← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الدموع ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن ثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته. ثم قال: يا أسماء، ألا أبشرك؟ قالت: بلى، بأبي أنت وأمي. قال: إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة. قالت: فأعلم الناس ذلك. وذكر الحديث. وقال الواقدي (١): حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله؛ قال: أصيب بها ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين. فكان مما غنموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله ﷺ ، قال: قتلت صاحبه يومئذ، فنفله رسول الله ﷺ إياه. وقال عوف بن مالك الأشجعي: لقيناهم في جماعة من قضاعة وغيرهم من نصارى العرب، فصافوا، فجعل رجل من الروم يشتد على المسلمين. فجعلت أقول في نفسي: من لهذا؟ وقد رافقني رجل من أمداد حمير، ليس معه إلا السيف، إذ نحر رجل جزورا فسأله المددي طائفة من جلده، فوهبه منه، فجعله في الشمس وأوتد على أطرافه أوتادا، فلما جف اتخذ منه مقبضا وجعله درقة. قال: فلما رأى ذلك المددي فعل الرومي، كمن له خلف صخرة، فلما مر به خرج عليه فعرقب فرسه، فقعد الفرس على رجليه وخر عنه العلج، فشد عليه فعلاه بالسيف فقتله. قال: وحدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه قال: حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم، فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فأخذتها، فلما انكشفنا فانهزمنا رجعت إلى المدينة، فأتيت بها رسول الله ﷺ فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٢) حدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمو معه. فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ : ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله. فحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن أم سلمة

стр. 667

قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج؛ كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم في سبيل الله. وكان في غزوة مؤتة. وعن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك، مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير إذ سمعته ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتني وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلي ورائي وآب المسلمون وغادروني … بأرض الشام مشهور الثواء وردك كل ذي نسب قريب … إلى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل … ولا نخل أسافلها رواء فلما سمعتهن بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل! وقال عبد الملك بن هشام (١): حدثني من أثق به أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنته بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. وروي أنهم قتلوه بالرماح. ترجمة جعفر بن أبي طالب (٢) قلت: وكان جعفر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين. قال له النبي ﷺ : أشبهت خلقي وخلقي (٣).

стр. 668

وقال عكرمة عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر، وكنا نسميه أبا المساكين (١). وقال مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليا ﵁ شيئا بحق جعفر إلا أعطانيه. وعن ابن عمر قال: وجدت في مقدم جسد جعفر يوم مؤتة بضعا وأربعين ضربة. ولما قدم جعفر من الحبشة عند فتح خيبر، روي أن النبي ﷺ اعتنقه وقال: ما أدري أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر (٢). وقال مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: لما نعى رسول الله ﷺ جعفرا أتانا فقال: أخرجوا إلي بني أخي. فأخرجتنا أمنا أغيلمة ثلاثة كأنهم أفرخ: عبد الله، وعون، ومحمد. ترجمة زيد بن حارثة (٣) وأما أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي حب رسول الله ﷺ وأول من آمن به من الموالي؛ فإنه من كبار السابقين الأولين وكان من الرماة المذكورين. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وعاش خمسا وخمسين سنة، وهو الذي سمى الله في كتابه في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب بنت جحش: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وكان المسلمون يدعونه زيد ابن النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾

стр. 669

وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ روى عن زيد ابنه أسامة وأخوه جبلة. واختلف في سنه، فروى الواقدي أن محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد حدثه عن أبيه قال: كان بين رسول الله ﷺ وبين زيد بن حارثة عشر سنين؛ رسول الله ﷺ أكبر منه، وكان قصيرا شديد الأدمة (١) أفطس. قال محمد بن سعد (٢): كذا صفته في هذه الرواية. وجاءت من وجه آخر أنه كان أبيض وكان ابنه أسود. ولذلك أعجب النبي ﷺ بقول مجزز المدلجي القائف: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. قلت: وعلى هذه الرواية أيضا يكون عمره خمسين سنة أو نحوها. وقال أبو إسحاق السبيعي: إن زيد بن حارثة أغارت عليه خيل من تهامة، فوقع إلى خديجة فاشترته، ثم وهبته للنبي ﷺ . ويروى أنها اشترته بسبعمائة درهم. وقال الزهري: ما علمنا أحدا أسلم قبله. وقال موسى بن عقبة: حدثنا سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيدا إلا زيد ابن محمد. فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ (٣)

стр. 670

وقال يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع زيد بن حارثة سبع (١) غزوات، كان النبي ﷺ يؤمره علينا. كذا رواه الفسوي عن أبي عاصم عن يزيد. وقال ابن عيينة: أخبرنا عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: إن رسول الله ﷺ أمَّر أسامة على قوم، فطعن الناس في إمارته. فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن ابنه هذا لأحب الناس إلي بعده (٢). وقال ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ لأبي: يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي (٣). وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل، عن مجالد، عن عامر، عن عائشة أنها كانت تقول: لو أن زيدا كان حيا لاستخلفه رسول الله ﷺ (٤). ورواه محمد بن عبيد مرة أخرى، فقال: حدثنا وائل بن داود، عن البهي، عن عائشة قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمَّره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه (٥).

стр. 671

وقال حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه - أن رسول الله ﷺ قال: دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة (١). إسناده حسن. رواه الروياني في مسنده. ورواه حماد بن سلمة عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد - يرفعه. وقال حماد بن زيد عن خالد بن سلمة المخزومي، قال: أصيب زيد، فأتى النبي ﷺ منزله، فجهشت بنت زيد في وجه رسول الله ﷺ ، فبكى حتى انتحب. فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: شوق الحبيب إلى حبيبه (٢). ترجمة ابن رواحة (٣) وأما عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، أبو عمرو - أحد النقباء ليلة العقبة. شهد بدرا والمشاهد، وكان شاعر النبي ﷺ ، وأخا أبي الدرداء لأمه. روى عنه أبو هريرة، وابن أخته النعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، وأنس - قوله. وأرسل عنه جماعة من التابعين، وقال الواقدي: كنيته أبو محمد، وقيل: أبو رواحة. وروت أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة (٤). وقال معمر عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة فقال لها: هل تدرين لم تزوجتك؟

стр. 672

قالت: لا. قال: لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته. فذكرت له شيئا لا أحفظه، غير أنها قالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبدا. وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون - قال ابن رواحة: قد علم الله أني منهم. فأنزلت إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية. وقيل: هذا البيت لعبد الله بن رواحة يخاطب زيد بن أرقم: يا زيد زيد اليعملات (١) الذبل … تطاول الليل هديت فانزل يعني: انزل فسق بالقوم. وعن مصعب بن شيبة قال: لما نزل ابن رواحة للقتال طعن، فاستقبل الدم بيده، فدلك به وجهه. ثم صرع بين الصفين، فجعل يقول: يا معشر المسلمين، ذبوا عن لحم أخيكم! فكانوا يحملون حتى يجوزونه، فلم يزالوا كذلك حتى مات مكانه. وقال ابن وهب: حدثني أسامة بن زيد الليثي، قال: حدثني نافع، قال: كانت لابن رواحة امرأة، وكان يتقيها. وكانت له جارية، فوقع عليها. فقالت له وفرقت أن يكون قد فعل، فقال: سبحان الله! قالت: اقرأ علي إذا؛ فإنك جنب. فقال: شهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السموات من عل وإن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل وقد رويا لحسان. وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن سلمان، عن ابن الهاد - أن امرأة عبد الله بن رواحة رأته على جارية له، فجحدها، فقالت له: فاقرأ. فقال: شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا

стр. 673

وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مقربينا فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر! فحدث ابن رواحة النبي ﷺ ، فضحك. وقال موسى بن جعفر بن أبي كثير: حدثنا عبد العزيز الماجشون عن الثقة أن ابن رواحة اتهمته امرأته، فذكر القصة. وقال ابن إسحاق: لم يعقب ابن رواحة. واستشهد بمؤتة (١): عباد بن قيس الخزرجي أحد من شهد بدرا، والحارث بن النعمان ابن أساف النجاري، ومسعود بن سويد بن حارثة الأنصاري، ووهب بن سعد بن أبي سرح العامري، وزيد بن عبيد بن المعلى الخزرجي الذي قتل أبوه يوم أحد، وعبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، وقيل: قتل هذا يوم اليمامة. وأبو كلاب وجابر ابنا أبي صعصعة الخزرجي، ﵃. ذكر رسل النبي ﷺ وفي هذه السنة كتب النبي ﷺ إلى ملوك النواحي يدعوهم إلى الله تعالى. قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس - أن رسول الله ﷺ كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر، وكتب إلى النجاشي يعني الذي ملك الحبشة بعد النجاشي المسلم، وإلى كل جبار - يدعوهم إلى الله . رواه مسلم (٢). وليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ كتب إلى النجاشي الثاني

стр. 674

يدعوه إلى الله في هذه السنة، بل ذلك مسكوت عنه، وإنما كان ذلك بعد النجاشي الأول المسلم وموته كما سيأتي في سنة تسع، والله أعلم. وقال إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس - أنه أخبره أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله ﷺ أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر. فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله تعالى. فلما أن جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لنسألهم. قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا للتجارة في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش. قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلسه وعليه التاج، وحوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قلت: أنا أقربهم إليه نسبا. قال: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قلت: هو ابن عمي. قال: وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. قال: أدنوه مني. ثم أمر بأصحابي، فجعلهم خلف ظهري، عند كتفي. ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إني سائله عن هذا الذي يزعم أنه نبي، فإن كذب فكذبوه! قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ أن يأثر عني أصحابي الكذب لكذبته عنه. ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال:

стр. 675

فأشراف الناس يتبعونه؟ أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: فيزيدون؟ أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن الآن منه في مدة، ونحن نخاف منه أن يغدر، ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا أتنقصه بها، لا أخاف أن تؤثر عني غيرها. قال: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت: كانت دولا وسجالا، يدال علينا المرة ويدال عليه الأخرى. قال: فماذا يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: فقال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقول قد قيل قبله. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم، فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر، فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم، فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه يكون دولا، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة. وسألتك: ماذا يأمركم به، فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم

стр. 676

بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أظن أنه منكم، وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقيه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، وأمر به فقرئ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين (١)، و: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. قال أبو سفيان: فلما أن قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم، فلا أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا. فلما أن خرجت مع أصحابي وخلوت بهم قلت لهم: لقد أمر (٢) أمر ابن أبي كبشة؛ هذا ملك بني الأصفر يخافه! قال أبو سفيان: ووالله ما زلت ذليلا، مستيقنا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره. أخرجاه (٣) من حديث إبراهيم (٤). وأخرجاه من حديث معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - أن أبا سفيان حدثه قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، فبينا أنا بالشام. فذكر كحديث إبراهيم (٥).

стр. 677

ورواه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (١)، عن الزهري - بسنده، وفيه قال أبو سفيان: فلما كانت هدنة الحديبية بيننا وبين النبي ﷺ خرجت تاجرا إلى الشام، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا قد حملني بضاعة. فقدمت غزة، وذلك حين ظهر قيصر على من كان ببلاده من الفرس، فأخرجهم منها، ورد عليه صليبه الأعظم. وكان منزله بحمص فخرج منها متشكرا إلى بيت المقدس، تبسط له البسط، وتطرح له عليها الرياحين. حتى انتهى إلى إيلياء، فصلى بها. فأصبح ذات غداة مهموما يقلب طرفه إلى السماء، فقالت له بطارقته: أيها الملك، لقد أصبحت مهموما. فقال: أجل. قالوا: وما ذاك؟ قال: أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر. فقالوا: والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا يهود، وهم تحت يدك وفي سلطانك. فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه فتستريح من هذا الهم. فبينما هم في ذلك إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم. فقال: أيها الملك، هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدثك عن حدث كان ببلاده، فسله عنه. فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله: ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: هو رجل من قريش خرج يزعم أنه نبي، وقد تبعه أقوام وخالفه آخرون، فكانت بينهم ملاحم. فقال: جردوه. فإذا هو مختون، فقال: هذا والله الذي أريت، لا ما تقولون. ثم دعا صاحب شرطته فقال له: قلب لي الشام ظهرا وبطنا حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله، إني وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا: ممن أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا. فلما انتهينا إليه قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف (٢)، يعني هرقل. فلما انتهينا إليه قال: أيكم أمس به رحما؟ فقلت: أنا. قال:

стр. 678

أدنوه. وساق الحديث، ولم يذكر فيه كتابا. وفيه كما ترى أشياء عجيبة ينفرد بها ابن إسحاق دون معمر وصالح. وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني الزهري قال: حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان، قال: لما قدم دحية بن خليفة على هرقل بالكتاب، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الأكارين (١) عليك. فلما قرأه وضعه بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يخبره عما جاءه من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه أنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه. فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه، ثم أمر بها فأشرجت (٢) عليهم، واطلع عليهم من علية له، وهو منهم خائف، فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءني كتاب أحمد، وإنه والله للنبي الذي كنا ننتظر ونجد ذكره في كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه؛ فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم! فنخروا نخرة رجل واحد، وابتدروا أبواب الدسكرة، فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم، فقال: ردوهم علي. فكروهم عليه، فقال: إنما قلت لكم هذه المقالة أغمزكم بها؛ لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، فقد رأيت منكم ما سرني. فوقعوا له سجدا، ثم فتحت لهم الأبواب فخرجوا (٣). وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود عن عروة قال: خرج أبو سفيان تاجرا، وبلغ هرقل شأن النبي ﷺ . قال: فأدخل عليه أبو سفيان في ثلاثين رجلا، وهو في كنيسة إيلياء. فسألهم، فقالوا: ساحر

стр. 679

كذاب. فقال: أخبروني بأعلمكم به، وأقربكم منه! قالوا: هذا ابن عمه. وذكر شبيها بحديث الزهري. وقال البخاري (١): حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا الليث عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين؛ ليدفعه إلى كسرى. قال: فلما قرأه كسرى مزقه. فحسبت ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. وقال الذهلي محمد بن يحيى: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله ﷺ قام ذات يوم على المنبر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وتشهد، ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا علي كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى. فقال المهاجرون: والله لا نختلف عليك في شيء، فمرنا وابعثنا. فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى، فخرج حتى قدم على كسرى، وهو بالمدائن. واستأذن عليه، فأمر كسرى بإيوانه أن يزين، ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب. فلما دخل عليه أمر بكتاب رسول الله ﷺ أن يقبض منه. قال شجاع: لا، حتى أدفعه أنا كما أمرني رسول الله ﷺ . فقال كسرى: ادنه! فدنا فناوله الكتاب، ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه: من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس. فأغضبه حين بدأ رسول الله ﷺ بنفسه، وصاح وغضب، ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه. وأمر بشجاع فأخرج، فركب راحلته وذهب. فلما سكن غضب كسرى طلب شجاعا، فلم يجده، وأتى

стр. 680

شجاع النبي ﷺ ، فأخبره، فقال: اللهم، مزق ملكه (١). وقال أبو عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة: قال رسول الله ﷺ : لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى التي في القصر الأبيض. أخرجه مسلم (٢). رواه أسباط بن نصر، عن سماك، عن جابر، فزاد: قال: فكنت أنا وأبي فيهم، فأصابنا من ذلك ألف درهم. وقال أحمد بن الوليد الفحام: حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة - أن رجلا من أهل فارس أتى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إن ربي قد قتل ربك، يعني كسرى. قال: وقيل للنبي ﷺ : إنه قد استخلف بنته، فقال: لا يفلح قوم تملكهم امرأة (٣). ويروى أن كسرى كتب إلى باذام عامله باليمن يتوعده، ويقول: ألا تكفيني رجلا خرج بأرضك يدعوني إلى دينه؟ لتكفنيه، أو لأفعلن بك! فبعث العامل إلى النبي ﷺ رسلا وكتابا، فتركهم النبي ﷺ خمس عشرة ليلة، ثم قال: اذهبوا إلى صاحبكم، فقولوا: إن ربي قد قتل ربك الليلة (٤). وروى أبو بكر بن عياش، عن داود بن أبي هند، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أقبل سعد إلى النبي ﷺ فقال: هلك - أو قال: قتل - كسرى. فقال: لعن الله كسرى، أول الناس هلاكا فارس، ثم العرب (٥).

стр. 681

وقال محمد بن يحيى: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، عن صالح قال: قال ابن شهاب. وقد رواه الليث عن يونس، عن ابن شهاب، كلاهما يقول: عن أبي سلمة. واللفظ لصالح قال: بلغني أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض، فعرض عليه الحق، فلم يفجأ كسرى إلا الرجل يمشي وفي يده عصا، فقال: يا كسرى، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال كسرى: نعم، فلا تكسرها. فولى الرجل. فلما ذهب أرسل كسرى إلى حجابه، فقال من أذن لهذا؟ قالوا: ما دخل عليك أحد. قال: كذبتم، وغضب عليهم وعنفهم، ثم تركهم. فلما كان رأس الحول أتاه ذلك الرجل بالعصا، فقال كمقالته. فدعا كسرى الحجاب وعنفهم. فلما كان الحول المستقبل أتاه ومعه العصا، فقال: هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر العصا؟ قال: لا تكسرها. فكسرها فأهلك الله كسرى عند ذلك (١). وقال الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله!. أخرجه مسلم (٢). وروى يونس بن بكير عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر. فأما قيصر فوضعه، وأما كسرى فمزقه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤ اء فسيكون لهم بقية. وقال الربيع: أخبرنا الشافعي قال: حفظنا أن قيصر أكرم كتاب النبي ﷺ ، ووضعه في مسك (٣). فقال النبي ﷺ : ثبت ملكه.

стр. 682

قال الشافعي: وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس، وقطع قيصر ومن قام بالأمر بعده عن الشام. وقال في كسرى: مزق ملكه، فلم يبق للأكاسرة ملك. وقال في قيصر: ثبت ملكه، فثبت له ملك بلاد الروم إلى اليوم (١). وقال يونس عن ابن إسحاق (٢): حدثنا الزهري عن عبد الرحمن بن عبد أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ﷺ ، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله. وأهدى معه إلى النبي ﷺ بغلة وكسوة وجاريتين: إحداهما أم إبراهيم، والأخرى وهبها النبي ﷺ لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم، خليفة عمرو بن العاص على مصر. وقال أبو بشر الدولابي (٣): حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفهري، قال حدثنا هارون بن يحيى الحاطبي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جده حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني النبي ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول الله ﷺ ، فأنزلني في منزله، وأقمت عنده. ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام وأحب أن تفهمه مني! قلت: نعم، هلم. قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبي؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه؟ قلت: عيسى، أليس تشهد أنه رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه أن لا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه إلى السماء الدنيا؟ قال: أنت حكيم جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إليه. فأهدى

стр. 683

ثلاث جوار، منهن أم إبراهيم، وواحدة وهبها رسول الله لأبي جهم بن حذيفة العدوي، وواحدة وهبها لحسان بن ثابت. وأرسل بطرف من طرفهم. غزوة ذات السلاسل قيل: إنه ماء بأرض جذام. قال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود عن عروة. ورواه موسى بن عقبة، واللفظ له - قالا: غزوة ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي وسعد الله ومن يليهم من قضاعة (١). وفي رواية عروة: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في بلي، وهم أخوال العاص بن وائل، وبعثه فيمن يليهم من قضاعة وأمره عليهم. قال ابن عقبة: فخاف عمرو من جانبه الذي هو به، فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمده. فندب رسول الله ﷺ المهاجرين، فانتدب فيهم أبو بكر وعمر وجماعة أمر عليهم أبا عبيدة. فأمد بهم عمرا. فلما قدموا عليه قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله ﷺ أستمده بكم! فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين. قال: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة (٢)، سعى لأمر رسول الله ﷺ وعهده، قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك إن عصيتني لأطيعنك. فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو (٣).

стр. 684

وقال يونس عن ابن إسحاق (١): حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، عن غزوة ذات السلاسل من أرض بلي وعذرة، قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص ليستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلي، فبعثه إليهم رسول الله ﷺ ، يتألفهم بذلك. حتى إذا كان بأرض جذام، على ماء يقال له: السلاسل، خاف فبعث يستمد النبي ﷺ . وقال علي بن عاصم: أخبرنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذي السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر. فحدثت نفسي أنه لم يبعثني عليهما إلا لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلت: إني لم أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر. قلت: ثم من؟ حتى عد رهطا، قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا! رواه غيره عن خالد، وهو في الصحيحين مختصرا (٢). وكيع وغيره: حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه، سمع عمرو بن العاص: قال لي النبي ﷺ : يا عمرو، اشدد عليك سلاحك وائتني. ففعلت، فجئته وهو يتوضأ، فصعد في البصر وصوبه، وقال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك! وأرغب لك رغبة من المال صالحة! قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك. "قال: يا عمرو، نعما بالمال الصالح للمرء الصالح" (٣) ابن عون وغيره عن محمد: استعمل رسول الله ﷺ عمرا على

стр. 685

جيش ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر. رواه إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي - بنحوه. وكيع، عن المنذر بن ثعلبة، عن ابن بريدة: قال أبو بكر: إنما ولاه النبي ﷺ يعني عمرا علينا لعلمه بالحرب. قلت: ولهذا استعمل أبو بكر عمرا على غزو الشام. وقال الواقدي (١): حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان - أن أبا عبيدة لما أتى عمرا صاروا خمسمائة، وسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها. وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بذلك الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين. ولقي في آخر ذلك جمعا، فاقتتلوا ساعة وتراموا بالنبل. ورمي يومئذ عامر بن ربيعة، فأصيب ذراعه. وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربا في البلاد. ودوخ عمرو ما هناك، وأقام أياما يغير أصحابه على المواشي. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، فأصابهم برد، فقال لهم عمرو: لا يوقدن أحد نارا. فلما قدموا على رسول الله ﷺ شكوه، فقال: يا نبي الله، كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرى العدو قلتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين. فأعجب ذلك رسول الله ﷺ . وقال جرير بن حازم: حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله

стр. 686

يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. فضحك النبي ﷺ ، ولم يقل شيئا (١). وقال عمرو بن الحارث وغيره عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص - أن عمرا كان على سرية، فذكر نحوه. قال: فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم. لم يذكر التيمم. أخرجهما أبو داود (٢). غزوة سيف البحر قال ابن عيينة عن عمرو، عن جابر: بعثنا النبي ﷺ في ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرا لقريش. فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبط (٣)، فسمي جيش الخبط. قال: ونحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر. ثم إن أبا عبيدة نهاه. قال: فألقى لنا البحر دابة يقال لها: العنبر. فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا منه، حتى ثابت منه أجسامنا وصلحت. فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه ومر تحته. متفق عليه (٤). زاد البخاري (٥) في حديث عمرو عن جابر: قال جابر: وكان رجل في القوم نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثا، ثم ثلاثا. ثم إن أبا عبيدة

стр. 687

نهاه. قال: وكان عمرو يقول: أخبرنا أبو صالح أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال أبوه: انحر. قال: نحرت. قال: ثم جاعوا. قال: انحر. قال: نحرت. ثم جاعوا، قال: انحر. قال: نهيت. وقال مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل الساحل، وأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة وأنا فيهم. حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله. فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا، حتى فني. ولم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة. قال: فقلت: وما تغني تمرة؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، وهو الجبل. فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مر (١) تحتهما فلم تصبهما. أخرجاه (٢). وقال زهير بن معاوية عن أبي الزبير، عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا كهيئة الكثيب فأتيناه، فإذا دابة تدعى العنبر. فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا. فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد كنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور. ولقد أخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير منها فمر تحتها. وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ ، فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعموننا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه

стр. 688

فأكل. أخرجه مسلم (١). قلت: زعم بعض الناس أن هذه السرية كانت في رجب سنة ثمان. سرية أبي قتادة إلى خضرة (٢) قال الواقدي في مغازيه (٣): قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة بن ربعي الأنصاري إلى غطفان في خمسة عشر رجلا، وأمره أن يشن عليهم الغارة. فسار وهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط به. فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا النعم، فكانت مائتي بعير وألفي شاة. وسبوا سبيا كثيرا. وغابوا خمس عشرة ليلة، وذلك في شعبان من السنة. ثم كانت سريته إلى إضم على إثر ذلك في رمضان (٤). وفاة زينب بنت النبي ﷺ وكانت أكبر بناته. توفيت في هذه السنة وغسلتها أم عطية الأنصارية وغيرها، وأعطاهن النبي ﷺ حقوه (٥) فقال: أشعرنها إياه (٦). وبنتها أمامة بنت أبي العاص هي التي كان النبي ﷺ يحملها في الصلاة.

стр. 689

فتح مكة شرفها الله وعظمها قال البكائي، عن ابن إسحاق (١): ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء بأسفل مكة يقال له: الوتير. وكان الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلا من بني الحضرمي خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه. فعدت خزاعة قبيل الإسلام على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الأسود بن رزن الديلي، وهم مفخر بني كنانة وأشرافهم، فقتلوهم بعرفة. فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده فليدخل معه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ مؤمنها وكافرها. فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل أحد بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك الإخوة. فخرج نوفل بن معاوية الديلي في قومه حتى بيت خزاعة على الوتير، فاقتتلوا. وردفت قريش بني الديل بالسلاح، وقوم من قريش أعانت خزاعة بأنفسهم، مستخفين بذلك، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فقال قوم نوفل له: اتق إلهك، ولا تستحل الحرم! فقال: لا إله لي اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم! أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة، ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار رافع مولى خزاعة. فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، كان ذلك نقضا للهدنة التي

стр. 690

بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي فقدم على النبي ﷺ في طائفة مستغيثين به، فوقف عمرو عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس فقال (١): يا رب إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا … ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا … وادع عباد الله يأتوا مدا فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا … إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا … وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا … وقتلونا ركعا وسجدا فانصر هداك الله نصرا أيدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب يعني خزاعة. رواه أطول من هذا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري سماعا، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم. وقال ابن إسحاق (٢): ثم قدم بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة على النبي ﷺ فأخبروه، وقال رسول الله ﷺ : كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة! ومضى بديل وأصحابه فلقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقي بديل بن ورقاء قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: سرت في خزاعة على الساحل. فقال: أوما جئت محمدا؟

стр. 691

قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء إلى المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته، ففته، فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد أتى محمدا! ثم قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش؟ أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك، نجس. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر! ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجالدتكم عليه! ثم خرج حتى أتى عليا ﵁، وعنده فاطمة وابنها الحسن وهو غلام يدب، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله فقال: ويحك يا أبا سفيان! لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه! فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذلك، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ ! قال: يا أبا حسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك! فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق. فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه أجار بين الناس. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. ثم أمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال: اللهم، خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم!

стр. 692

فعن عروة وغيره قالوا: لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بذلك مع امرأة، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى النبي ﷺ الوحي بفعله، فأرسل في طلبها عليا والزبير، وذكر الحديث. أخبرنا محمد بن أبي الحرم القرشي وجماعة، قالوا: حدثنا الحسن بن يحيى المخزومي، قال: حدثنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا علي بن الحسن الشافعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن النحاس، قال: أخبرنا عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أحمد بن شعبان، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، وهو كاتب علي، قال: سمعت عليا ﵁ يقول: بعثني النبي ﷺ أنا والزبير والمقداد، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها. فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة. قلنا: أخرجي الكتاب! قالت: ما معي كتاب! قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتقلعن الثياب! فأخرجته من عقاصها (١). فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : يا حاطب، ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل! إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من كان من المهاجرين معك لهم قرابات يحمون بها أهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدا؛ إذ فاتني ذلك - يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام! فقال رسول الله ﷺ : إنه قد صدقكم! فقال عمر ﵁: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق! قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟

стр. 693

أخرجه البخاري (١) عن قتيبة، ومسلم (٢) عن ابن أبي شيبة، وأبو داود (٣) عن مسدد - كلهم عن سفيان. أبو حذيفة النهدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس قال: قال عمر: كتب حاطب إلى المشركين بكتاب، فجيء به إلى النبي ﷺ فقال: يا حاطب، ما دعاك إلى هذا؟ قال: كان أهلي فيهم، وخشيت أن يصرموا عليهم! فقلت: أكتب كتابا لا يضر الله ورسوله! فاخترطت السيف فقلت: يا رسول الله، أضرب عنقه؛ فقد كفر! فقال: وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ هذا حديث حسن. وعن ابن إسحاق نحوه (٤)، وزاد: فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. وعن ابن إسحاق (٥)، قال: وعن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستعمل على المدينة أبا رهم الغفاري. وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر. اسم أبي رهم: كلثوم بن حصين. وقال سعيد بن بشير عن قتادة أن خزاعة أسلمت في دارهم، فقبل رسول الله ﷺ إسلامها، وجعل إسلامها في دارها. وقال سعيد بن عبد العزيز، وغيره: إن رسول الله ﷺ أدخل في عهده يوم الحديبية خزاعة. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: كانت خزاعة حلف رسول الله ﷺ ، ونفاثة حلف أبي سفيان، فعدت

стр. 694

نفاثة على خزاعة، فأمدتها قريش. فلم يغز رسول الله ﷺ قريشا حتى بعث إليهم ضمرة، فخيرهم بين إحدى ثلاث: أن يدوا قتلى خزاعة، وبين أن يبرءوا من حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. قالوا: ننبذ على سواء. فلما سار ندمت قريش، وأرسلت أبا سفيان يسأل تجديد العهد. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت بين نفاثة من بني الديل وبين بني كعب حرب. فأعانت قريش وبنو كنانة بني نفاثة على بني كعب. فنكثوا العهد إلا بنو مدلج، فإنهم وفوا بعهد رسول الله ﷺ . فذكر القصة، وشعر عمرو بن سالم. فقال رسول الله ﷺ : لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي. فأنشأت سحابة، فقال رسول الله ﷺ : إن هذه السحابة تستهل بنصر بني كعب، أبصروا أبا سفيان فإنه قادم عليكم يلتمس تجديد العهد والزيادة في المدة (١). فأقبل أبو سفيان فقال: يا محمد، جدد العهد وزدنا في المدة. فقال رسول الله ﷺ : أولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟ قال: معاذ الله. قال رسول الله ﷺ : فنحن على عهدنا وصلحنا. ثم ذكر ذهابه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأنه قال له: أنت أكبر قريش فأجر بينها. قال: صدقت إني كذلك، فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، وما أظن أن يرد جواري ولا يخفر بي. قال: أنت تقول ذاك يا أبا حنظلة؟ ثم خرج. فقال النبي ﷺ حين أدبر: اللهم سد على أبصارهم وأسماعهم فلا يروني إلا بغتة. فانطلق أبو سفيان حتى قدم مكة فحدث قومه، فقالوا: رضيت بالباطل، وجئتنا بما لا يغني عنا شيئا، وإنما لعب بك علي. وأغبر (٢) رسول الله ﷺ في الجهاز مخفيا لذلك. فدخل أبو بكر على ابنته، فرأى شيئا من جهاز رسول الله ﷺ ، فأنكر وقال: أين يريد رسول الله؟ فقالت عائشة: تجهز؛ فإن رسول الله ﷺ غاز قومك؛ قد غضب لبني كعب. فدخل رسول الله ﷺ ، فأشفقت عائشة أن يسقط أبوها بما أخبرته قبل أن يذكره رسول الله ﷺ ، فأشارت إلى أبيها بعينها، فسكت. فمكث رسول الله

стр. 695

ﷺ ساعة يتحدث مع أبي بكر ثم قال: تجهزت يا أبا بكر؟ قال: لماذا يا رسول الله؟ قال: لغزو قريش؛ فإنهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنا قوم غازون إن شاء الله. وأذن في الناس بالغزو، فكتب حاطب إلى قريش، فذكر حديثه، وقال: ثم خرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وأسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وبني سليم. وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، ولم تعلم بهم قريش. قال: فبعثوا حكيم بن حزام وأبا سفيان وقالوا: خذوا لنا جوارا، أو آذنونا بالحرب! فخرجا، فلقيا بديل بن ورقاء فاستصحباه، فخرج معهما حتى إذا كانوا بالأراك بمكة وذلك عشاء رأوا الفساطيط والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل، ففزعوا. فقالوا: هؤلاء بنو كعب جاشت بهم الحرب. قال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب، ما بلغ تأليبها هذا! وكان النبي ﷺ قد بعث بين يديه خيلا لا يتركون أحدا يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل وأتوا بهم. فقام عمر إلى أبي سفيان فوجأ عنقه، والتزمه القوم وخرجوا به ليدخلوا على النبي ﷺ به. فحبسه الحرس أن يخلص إلى رسول الله ﷺ ، وخاف القتل، وكان العباس بن عبد المطلب خالصة له في الجاهلية، فنادى بأعلى صوته: ألا تأمر بي إلى عباس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل النبي ﷺ أن يقبضه إليه. فركب به تحت الليل، فسار به في عسكر القوم حتى أبصره أجمع. وكان عمر قال له حين وجأه: لا تدن من رسول الله ﷺ حتى تموت. فاستغاث بالعباس، وقال: إني مقتول. فمنعه من الناس. فلما رأى كثرة الجيش قال: لم أر كالليلة جمعا لقوم. فخلصه عباس من أيديهم، وقال: إنك مقتول إن لم تسلم وتشهد أن محمدا رسول الله. فجعل يريد أن يقول الذي يأمره به عباس، ولا ينطلق به لسانه وبات معه. وأما حكيم وبديل فدخلا على رسول الله ﷺ فأسلما، وجعل يستخبرهما عن أهل مكة.

стр. 696

فلما نودي بالفجر تحسس القوم، ففزع أبو سفيان وقال: يا عباس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النداء بالصلاة، فتيسروا لحضور النبي ﷺ . فلما أبصرهم أبو سفيان يمرون إلى الصلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النبي ﷺ قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟! فقال: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه! فقال: يا عباس، فكلمه في قومك! هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان. فقال أبو سفيان: يا محمد، إني قد استنصرت بإلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي. فلو كان إلهي محقا، وإلهك باطلا - ظهرت عليك، فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقال عباس: يا رسول الله، إني أحب أن تأذن لي إلى قومك، فأنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله! فأذن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهد أن محمدا عبده ورسوله، وكف يده - فهو آمن. ومن جلس عند الكعبة، ووضع سلاحه - فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. قال: يا رسول الله، أبو سفيان ابن عمنا، فأحب أن يرجع معي، فلو خصصته بمعروف! فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فجعل أبو سفيان يستفهمه، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، وقال: من دخل دارك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم في أسفل مكة. وحمل النبي ﷺ العباس على بغلته البيضاء التي أهداها إليه دحية الكلبي، فانطلق العباس وأبو سفيان قد أردفه. ثم بعث النبي ﷺ في إثره، فقال: أدركوا العباس فردوه علي، وحدثهم بالذي خاف عليه. فأدركه الرسول، فكره عباس الرجوع، وقال: أترهب يا رسول الله أن يرجع أبو سفيان راغبا في قلة الناس، فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: احبسه! فحبسه. فقال أبو سفيان: غدرا يا بني هاشم؟ فقال عباس: إنا لسنا بغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة. فقال: وما هي، فأقضيها لك؟ قال: إنما نفاذها حين يقدم عليك خالد بن الوليد والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك، وقد وعى منه أبو سفيان حديثه.

стр. 697

ثم بعث رسول الله ﷺ الخيل بعضها على إثر بعض، وقسم الخيل شطرين، فبعث الزبير في خيل عظيمة. فلما مروا بأبي سفيان قال للعباس: من هذا؟ قال: الزبير. وردفه خالد بن الوليد بالجيش من أسلم وغفار وقضاعة. فقال أبو سفيان: أهذا رسول الله ﷺ يا عباس؟ قال: لا، ولكن هذا خالد بن الوليد. وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة بين يديه في كتيبة الأنصار، فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة! ثم دخل رسول الله ﷺ في كتيبة الإيمان من المهاجرين والأنصار. فلما رأى أبو سفيان وجوها كثيرة لا يعرفها قال: يا رسول الله، اخترت هذه الوجوه على قومك؟ قال: أنت فعلت ذلك وقومك. إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني. ومع النبي ﷺ يومئذ الأقرع بن حابس، وعباس بن مرادس، وعيينة بن بدر. فلما أبصرهم حول النبي ﷺ قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذه كتيبة النبي ﷺ ، ومع هذه الموت الأحمر، هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال: امض يا عباس، فلم أر كاليوم جنودا قط ولا جماعة. وسار الزبير بالناس حتى إذا وقف بالحجون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة. فلقيته بنو بكر فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وهزموا وقتلوا بالحزورة، حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبل على الخندمة، واتبعهم المسلمون بالسيوف. ودخل رسول الله ﷺ في أخريات الناس، ونادى مناد: من أغلق عليه داره، وكف يده - فإنه آمن. وكان النبي ﷺ نازلا بذي طوى، فقال: كيف قال حسان؟ فقال رجل من أصحابه: قال: عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع من كنفي كداء فأمرهم فأدخلوا الخيل من حيث قال حسان، فأدخلت من ذي طوى من أسفل مكة، واستحر القتل ببني بكر. فأحل الله له مكة ساعة من نهار، وذلك قوله تعالى: لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد. فقال رسول الله ﷺ : ما أحلت الحرمة لأحد قبلي ولا بعدي، ولا أحلت لي إلا ساعة من نهار.

стр. 698

ونادى أبو سفيان بمكة: أسلموا تسلموا. فكفهم الله عن عباس. فأقبلت هند فأخذت بلحية أبي سفيان، ثم نادت: يا آل غالب، اقتلوا الشيخ الأحمق! قال: أرسلي لحيتي، فأقسم لئن أنت لم تسلمي لتضربن عنقك! ويلك جاءنا بالحق! ادخلي بيتك واسكتي! ودخل رسول الله ﷺ ، فطاف سبعا على راحلته. وفر صفوان بن أمية عامدا للبحر، وفر عكرمة عامدا لليمن، وأقبل عمير بن وهب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، آمن صفوان؛ فقد هرب، وقد خشيت أن يهلك نفسه، فأرسلني إليه بأمان؛ فإنك قد آمنت الأحمر والأسود! فقال: أدركه فهو آمن. فطلبه عمير، فأدركه ودعاه، فقال: قد آمنك رسول الله ﷺ . فقال صفوان: والله لا أوقن لك حتى أرى علامة بأماني أعرفها. فرجع، فأعطاه النبي ﷺ برد حبرة كان معتجرا به حين دخل مكة. فأقبل به عمير، فقال صفوان: يا رسول الله، أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال: نعم. قال: اجعل لي شهرا. قال: لك شهران، لعل الله أن يهديك. واستأذنت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وهي يومئذ مسلمة، وهي تحت عكرمة بن أبي جهل. فاستأذنت رسول الله ﷺ في طلب زوجها، فأذن لها وآمنه. فخرجت بعبد لها رومي، فأرادها عن نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عك فاستعانتهم عليه فأوثقوه. فأدركت زوجها ببعض تهامة وقد ركب في السفينة. فلما جلس فيها نادى باللات والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز ها هنا من دعاء بشيء إلا الله وحده مخلصا، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر إنه لفي البر وحده، أقسم بالله لأرجعن إلى محمد! فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله ﷺ فبايعه، وقبل منه. ودخل رجل من هذيل على امرأته، فلامته وعيرته بالفرار، فقال: وأنت لو رأيتنا بالخندمه … إذ فر صفوان وفر عكرمه قد لحقتهم السيوف المسلمه … يقطعن كل ساعد وجمجمه

стр. 699

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه (١) وكان دخول النبي ﷺ مكة في رمضان، واستعار النبي ﷺ من صفوان فأعطاه فيما زعموا مائة درع وأداتها، وكان أكثر شيء سلاحا. وأقام النبي ﷺ بمكة بضع عشرة ليلة. وقال ابن إسحاق (٢): مضى النبي ﷺ حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف، فسبعت (٣) سليم، وبعضهم يقول: ألفت، وألفت مزينة. ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار. وقد كان العباس لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق. قال عبد الملك بن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله. قال ابن إسحاق (٤): وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه. فكلمته أم سليم فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلما بلغهما قوله قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا! فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، وأذن لهما فدخلا وأسلما. وقال أبو سفيان: لعمرك إني يوم أحمل راية … لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله … فهذا أواني حين أهدى وأهتدي هداني هاد غير نفسي ونالني … مع الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا عن محمد … وأدعى وإن لم أنتسب من محمد فذكروا أنه حين أنشد النبي ﷺ هذه ضرب في صدره، وقال: أنت طردتني كل مطرد!

стр. 700

وقال سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس، عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا لغزوة فتح مكة لليلتين خلتا من شهر رمضان صواما. فلما كنا بالكديد أمرنا رسول الله ﷺ بالفطر. وقال الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ صام في مخرجه ذلك حتى بلغ الكديد، فأفطر وأفطر الناس. أخرجه البخاري (١). وقال الأوزاعي: حدثنا يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله ﷺ بمر الظهران، وهو يتغدى فقال: الغداء! فقالا: إنا صائمان. فقال: اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم، كلا كلا. مرسل (٢). وقوله هذا مقدر بالقول، يعني: يقال هذا لكونكما صائمين (٣). وقال معمر: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد الله عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون. حتى بلغ الكديد وهو بين عسفان وقديد، فأفطر، وأفطر الناس. قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخر؛ فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٤). قال الزهري: فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. أخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) دون قول الزهري، وكذا ورخه يونس عن الزهري (٧).

стр. 701

وقال عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد بن علي بن الحسين، وعمرو بن شعيب، وعاصم بن عمر وغيرهم - قالوا: كان فتح مكة في عشر بقين من رمضان. وقال الواقدي (١): خرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر، فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل، وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإبل، وكانوا عشرة آلاف. وذكر عروة وموسى بن عقبة أنه ﷺ خرج في اثني عشر ألفا. وقال ابن إدريس عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ جاءه العباس بأبي سفيان، فأسلم بمر الظهران. فقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئا! قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن (٢). زاد فيه الثقة عن ابن إسحاق قال: ناده! فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ قال: من دخل الكعبة فهو آمن. قال: وما تسع الكعبة؟ قال: من دخل المسجد فهو آمن. قال: وما يسع المسجد؟ قال: من أغلق بابه فهو آمن. فقال: هذه واسعة (٣). وقال حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة قال: فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس وقد خرج مع رسول الله ﷺ من المدينة: يا صباح قريش! والله لئن بغتها رسول الله ﷺ ، فدخل عنوة - إنه لهلاك قريش آخر الدهر. فجلس على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن، أو داخلا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ؛ ليأتوه فيستأمنوه. فخرجت فوالله إني لأطوف بالأراك إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فسمعت صوت أبي سفيان وهو يقول:

стр. 702

ما رأيت كاليوم قط نيرانا! فقال بديل: هذه نيران خزاعة حمشتها (١) الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل. فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله في الناس قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيف الحيلة فداك أبي وأمي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فإنه والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني، فخرجت أركض به نحو رسول الله ﷺ ، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا إلي وقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله. حتى مررت بنار عمر فقال: أبو سفيان؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد! ثم اشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء. ودخل عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه! فقلت: يا رسول الله، إني قد آمنته! ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا! فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم! فقال رسول الله ﷺ : اذهب به فقد آمناه، حتى تغدو به علي الغداة. فرجع به العباس إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي وأمي، ما أوصلك وأكرمك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا بعد. فقال: ويحك! أولم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه فإن في النفس منها شيئا.

стр. 703

قال العباس: فقلت: ويلك! تشهد شهادة الحق قبل، والله، أن تضرب عنقك! فتشهد. فقال رسول الله ﷺ حين تشهد: انصرف به يا عباس فاحبسه عند حطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله. فقلت له: إن أبا سفيان يا رسول الله رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون له في قومك! فقال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فخرجت به حتى حبسته عند حطم الجبل بمضيق الوادي. فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم! وتمر به القبيلة، فيقول: من هذه؟ فأقول: أسلم. فيقول: ما لي ولأسلم! وتمر جهينة. حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال: يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما! فقلت: ويحك، إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: الحق الآن بقومك فحذرهم. فخرج سريعا حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به! فقالوا: فمه؟ قال: من دخل داري فهو آمن. قالوا: وما دارك، وما تغني عنا؟ قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق داره عليه فهو آمن. هكذا رواه بهذا اللفظ ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس - موصولا، وأما أيوب السختياني فأرسله. وقد رواه ابن إدريس عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - بمعناه (١). وقال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير: يا أبا عبد الله، ها هنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية! قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من كداء، ودخل

стр. 704

النبي ﷺ من كداء، فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري (١). وقال الزهري وغيره: أخفى الله مسير النبي ﷺ على أهل مكة حتى نزل بمر الظهران. وفي مغازي موسى بن عقبة (٢) أن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدؤونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ : قضاء الله خير. ويقال: قال أبو بكر يومئذ: يا رسول الله، أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهر. فلما دنونا منها استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا (٣). فقال: ذهب كلبهم وأقبل درهم، وهم سائلوكم بأرحامكم وإنكم لاقون بعضهم. فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيما بمر. وقال حسان: عدمت بنيتي إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة مصحبات … تلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء لساني صارم لا عيب فيه … وبحري ما تكدره الدلاء

стр. 705

فذكروا أن رسول الله ﷺ تبسم إلى أبي بكر حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر، أي ينفضن الغبار عن الخيل (١). وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة - أن رسول الله ﷺ قال: اهجوا قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل. وأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم! فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه (٢). ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم فري الأديم (٣)! فقال رسول الله ﷺ : لا تعجل؛ فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا، حتى يخلص لك نسبي. فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد أخلص لي نسبك، فوالذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين! قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله! وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان فشفى وأشفى (٤). وذكر الأبيات، وزاد فيها: هجوت محمدا برا حنيفا … رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وقال الله قد أرسلت عبدا … يقول الحق ليس به خفاء وقال الله قد سيرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء
следующие страницы →