تراجمه مسلسلة وهي تشمل _________ (١) الورقة ١١٩ وقارن الورقة ١ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠). (٢) الورقة ١٦٧. (٣) الورقة ٢٥٠. (٤) الورقة ٢٨٠. (٥) الورقة ٢١٩ - ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١). وانظر أعلاه وصف هذا المجلد في الكلام على نسختنا الملفقة (رقم ١٩). (٦) الورقة ٢٨١ فما بعد. (٧) الورقة ٢٢٧ فما بعد (أيا صوفيا ١٢ ٣٠). (٨) الورقة ٣٣٣. (٩) الورقة ٢٩٥ (أيا صوفيا ٣٠١٣). (١٠) انظر وصفه أعلاه في نسختنا الملفقة (رقم ١٤). (١١) الورقة ٢٢١ ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الانتقاء كان في حياة المؤلف سنة ٧٣٩ هـ. وقد تبين لنا نتيجة المقارنة الدقيقة أن المنتقي قد حافظ على ذكر الحوادث ولم يختصر فيها وأن الاختصار وقع في تراجم غير المشهورين.

стр. 70

وفيات السنوات (٣٥١ - ٤٠٠ هـ) (١) والظاهر أنه كان يحتوي على حوادث هذه الفترة، فإضافة إلى ما قدمنا ذكره في الفقرتين السابقتين من أدلة تنظيمية (٢)، فإنَّ وجودَ خَطِّ الصلاحِ الصفديِّ على طرة هذا المجلد بقراءة الحوادث خيرُ دليلٍ على ما نقول، فالذي حفظناه من ترجمة الصفديِّ لشيخه الذهبي أنه قرأ عليه من "تاريخ الإسلام المغازي والسيرة النبوية إلى آخر أيام الحسن وجميع الحوادث إلى آخر سنة سبع مئة" (٣) فأين هي الحوادث التي قرأها الصفدي والتي وضع خطه على المجلد من أجلها؟. ثم يتكامل يقيننا بعد ذلك بجمع الذهبي لحوادث هذه الخمسين سنة في مكان واحد حينما ننظر إلى تسلسل الوفيات في هذا المجلد من سنة ٣٥١ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ، من غير فجوةٍ ولا انقطاع. ٤ - وقد وصلت إلينا جميع وفيات المجلد الثالث عشر متتابعة، وهي وفيات السنوات (٤٠١ - ٤٥٠ هـ) ولم تصل إلينا حوادث هذه الفترة مع عدم توافر احتمال وجودها في المجلدات الأخرى كما سيتضح بعد قليل. ٥ - ومما قدمنا من أدلةٍ وتسلسلٍ لمحتوياتِ المجلدات التي كتبها الذهبي بخطه ووصول المجلد الخامس عشر إلينا، وهو يتضمنُ وفياتِ السنواتِ من ٥٠١ هـ إلى أثناء ٥٤٦ هـ وحوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠ هـ) (٤)، يظهر لنا أن المجلد الرابع عشر الذي لم يصل إلينا، كان يتناول حوادث ووفيات السنوات ٤٥١ - ٥٠٠ هـ. ٦ - ثم إن وجود حوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠ هـ) في المجلد الخامس عشر من نسخة المؤلف يقطع من غير شك احتمالَ وجودِ حوادث السنوات السابقة لهذه المدة في المجلدين السادس عشر والسابع عشر. ولما كانت _________ (١) أيا صوفيا ٣٠٠٨. (٢) وانظر أيضًا بداية الحوادث في النسخة الحلبية رقم ١٢٢٠/ ١ لسنة ٣٥١ هـ (الورقة ٧٥) حيث يبدأ الناسخ بالبسملة والدعاء بالتيسير ثم يذكر حوادث السنوات متتابعة إلى سنة ٤٠٠ هـ ويبدأ حوادث سنة ٤٠١ هـ بورقة جديدة. (٣) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ ونكت الهميان ص ٢٤٢. وانظر طرة المجلد الحادي والعشرين من نسخة المؤلف التي بخطه (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) انظر أعلاه وصف هذا المجلد في كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٥).

стр. 71

الفترات الزمانية للمجلدات من الحادي عشر إلى الرابع عشر متساوية حيث اشتمل كُلُّ مجلدٍ منها على خمسين سنة، فإنه يبدو من غير المحتمل أنْ يكونَ أحد المجلدات قد تضمن من الحوادث ما هو زائد على نطاقه الزماني. ٧ - ولما كان البدر البشتكي قد حافظ على تقسيم الذهبي ونقل نسختيه من خط المؤلف فقد عرفنا من نصه أن المجلد السادس عشر ينتهي بنهاية الطبقة الثامنة والخمسين، وأن المجلد السابع عشر قد انتهى بنهاية الطبقة الستين، ويؤيده وصول المجلد الثامن عشر كاملًا بخطه. أما المجلد الثامن عشر (١) فقد أورد الذهبي فيه وفيات السنوات (٦٠١ - ٦٢٠ هـ) مجتمعة ثم أعقبها بذكر حوادث المدة نفسها (٢)، وقال في نهاية الوفيات: "وقد انقضى ما انتهى إليَّ عِلْمُه من وفيات هؤلاء الذين انتقلوا إلى الله في هذه العشرين سنة، فلنشرع فيما وقع الاختيارُ عليه من حوادث هذه العشرين سنة - إن شاء الله - " (٣) بينما تناول المجلد التاسع عشر (٤) وفيات السنوات (٦٢١ - ٦٤٠ هـ) ثم أعقبها بحوادث السنوات (٦٢١ - ٦٥٠ هـ) (٥) وابتدأها بقوله: "ومن الحوادث" (٦)، ولم نجد وكما هو في المجلدات الأخرى أيضًا أيَّ فاصل بين حوادث طبقة وأخرى (٧)، ثم توكيده ذلك بقوله في أول حوادث سنة ٦٤١ هـ من المجلد التاسع عشر، وهي بداية الطبقة الخامسة والستين: "بسم الله الرحمن الرحيم: ومن حوادث المجلد العشرين عشر سنين" (٨). _________ (١) أيا صوفيا ٣٠١١. (٢) الورقة ٢١٩ - ٢٥١ من المجلد أعلاه. (٣) الورقة ٢١٧ من المجلد أعلاه. (٤) أيا صوفيا ٣٠١٢. (٥) الورقة ٢٢٧ - ٢٧٠ منه. (٦) الورقة ٢٢٧ منه أيضًا. (٧) انظر الورقة ٢٤٣ من النسخة الأصلية (غير المصورة) حيث تنتهي حوادث سنة ٦٣٠ هـ وتبدأ في ظهرها حوادث سنة ٦٣١ هـ وهي بداية الطبقة الرابعة والستين. (٨) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقد انتهت حوادث سنة ٦٤٠ هـ وابتدأت حوادث سنة ٦٤١ هـ في وجه الورقة نفسها.

стр. 72

ولعلَّ الذي يؤيد رأينا هذا ويزيده قوةً هو أن الذهبيَّ لا يقتصر في إطلاق لفظ "الطبقة" على التراجم حسب، بل يطلقه - أيضًا - على الحوادث وهي متسلسلة وبعيدة تمامًا عن مكانها، فقد قال في نهاية حوادث سنة (٥٥٠ هـ) من النسخة التي بخطه: "آخر الطبقة الخامسة والخمسين والحمد لله" (١)، فإذا كان مفهوم الطبقة يُرادُ به تحديد جماعة من الناس فكيف يصحُّ إطلاقُه على الحوادث؟! قد توصلنا إذن إلى أنَّ مفهومَ "الطبقة" في كتاب "تاريخ الإسلام" يعني "العقد". ويحق للقارئ الباحث بعد كل هذا الذي أطلنا القولَ فيه، ودللنا عليه أنْ يتساءلَ عن سبب تنظيم الذهبي كتابه على "عقود" فنقول عندئذ: إنَّ ذلك لم يكن إلا لحاجةٍ تنظيمية استشعرها الذهبيُّ لا سيما في الفترة الأولى من كتابه التي تمتد إلى سنة (٣٠٠ هـ) حيث لم تتوافر فيها لديه وفيات عدد كبير من المترجَمين بصورة دقيقة. فلم يكن ليستطيع أنْ ينظم وفياتهم حسب السنين، وإذا ما رَتَّبهم كذلك فإنه سوف يضطر لإعادةِ ذِكْرِ الشخصِ أكثرَ من مرة استنادًا إلى الاختلافِ الحاصل في تاريخ وفاته، وهي الطريقة التي اتبعها حينما نظم الوفيات على السنين اعتبارًا من سنة (٣٠١ هـ). وقد أشار الذهبي إلى ذلك في مقدمة كتابه حينما قال: "ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتَّكَلُوا على حفظهم، فذهبت وفيات خَلْقٍ من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي فكتبنا أسمائهم على الطبقات تقريبًا" (٢). إنَّ عدمَ توافر تواريخ وفيات المترجَمين في الفترة الأولى من تاريخ الإسلام بصورة دقيقة من جهة، وقلتهم من جهة أخرى (٣) دفعت الذهبيَّ إلى _________ (١) الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠). (٢) تاريخ الإسلام، ١/ ١٠ (من طبعتنا). (٣) اعتذر الذهبي عن قلة ما هو مذكور من التراجم في السنين الأولى من كتابه فقال في أثناء السنة الأولى للهجرة: "والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى مَنْ بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز أو من هاجر إلى الحبشة. وفي خلافة عمر - بل وقبل - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك قلة مَنْ توفي في صدر الإسلام وسبب كثرة من توفي في زمن التابعين فمن بعدهم" تاريخ الإسلام ١/ ٢٠ وقال في آخر سنة ٢٨ هـ من كتابه: "وقل من مات وضبط موته في هذه السنوات كما ترى" ٢/ ١٧٩.

стр. 73

أنْ يدمج الحوادث والتراجم في العقود الأربعة الأولى من "تاريخ الإسلام"، بل لم يظهر لفظ "الطبقة" في العقود الثلاثة الأولى إطلاقًا، فقد انتقل من السنة العاشرة للهجرة إلى الحادية عشرة من غير إشارة إلى بدء طبقة جديدة (١)، وانتقل من سنة عشرين إلى سنة إحدى وعشرين من غير ذكر للطبقة أيضًا (٢). أما الطبقة الرابعة (٣١ - ٤٠ هـ) فقد ذكر عنوانها ولم نجد فحواها وفائدتها، فقد خلط الذهبيُّ الوفيات بالحوادث في هذا العقد خلط كتب الحوليات (٣). ولننظر الآن إلى تنظيم الوفيات في هذه السنين الأربعين، إذا كان هناك من تنظيم، ففي المدة الواقعة (١ - ١١ هـ) ذكر الذهبي بعض الوفيات القليلة جدًّا ضمن الحوادث بحيث لا يشعر الباحث بأهميتها وترجم للنبيِّ ﷺ ترجمة طويلة باعتبار وفاته حادثًا من حوادث سنة ١١ هـ (٤). وبعد أن تكلم على خلافة أبي بكر ﵁ من ضمن حوادث هذه السنة وقصة الأسود العنسي، وجيش أسامة، وشأن أبي بكر مع فاطمة وأخبار الردَّةِ وما جرى فيها (٥)، ذكر وفاة فاطمة وبعض الصحابة (٦)، ولم يراع في ذكر هذه الوفيات أيَّ نوعٍ من أنواع التنظيم، لا من حيثُ قِدَم الوفاةِ ولا من حيث الترتيب على حروف المعجم غير ورودها في سنة ١١ هـ، أما في سنة ١٢ هـ فقد ذكر فيها مَنْ توفي في وقعة اليمامة من غير ترتيب (٧)، وذكر بعدها بعض الحوادث القصيرة (٨)، ثم عاد إلى الوفيات ثانية (٩)، ثم ذكر بعض الحوادث، وهكذا نجد تباينًا كبيرًا في التنظيم. وفي السنين التالية نجده يرتب بعض وفيات السنين على حروف المعجم كما هو في سنة ثلاث عشرة (١٠)، وأربع _________ (١) انظر ١/ ٤٧٧. (٢) انظر ٢/ ١٢٣. (٣) ٢/ ١٩٨ - ٣٨٢. (٤) الورقة ١ - ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٥) = ١/ ٤٧٩ - ٨٣٧ (من طبعتنا). (٥) ٢/ ٥ - ٢٩. (٦) ٢/ ٢٩ - ٣٥. (٧) ٢/ ٣٦ - ٤٦. (٨) ٢/ ٤٧. (٩) ٢/ ٤٧ - ٤٨. (١٠) ٢/ ٥٢ - ٧٢.

стр. 74

عشرة (١)، وخمس عشرة (٢)، وثلاثين (٣)، ويدمج بعض الوفيات في سنين أخرى بالحوادث أو يذكرها في آخر الحوادث من غير ترتيب كما في سنة ست عشرة (٤)، وسبع عشرة (٥)، وثماني عشرة (٦)، وتسع عشرة (٧) وعشرين (٨)، وإحدى وعشرين (٩)، وثلاث وعشرين (١٠)، وأربع وعشرين (١١)، والسنوات من إحدى وثلاثين إلى أربعين (١٢)، في حين لم يذكر في بعض السنين أية ترجمة (١٣). ولكنه ذكر من توفي في خلافة عمر على التقريب في سنة وفاته وهي سنة ٢٣ هـ، ورتبهم على حروف المعجم (١٤)، ثم ذكر في نهاية سنة ثلاثين من توفي في خلافة عثمان تقريبًا ونظمهم على حروف المعجم أيضًا (١٥)، مع أن عثمان قتل سنة ٣٥ هـ، كما هو مشهور، وقد ترجم له هناك ترجمة حافلة (١٦). من كل هذا الذي قدمنا يتضح لنا أنه لم يكن هناك تنظيم سار على نَسَقٍ واحد على الإطلاق، في هذه المدة الممتدة حتى سنة ٤٠ هـ، ولم يكن للتراجم أي أثرٍ واضح في الكتاب يميزها عن الحوادث. وهذا هو الذي يفسر لنا سبب قراءة الصفدي لكتاب "تاريخ الإسلام" من أوله إلى آخر أيام الحسن، ثم اقتصاره على الحوادث إلى نهاية الكتاب، مع أن الصفديَّ لم يكن يريد أن _________ (١) ٢/ ٧٣ - ٨١. (٢) ٢/ ٨٢ - ٩١. (٣) ٢/ ١٨٢ - ١٨٥. (٤) ٢/ ٩٢ - ٩٦. (٥) ٢/ ٩٧ - ٩٨. (٦) ٢/ ٩٩ - ١٠٤. (٧) ٢/ ١٠٦ - ١٠٩. (٨) ٢/ ١١٠ - ١٢١. (٩) ٢/ ١٢٣ - ١٣١. (١٠) ٢/ ١٣٧ - ١٦٧. (١١) ٢/ ١٦٩ - ١٧٢. (١٢) ٢/ ١٩٨ - ٣٨١. (١٣) ٢/ ١٧٤ و ١٧٥ و ١٧٦ - ١٧٨ و ١٧٩ و ١٨٠ - ١٨١. (١٤) ٢/ ١٦٠ - ١٦٧. (١٥) ٢/ ١٨٦ - ١٩٦. (١٦) ٢/ ٢٥٧ فما بعد.

стр. 75

يقرأ من هذا التاريخ على مؤلفه غير الحوادث كما يبدو (١)، لأنَّ تاريخ الإسلام حتى أيام الحسن لم يكن غير تاريخ حوادث، فيه بعض الوفيات ولم يكن بالإمكان فصل الحوادث عن الوفيات. وابتداء من سنة ٤١ هـ وحتى سنة ٣٠٠ هـ اتَّبع الذهبيُّ تنظيمًا جديدًا مغايرًا لما سار عليه في المدة السابقة، فصار ينظم وفيات كل عشر سنوات على حروف المعجم ومن ثم فإنه لم يعتن بذكر وفيات المترجَمين داخل الطبقة دائمًا، وأغفل وفيات عدد كبير منهم، بسبب عدم معرفته بسنة وفاتهم على وجه الدقة، فلو أخذنا أول طبقة في هذا التنظيم الجديد وهي الطبقة الخامسة (٤١ - ٥٠ هـ) - مثلًا - لوجدنا عدد المترجَمين فيها ٧٩ ترجمة (٢)، لم يذكر غير تواريخ وفيات خمسة وعشرين منهم فقط، أما الآخرون فقد تركهم غُفلًا من تاريخ الوفاة، أو حدد عصرهم تقريبًا نحو قوله - مثلًا -: "وعاش إلى دهر معاوية" (٣)، و"توفي في إمرة معاوية" (٤)، و"مات وسط إمرة معاوية" (٥)، و"توفي في أول خلافة معاوية" (٦)، و"توفي في صدر خلافة معاوية" (٧)، و"توفي في خلافة معاوية" (٨)، و"بقي إلى هذا الوقت" (٩). ولو أخذنا الطبقة العاشرة - مثلًا - (٩١ - ١٠٠ هـ) لوجدنا أنه أورد فيها ٢٨٤ ترجمة (١٠) لكنه لم يذكر سوى تاريخ وفاة ٨٥ ترجمة منها فقط، وكتب الباقي على التقريب مستعملًا في بعض الأحيان العبارات الدالة على تعيين أوقاتهم التقريبية نحو قوله: "توفي في خلافة الوليد" (١١)، و"توفي في آخر خلافة الوليد" (١٢)، _________ (١) راجع الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣، ونكت الهميان، ص ٢٤٢. (٢) ٢/ ٣٩٣ - ٤٥٤. (٣) ٢/ ٣٩٣. (٤) ٢/ ٤٣١. (٥) ٢/ ٣٩٦. (٦) ٢/ ٤٠٧. (٧) ٢/ ٤١٤. (٨) ٢/ ٤١٣ و ٤١٧ و ٤٣٩. (٩) ٢/ ٣٩٦. (١٠) ٢/ ١٠٥١ و ١٢١٠. (١١) ٢/ ١٠٨٥ و ١٠٩٢ و ١١٣٢. (١٢) ٢/ ١١٣٨.
следующие страницы →