← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقال عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد بن علي بن الحسين، وعمرو بن شعيب، وعاصم بن عمر وغيرهم - قالوا: كان فتح مكة في عشر بقين من رمضان. وقال الواقدي (١): خرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر، فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل، وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإبل، وكانوا عشرة آلاف. وذكر عروة وموسى بن عقبة أنه ﷺ خرج في اثني عشر ألفا. وقال ابن إدريس عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ جاءه العباس بأبي سفيان، فأسلم بمر الظهران. فقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئا! قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن (٢). زاد فيه الثقة عن ابن إسحاق قال: ناده! فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ قال: من دخل الكعبة فهو آمن. قال: وما تسع الكعبة؟ قال: من دخل المسجد فهو آمن. قال: وما يسع المسجد؟ قال: من أغلق بابه فهو آمن. فقال: هذه واسعة (٣). وقال حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة قال: فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس وقد خرج مع رسول الله ﷺ من المدينة: يا صباح قريش! والله لئن بغتها رسول الله ﷺ ، فدخل عنوة - إنه لهلاك قريش آخر الدهر. فجلس على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن، أو داخلا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ؛ ليأتوه فيستأمنوه. فخرجت فوالله إني لأطوف بالأراك إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فسمعت صوت أبي سفيان وهو يقول:

стр. 702

ما رأيت كاليوم قط نيرانا! فقال بديل: هذه نيران خزاعة حمشتها (١) الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل. فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله في الناس قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيف الحيلة فداك أبي وأمي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فإنه والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني، فخرجت أركض به نحو رسول الله ﷺ ، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا إلي وقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله. حتى مررت بنار عمر فقال: أبو سفيان؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد! ثم اشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء. ودخل عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه! فقلت: يا رسول الله، إني قد آمنته! ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا! فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم! فقال رسول الله ﷺ : اذهب به فقد آمناه، حتى تغدو به علي الغداة. فرجع به العباس إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي وأمي، ما أوصلك وأكرمك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا بعد. فقال: ويحك! أولم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه فإن في النفس منها شيئا.

стр. 703

قال العباس: فقلت: ويلك! تشهد شهادة الحق قبل، والله، أن تضرب عنقك! فتشهد. فقال رسول الله ﷺ حين تشهد: انصرف به يا عباس فاحبسه عند حطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله. فقلت له: إن أبا سفيان يا رسول الله رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون له في قومك! فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فخرجت به حتى حبسته عند حطم الجبل بمضيق الوادي. فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم! وتمر به القبيلة، فيقول: من هذه؟ فأقول: أسلم. فيقول: ما لي ولأسلم! وتمر جهينة. حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال: يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما! فقلت: ويحك، إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: الحق الآن بقومك فحذرهم. فخرج سريعا حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به! فقالوا: فمه؟ قال: من دخل داري فهو آمن. قالوا: وما دارك، وما تغني عنا؟ قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق داره عليه فهو آمن. هكذا رواه بهذا اللفظ ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس - موصولا، وأما أيوب السختياني فأرسله. وقد رواه ابن إدريس عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - بمعناه (١). وقال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير: يا أبا عبد الله، ها هنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية! قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من كداء، ودخل

стр. 704

النبي ﷺ من كداء، فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري (١). وقال الزهري وغيره: أخفى الله مسير النبي ﷺ على أهل مكة حتى نزل بمر الظهران. وفي مغازي موسى بن عقبة (٢) أن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدؤونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ : قضاء الله خير. ويقال: قال أبو بكر يومئذ: يا رسول الله، أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهر. فلما دنونا منها استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا (٣). فقال: ذهب كلبهم وأقبل درهم، وهم سائلوكم بأرحامكم وإنكم لاقون بعضهم. فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيما بمر. وقال حسان: عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصحبات … تلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء لساني صارم لا عيب فيه … وبحري ما تكدره الدلاء

стр. 705

فذكروا أن رسول الله ﷺ تبسم إلى أبي بكر حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر، أي ينفضن الغبار عن الخيل (١). وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة - أن رسول الله ﷺ قال: اهجوا قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل. وأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم! فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه (٢). ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم فري الأديم (٣)! فقال رسول الله ﷺ : لا تعجل؛ فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا، حتى يخلص لك نسبي. فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد أخلص لي نسبك، فوالذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين! قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله! وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان فشفى وأشفى (٤). وذكر الأبيات، وزاد فيها: هجوت محمدا برا حنيفا … رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وقال الله قد أرسلت عبدا … يقول الحق ليس به خفاء وقال الله قد سيرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء

стр. 706

أخرجه مسلم (١). وقال سليمان بن المغيرة وغيره: حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية ومعنا أبو هريرة، وكان بعضنا يصنع لبعض الطعام، وكان أبو هريرة ممن يصنع لنا فيكثر، فيدعو إلى رحله. قلت: لو أمرت بطعام، فصنع ودعوتهم إلى رحلي، ففعلت. ولقيت أبا هريرة بالعشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني يا أخا الأنصار! قال: فإنهم لعندي إذ قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ فذكر فتح مكة، وقال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على إحدى المجنبتين (٢)، وبعث الزبير على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر (٣). ثم رآني فقال: يا أبا هريرة! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: اهتف لي بالأنصار، ولا تأتني إلا بأنصاري. قال: ففعلته. ثم قال: انظروا قريشا وأوباشهم (٤) فاحصدوهم حصدا. فانطلقنا فما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، وما منا أحد يريد أحدا منهم إلا أخذه. وجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش! لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن فألقوا سلاحهم. ودخل رسول الله ﷺ ، فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعا وصلى خلف المقام ركعتين. ثم جاء ومعه القوس آخذ بسيتها (٥)، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم، وهو يقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾. ثم انطلق حتى أتى الصفا، فعلا منه حتى يرى البيت، وجعل يحمد الله ويدعوه، والأنصار عنده يقولون: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته! وجاء الوحي، وكان الوحي إذا جاء

стр. 707

لم يخف علينا. فلما أن رفع الوحي قال: يا معشر الأنصار، قلتم كذا وكذا، فما اسمي إذا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله. المحيا محياكم والممات مماتكم. فأقبلوا يبكون، وقالوا: يا رسول الله، ما قلنا إلا الضن بالله وبرسوله! فقال: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. أخرجه مسلم، وعنده: كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم. وفي الحديث دلالة على الإذن بالقتل قبل عقد الأمان. وقال سلام (١) بن مسكين: حدثني ثابت البناني عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: ما قتل يوم الفتح إلا أربعة. ثم دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. ثم طاف رسول الله ﷺ ، وصلى. ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، فقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم! فقال: أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. قال: فخرجوا كما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام (٢). وقال عروة عن عائشة: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح من كداء من أعلى مكة (٣). وقال عبد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وقال: كيف قال حسان؟ فأنشده أبو بكر: عدمت بنيتي إن لم تروها .. تثير النقع من كنفي كداء ينازعن الأعنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء فقال: ادخلوا من حيث قال حسان (٤). وقال الزهري عن أنس: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح مكة وعلى

стр. 708

رأسه المغفر، فلما وضعه جاء رجل فقال: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه. متفق عليه (١). وكان ﷺ قد أهدر دم ابن خطل وثلاثة غيره. وقال منصور بن أبي مزاحم: حدثنا أبو معشر عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد. قال: رأيت النبي ﷺ قتل عبد الله بن خطل يوم أخرجوه من تحت الأستار. فضرب عنقه بين زمزم والمقام. ثم قال: لا يقتل قرشي بعدها صبرا. وقال معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير، عن جابر - أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. أخرجه مسلم (٢). وفي مسند الطيالسي (٣): حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر - أن رسول الله ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. وقال مساور الوراق: سمعت جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء حرقانية، قد أرخى طرفها بن كتفيه. أخرجه مسلم (٤). وقال ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن عائشة قالت: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء، قطعة مرط لي مرحل، وكانت الراية تسمى العقاب. قال عبد الله بن أبي بكر: لما نزل رسول الله ﷺ بذي طوى، ورأى ما أكرمه الله به من الفتح - جعل يتواضع لله حتى إنك لتقول: قد كاد عثنونه أن يصيب واسطة الرحل. وقال ثابت عن أنس: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعا. حديث صحيح.

стр. 709

وقال شعبة عن معاوية بن قرة، سمع عبد الله بن مغفل، قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم الفتح سورة الفتح وهو على بعير، فرجع فيها. ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل عن النبي ﷺ ، فرجع وقال: لولا أن يجتمع الناس لرجعت كما رجع ابن مغفل عن النبي ﷺ . متفق عليه، ولفظه للبخاري (١). وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. متفق عليه (٢). وقال ابن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى صنم صنم، وهو يهوي حتى مر عليها كلها (٣). حديث حسن. وقال القاسم بن عبد الله العمري، وهو ضعيف،: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - أن النبي ﷺ لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنما. فأشار إلى كل صنم بعصا من غير أن يمسها، وقال: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، فكان لا يشير إلى صنم إلا سقط (٤). وقال عبد الوارث عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس - أن النبي ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت. فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم

стр. 710

الله (١)، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط، ودخل البيت، وكبر في نواحيه. أخرجه البخاري (٢). وقال معمر عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس - أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخله حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم الله! والله ما استقسما بها قط. صحيح (٣). وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ لم يدخل البيت حتى محيت الصور. صحيح. وقال هوذة: حدثنا عوف الأعرابي عن رجل، قال: دعا رسول الله ﷺ عام الفتح شيبة بن عثمان، فأعطاه المفتاح، وقال له: دونك هذا، فأنت أمين الله على بيته. قال الواقدي: هذا غلط، إنما أعطى المفتاح عثمان بن طلحة ابن عم شيبة يوم الفتح، وشيبة يومئذ كافر. ولم يزل عثمان على البيت حتى مات، ثم ولي شيبة. قلت: قول الواقدي: لم يزل عثمان على البيت حتى مات - فيه نظر؛ فإن أراد لم يزل منفردا بالحجابة فلا نسلم، وإن أراد مشاركا لشيبة فقريب؛ فإن شيبة كان حاجبا في خلافة عمر. ويحتمل أن النبي ﷺ ولى الحجابة لشيبة لما أسلم، وكان إسلامه عام الفتح، لا يوم الفتح. وقال محمد بن حمران: حدثنا أبو بشر عن مسافع بن شيبة، عن أبيه قال: دخل النبي ﷺ الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاوير، فقال: يا شيبة، اكفني هذه! فاشتد ذلك عليه، فقال له رجل: طينها، ثم الطخها بزعفران. ففعل. تفرد به محمد، وهو مقارب الأمر.

стр. 711

وقال يونس عن نافع، عن ابن عمر - أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة، ومعه بلال وعثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد. فأمر عثمان أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح، ودخل رسول الله ﷺ مع أسامة وبلال وعثمان. فمكث فيها نهارا طويلا. ثم خرج فاستبق الناس. وكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب، فسأله: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذي صلى فيه. قال ابن عمر: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة؟ صحيح. علقه البخاري محتجا به (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة قالت: لما اطمأن رسول الله ﷺ بمكة طاف على بعيره، يستلم الحجر بالمحجن (٣). ثم دخل الكعبة، فوجد فيها جمامة عيدان فاكتسرها، ثم قال بها على باب الكعبة وأنا أنظر، فرمى بها. وذكر أسباط عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فأما ابن خطل فأدرك وهو متعلق بالأستار، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا، فقتله. وأما مقيس فقتلوه في السوق، وأما عكرمة فركب البحر، وذكر قصته، ثم أسلم. وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله! فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت،

стр. 712

فيقتله؟ قالوا: ما يدرينا، يا رسول الله، ما في نفسك؟ هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قدم مقيس بن صبابة على رسول الله ﷺ المدينة، وقد أظهر الإسلام، يطلب بدم أخيه هشام، وكان قتله رجل من المسلمين يوم بني المصطلق ولا يحسبه إلا مشركا. فقال رسول الله ﷺ : إنما قتل أخوك خطأ، وأمر له بديته، فأخذها. فمكث مع المسلمين شيئا، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة كافرا. فأمر رسول الله ﷺ عام الفتح بقتله، فقتله رجل من قومه يقال له: نميلة بن عبد الله بين الصفا والمروة. وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار - أن رسول الله ﷺ إنما أمر بقتل ابن أبي سرح؛ لأنه كان قد أسلم، وكتب لرسول الله ﷺ الوحي. فرجع مشركا ولحق بمكة (٣). قال ابن إسحاق (٤): وإنما أمر بقتل عبد الله بن خطل أحد بني تيم ابن غالب؛ لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا (٥)، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما. فنزل منزلا، فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد. وكان له قينة وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، فأمر بقتلهما معه، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ . وقال يعقوب القمي: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة جاءت عجوز حبشية شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل. فقيل: يا رسول الله، رأينا كذا وكذا. فقال: تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا (٦). كأنه منقطع.

стр. 713

وقال يونس بن بكير عن زكريا، عن الشعبي، عن الحارث بن مالك هو ابن برصاء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم الفتح يقول: لا تغزى مكة بعد اليوم أبدا إلى يوم القيامة (١). وقال محمد بن فضيل: حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى. فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات. فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها. ثم أتى النبي ﷺ ، فأخبره. فقال: ارجع، فإنك لم تصنع شيئا. فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة وهم حجابها أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتي برغم! فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها. فعممها بالسيف حتى قتلها. ثم رجع إلى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: تلك العزى (٢). أبو الطفيل له رؤية. وقال ابن إسحاق: حدثني أبي قال: حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على ظهر الكعبة، فأذن عليها. فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة (٣)! وقال عروة: أمر رسول الله ﷺ بلالا يوم الفتح، فأذن على الكعبة (٤). وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند - أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم، فأجارتهما. قالت: فدخل علي علي فقال: أقتلهما. فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو بأعلى مكة، فلما رآني رحب بي، فقال: ما جاء بك يا أم هانئ؟ قالت: يا نبي الله، كنت قد

стр. 714

أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي قتلهما. فقال: قد أجرنا من أجرت. ثم قام إلى غسله، فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوبا فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى. أخرجه مسلم (١). وقال الليث عن المقبري، عن أبي شريح العدوي - أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير، أحدث قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به! أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. متفق عليه (٢). وقال ابن عيينة عن علي بن زيد، عمن حدثه، عن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة وهو على درجة الكعبة: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها. ألا إن كل مأثرة في الجاهلية ودم ومال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج، فقد أنضيتها لأهلها (٣). ضعيف الإسناد. وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خطب رسول الله ﷺ الناس عام الفتح، ثم قال: أيها الناس، ألا إنه لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا

стр. 715

شدة. والمؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم. ترد سراياهم على قعيدتهم. لا يقتل مؤمن بكافر. دية الكافر نصف دية المسلم. لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم (١). وقال أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر. أخرجه البخاري (٢). وقال أبو الأزهر النيسابوري: حدثنا محمد بن شرحبيل الأبناوي قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان أن محمد بن الأسود بن خلف، أخبره أن أباه الأسود حضر النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. وجلس عند قرن مسقلة، فجاءه الصغار والكبار والرجال والنساء، فبايعوه على الإسلام والشهادة (٣). وقال يونس عن ابن إسحاق (٤): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح ونزل رسول الله ﷺ ذا طوى قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية، أشرفي بي على أبي قبيس، وقد كف بصره. فأشرفت به عليه. فقال: ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. فقال: تلك الخيل يا بنية، وذلك الرجل الوازع (٥). ثم قال: ماذا ترين؟ قالت: أرى السواد انتشر. فقال: فقد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فخرجت سريعا، حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيتها الخيل، وفي عنقها طوق لها من ورق، فاقتطعه إنسان من عنقها. فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه

стр. 716

رسول الله ﷺ قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئه؟ فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله أحق من أن تمشي إليه. فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، وقال: أسلم تسلم. فأسلم. ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، فقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختي! فوالله ما أجابه أحد. ثم قال الثانية، فما أجابه أحد. فقال: يا أخية، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل. وقال أبو الزبير عن جابر أن عمر أخذ بيد أبي قحافة، فأتى به النبي ﷺ ، فقال: غيروا هذا الشيب، ولا تقربوه سوادا (١). وقال زيد بن أسلم: إن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر بإسلام أبيه (٢). مرسل. وقال مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان على عهده نساء يسلمن بأرضهن، منهن ابنة الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية. فأسلمت يوم الفتح وهرب صفوان. فبعث إليه رسول الله ﷺ ابن عمه عمير بن وهب برداء رسول الله ﷺ أمانا لصفوان، ودعاه إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرا قبله، وإلا سيره شهرين. فقدم، فنادى على رؤوس الناس: يا محمد، هذا عمير بن وهب جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك؛ فإن رضيت أمرا قبلته، وإلا سيرتني شهرين! فقال رسول الله ﷺ : انزل أبا وهب. فقال: لا والله، لا أنزل حتى تبين لي. فقال: بل لك تسيير أربعة أشهر. فخرج رسول الله ﷺ قبل هوازن، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداة وسلاحا. فقال صفوان: أطوعا أو كرها؟ فقال: بل طوعا. فأعاره الأداة والسلاح، وخرج مع رسول الله ﷺ وهو كافر، فشهد حنينا والطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة. فلم يفرق رسول الله ﷺ بينهما حتى أسلم، واستقرت عنده بذلك النكاح، وكان بين إسلامهما نحو من شهر.

стр. 717

وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب عكرمة حتى قدم اليمن. فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، ودعته إلى الإسلام فأسلم. وقدم على رسول الله ﷺ ، فلما رآه وثب فرحا به، ورمى عليه رداءه حتى بايعه. فثبتا على نكاحهما ذلك (١). وقال الواقدي (٢): حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي حصين الهذلي قال: استقرض رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفا، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألفا - فقسمها بين أصحابه من أهل الضعف، ومن ذلك المال بعث إلى جذيمة. وقال يونس عن ابن شهاب: حدثني عروة قال: قالت عائشة: إن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله، ما كان مما على ظهر الأرض (٣) أخباء أو خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك! قال رسول الله ﷺ : وأيضا، والذي نفس محمد بيده. قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل ممسك، أو قالت: مسيك - فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: لا، إلا (٤) بالمعروف. أخرجه البخاري (٥). وأخرجاه (٦) من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري. وعنده: فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: لا عليك أن تطعميهم بالمعروف.

стр. 718

وقال الفريابي: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عباس قال: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطؤون عقبه. فقال في نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاءه رسول الله ﷺ حتى ضرب في صدره، فقال: إذا يخزيك الله! قال: أتوب إلى الله، وأستغفر الله (١). وروى نحوه مرسلا أبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم. وقال موسى بن أعين عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أتري هذا من الله؟ ثم أصبح، فغدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: قلت لهند: أترين هذا من الله؟ نعم، هذا من الله. فقال: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به أبو سفيان، ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند (٢). وقال ابن المبارك: أخبرنا عاصم الأحول عن عكرمة، عن ابن عباس: أقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يوما، يصلي ركعتين. أخرجه البخاري (٣). وقال حفص بن غياث عن عاصم الأحول: سبعة عشر يوما. صحيح (٤). وقال ابن علية: أخبرنا علي بن زيد عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين: غزوت مع النبي ﷺ ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد، صلوا أربعا؛ فإنا سفر. أخرجه أبو داود (٥). علي ضعيف.

стр. 719

وقال ابن إسحاق (١) عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة. ثم روى ابن إسحاق عن جماعة مثل هذا. قال البيهقي (٢): الأصح رواية ابن المبارك التي اعتمدها البخاري. وقال الواقدي (٣): وفي رمضان بعثة خالد بن الوليد إلى العزى، فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سواع في رمضان، وهو صنم هذيل، فهدمه. وقال: قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله. قال: وفي رمضان بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا حتى انتهى إليها، وتخرج إلى سعد امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس تدعو بالويل، فقال لها السادن: مناة، دونك بعض غضباتك! وسعد يضربها، فقتلها، وأقبل إلى الصنم، فهدموه لست بقين من رمضان. وقال منصور عن مجاهد، عن طاوس (٤)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا. قاله يوم الفتح. متفق عليه (٥). وقال عمرو بن مرة: سمعت أبا البختري يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح - قرأها رسول الله ﷺ ، ثم قال: إني وأصحابي حيز والناس حيز، لا هجرة بعد الفتح. فحدثت به مروان بن الحكم وكان على المدينة، فقال: كذبت. وعنده زيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وكانا معه على السرير. فقلت: إن هذين لو شاءا لحدثاك، ولكن هذا يعني زيدا - يخاف أن تنزعه عن

стр. 720

الصدقة، والآخر يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه. قال: فشد عليه بالدرة. فلما رأيا ذلك قالا: صدق (١). وقال حماد بن زيد عن أيوب: حدثني أبو قلابة عن عمرو بن سلمة، ثم قال: هو حي، ألا تلقاه فتسمع منه؟ فلقيت عمرا فحدثني بالحديث، قال: كنا بممر الناس، فتمر بنا الركبان، فنسألهم: ما هذا الأمر؟ وما للناس؟ فيقولون: نبي يزعم أن الله قد أرسله، وأن الله أوحى إليه كذا وكذا، وكانت العرب تلوم (٢) بإسلامها الفتح. ويقولون: أنظروه، فإن ظهر فهو نبي فصدقوه. فلما كان وقعة الفتح نادى (٣) كل قوم بإسلامهم. فانطلق أبي بإسلام حوائنا (٤) إلى رسول الله ﷺ . فقدم فأقام عنده كذا وكذا، ثم جاء فتلقيناه، فقال: جئتكم من عند رسول الله حقا، وإنه يأمركم بكذا، وصلاة كذا وكذا. وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا. فنظروا في أهل حوائنا فلم يجدوا أكثر قرآنا مني فقدموني وأنا ابن سبع سنين أو ست سنين. فكنت أصلي بهم، فإذا سجدت تقلصت بردة علي. تقول امرأة من الحي: غطوا عنا است قارئكم هذا. قال: فكسيت معقدة (٥) من معقد البحرين بستة دراهم أو بسبعة، فما فرحت بشيء كفرحي بذلك. أخرجه البخاري (٦) عن سليمان بن حرب عنه، والله أعلم.

стр. 721

غزوة بني جذيمة قال ابن إسحاق (١): وبعث رسول الله ﷺ السرايا فيما حول مكة يدعون إلى الله تعالى، ولم يأمرهم بقتال. فكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا. فوطئ بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فأصاب منهم. وقال معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى - أحسبه قال - بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام. فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. وجعل خالد بهم قتلا وأسرا، ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. فقال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. قال: فقدموا على رسول الله ﷺ ، فذكر له صنيع خالد. فقال ورفع يديه ﷺ : اللهم، إني أبرأ إليك مما صنع خالد! مرتين. أخرجه البخاري (٢). وقال ابن إسحاق (٣): حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد، فخرج حتى نزل ببني جذيمة، وهم على مائهم، وكانوا قد أصابوا في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة، ووالد عبد الرحمن بن عوف. فذكر الحديث، وفيه: فأمر خالد برجال منهم فأسروا وضربت أعناقهم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: اللهم، إني أبرأ إليك مما عمل خالد بن الوليد! ثم دعا رسول الله ﷺ عليا، فقال: اخرج إلى هؤلاء القوم، فأد دماءهم وأموالهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي وقد أعطاه رسول الله ﷺ مالا، فودى لهم دماءهم وأموالهم، حتى إنه ليعطيهم ثمن

стр. 722

ميلغة (١) الكلب. فبقي مع علي بقية من مال، فقال: أعطيكم هذا احتياطا لرسول الله ﷺ ، فيما لا يعلم رسول الله ﷺ ، وفيما لا تعلمون. فأعطاهم إياه. ثم قدم على رسول الله ﷺ ، وأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق (٢): حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة، عن الزهري قال: حدثني ابن أبي حدرد عن أبيه قال: كنت في الخيل التي أصاب فيها خالد بني جذيمة، إذا فتى منهم مجموعة يده إلى عنقه برمة، يقول: بحبل. فقال: يا فتى، هل أنت آخذ بهذه الرمة فمقدمي إلى هذه النسوة، حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تصنعون ما بدا لكم؟ فقلت: ليسير ما سألت. ثم أخذت برمته فقدمته إليهن، فقال: أسلم حبيش على نفاد العيش، ثم قال: أرأيت إن طالبتكم فوجدتكم … بحلية أو أدركتكم بالخوانق ألم يك حقا أن ينول عاشق … تكلف إدلاج السرى والودائق (٣) فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا … أثيبي بود قبل إحدى الصفائق (٤) أثيبي بود قبل أن تشحط النوى (٥) … وينأى الأمير بالحبيب المفارق فإني لا سر لدي أضعته … ولا راق عيني بعد وجهك رائق على أن ما ناب العشيرة شاغل … عن اللهو إلا أن تكون بوائق (٦) فقالت: وأنت حييت عشرا، وسبعا وترا، وثمانيا تترى. ثم قدمناه فضربنا عنقه. قال ابن إسحاق (٧): فحدثنا أبو فراس الأسلمي عن أشياخ من قومه قد

стр. 723

شهدوا هذا مع خالد قالوا: فلما قتل قامت إليه، فما زالت ترشفه حتى ماتت عليه. غزوة حنين (١) قال يونس عن ابن إسحاق (٢): حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن ابن جابر بن عبد الله، عن أبيه. وحدثني عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر عن حديث حنين، حين سار إليهم رسول الله ﷺ ، وساروا إليه. فبعضهم يحدث بما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة جمع عوف بن مالك النصري بني نصر وبني جشم وبني سعد بن بكر، وأوزاعا من بني هلال وهم قليل، وناسا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. وأوعبت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك. ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وساق معه الأموال والنساء والأبناء. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم. فدخل فيهم، فمكث فيهم يوما أو اثنين. ثم أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرهم. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال عمر: كذب. فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق. فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله! ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدتها. فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة. ثم خرج رسول الله ﷺ سائرا.

стр. 724

قال ابن إسحاق (١): حدثنا الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه، فسار بهم. وقال ابن إسحاق (٢): واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وبالإسناد الأول أن عوف بن مالك أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة شيخ كبير في شجار (٣) له يقاد به، حتى نزل الناس بأوطاس. فقال دريد حين نزلوها، فسمع رغاء البعير ونهيق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس. فقال: نعم مجال الخيل؛ لا حزن ضرس، ولا سهل دهس (٤). مالي أسمع رغاء البعير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم. قال: فأين هو؟ فدعي، فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فأنفض (٥) به دريد، وقال: يا راعي ضأن، والله! وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لا ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. فارفع الأموال والنساء والذراري إلى عليا قومهم وممتنع بلادهم! ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب؟ فقالوا: لم يحضرها منهم أحد. فقال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت لو فعلتم فعلها! فمن حضرها؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. فقال: ذانك الجذعان (٦)

стр. 725

لا يضران ولا ينفعان. فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأي، فقال: إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعن يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! فقالوا: أطعناك! ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم (١)، ثم شدوا شدة رجل واحد. وقال الواقدي (٢): سار رسول الله ﷺ من مكة لست خلون من شوال في اثني عشر ألفا. فقال أبو بكر: لا نغلب اليوم من قلة. فانتهوا إلى حنين لعشر خلون من شوال، وأمر النبي ﷺ أصحابه بالتعبئة ووضع الألوية والرايات في أهلها، وركب بغلته ولبس درعين والمغفر والبيضة. فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه. فحملوا حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم مولية، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس. فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله! أنا عبد الله ورسوله! وثبت معه يومئذ عمه العباس، وابنه الفضل، وعلي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد، وجماعة. وقال يونس عن ابن إسحاق (٣): حدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا، فأتوه وقد تقطعت أوصالهم. فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ فقالوا: أتانا رجال بيض على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. منقطع. وعن الربيع بن أنس أن رجلا قال: لن نغلب من قلة. فشق ذلك على النبي ﷺ ، ونزلت ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم الآية (٤).

стр. 726

وقال معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام: سمع أبا سلام يقول: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ ، فجاء فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذ أنا بهوازن على بكرة أبيهم، بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله. ثم قال: من يحرسنا الليلة؟ قال أنس ابن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. قال: فاركب. فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة. فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله، لا. فثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلي ويلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: أبشروا، فقد جاء فارسكم. فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت اطلعت الشعبين، فنظرت، فلم أر أحدا. فقال له رسول الله ﷺ : هل نزلت الليلة؟ قال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله ﷺ : قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها. أخرجه أبو داود (١). وقال يونس عن ابن إسحاق (٢): حدثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: خرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله ﷺ إليها، فأعدوا وتهيؤوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه، فانحط بهم في الوادي في عماية الصبح. فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد. وانحاز رسول الله ﷺ ذات

стр. 727

اليمين يقول: أيها الناس، هلموا، إني أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله فلا ينثني أحد، وركبت الإبل بعضها بعضا. فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس، ومعه رهط من أهل بيته ورهط من المهاجرين، والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء. وثبت معه علي، وأبو سفيان وربيعة ابنا الحارث، والفضل بن عباس، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة. ومن المهاجرين أبو بكر وعمر. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء أمام هوازن، إذا أدرك الناس طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فيتبعوه. فلما انهزم من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحور، وإن الأزلام لمعه في كنانته. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: سار أبو سفيان إلى حنين، وإنه ليظهر الإسلام، وإن الأزلام التي يستقسم بها في كنانته. قال شيبة بن عثمان العبدري: اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا. قال: فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطق، فعرفت أنه ممنوع (١). وحدثني عاصم عن عبد الرحمن، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسل حين رأى من الناس ما رأى قال: يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة فأجابوا: لبيك لبيك، فجعل الرجل منهم يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه من عنقه، ويؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة. فاستعرضوا الناس، فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب. وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: الآن حمي الوطيس. قال: فوالله ما رجعت راجعة الناس إلا والأسارى عند رسول الله ﷺ ، فقتل الله من قتل منهم، وانهزم من انهزم منهم، وأفاء الله على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم (٢).

стр. 728

وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة. وقاله موسى بن عقبة - أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين، فخرج معه أهل مكة، لم يتغادر منهم أحد ركبانا ومشاة، حتى خرج النساء مشاة ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه. وقال ابن عقبة: جعل أبو سفيان كلما سقط ترس أو سيف من الصحابة، نادى رسول الله ﷺ : أعطونيه أحمله حتى أوقر جمله. قالا: فلما أصبح القوم اعتزل أبو سفيان وابنه معاوية، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام - وراء تل، ينظرون لمن تكون الدبرة. وركب رسول الله ﷺ ، فاستقبل الصفوف فأمرهم، وحضهم على القتال. فبينا هم على ذلك حمل المشركون عليهم حملة رجل واحد، فولوا مدبرين. فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس، فقلت: مائة رجل. ومر رجل من قريش على صفوان، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا. فقال: أتبشرني بظهور الأعراب؟ فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الأعراب، ثم بعث غلاما له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه الغلام فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله. فقال: ظهر محمد. وكان ذلك شعارهم في الحرب، وأن رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين. ويقولون: رفع يديه إلى الله تعالى يدعوه، يقول: اللهم، إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا. ونادى أصحابه: يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، الله الله، الكرة على نبيكم. ويقال: قال: يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج، وأمر من يناديهم بذلك، وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين، ونواحيهم كلها، وقال: شاهت الوجوه. وأقبل إليه أصحابه سراعا، وهزم الله المشركين، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من قومه. وأسلم حينئذ ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله.

стр. 729

مختصر من حديث ابن عقبة، وليس عند عروة قيام النبي ﷺ في الركابين، ولا قوله: يا أنصار الله (١). وقال شعبة عن أبي إسحاق: سمع البراء، وقال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر. إن هوازن كانوا رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته، والنبي ﷺ يقول: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب متفق عليه (٢). وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) من حديث زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، وفيه: ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم كبير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم. وزاد فيه مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: اللهم، نزل نصرك. قال: وكنا إذا حمي البأس نتقي به ﷺ . وقال هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص قال: أخبرني سيابة بن عاصم أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: أنا ابن العواتك (٥). وقال أبو عوانة عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال في بعض مغازيه: أنا ابن العواتك (٦). وقال يونس عن ابن شهاب: حدثني كثير بن العباس بن عبد المطلب قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمته أنا وأبو

стр. 730

سفيان بن الحارث، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين. فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، وآنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه. فقال النبي ﷺ : أي عباس، ناد أصحاب السمرة. فقال عباس - وكان رجلا صيتا -: فقلت بأعلى صوتي: أي أصحاب السمرة. قال: فوالله، لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه، يا لبيكاه! فاقتتلوا هم والكفار. والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حمي الوطيس. ثم أخذ حصيات، فرمى بهن في وجوه الكفار. ثم قال: انهزموا ورب محمد! فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. أخرجه مسلم (١). وروى معمر عن الزهري، عن كثير - نحوه، لكن قال: فروة بن نعامة الجذامي، وقال: انهزموا ورب الكعبة (٢). وقال عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية، فأستقبل رجلا من العدو، فأرميه بسهم، وتوارى عني، فما دريت ما صنع. ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم والمسلمون، فولى المسلمون، فأرجع منهزما، وعلي بردتان متزر بإحداهما، مرتد بالأخرى. ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته الشهباء، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا. فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل من (٣)

стр. 731

البغلة، ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، فولوا مدبرين، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. أخرجه مسلم (١). وقال أبو داود في مسنده (٢): حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حنين. فذكر الحديث، وفيه: فحدثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنة من تراب، فحثا بها في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه. قال يعلى بن عطاء: فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست، فهزمهم الله. وقال عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال ابن مسعود: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدما، فحادت بغلته فمال عن السرج، فشد نحوه. فقلت: ارتفع، رفعك الله. قال: ناولني كفا من تراب. فناولته، فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا. قال: أين المهاجرون والأنصار؟ فقلت: هم هاهنا. قال: اهتف بهم. فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنهم الشهب، وولى المشركون أدبارهم (٣). وقال البخاري في تاريخه (٤): حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثني عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم

стр. 732

حنين مثل من قتل يوم بدر، وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصباء فرمى به وجوهنا، فانهزمنا. وقال جعفر بن سليمان: حدثنا عوف قال: حدثنا عبد الرحمن مولى أم برثن عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا والمسلمون لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بني يدي رسول الله، حتى إذا غشيناه إذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا. فهزمنا من ذلك الكلام. إسناده جيد (١). وقال الوليد بن مسلم وغيره: حدثني ابن المبارك عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما. فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد. فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج. فقلت: عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت يمحشني (٢)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقري. والتفت رسول الله ﷺ وقال: يا شيب، يا شيب، ادن مني! اللهم، أذهب عنه الشيطان! فرفعت إليه بصري، فلهو أحب إلي من سمعي وبصري، وقال: يا شيب، قاتل الكفار. غريب جدا (٣). وقال أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ ، والله ما أخرجني إسلام، ولكن أنفت أن تظهر هوازن على قريش. فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلا بلقا. قال: يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر. فضرب يده على صدري،

стр. 733

ثم قال: اللهم اهد شيبة! فعل ذلك ثلاثا، حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه، وذكر الحديث (١). وقال ابن إسحاق (٢): وقال مالك بن عوف يذكر مسيرهم بعد إسلامه: اذكر مسيرهم للناس إذ جمعوا … ومالك فوقه الرايات تختفق ومالك مالك ما فوقه أحد … يومي حنين عليه التاج يأتلق حتى لقوا الناس خير الناس يقدمهم … عليهم البيض والأبدان والدرق فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا … حول النبي وحتى جنه الغسق حتى تنزل جبريل بنصرهم … فالقوم منهزم منهم ومعتنق منا ولو غير جبريل يقاتلنا … لمنعتنا إذا أسيافنا الغلق وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا … بطعنة بل منها سرجه العلق وقال مالك في الموطأ (٣) عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت له فضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت. ثم أدركه الموت فأرسلني. فأدركت عمر فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم الثالثة، فقمت، فقال: ما لك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه منه. فقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذا، يعمد إلى أسد من أسد الله

стр. 734

يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : صدق، فأعطه إياه. فأعطانيه. فبعت الدرع، فابتعت به مخرفا (١) في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته (٢) في الإسلام. أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤) عن القعنبي ومسلم (٥). وقال حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: من قتل قتيلا فله سلبه. فقتل يومئذ أبو طلحة عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. صحيح (٦). وبه عن أنس قال: لقي أبو طلحة أم سليم يوم حنين ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم، ما هذا؟ قالت: أردت إن دنا مني بعضهم أن أبعج به بطنه. فأخبر بذلك النبي ﷺ . أخرجه مسلم (٧). غزوة أوطاس وقال شيخنا الدمياطي في السيرة له: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمرا قد أرخوها بين أكتافهم. وقال رسول الله ﷺ : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه (٨)، وأمر بطلب العدو، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم نحو نخلة. ووجه قوم منهم إلى أوطاس. فعقد النبي ﷺ لأبي عامر الأشعري لواء، ووجهه في طلبهم، وكان معه سلمة بن الأكوع. فانتهى إلى عسكرهم، فإذا هم

стр. 735

ممتنعون. فقتل أبو عامر منهم تسعة مبارزة. ثم برز له العاشر معلما بعمامة صفراء، فضرب أبا عامر فقتله. واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري، فقاتلهم. حتى فتح الله عليه. وقال أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، ورمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إلي أن ذاك قاتلي تراه. فقصدت له، فاعتمدته، فلحقته. فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيا؟ ألا تثبت؟ فكف، فالتقينا، فاختلفنا ضربتين، أنا وهو، فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك. قال: فانتزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقره مني السلام، ثم قل له يستغفر لي. قال: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ومات. وذكر الحديث. متفق عليه (١). وقال ابن إسحاق (٢): وقتل يوم حنين من ثقيف سبعون رجلا تحت رايتهم. وانهزم المشركون، فأتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف. وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة. وتبعت خيل رسول الله ﷺ القوم، فأدرك ربيعة بن رفيع؛ ويقال له: ابن لدغة (٣)، دريد بن الصمة؛ فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنه امرأة، فإذا شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا. فقال: بئس ما سلحتك أمك. خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، ثم اضرب به، وارفع عن الطعام، واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم والله قد منعت فيه نساءك. فقتله. فقيل:

стр. 736

لما ضربه ووقع تكشف، فإذا عجانه وبطون فخذيه أبيض كالقرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع إلى أمه أخبرها بقتله، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك. وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه إلى أوطاس - أبا عامر الأشعري فرمي بسهم فقتل. فأخذ الراية أبو موسى فهزمهم. وزعموا أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر بسهم. واستشهد يوم حنين: أيمن بن عبيد، ولد أم أيمن؛ مولى بني هاشم. ويزيد بن زمعة بن الأسود الأسدي القرشي. وسراقة بن حباب بن عدي العجلاني الأنصاري. وأبو عامر عبيد الأشعري (١). ثم جمعت الغنائم، فكان عليها مسعود بن عمرو. وإنما تقسم بعد الطائف. غزوة الطائف فسار رسول الله ﷺ من حنين يريد الطائف في شوال. وقدم خالد بن الوليد على مقدمته. وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا الحصن وتهيؤوا للقتال. قال محمد بن شعيب، عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ثم سار رسول الله ﷺ حتى بلغ الطائف فحاصرهم، ونادى مناديه: من خرج منهم من عبيدهم فهو حر. فاقتحم إليه من حصنهم نفر، منهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد من أبيه، فأعتقهم. ودفع كل رجل منهم إلى رجل من أصحابه ليحمله. ورجع رسول الله ﷺ حتى أتى على الجعرانة. فقال: إني معتمر. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى، قالا: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف، وترك السبي بالجعرانة، وملئت عرش مكة منهم. ونزل رسول الله

стр. 737

ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة، يقاتلهم. وثقيف ترمي بالنبل، وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها. فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن فقال: ما أرى أن نفتحه، وما أذن لنا فيه. وزاد عروة قال: أمر رسول الله ﷺ المسلمين أن يقطع كل رجل من المسلمين خمس نخلات أو حبلات من كرومهم. فأتاه عمر فقال: يا رسول الله، إنها عفاء لم تؤكل ثمارها. فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثمرته، الأول فالأول. وبعث مناديا ينادي: من خرج إلينا فهو حر (١). وقال ابن إسحاق (٢): لم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش (٣) يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق. ثم سار رسول الله ﷺ على نخلة إلى الطائف، وابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وقتل ناس من أصحابه بالنبل. ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم. وحاصرهم النبي ﷺ بضعا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية. فلما أسلمت ثقيف بني على مصلى رسول الله ﷺ أبو أمية بن عمرو بن وهب مسجدا. وكان في ذلك المسجد سارية لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر؛ فيما يذكرون، إلا سمع لها نقيض. والنقيض صوت المحامل. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سنبر (٤)، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح السلمي، قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف. فسمعت رسول الله ﷺ يقول: من بلغ بسهم فله درجة في الجنة. فبلغت يومئذ ستة عشر سهما. وسمعت

стр. 738

رسول الله ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر (١). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، قالت: كان عندي مخنث، فقال لأخي عبد الله: إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فإني أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمع رسول الله ﷺ قوله فقال: لا يدخلن هذا عليكم. متفق عليه بمعناه (٢). وقال الواقدي (٣) عن شيوخه، أن سلمان قال لرسول الله ﷺ : أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم - يعني الطائف - فإنا كنا بأرض فارس ننصبه على الحصون، فإن لم يكن منجنيق طال الثواء. فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة، ودبابتين. ويقال: الطفيل بن عمرو قدم بذلك. قال: فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فحرقت الدبابة. فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها. فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا؟ فإنما هي لنا أو لكم. فتركها. وقال أبو الأسود، عن عروة، من طريق ابن لهيعة: أقبل عيينة بن بدر حتى جاء رسول الله ﷺ ، فقال: ائذن لي أن أكلمهم، لعل الله أن يهديهم. فأذن له. فانطلق حتى دخل الحصن، فقال: بأبي أنتم، تمسكوا بمكانكم، والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لئن حدث به حدث لتملكن العرب عزا ومنعة، فتمسكوا بحصنكم. ثم خرج فقال له النبي ﷺ : ماذا قلت لهم؟ قال: دعوتهم إلى الإسلام، وحذرتهم النار وفعلت. فقال: كذبت، بل قلت كذا وكذا. قال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك (٤).

стр. 739

أخبرنا محمد بن عبد العزيز المقرئ؛ سنة اثنتين وتسعين وستمائة؛ ومحمد بن أبي الحزم، وحسن بن علي، ومحمد بن أبي الفتح الشيباني، ومحمد بن أحمد العقيلي، ومحمد بن يوسف الذهبي. وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي. (ح) وأخبرنا عبد المعطي بن عبد الرحمن؛ بالإسكندرية، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مكي. (ح) وأخبرنا لؤلؤ المحسني؛ بمصر، وعلي بن أحمد، وعلي بن محمد، الحنبليان، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله الفقيه، قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسن مكي بن منصور الكرجي. وقرأت على سنقر القضائي بحلب: أخبرك عبد اللطيف بن يوسف. وسمعته سنة اثنتين وتسعين على عائشة بنت عيسى بن الموفق، قالت: أخبرنا جدي أبو محمد بن قدامة سنة أربع عشرة وستمائة حضورا، قالا: أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الساوي سنة سبع وثمانين وأربعمائة، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر، قال: حاصر النبي ﷺ أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئا. قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله. فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : اغدوا على القتال غدا. فأصابهم جراح. فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا قافلون غدا إن شاء الله. فأعجبهم ذلك، فضحك النبي ﷺ . أخرجه مسلم (١)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان هكذا. وعنده: عبد الله بن عمرو، في بعض النسخ بمسلم. وأخرجه البخاري (٢) عن ابن المديني، عن سفيان، فقال: عبد الله بن

стр. 740

عمرو. قال البخاري: قال الحميدي: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو، قال: سمعت أبا العباس الأعمى يقول: عبد الله بن عمر بن الخطاب. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة .. فذكره. وقال فيه: عبد الله بن عمرو. ثم قال أبو بكر: وسمعت ابن عيينة يحدث به مرة أخرى عن ابن عمر. وقال المفضل بن غسان الغلابي، أظنه عن ابن معين، قال أبو العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر؛ في فتح الطائف: الصحيح ابن عمر. قال: واسم أبي العباس: السائب بن فروخ مولى بني كنانة. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: أن النبي ﷺ ارتحل عن الطائف بأصحابه ودعا حين ركب قافلا: اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكدم، عمن أدركوا، قالوا: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك. ثم انصرف عنهم، فقدم المدينة، فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا. قال ابن إسحاق (٣): واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف: سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن حباب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات بالمدينة في خلافة أبيه، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي؛ أخو أم سلمة. وأمه عاتكة بنت عبد المطلب. وكان يقال لأبي أمية؛ واسمه حذيفة: زاد الراكب. وكان عبد الله شديدا على المسلمين، قيل: هو الذي قال ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ وما بعدها. ثم أسلم
следующие страницы →