تخرجه إلى هذا. ما كان إلا من أدهى الناس. ولكنه كان يطلق بحضرة الوزير قريبًا من ذلك لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أن يصور نفسه عندهم بصورة الأبله لتأمنه الوزراء لكثرة خلوته بالخلفاء. فأنا أحدثك عنه بحديث تعلم أنه في غاية الحزم.
ثم قال: حدثني أبي أن ابن الفرات لما ولي الوزارة، قال: فقصدني قصدًا قبيحًا لشيء كان في نفسه علي وبالغ، وتلطفت معه بكل طريق. وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار عينًا وجوهرًا سوى غيرها. ففكرت في أمري، فوقع لي الرأي في الليل في الثلث الأخير.
فركبت في الحال إلى داره، فدققت فقال البوابون: ليس هذا وقت وصول، والوزير نائم. فقلت: عرفوا الحجاب أني حضرت في مهم. فعرفوهم، فخرج إلي أحدهم فقال: إنه إلى ساعة ينتبه. فقلت: لا، الأمر أهم من ذلك فنبهه.
فدخل، ثم خرج فأدخلني إليه وهو على سرير، وحوله نحو خمسين نفسًا، كأنهم حفظة، وقد قاموا وهو جالس مرتاعًا، ظن أن حادثة حدثت، فرفعني وقال: ما الأمر؟ فقلت: خير، ما حدث شيء، ولا جئت إلا في أمر يخصني. فسكن وصرف من حوله، وقال: هات. فقلت: أيها الوزير، إنك قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي بإزالة نعمتي، ولعمري، إني أسأت في خدمتك.
وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ عندي. وقد جهدت في استصلاحك، فلم يغن. وليس شيء أضعف من الهر، وإذا عاث في دكان الفامي (١) فظفر به ولزه وثب عليه وخمشه. ولست أضعف من السنور، وقد جعلت هذا الكلام عذرًا. فإن صلحت لي وإلا فعلي وعلي.
وعقدت الأيمان لأقصدن الخليفة الآن، وأحمل إليه من خزانتي ألفي ألف دينار، وأقول: سلم ابن الفرات إلى فلان ووله الوزارة. فيخدمني ويرجع تدبير أموره إلي، فأسلمك إليه، فيعذبك حتى يأخذ منك الألفي ألف. وأنت تعلم أن حالك يفي بها، ويعظم قدري بعزلي وزيرًا وتقليدي آخر.
فلما سمع هذا، قال: يا عدو الله، وتستحل هذا؟ فقلت: إن أحوجتني إلى هذا، وإلا فاحلف لي الساعة على معاملتي بكل جميل، ولا تبغ لي الغوائل. فقال: وتحلف لي أنت أيضًا على مثل ذلك، وعلى حسن الطاعة
стр. 7212
والمؤازرة. فقلت: أفعل. فقال: لعنك الله، فما أنت إلا إبليس. والله لقد سحرتني.
واستدعى دواة، وعملنا نسخة اليمين، وأحلفته بها أولًا، ثم حلفت له. فقال: يا أبا عبد الله، لقد عظمت في نفسي، والله ما كان المقتدر يفرق بين كفايتي وموقعي، وبين أصغر كتابي مع الذهب، فاكتم ما جرى. فقلت: سبحان الله! فقال: إذا كان غدًا فتعال لترى ما أعاملك به. فنهضت.
فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أبي عبد الله. فعدت إلى داري وما طلع الفجر.
ثم قال لي ابنه أبو علي: هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ فقلت: لا. والله أعلم.
سنة ست عشرة وثلاثمائة
في أولها دخل أبو طاهر القرمطي الرحبة بالسيف واستباحها، وبعث أهل قرقيسيا يطلبون الأمان فآمنهم. وقصد الرقة وهو في تسعمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقتل فيها جماعة بالربض، ودفعه أهلها عنها.
فسار مؤنس من بغداد إلى الرقة، فأتاها بعد انصراف أبي طاهر. ثم أتى هيت، فرموه بالحجارة، فقتلوا أبا الرواد من خواص أصحابه. فسار إلى الكوفة، فنهض نصر الحاجب بالعساكر وراءه، فمرض نصر. فاستخلف أحمد بن كيغلغ وبعث معه بالجيش فانصرف القرمطي قبل أن يلقاه. ومات نصر في رمضان وحمل إلى بغداد.
واستعفى علي بن عيسى من الوزارة، فاستوزر أبو علي بن مقلة الكاتب.
ورجع القرمطي فبنى دارًا سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي، وتفاقم الأمر، وكثر أتباعه، وبث السرايا، فهرب عمال الكوفة عنها. فسار هارون بن غريب إلى واسط، فظفر بسرية لهم فقتلهم، وبعث إلى بغداد بأسارى وبمائة وسبعين رأسًا وأعلام بيض منكسة عليها مكتوب: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. ففرح الناس واطمأنوا.
وفيها: وقعت الوحشة بين المقتدر ومؤنس، ووقع الكلام بأن هارون بن غريب يتولى إمرة الأمراء، فكتب أخصاء مؤنس إليه إلى الرقة بذلك،
стр. 7213
فقدم بغداد في آخر السنة، ولم يأت إلى المقتدر، فبعث إليه ولده والوزير ابن مقلة، فوصفا شوق المقتدر إليه، فاعتل بعلة. وظهرت الوحشة بينه وبين المقتدر، فأقام هارون منابذًا لمؤنس، وجعلت الرسل تتردد بين المقتدر ومؤنس.
ولم يحج أحد في هذه السنة خوفًا من القرامطة.
وأما الروم فإن الدمستق لعنه الله سار في ثلاثمائة ألف على ما قرأت في تاريخ عتيق، فقصد ناحية خلاط وبدليس فقتل وسبى، ثم صالحه أهل خلاط على قطيعة، وهي عشرة آلاف دينار، وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
سنة سبع عشرة وثلاثمائة
قال ثابت بن سنان (١): في ثامن المحرم خرج مؤنس إلى باب الشماسية ومعه سائر الجيش، وركب نازوك الوالي في جيشه من داره، وخرج أبو الهيجاء بن حمدان أيضًا إلى مؤنس، فشحن المقتدر داره ومعه هارون بن غريب، وأحمد بن كيغلغ، والحاشية.
فلما كان آخر النهار انفض أكثر من في دار الخلافة من الرجالة إلى مؤنس. وراسل مؤنس المقتدر بأن الجيش عاتب منكر لما يصرف من الذهب إلى الحرم والخدم، وأنهم يطلبون إخراج الحرم والخدم من دار الخلافة وإبعادهم. فكتب إليه رقعة بخطه: أمتعني الله بك، ولا أخلاني منك، ولا أراني فيك سوءًا. إني تأملت الحال فوجدت الأولياء الذين خرجوا لم يريدوا إلا صيانة نفسي وإعزاز أمري، فبارك الله عليهم. فأما أنت يا أبا الحسن المظفر، لا خلوت منك، فشيخي وكبيري.
وذكر فصلًا طويلًا في الخضوع له، إلى أن قال: وقبل هذا وبعده فلي في أعناقكم بيعة مؤكدة، ومن بايعني فإنما بايع الله، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وعهد الله نكث. ولي عليكم نعم وصنائع، وآمل أن تعترفوا بها لا تكفروها.
فلما وقفوا على الورقة عدلوا إلى مطالبته بإخراج هارون عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك وقلده الثغور،
стр. 7214
وخرج من يومه.
ودخل في عاشر محرم مؤنس والجيش، فأرجف بالمقتدر أراجيف شديدة. ثم اتفق مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك على خلعه، فخرج مؤنس في ثاني عشر محرم إلى الشماسية في الأمراء والجنود. وفي رابع عشر جاؤوا إلى دار الخلافة، فهرب الحاجب مظفر، والوزير ابن مقلة، والحشم. ودخل مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك، وحصل الجيش كله في دار الخليفة، وأخرج المقتدر بعد العشاء ووالدته وخالته (١) وحرمه إلى دار مؤنس.
ودخل هارون من قطربل فاختفى ببغداد، فأحضروا محمد بن المعتضد من الحريم، وكان محبوسًا، فوصل في الثلث الأخير، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقب بالقاهر بالله.
وكان علي بن عيسى محبوسًا فأطلق إلى بيته، وقلدوا أبا علي بن مقلة وزارة القاهر بالله، وقلدوا نازوك الحجابة والشرطة، وقلدوا أبو الهيجاء إمرة الدينور، وهمذان، ونهاوند، مع ما بيده من الجزيرة والموصل.
ووقع النهب في دار السلطان وبغداد، ونهب لأم المقتدر ستمائة ألف دينار، وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع، وذلك يوم السبت.
وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الناس الموكب يوم الاثنين، فامتلأت دهاليز الدار بالعسكر، فطلبوا رزق البيعة ورزق سنة. ولم يأت مونس يومئذ إلى الدار، فارتفعت أصوات الرجالة، فخاف نازوك أن يتم قتال، فهجم الرجالة، فلم يكفهم أحد، فقتلوا نازوك وخادمه عجيبًا وصاحوا: المقتدر يا منصور. فتهارب من في الدار حتى الوزير والحجاب.
وصاروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة، وأغلق بعضهم باب دار الخلافة؛ لأنهم كانوا كلهم خدم المقتدر، فأراد أبو الهيجاء الخروج، فتعلق به القاهر وقال: تسلمني وتخرج؟ فداخلته الحمية فقال: لا والله. ورجع معه فدخلا الفردوس، وخرجا إلى الرحبة التي يسلك منها إلى باب النوبي.
ونزع أبو الهيجاء سواده وأخذ جبة
стр. 7215
صوف، وذهب على فرسه. فوقف القاهر مع خدم له، فعاد إليه أبو الهيجاء، فأخبره بقتل نازوك. وسدت المسالك على أبي الهيجاء والقاهر فرجعا إلى الدار يتسللون، وبقي من خدم المقتدر جماعة بالسيوف، فخافهم أبو الهيجاء، فثبتوا فرجع القهقرى ودخل بيتًا.
فجاء خماجور، وشتم أبا الهيجاء الغلمان، فغضب وخرج كالجمل الهائج وصاح: يا لتغلب! أأقتل بين الحيطان؟ أين الكميت؟ أين الدهماء؟ فرماه خماجور بسهم في ثديه، ثم رماه آخر فأصاب ترقوته. وآخر في فخذه، فنزع عنه الأسهم، وقتل واحدًا منهم. وكان مع خماجور أسودان، فبادرا إلى أبي الهيجاء، فحز أحدهما رأسه.
وأما أولئك فإنهم حملوا المقتدر على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، فقال: ما فعل أبو الهيجاء؟ فجاءوا برأسه إلى المقتدر، فقال: من قتله؟ قالوا: لا ندري. فاسترجع وتأسف عليه. ثم سمع ضجةً، وجاءه خادم يعدو فقال: هذا محمد القاهر قد أخذ. فجيء به فأجلس بين يديه، فاستدناه وقبل جبينه، وقال له يا أخي: أنت والله لا ذنب لك. هذا والقاهر يبكي ويقول: الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي! فقال: والله لا جرى عليك مني سوء أبدًا، فطب نفسًا!
وطيف برأس نازوك ورأس أبي الهيجاء ببغداد، ونودي: هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته. فسكن الناس. وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى المقتدر.
وقيل: إن الذي قتل نازوكًا سعيد ومظفر من شطار بغداد. ثم أتى مؤنس وبايع المقتدر هو والقواد والقضاة.
وقيل: إن المقتدر لما أحيط به ورأى الغلبة نشر المصحف، وقال: أنا فاعل ما فعل عثمان ﵁، ولا أنزع قميصًا ألبسنيه الله!
ولما رجع إليه ملكه بذل الأموال في الجند حتى أنفذ الخزائن، وباع ضياعًا وأمتعة وتمم عطاياهم. وبيعت ضياع بختيشوع بالثمن اليسير.
قال ثابت بن سنان: كان قد وصل إلى الطبيب بختيشوع في مدة خدمته للرشيد ستة وخمسون ألف ألف درهم من الرشيد والبرامكة.
وظهر هارون بن غريب ودخل على مؤنس وسلم عليه وقلد الجبل،
стр. 7216
فخرج إلى عمله.
وقلد المقتدر إبراهيم ومحمد ابني رائق شرطة بغداد. وقلد مظفر بن ياقوت الحجابة.
وفي رجب ماتت ثمل القهرمانة.
وفيها سير المقتدر الركب مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلًا ذريعًا وفي فجاج مكة وفي داخل البيت، وقتل ابن محارب أمير مكة، وعرى البيت، وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود فأخذه. وطرح القتلى في بئر زمزم ورجع إلى بلاد هجر ومعه الحجر الأسود. وامتلأت فجاج مكة بالقتلى.
وقال أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي في تاريخه: إن أبا طاهر سليمان بن حسن القرمطي صاحب البحرين دخل مكة في سبعمائة رجل، فقتلوا في المسجد الحرام نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنساء وهم يتعلقون بأستار الكعبة. وردم منهم بئر زمزم، وصعد على باب الكعبة، واستقبل الناس وهو يقول:
أَنَا بالله وباللَّه أَنَا … يخلق الخلق وأفنيهم أَنَا
وقتل في سكك مكة وشعابها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك. وأقام بمكة ستة أيام، وأوقع بهم في سابع ذي الحجة. ولم يقف أحد تلك السنة وقفةً، فرماه الله في جسده وطال عذابه حتى تقطعت أوصاله.
قال محمود الأصبهاني: دخل رجل من القرامطة وهو سكران فصفر لفرسه، فبال عند البيت وقتل جماعة. ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه. وأقام القرمطي بمكة أحد عشر يومًا، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم نحو عشرين سنة. وقيل: هلك تحته إلى هجر أربعون جملًا. فلما أعيد إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن.
وكان بجكم التركي قد دفع فيه خمسين ألف دينار فلم يردوه، وقالوا: أخذناه بأمر، وما نرده إلا بأمر.
وقيل: إن الذي اقتلعه صاح: يا حمير أنتم قلتم: ومن دخله كان آمنًا، فأين الأمن؟ قال رجل: فلويت رأس فرسه واستسلمت للقتل وقلت
стр. 7217
له: اسمع! إن الله أراد ومن دخله فآمنوه. فلوى رأس فرسه، وخرج ما كلمني.
وقد غلط السمناني فقال في تاريخه: الذي قلع الحجر الأسود أبو سعيد الجنابي. وإنما هو ابنه. وكان ابن أبي الساج قبل ذلك بزمان قد نزل على أبي سعيد فأكرمه. فلما جاء لقتاله أرسل إليه يقول، أعني ابن أبي الساج: لك علي حق قديم، وأنت في قلة وأنا في كثرة، فانصرف راشدًا.
وكان مع ابن أبي الساج ثلاثون ألفًا، ومع أبي سعيد خمسمائة فارس، وبينهما النهر. فقال أبو سعيد للرسول: كم مع صاحبكم؟ قال: ثلاثون ألفًا. قال: ما معه ولا ثلاثة.
ثم دعا بعبد أسود، فقال له: خرق بطنك بهذه السكين. فأتلف نفسه. وقال لآخر: غرق نفسك في هذا النهر، ففعل. وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط وألق نفسك على دماغك ففعل. ثم قال للرسول: إن كان معه من يفعل مثل هؤلاء وإلا فما معه أحد. ثم ذكر السمناني خرافات لا تصح.
ونقل القليوبي وهو ضعيف أن القرمطي باع الحجر الأسود من المقتدر بثلاثين ألف دينار، ولم يصح هذا ولا وقع. قال: فقال للشهود: من أين تعلمون أنه الحجر؟ فقال عبد الله بن عليم المحدث: إنه يشوف على الماء ولا تسخنه النار. فأحضر الجنابي طستًا وملأه ماءً ووضع الحجر، فطفا على الماء. وأوقد عليه النار فلم يحم بها. فأخذه ابن عليم وقبله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود.
فتعجب الجنابي وقال: هذا دين مضبوط. ثم رد الحجر إلى مكة أيام المقتدر. كذا قال، وغلط. إنما رد إلى مكانه في خلافة المطيع لله.
وقال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرمطي، فصعد رجل ليقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا رب، ما أحلمك! وتزلزلت. قال: فسقط الرجل على دماغه، فمات.
وفيها: خرج محمد بن طغج أمير الجوف سرًا من تكين أمير مصر، فلحق بالشام وولي دمشق. وبعث تكين خلفه فلم يلحق.
وفيها: خلع المقتدر على أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وقلد قضاء القضاة.
وهاجت ببغداد فتنة كبرى بسبب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾
стр. 7218
، فقالت الحنابلة: معناه يقعده الله على عرشه كما فسره مجاهد. وقال غيرهم من العلماء: بل هي الشفاعة العظمى كما صح في الحديث. ودام الخصام والشتم واقتتلوا، حتى قتل جماعة كبيرة. نقله الملك المؤيد (١)، ﵀.
وقال المراغي: حدثني أبو عبد الله بن محرم، وكان رسول المقتدر إلى القرمطي، قال: سألت القرمطي بعد مناظرات جرت بيني وبينه في استحلاله ما استحل من الدماء وعن الحجر الأسود. فأمر بإحضاره، فأحضر في سفط مبطن بديباج. فلما برز لي كبرت وقلت إيمانًا وتصديقًا: هذا هو الحجر بلا ريب. قال: ورأيتهم من تعظيمه وتنزيهه وتشريفه والتبريك به على حالة كبيرة.
وفيها: خالف نصر بن أحمد بن إسماعيل أمير خراسان إخوته أبو إسحاق، وأبو زكريا، وأبو صالح، فأعمل الحيلة حتى عادوا إلى طاعته ووانسهم ثم سقى الأكبر سمًا في كوز فقاعٍ فمات، وحبس الآخرين فهرب أحدهما إلى الري واستأمن إلى مرداوين فأكرمه، وخنق نصر الآخر.
وأما ما كان من خبر الحجاج فإنه قتل من قتل منهم بمكة، ولم يتم لهم حج. وتجمع من بقي وتوصلوا إلى مصر، ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها، وتقطع جسده بالجدري.
ومن شعره:
أغَرَّكُمُ مِنّي رُجُوعي إلى هَجَرْ … فعمّا قليلٍ سوف يأتيكُمُ الخَبرْ
إذا طلعَ المِرّيخُ مِن أرض بابلٍ … وقارَنَه كَيْوانُ فالحَذَرَ الحذَرْ
فَمَن مُبْلِغُ أهلَ العراقِ رِسالةً … بأنّي أَنَا المرهوبُ في البَدْو والحَضَرْ
أَنَا صاحب الأنبار يوم ديارها … ويوم عقرقوفا فمن منكم حَضَرْ
فواللَّه لولا التَّغْلِبيّ ورأيه … لَغَادَرَكم أمثالَ نخلٍ قد انعَقَرْ
فذاك أبو الهيجاء أشجعُ من مشى … عَلَى الأرضِ أو لاثَ العمائمَ واعتجَرْ
وأصبح هذا النّاس كالشّاء ما لَهُم … زَعيمٌ ولا فيهم لأَنفُسِهم نظَرْ
فَيَا وَيْلَهم مِن وقعةٍ بعد وقعةٍ … يُسَاقون سَوْق الشّاءِ للذِّبْح والبقَرْ
سَأَضْربُ خيلي نحو مصرَ وبرقةٍ … إلى قَيْروانِ التُّرْك والرُّومِ والخزَرْ
стр. 7219
أَكيلُهُمُ بالسّيف حتّى أُبِيدُهم … فلا أُبْقِ منهمْ نَسْل أُنْثَى ولا ذكَرْ
أَنَا الدّاعي المهديّ لَا شكَّ غيرُه … أَنَا الضَّيْغَمُ الضِّرُغام والفارسُ الذَّكَرْ
أُعَمَّرُ حتّى يأتي عيسى بْنُ مريمَ … فيحمَدُ آثاري وأرضى بما أمَرْ
ولكنّه حَتْمٌ علينا مُقَدَّرٌ … فَنَفْنَى ويَبْقَى خالقُ الخلْق والبشَرْ
وممن قتلته القرامطة: عبد الرحمن بن عبد الله بن الزبير، أبو بكر الرهاوي. روى عن أبيه، وغيره. وعنه أبو الحسين الرازي والد تمام، وغيره.
وكان علي بن بابويه الصوفي يطوف بالبيت والسيوف تنوشه وهو ينشد:
ترى المحبّين صَرْعَى في ديارهم … كَفِتْية الكهْفِ لَا يدرون كم لَبِثُوا
ذكر نازوك:
كان شجاعًا فاتكًا، غلب على الأمر وتصرف في الدولة. وعلم مؤنس الخادم أنه متى وافقه على خلع المقتدر زاد تحكمه، فأجابه ظاهرًا، وواطأ فيما قيل البرددارية على قتله. وكان له أكثر من ثلاثمائة مملوك.
وأما نواحي مملكة الروم فكان بها الخوف والوجل ما لا مزيد عليه، وجنح أهل الثغور إلى ملاطفة النصارى وبذل الإتاوة لهم، وركنوا إلى تسليم بلد سميساط وغيرها. فلله الأمر.
سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
في المحرم صرف المقتدر ابني رائق عن الشرطة، وقلدها أبا بكر محمد بن ياقوت.
وفي ربيع الآخر هبت ريح عظيمة حملت رملًا أحمر قيل: إنه من جبل زرود، فامتلأت به أزقة بغداد والأسطحة.
وفيها: قبض المقتدر على الوزير أبي علي بن مقلة، وأحرقت داره، وكانت عظيمة قد ظلم الناس في عمارتها. وعز على مؤنس حيث لم يشاوره الخليفة. ثم استوزر سليمان بن الحسن بن مخلد، فكان لا يصدر عن أمر حتى يشاور علي بن عيسى.
وفيها: حج ركب العراق.
وكان بها وباء مهول.
стр. 7220
وفيها: جاءت الأخبار بأن الأمير مفلحًا الساجي هزم جيشًا من الروم، وفرح الناس.
سنة تسع عشرة وثلاثمائة
فيها قبض المقتدر على الوزير سليمان بن الحسن، وكان قد أضاق إضاقة شديدة. وكانت وزارته سنة وشهرين. وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحسين بن القاسم، فلم يمكنه مؤنس، وأشار بأبي القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني. فاستوزره مع مشاورة علي بن عيسى في الأمور.
وفيها: كانت وقعة بين هارون بن غريب وبين مرداويج الديلمي بنواحي همذان. فانهزم هارون، وملك الديلمي الجبل بأسره إلى حلوان.
وفيها: عزل الكلوذاني واستوزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله؛ لأنه كتب إلى المقتدر، وهو على حاجة: أنا أقوم بالنفقات وزيادة ألف ألف دينار كل سنة. وكانت وزارة الكلوذاني شهرين.
وفي ذي الحجة استوحش مؤنس من المقتدر؛ لأنه بلغه اجتماع الوزير والقواد على العمل على مؤنس. فعزم خواصه على كبس الوزير، فعلم، فتغيب عن داره.
وطلب مؤنس من المقتدر عزل الوزير فعزله. فقال: انفه إلى عمان. فامتنع المقتدر. وأوقع الوزير في ذهن المقتدر أن مؤنسًا يريد أن يأخذ الأمير أبا العباس من داره ويذهب به إلى الشام ومصر، ويعقد له الخلافة هناك.
ثم كتب الحسين الوزير يستحث هارون بن غريب على المجيء، وكتب إلى محمد بن ياقوت، وكان بالأهواز، أن يسرع الحضور. فصح عند مؤنس أن الوزير يدبر عليه، فخرج إلى الشماسية بأصحابه، وكتب إلى المقتدر: إن مفلحًا الأسود مطابق للحسين، وإن نفسي لا تسكن حتى تبعث إلي بمفلح فأقلده أجل الأعمال ويخرج إليها.
فأجابه المقتدر: إن مفلحًا خادم يوثق بخدمته، ولم يدخل فيما توهمت. فلما سمع مؤنس هذا، وأن الوزير ينفق في الرجال، وأن هارون قد قرب من بغداد - أظهر الغضب وخرج إلى الموصل، فلحق به أصحابه، فقبض الوزير على حواصله وأملاكه. وهنأ الناس الوزير بذهاب مؤنس، وزاد محله عند المقتدر، ولقبه عميد الدولة. وكتب ذلك على الدينار والدرهم.
وكتب الوزير إلى داود وسعيد ابني حمدان، والحسن بن عبد الله بن
стр. 7221
حمدان بمحاربة مؤنس، فتعبوا في ثلاثين ألفًا، وكان مؤنس في ثمانمائة، فنصر عليهم وهزمهم، وملك الموصل في صفر سنة عشرين.
وفيها: نزل القرمطي الكوفة، فهرب أهلها إلى بغداد.
وفيها: دخلت الديلم الدينور فقتلوا وسبوا، فجاء من هرب إلى بغداد ورفعوا المصاحف على القضب، واستغاثوا يوم الأضحى وساعدهم الغوغاء، وسبوا المقتدر وأغلقوا الأسواق خوفًا من هجوم القرمطي.
وفيها: ولد أبو تميم المعز رابع خلفاء مصر الذي بنى القاهرة.
ولم يحج في هذه السنة ركب العراق.
وورد الخبر بأن ثمل والي طرسوس غزا الروم، فعبروا نهرًا ثم وقع عليهم ثلج عظيم. ثم التقوا جيش الروم عليهم ستة بطارقة، فنصروا عليهم، وقتل خمسمائة علج من الروم، وأسر ثلاثة آلاف.
ثم تناخت الملاعين ونالوا من المسلمين، وقتلوا خلقًا وأسروا آخرين. وسار إلى نجدة أهل ملطية وسميساط سعيد بن حمدان، فكشف عنها ودخل غازيًا في بلاد الروم.
ثم سار متولي طرسوس ونسيم الخادم لغزو الصائفة في اثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل حتى بلغوا عمورية ودخلوها. ثم أوغلوا في بلاد الروم، فغنموا وسبوا نحوًا من عشرة آلاف من الرقيق، وقتلوا خلقًا. وأقاموا في الغزاة ثلاثة أشهر.
وفيها: كان الوباء المفرط ببغداد، حتى كان يدفن في القبر الواحد جماعة.
سنة عشرين وثلاثمائة
فيها: عزل الحسين بن القاسم من الوزارة واستوزر أبو الفتح بن الفرات.
وفيها: بعث العهد واللواء لمرداويج الديلمي على إمرة أذربيجان، وأرمينية، وأران، وقم، ونهاوند، وسجستان.
وفيها: نهب الجند دور الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات، فهرب إلى طيار له في الشط، فأحرق الجند الطيارات. وصخم الهاشميون وجوههم وصاحوا: الجوع الجوع! وكان قد اشتد الغلاء؛ لأن القرمطي ومؤنسًا منعوا
стр. 7222
الغلات من النواحي أن تصل، ولم يحج ركب العراق.
وفي صفر غلب مؤنس على الموصل فتسلل إليه الجند والفرسان من بغداد، وأقام بالموصل أشهرًا. ثم تهيأ المقتدر وأخرج المخيم إلى الشماسية، وجعل يزكًا على سامراء ألف فارس مع أبي العلاء سعيد بن حمدان. وأقبل مؤنس في جمع كثير، فلما قارب عكبرا اجتهد المقتدر بهارون بن غريب أن يحارب مؤنسًا، فامتنع واحتج بأن أصحابه مع مؤنس في الباطن ولا يثق بهم.
وقيل: إنه عسكر هارون وابن ياقوت وابنا رائق وصافي الحرمي ومفلح بباب الشماسية، وانضموا إلى المقتدر، فقالوا له: إن الرجال لا يقاتلون إلا بالمال، وإن أخرجت الأموال أسرع إليك رجال مؤنس وتركوه.
وسألوه مائتي ألف دينار، فأمر بجمع الطيارات لينحدر بأولاده وحرمه وأمه وخاصته إلى واسط، ويستنجد منها ومن البصرة والأهواز على مؤنس.
فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله في المسلمين، ولا تسلم بغداد بلا حرب، وإنك إذا وقفت في المصاف أحجم رجال مؤنس عن قتالك. فقال: أنت رسول إبليس!
فلما أصبحوا ركب في الأمراء والخاصة وعليه البردة وبيده القضيب، والقراء حوله، والمصاحف منشورة، وخلفه الوزير الفضل بن جعفر، فشق بغداد إلى الشماسية، والخلق يدعون له. وأقبل مؤنس في جيشه ووقع القتال. فوقف المقتدر على تل، ثم جاء إليه ابن ياقوت وأبو العلاء فقالا: تقدم، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا. فلم يبرح، فألح عليه القواد بالتقدم، فتقدم وهم يستدرجونه حتى أوقعوه في وسط الحرب في طائفة يسيرة، وقد قدم الجمهور بين يديه يقاتلون.
فانكشف أصحابه وأسر منهم جماعة، وأبلى محمد بن ياقوت وهارون بلاءً حسنًا. وكان معظم جند مؤنس البربر، فبينا المقتدر واقف قد انكشف أصحابه رآه علي بن بليق فعرفه، فترجل وقال: يا مولاي أمير المؤمنين! وقبل الأرض، فوافى جماعة من البربر إلى المقتدر فضربه رجل منهم من خلفه ضربةً سقط إلى الأرض، فقال له: ويلك أنا الخليفة! فقال: أنت المطلوب.
وذبحه بالسيف، وشيل رأسه على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مكشوف العورة
стр. 7223
حتى ستر بالحشيش. ثم حفر له في الموضع ودفن وعفي أثره. وبات مؤنس بالشماسية.
وقال الصولي: لما كان يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شوال ركب المقتدر وعليه قباء فضي وعمامة سوداء وعلى كتفه البردة وبيده القضيب والمصاحف منشورة. وكان وزيره قد أخذ له طالعًا، فقال له المقتدر: أي وقت هو؟ قال: وقت الزوال. فتطير وهم بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس وبليق، ونشبت الحرب، وتفرق عن المقتدر أصحابه وقتله البربري.
وقيل: كان غلامًا لبليق، وكان بطلا شجاعًا تعجب الناس منه يومئذ مما فعل من صناعات الفروسية من اللعب بالرمح والسيف. ثم حمل على المقتدر وضربه بحربةٍ أخرجها من ظهره، فصاح الناس عليه، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر، فصادفه حمل شوك فزحمه وهو يسوق حمل الشوك إلى قنار لحام، فعلقه كلاب، وخرج الفرس في مشواره من تحته فمات. فحطه الناس وأحرقوه بالحمل الشوك.
واستخلف المقتدر خمسًا وعشرين سنة إلا بضعة عشر يومًا. وكان النساء قد غلبن عليه. وكان سخيًا مبذرًا يصرف في السنة للحج أكثر من ثلاثمائة ألف دينار. وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود.
وأخرج جميع جواهر الخلافة ونفائسها على النساء ومحقه. وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل. وأخذت زيدان القهرمانة سبحة جوهر لم ير مثلها، هذا مع ما ضيع من الذهب والمسك والأشياء المفتخرة. قيل: إنه فرق ستين حبًا من الصيني ملأى بالغالية التي غرم عليها ما لا يحصى.
وقال الصولي: كان المقتدر يفرق يوم عرفة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس، ومن الغنم خمسين ألفًا. ويقال: إنه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار. وكان في داره عشرة آلاف خادم من الصقالبة. وأتلف نفسه بيده وبسوء تدبيره.
وخلف من الأولاد محمدًا الراضي، وإبراهيم المتقي، وإسحاق والد القادر، والمطيع، وعبد الواحد، وعباسًا، وهارون، وعليًا، وعيسى، وإسماعيل، وموسى، وأبا العباس. وكان طبيبه ثابت بن سنان، وابن بختيشوع.
стр. 7224
وقال ثابت بن سنان الطبيب: إن المقتدر أتلف نيفًا وسبعين ألف ألف دينار.
وقد وزر للمقتدر، كما قدمنا جماعة.
قال ثابت: لما قتل المقتدر انحدر مؤنس ونزل الشماسية، فقدم إليه رأس المقتدر، فبكى وقال: قتلتموه؟ والله لنقتلن كلنا، فأقل ما يكون أن تظهروا أن ذلك جرى عن غير قصد منكم، وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العباس.
فقال إسحاق بن إسماعيل النوبختي: استرحنا ممن له أم وخالة وحرم، فنعود إلى تلك الحال؟! وما زال بمؤنس حتى ثنى رأيه عن ابن المقتدر، وعدل إلى القاهر محمد. فأحضر محمد ابن المكتفي والقاهر محمد، فقال لمحمد ابن المكتفي: تتولى هذا الأمر؟ فقال: لا حاجة لي فيه، وعمي هذا أحق به.
فكلم القاهر فأجاب. فبايعه واستحلفه لنفسه ولبليق ولولده علي بن بليق، ولقب بالقاهر بالله، كما لقب به في سنة سبع عشرة. وكان ربعةً، أسمر، معتدل الجسم، أصهب الشعر، أقنى الأنف.
وأول ما فعل أن صادر آل المقتدر وعذبهم، وأحضر أم المقتدر وهي مريضة فضربها بيده ضربًا مبرحًا، فلم تظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار. وأحضر القضاة وأشهد عليها ببيع أملاكها بعد أن كشفت وجهها ورأوها، فلما عاينوا ما بها من الضر بكوا. وما زال يعذبها حتى ماتت معلقةً بحبل.
وضرب أم موسى القهرمانة وعذبها، ووجد عندها أبا العباس ابن المقتدر فقبض عليه، وبالغ في الإساءة، فنفرت القلوب عنه.
وكان المقتدر قد نفى ابن مقلة إلى الأهواز، فأحضره القاهر مكرمًا واستوزره.
وفيها: ادعى مؤنس أن شفيعًا المقتدري على ملكه، ونادى عليه إهانةً له فبلغ سبعين ألف دينار، فاشتري بذلك للقاهر وأعتقه.
وذكر المسبحي أن العامة لم تزل تصلي في مصرع المقتدر. وبني في ذلك المكان مسجد.
стр. 7225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الوفيات)
المتوفون سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
١ - أحمد بن إبراهيم بن أبي صالح المروزي، نزيل نيسابور.
توفي هو وابن خزيمة في جمعة. سمع: إسحاق الكوسج، وأحمد الدارمي، والذهلي. وعنه: يحيى العنبري، ومحمد بن صالح بن هانئ، وغيرهما.
٢ - أحمد بن الحارث بن مسكين، أبو بكر المصري.
عن: أبيه، وأبي الطاهر بن السرح. ومولده سنة تسع وثلاثين. وكان الطحاوي ينكر حديثه عن أبيه، أي لم يدركه.
٣ - أحمد بن حفص بن يزيد، أبو بكر، نزيل المعافر.
مصري، سمع: عيسى بن حماد، ومحمد بن سلمة المرادي. وكان فاضلًا. روى عنه ابن يونس، وقال: توفي في ربيع الأول.
٤ - أحمد بن حمدان بن علي بن سنان، أبو جعفر النيسابوري الحيري الزاهد الحافظ، المجاب الدعوة.
سمع: محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الله بن هاشم، وعبد الرحمن بن بشر، وأحمد بن الأزهر. وفي الرحلة: عبد الله بن أبي مسرة، وأحمد بن أبي غرزة الغفاري، وإسماعيل القاضي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وخلقًا سواهم.
وصنف الصحيح على شرط مسلم. روى عنه: ابناه أبو العباس محمد نزيل خوارزم شيخ البرقاني، وأبو عمرو محمد شيخ أبي سعد الكنجرودي، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو علي النيسابوري،
стр. 7226
وعبد الله بن سعد، وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الزاهد.
قال الحاكم: سمعت ابنه أبا عمرو يقول: لما بلغ أبي من كتاب مسلم إلى حديث محمد بن عباد، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن أبي بردة، لم يجده عند أحد. فقيل له: الحديث عند أبي يعلى الموصلي، عن محمد.
فخرج إليه قاصدًا من نيسابور إلى الموصل. وخرج على كبر السن إلى جرجان ليسمع من عمران بن موسى حديث سويد، عن حفص بن ميسرة في تحويل القبلة، فسمعته مع أبي. وسمعت أبي يقول: كلما قال البخاري: قال لي فلان، فهو عرض ومناولة. وكان أبي يحيي الليل، وتوفي قبل ابن خزيمة بأيام.
وقال السلمي: صحب أبو جعفر أبا حفص، والشاه بن شجاع، وكان الجنيد يكاتبه. وكان أبو عثمان يقول: من أحب أن ينظر إلى سبيل الخائفين فلينظر إلى أبي جعفر بن حمدان.
وكان ولداه زاهدين. وكان ابن بنته الشيخ أبو بشر الحلواني أوحد وقته وشيخ الحرم، بقي إلى سنة ست وثمانين وثلاثمائة (١).
٥ - أحمد بن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أبو الطيب.
سمع: زياد بن أيوب، وعبيد الله بن سعد الزهري. وعنه: أبو بكر ابن المقرئ، ومحمد بن إبراهيم العاقولي.
وكان ثقة (٢).
٦ - أحمد بن عبد الواحد بن رفيدة بن وهب البخاري، أبو بكر.
عن: نصر بن الحسن، وأبي عصمة سعد بن معاذ، والوليد بن إسماعيل، وطبقتهم. وعنه: إبراهيم بن محمد بن هارون بن حمدين، ومحمد بن بكر بن خلف، وداود بن موسى البخاريون.
مات في سلخ رمضان. ومات أبوه سنة سبع وستين ومائتين.
стр. 7227
٧ - أحمد بن محمد بن بشار، أبو بكر البغدادي، ويعرف بابن أبي العجوز.
سمع: لوينًا، وأبا همام السكوني. وعنه: ابن المظفر، وغيره.
وكان ثقة (١).
٨ - أحمد بن محمد بن الحسين، أبو محمد الجريري الصوفي الزاهد.
مختلف في اسمه وفي وفاته. وقد قيل اسمه: الحسن بن محمد، وقيل: عبد الله بن يحيى، وإنما يعرف بكنيته. لقي السري السقطي، والكبار. وكان الجنيد يجله ويتأدب معه. وإذا تكلم في الحقائق قال: هذا من بابة أبي محمد الجريري. فلما توفي الجنيد أجلسوه مكانه، وأخذوا عنه أخلاق القوم وأنفاسهم.
وقد حج في هذه السنة واستشهد في الرجوع يوم وقعة الهبير، وطئته الجمال فمات. وذلك في أوائل المحرم من سنة اثنتي عشرة. قال أحمد بن عطاء الروذباري: اجتزت به بعد سنةٍ وهو في البرية مستند وركبتاه إلى صدره، وهو يشير بإصبعه إلى الله وقد يبس، رحمة الله عليه (٢).
٩ - أحمد بن محمد بن الصلت، أبو بكر الكاتب. وبعضهم سماه محمد بن أحمد بن الصلت.
سمع: وهب بن بقية، وطبقته. وعنه: الجعابي، وأبو الفضل الزهري.
وكان ثقة (٣).
١٠ - أحمد بن محمد بن شبطون زياد بن عبد الرحمن، أبو القاسم اللخمي المعروف بالحبيب.
سمع: محمد بن وضاح، وغيره. وكان من أكمل الناس عقلًا وأدبًا.
стр. 7228
واسع الحال، كثير المكسب والصدقات. ولي القضاء بقرطبة مدةً (١).
١١ - أحمد بن محمد بن نصر، أبو جعفر الضبعي الأحول.
عن: محمد بن أبي معشر المدني، ومحمد بن موسى الحرشي. وعنه: أبو بكر الشافعي، وعبد الله بن موسى الهاشمي.
صدوق (٢).
١٢ - أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلال الفقيه.
سمع: الحسن بن عرفة، ومحمد بن عوف الحمصي، وسعدان بن نصر، والمروزي، وخلقًا كثيرًا.
وكان أحد من صرف عنايته إلى جمع علوم الإمام أحمد بن حنبل، وسافر إلى البلاد لأجلها، وسمعها عاليةً ونازلة. وصنف كتاب الجامع، وهو في عدة مجلدات، وكتاب السنة، وكتاب العلل لأحمد بن حنبل، وغير ذلك.
قال أبو بكر بن شهريار: كلنا تبع للخلال؛ لأنه لم يسبقنا إلى جمعه علم أحمد أحد قبله. روى عنه: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، ومحمد بن المظفر، وغيرهما. وتوفي في ربيع الأول وقد نيف على الثمانين.
قال الخطيب (٣): جمع علوم أحمد وطلبها، وسافر لأجلها، وكتبها وصنفها كتبًا. ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أحد أجمع منه لذلك. قال لي أبو يعلى ابن الفراء: دفن الخلال إلى جنب أبي بكر المروذي.
١٣ - إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج النحوي.
بغدادي مشهور. له كتاب معاني القرآن، وله كتاب الاشتقاق، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الأنواء، وكتاب العروض والقوافي وكتاب خلق الفرس وكتاب فعلت وأفعلت، ومختصر في النحو،
стр. 7229
وغير ذلك.
حكى عنه أبو محمد بن درستويه قال: كنت أخرط الزجاج فاشتهيت النحو، فلزمت المبرد، وكان لا يعلم مجانًا، فقال لي: أي شيء صنعتك؟ قلت: زجاج، وكسبي كل يوم درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأعطيك كل يوم درهمًا، وأشرط أني أعطيكه إلى أن يفرق بيننا الموت. قال: فنصحني. فجاءه كتاب من بني مارمة من الصراة يلتمسون نحويًا لأولادهم، فخرجت فعلمتهم. وكنت أنفذ إليه في الشهر ثلاثين درهمًا. ثم طلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدبًا لابنه القاسم. قال: فأدبته، وكان ذلك سبب غناي. وصح لي من جهته أموال كثيرة.
وعن الزجاج قال: قلت للقاسم وأنا أعلمه النحو: إن وليت الوزارة ماذا تصنع بي؟ قال: ما تحب. فقلت له: تعطيني عشرين ألف دينار. فما مضت إلا سنون حتى وزر وأنا نديمه، فجعلني أقدم له القصص، فربما قال لي: كم ضمن لك صاحبها؟ فأقول: كذا وكذا. فيقول: غبنت. قال: فحصل لي في مدة شهور عشرون ألف دينار، ثم حصل لي ضعفها. ووقع لي مرة من ماله بورقة إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار. ثم إن الزجاج نادم المعتضد، وكان يسأله عن الأدب.
توفي في جمادى الآخرة، وقد شاخ (١).
١٤ - إبراهيم بن عبد الواحد بن عبد الله، أبو إسحاق العنسي الدمشقي.
سمع: جده الهيثم بن مروان، وشعيب بن شعيب، وأبا أمية الطرسوسي. وعنه: ابنه أبو محرز، وعبد الله بن عدي، وأبو بكر الربعي، وأبو هاشم المؤدب، وأبو بكر ابن المقرئ.
توفي في جمادى الأولى (٢).
١٥ - إبراهيم بن مطروح، أبو إسحاق المصري. مولى خولان.
سمع: عيسى بن حماد، وسلمة بن شبيب.
стр. 7230
قال ابن يونس: كتبت عنه، وكان صالح الحديث، كتب لقاضي مصر.
١٦ - إسحاق بن إبراهيم المروزي، أبو يعقوب التاجر.
حدث بنيسابور عن: علي بن حجر، وأحمد بن عبد الله الفرياناني. وعنه: أبو العباس السياري، وأبو عمرو بن حمدان، وجماعة.
١٧ - إسحاق بن محمد بن علي بن سعيد المديني، أبو يعقوب.
سمع: عمرو بن علي الصيرفي، وحميد بن مسعدة، وعمر بن شبة. وعنه: أبو أحمد العسال، وأبو الشيخ (١)، وغيرهما (٢).
١٨ - إسماعيل بن علي بن نوبخت، أبو سهل النوبختي، الكاتب المعتزلي.
أحد رؤوس الشيعة المتكلمين ببغداد. له مصنفات في الكلام، وردود على ابن الراوندي. وكان كاتبًا بليغًا، شاعرًا أخباريًا. روى عنه: الصولي، وأبو علي الكوكبي، وابنه علي بن إسماعيل.
توفي في شوال عن أربع وسبعين سنة.
١٩ - بدر الحمامي، الأمير أبو النجم، مولى المعتضد بالله.
ولي إمرة دمشق سنة تسعين ومائتين. وحدث عن: هلال بن العلاء، وعبيد الله بن ماسرجس. وولي إمرة أصبهان من سنة خمسٍ وتسعين إلى سنة ثلاثمائة. وكان عادلًا حسن السيرة.
قال أبو نعيم الحافظ (٣): كان عبدًا صالحًا مستجاب الدعوة، توفي بشيراز. روى عنه ابنه محمد بن بدر.
٢٠ - جعفر بن محمد بن بشار، أبو العباس بن أبي العجوز.
سمع: محمود بن خداش، وعبد الله بن هاشم الطوسي. وعنه: أبو الفضل الزهري، وابن شاهين (٤).
стр. 7231
٢١ - حامد بن العباس الوزير.
كان قديمًا على نظر فارس، ثم ولي بعدها نظر واسط والبصرة، وآل أمره إلى وزارة أمير المؤمنين المقتدر. وكان كثير الأموال والحشم، بحيث أن له أربعمائة مملوك يحملون السلاح، وفيهم جماعة أمراء.
واستوزره المقتدر في سنة ست وثلاثمائة وعزل ابن الفرات. فقدم حامد بن العباس من واسط في أبهةٍ عظيمة، فجلس في الدست أيامًا، فظهر منه سوء تدبير، وقلة خبرة بأعباء الوزارة، وشراسة خلق، فضم المقتدر معه علي بن عيسى الوزير، فمشت الأحوال، ولكن كان الحل والعقد إلى ابن عيسى.
وله أثر صالح في إهلاك الحلاج يدل على حسن إيمانه وعلمه في الجملة.
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين. وسمع من عثمان بن أبي شيبة. وما حدث.
وفي سنة ثمانٍ وثلاثمائة ضمن حامد سواد العراق، وجدد مظالم، وغلت الأسعار، فقصدت العامة دار حامد وضجوا وتكلموا، وهموا به، فخرج إليهم غلمانه فاقتتلوا، ودام القتال، واشتد الأمر، وعظم الخطب، وقتل جماعة.
ثم استضرت العامة وأحرقوا جسر بغداد، وركب حامد في طيار فرجموه. وكان مع ظلمه وعسفه وجبروته جوادًا ممدحًا معطاء.
قال أبو علي التنوخي (١): حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال: كان حامد بن العباس من أوسع من رأيناه نفسًا، وأحسنهم مروءة، وأكثرهم نعمة، وأشدهم سخاءً وتفقدًا لمروءته. كان ينصب في داره كل يوم عدة موائد، ويطعم كل من حضر حتى العامة والغلمان. فيكون في بعض الأيام أربعين مائدة.
ورأى يومًا في دهليزه قشر باقلاء، فأحضر وكيله وقال: ويلك، يؤكل في داري باقلاء؟ فقال: هذا فعل البوابين. فقال: أوليست لهم جراية لحم؟ قال: بلى. فسألهم، فقالوا: لا نتهنأ بأكل اللحم دون عيالاتنا، فنحن ننفذه إليهم، ونجوع بالغداة، فنأكل
стр. 7232
الباقلاء.
فأمر أن يجرى عليهم لحم لعيالاتهم أيضًا. فلما كان بعد أيام رأى قشر باقلاء في الدهليز، فاستشاط، وكان سفيه اللسان، فشتم وكيله وقال: ألم أضعف الجرايات؟ فقال: إنهم لم يغيروا عادتهم، بل صاروا يجمعون الثانية عند اللحام. فقال: ليكن ذلك بحاله، ولتجدد مائدة تنصب لهم غدوة قبل موائدنا. ولئن رأيت بعدها في دهليزي قشرًا لأضربنك وإياهم بالمقارع.
قال التنوخي (١): وحدثني الحسين عبد الله الجوهري وأبو الحسن بن المأمون الهاشمي أنه وجد لحامد في نكبته في بيت مستراح له أربعمائة ألف دينار عينًا دل عليها لما اشتدت به المطالبة. فقيل: إنه كان يدخل ومعه الكيس، فيه ألف دينار ليقضي حاجة، فيرميه في المرحاض، فتجمع هذا فيه.
وقال غيره: عزل حامد وابن عيسى عن الأمر، وقلد أبو الحسن بن الفرات، وهذه ولايته الثالثة، فصادر حامدًا وعذبه.
قال المسعودي (٢): كان في حامد طيش وحدة. كلمه إنسان بشيء، فقلب ثيابه على كتفه وصاح: ويلكم، علي به.
وقال (٣): دخلت عليه أم موسى القهرمانة، وكانت كبيرة المحل، فخاطبته في طلب مال، فقال لها:
اضرطي والتقطي … واحسُبي لَا تَغْلطي
فخجلها. وبلغ المقتدر فضحك وكان شابًا لعابًا، فأمر بقيناته فغنين بذلك.
وجرت لحامد فصول، وتجلد على الضرب، ثم أحدر إلى واسط فسم في الطريق في بيض نيمرشت، فتلف بالإسهال في رمضان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
وذكر الصولي أن أصل حامد من خراسان، ولم يزل يتقلد الأعمال
стр. 7233
الجليلة من طساسيج السواد، ويتصرف مَعَ العمال حتّى ضمن الخراج والضّياع بالبصرة وكور دجلة مَعَ الإشراف بكسكر وغيرها سنين، في دولة ابن الفُرات. فكان يعمّر ويربح ويحسن إلى الأكارين ويرفع المؤن حتّى صار لهم كالأب. وكثرت صدقاته.
وقيل: إنّه وزر وقد علت سنه، ثمّ تحدثّ الأمراء بما في حامد من الحدة وقلة الخبرة بأمور الوزارة، فعاتب المقتدر أبا القاسم بْن الحواري، وكان أشار به. وكان مع حامد أربعمائة مملوك يحملون السلاح.
ونقل ابن النّجّار أنّ حامدًا أضيف إِلَيْهِ في الأمور عليّ بْن عيسى.
قَالَ الصُّوليّ: فجلس عليّ بْن عيسى في دار سليمان بْن وهْب وفعل كما يفعل الوزراء، واشتغل حامد بمصادرة ابن الفُرات. وقد وقعت بينه وبين ابن عيسى مشاجرات ومناظرات في الأموال، فقيل:
أعجبُ مِن كلّ ما تراه … أن وزيرين في بلادِ
هذا سوادٌ بلا وزير … وذا وزيرٌ بلا سوادِ
واستخرج حامد من المحسّن ولد أَبِي الحَسَن بْن الفُرات ألف ألف دينار، وعذَّبه. فلمّا فرغ من المصادرة بقي بلا عمل سوى اسم الوزارة والركوب يومي الموكب، وسقطت حرمته عند المقتدر، وبان لَهُ أنّ لَا فائدة منه، فأفرد ابن عيسى بالأمور. واستأذن حامد المقتدر في أنّ يضمن أصبهان والسّواد وبعض المغرب، فأذن لَهُ حتّى قيل في ذَلِكَ:
انظر إلى الدَّهْر ففي عجائبِهْ … معتبرٌ يُسليك عَنْ نوائبهْ
وتُؤيِس العاقلَ عَنْ رغائبِهْ … حتّى تراه حذرًا من جانبهْ
صار الوزيرُ عاملًا لكاتبهْ … يأملُ أنّ يرفقَ في مطالبهْ
ليستدر النفع من مكاسبهْ
قَالَ أبو عليّ التّنُوخيّ: حدَّثني أبو عبد الله الصيرفي قال: حدَّثني أبو عليّ القَنَويّ التّاجر قَالَ: ركب حامد بْن العبّاس قبل الوزارة بواسط إلى بستان لَهُ، فرأى شيخًا يُوَلْول وحولهُ نساء وصبيان يبكون، فسأل عَنْ خبرهم، فقيل: احترق منزله وقماشه وافتقر، فرق لَهُ ووَجَمَ لَهُ، وطلب وكيله وقال: أريد منك أنّ تضمن لي أنّ لَا أرجع العشيّة من النُّزهة إلا وداره
стр. 7234
كما كانت مجصصة، وبها القماش والمتاع والنحاس أفضل مما كان، وكسوة عياله مثل ما كان لهم. فأسرع في طلب الصناع، وبادروا في العمل، وصب الدراهم، وأضعف الأجر، وفرغوا من الجميع بعد العصر. فلما رد حامد وقت العتمة شاهدها مفروغةً بالآتها وأمتعتها الجدد، وازدحم الخلق يتفرجون، وضجوا لحامد بالدعاء. ونال التاجر من المال فوق ما ذهب له، ثم زاده بعد ذلك كله خمسة آلاف درهم ليقوي بها في تجارته.
وقيل: إن رجلًا دخل واسطًا في شغل، واشترى خبزًا بدينار ليتصدق به، وجلس يراعي فقيرًا يعطيه منه، فقال له الخباز: إنك لا تجد أحدًا يأخذه منك؛ لأن جميع ضعفاء البلد في جراية حامد، لكل واحدٍ رطل خبز ودانق فضة.
وقيل: إنه كان يقدم وهو وزير على موائده بين يدي كل رجل جدي، لا يشاركه أحد.
قال الصولي: كان حامد قليل الرغبة في استماع الشعر، إلا أنه كان سخيًا، جميل الأخلاق، كثير المزح. وكان إذا خولف في أمر يصيح ويحرد، فمن دارى مزاجه انتفع به.
قال إبراهيم نفطويه: سمعته يقول: قيل لبعض المجانين: في كم يتجنن الإنسان؟ فقال: ذاك إلى صبيان المحلة.
وكان حامد ثالث يوم من وزارة المقتدر قد ناظر ابن الفرات، وجبهه وأفحش له، وجذب بلحيته، وعذب أصحابه. فلما انعكس الدست ووزر ابن الفرات تنمر لحامد، فليم حامد فقال: إن كان ما استعملته معكم من الأحوال أثمر لي خيرًا فزيدوا منه، وإن كان قبيحًا، وهو الذي أصارني إلى التمكن مني، فالسعيد من وعظ بغيره. وبعد أن استصفاه دس من سقاه سمًا في بيض، فأتلفه إسهال مفرط.
نفطويه: حدثنا حامد بن العباس الوزير قال: حدثني سند بن علي، قال: كنت بين يدي المأمون، فعطس فلم نشمته. فقال: لم لم تشتماني؟ فقلنا: أجللناك يا أمير المؤمنين! قال: لست من الملوك التي تتحال عن الدعاء. قلنا: يرحمك الله. قال: يغفر الله لكما.
стр. 7235
قال الصولي: سلم حامد إلى المحسن ابن الوزير ابن الفرات، فعذبه بألوان العذاب. وكان إذا شرب أخرجه وألبسه جلد قرد، فيرقص ويصفع، وفعل به ما يستحيا من ذكره. ثم أحضر إلى واسط فأهلك. وصلى الناس على قبره أيامًا.
قال أحمد بن كامل بن شجرة: توفي بواسط، ثم بعد أيام ابن الفرات نقل فدفن ببغداد. وسمعته يقول: ولدت سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وأبي من الشهاردة.
٢٢ - حماد بن شاكر بن سوية، أبو محمد النسفي.
روى الصحيح عن البخاري. وروى عن: عيسى بن أحمد العسقلاني، ومحمد بن عيسى الترمذي. وعنه جماعة.
قال جعفر المستغفري: هو ثقة مأمون. رحل إلى الشام. حدثني عنه بكر بن محمد بن جامع بـ صحيح البخاري، وأبو أحمد قاضي بخارى.
ورخ وفاته ابن ماكولا (١)، وقيد جده سوية.
٢٣ - سليمان بن حامد، أبو أيوب القرطبي الزاهد.
كان يقال: إنه من الأبدال. وكان مجاب الدعوة، كبير القدر. روى عن: إبراهيم بن باز، ومحمد بن وضاح، وجماعة.
وكان أعبد أهل زمانه، رحمة الله عليه (٢).
٢٤ - سهل بن يحيى، أبو السري الحداد.
عن: الحسن بن علي الحلواني. وعنه: أبو بكر الأبهري، وعلي الحربي، وعمر بن شاهين. وبقي إلى بعد هذا العام بيسير (٣).
٢٥ - شعيب بن إبراهيم، أبو صالح العجلي النيسابوري.
سمع: محمد بن رافع، وعلي بن حرب، وعبيد الله بن سعد الزهري،
стр. 7236
وطبقتهم. وعنه: أبو زكريا يحيى العنبري، وجماعة.
٢٦ - العباس بن أحمد بن أبي شحمة القطيعي.
عن: أبي همام السكوني، ومحمود بن غيلان. وعنه: مخلد بن جعفر، والجعابي، ومحمد بن الشخير.
وثقه الخطيب (١).
٢٧ - عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، أبو محمد المدائني الأنماطي. نزيل بغداد.
سمع: الصلت بن مسعود، وعثمان بن أبي شيبة، وأبا كامل الجحدري، ومحمد بن بكار. وعنه: الجعابي، وابن المظفر، وأبو بكر الوراق، ومحمد بن الشخير، وابن حيويه.
وثقه الدارقطني (٢).
٢٨ - عبد الله بن عروة، الحافظ أبو محمد الهروي. مصنف كتاب الأقضية.
سمع: أبا سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، ومحمد بن الوليد البسري، وخلقًا سواهم. وعنه: محمد بن أحمد بن الأزهر، ومحمد بن عبد الله السياري، وأبو منصور محمد بن عبد الله البزاز.
٢٩ - عبد الله بن عمر بن سليمان، أبو العباس الكوكبي النيسابوري.
واسع الرحلة، سمع: علي بن خشرم، وأحمد ابن أخي ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، وجماعة. وعنه: أبو علي الحافظ، وإسحاق بن سعد النسوي، وجماعة.
وثقه أبو عبد الله الحاكم.
٣٠ - عبد الله بن محمود السعدي، أبو عبد الرحمن المروزي الحافظ.
стр. 7237
سمع: حبان بن موسى، ومحمود بن غيلان، وعلي بن حجر السعدي. ورحل إلى العراق فأكثر عن: عمر بن شبة، وهذه الطبقة. وعنه: أبو منصور الأزهري، وأحمد بن سعيد المعداني الفقيه، وطائفة.
قال الحاكم: ثقة مأمون، وقد سمع منه إمام الأئمة ابن خزيمة، وهو من أقرانه.
٣١ - عبد الله بن محمد بن عمرو النصراباذي النيسابوري، أبو محمد، من محلة نصراباذ.
سمع: محمد بن رافع، ومحمد بن أسلم الطوسي. وعنه: أحمد بن هارون، ومحمد بن سعيد المؤدب.
٣٢ - عبدان بن أحمد بن أبي صالح الهمذاني.
بأرجان، ورخ موته ابن منده.
٣٣ - علي بن أحمد بن علي بن عمران الجرجاني.
حدث بحلب، عن: بندار، وأبي حفص الفلاس، وابن مثنى. وعنه: أبو بكر ابن المقرئ، وأبو أحمد بن عدي، وغيرهما.
سكن حلب (١).
٣٤ - عمر بن محمد بن بجير بن حازم بن راشد الهمداني، أبو حفص السمرقندي الحافظ، مصنف الصحيح والتفسير.
له الرحلة الواسعة والمعرفة التامة، وهو من أبناء المحدثين. فإن أباه رحال كبير روى عن أبي الوليد، وعارم، وطبقتهما.
وعمر هذا رحل إلى خراسان، والبصرة، والكوفة، والشام، ومصر، والحجاز. وجمع ما لم يجمعه غيره، حتى أنه قال: رحلت إلى بندار ثلاث مرار، وسمعت منه ستين ألف حديث أو أكثر.
قلت: سمع: محمد بن معاوية خال الدارمي، وعيسى بن زغبة، وبشر بن معاذ العقدي، وعمرو بن علي، وبندارًا، وعبد بن حميد، وأحمد بن
стр. 7238
عبدة، وطبقتهم.
وعنه: محمد بن صابر، ومحمد بن بكر الدهقان، ومحمد بن أحمد بن عمران الشاشي، ومحمد بن علي المؤدب، ومعمر بن جبريل الكرميني، وأعين بن جعفر السمرقندي، وعيسى بن موسى الكشاني، وآخرون.
ومولده سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين. ورحل سنة بضعٍ وأربعين، وحضر جنازة أحمد بن صالح المصري. وهو صدوق.
وقد روى عن العباس بن الوليد الخلال، قال: حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن الله زادكم صلاةً إلى صلاتكم، هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر» (١). تفرد به مروان، وهو ثقة.
٣٥ - عمرو بن محمد بن الخليل بن نعيم العتكي الناقد.
عن: نصر بن الحسين، وسعيد بن أيوب، وأحمد بن زهير، وأبي عبد الله بن أبي حفص. وعنه: أحمد بن القاسم بن عمير، وأبو عصمة أحمد بن محمد الجواليقي، وعبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم.
مات في عاشر جمادى الآخرة. أظنه بخاريًا. ذكره الأمير (٢).
٣٦ - كامل بن مكي بن محمد بن وردان، أبو العلاء التميمي البخاري.
كان يورق على باب صالح جزرة. وسمع: الربيع المرادي، ومحمد بن عوف الحمصي. وعنه: عبد الله بن عزيز السمرقندي.
توفي في شعبان، وقد أسن.
٣٧ - محمد بن أحمد بن الصلت، أبو بكر البغدادي الكاتب.
روى عن: وهب بن بقية، ومحمد بن خالد الطحان، وسوار بن عبد الله
стр. 7239
العنبري، وطبقتهم. وعنه: الجعابي، ومحمد بن المظفر، وأبو الفضل الزهري، وأبو الحسن الحربي.
وقد سماه بعضهم أحمد بن محمد.
توفي في المحرم.
وقد وثقه عمر البصري (١).
٣٨ - محمد بن إسماعيل بن علي بن النعمان بن راشد، أبو بكر البصلاني.
شيخ بغدادي، ثقة جليل. روى عن: بندار، وعلي بن الحسين الدرهمي. وعنه: عبد العزيز الخرقي، وأبو القاسم ابن النخاس، وعلي بن لؤلؤ.
مات في شعبان (٢).
٣٩ - محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري. إمام الأئمة أبو بكر الحافظ.
سمع: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد الرازي، وما حدث عنهما لصغره؛ فإنه ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ومحمود بن غيلان، ومحمد بن أبان المستملي، وإسحاق بن موسى الخطمي، وعتبة بن عبد الله اليحمدي، وعلي بن حجر، وأبا قدامة السرخسي، وأحمد بن منيع، وبشر بن معاذ، وأبا كريب، وعبد الجبار بن العلاء، ويونس بن عبد الأعلى، وخلقًا كثيرًا.
وعنه: البخاري، ومسلم في غير الصحيح، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم شيخه، وأبو عمرو أحمد بن المبارك، وإبراهيم بن أبي طالب وهم أكبر منه. وأبو علي النيسابوري، وإسحاق بن سعد النسوي، وأبو عمرو بن حمدان، وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه، وأبو بكر أحمد بن مهران المقرئ، ومحمد بن أحمد بن علي بن نصير المعدل، وحفيده
стр. 7240
محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق، وخلق كثير.
قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري: حدثنا أبو بكر بن خزيمة قال: كنت إذا أردت أن أصنف الشيء دخلت الصلاة مستخيرًا حتى يفتح لي فيها، ثم أبتدئ التصنيف.
وقال الزاهد أبو عثمان الحيري: إن الله ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة بمكان أبي بكر محمد بن إسحاق.
وقال أبو بكر محمد بن جعفر: سمعت ابن خزيمة يقول، وسئل: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له (١). وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علمًا نافعًا.
وقال أبو بكر بن بالويه: سمعته يقول، وقيل له: لو حلقت شعرك في الحمام، فقال: لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ دخل حمامًا قط، ولا حلق شعره، إنما تأخذ شعري جاريةٌ لي بالمقراض.
وقال محمد بن الفضل: كان جدي أبو بكر لا يدخر شيئًا جهده، بل ينفقه على أهل العلم، وكان لا يعرف سنجة الوزن، ولا يميز بين العشرة والعشرين.
وقال أبو بكر محمد بن سهل الطوسي: سمعت الربيع بن سليمان وقال لنا: هل تعرفون ابن خزيمة؟ قلنا: نعم. قال: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا.
وقال محمد بن إسماعيل السكري: سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلس المزني يومًا فسئل عن شبه العمد، فقال السائل: إن الله وصف في كتابه القتل صنفين: عمدًا، وخطأ. فلم قلتم: إنه على ثلاثة أصناف؟ وتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني. فقلت لمناظره: قد روى هذا الحديث أيضًا أيوب وخالد الحذاء. فقال لي: فمن عقبة بن أوس؟ قلت: بصري روى عنه ابن سيرين مع جلالته.
فقال للمزني: أنت تناظر أو
стр. 7241
هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا.
وقال محمد بن الفضل: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك. فاستظهرت القرآن. فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة. فمكثت. فلما عيدنا أذن لي، فخرجت إلى مرو، وسمعت بمرو الروذ من محمد بن هشام، فنعي إلينا قتيبة.
وقال أبو علي الحسين بن محمد الحافظ: لم أر مثل محمد بن إسحاق. وقال ابن سريج، وذكر له ابن خزيمة، فقال: يستخرج النكت من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش.
وقال أبو زكريا العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله ﷺ قول إذا صح الخبر عنه.
وقال محمد بن صالح بن هانئ: سمعت ابن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئًا.
وقال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق - فهو كافر يستتاب؛ فإن تاب، وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وقال الحاكم في علوم الحديث (١): فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل. والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء. وله فقه حديث بريرة في ثلاثة أجزاء.
وقال حمد بن عبد الله المعدل: سمعت عبد الله بن خالد الأصبهاني يقول: سئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابن خزيمة فقال: ويحكم، هو يسأل عنا ولا نسأل عنه؛ هو إمام يقتدى به!
وقال أبو بكر محمد بن علي الفقيه الشاشي: حضرت ابن خزيمة،
стр. 7242
فقال له أبو بكر النقاش المقرئ: بلغني أنه لما وقع بين المزني وابن عبد الحكم قيل للمزني: إنه يرد على الشافعي، فقال: لا يمكنه إلا بمحمد بن إسحاق النيسابوري، فقال أبو بكر: كذا كان.
وقال الحاكم: سمعت أبا سعد عبد الرحمن ابن المقرئ: سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: إن شيئًا من تنزيله ووحيه مخلوق، أو يقول: إن أفعاله تعالى مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث - فهو جهمي.
ومن نظر في كتبي بان له أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني، فقد عرف الخلق أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي.
وقال أبو أحمد حسينك: سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة يحكي عن علي بن خشرم عن إسحاق بن راهويه أنه قال: أحفظ سبعين ألف حديث. فقلت لابن خزيمة: فكم يحفظ الشيخ؟ فضربني على رأسي، وقال: ما أكثر فضولك. ثم قال: يا بني، ما كتبت سوادًا في بياض إلا وأنا أعرفه.
قال: وحكى أبو بشر القطان قال: رأى جار لابن خزيمة من أهل العلم كأن لوحًا عليه صورة نبينا ﷺ وابن خزيمة يصقله، فقال المعبر: هذا رجل يحيي سنة رسول الله ﷺ .
وقد نقل الحاكم أن ابن خزيمة عمل دعوةً عظيمة ببستان، فمر في الأسواق يعزم على التجار، فبادروا معه وخرجوا، ونقل كل ما في البلد من المأكل والشواء والحلواء، وكان يومًا مشهودًا بكثرة الخلق، لم يتهيأ مثله إلا لسلطان كبير.
قال الإمام أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة.
وقال الدارقطني: كان ابن خزيمة إمامًا ثبتًا، معدوم النظير.
توفي ابن خزيمة في ثاني ذي القعدة.
وقد استوعب أخباره الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وفيها أشياء كيسة وأخبار مفيدة.
ذكر ابن حبان أنه لم ير مثل ابن خزيمة في حفظ الإسناد والمتن،
стр. 7243
فأخبرنا ابن الخلال، قال: أخبرنا ابن اللتي، قال: أخبرنا أبو الوقت، قال: أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن صالح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن حبان التميمي قال: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق.
٤٠ - محمد بن زكريا الرازي، الطبيب العلامة في علم الأوائل، وصاحب المصنفات المشهورة المنتشرة، أبو بكر.
توفي ببغداد، وكان على مارستان بغداد في زمن المكتفي. وكان في صباه مغنيًا بالعود، ثم أقبل على قراءة كتب الفلسفة والطب، فبلغ فيه الغاية.
صنف الحاوي في نحو ثلاثين مجلدًا في الطب، وكتاب الجامع وهو كبير، وكتاب الأعصاب، والمنصوري، وغير ذلك.
وطال عمره، وقيل: إنه إنما اشتغل بعد أن صار ابن أربعين سنة، وأضر في آخر عمره، وكان اشتغاله على أبي الحسن علي بن ربن (١) الطبري صاحب التصانيف الطبية.
٤١ - محمد بن شادل بن علي، أبو العباس النيسابوري، مولى بني هاشم.
كف بصره بعد الثمانين.
سمع: إسحاق بن راهويه، وعمرو بن زرارة، وأبا مصعب، وهناد بن السري، ولوينًا. وعنه: أحمد بن الخضر، وعبد الله بن سعد، ويوسف الميانجي، وأحمد بن سهل الأنصاري، والشيوخ بعدهم.
وقال طاهر بن أحمد الوراق: إنه نيف على المائة سنة، وتوفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وإنه كان يختم القرآن في كل يوم.
وقال غيره: توفي في صفر سنة تسعٍ، فالله أعلم.
стр. 7244
وقع لنا من طريقه جزء إسحاق بن راهويه، رواه عنه أبو أحمد الحاكم، وقال: كان صحيح الأصول، سمع ابن راهويه، ومحمد بن عثمان العثماني. سألنا أبا العباس الماسرجسي عنه، فثبت سماعه من إسحاق.
٤٢ - محمد بن مكي بن محمد بن سليمان الخولاني، مولاهم المصري.
عن: يونس بن عبد الأعلى.
٤٣ - محمد بن يزداد بن آذين الفارسي الجوري، يكنى أبا جعفر.
روى عنه: أبو بكر بن عبدان الحافظ، ومحمد بن أحمد بن السري، وهبة الله بن الحسن القاضي، وآخرون.
وهو فارسي من أهل جور. سمع: عبدة الصفار، وبشر بن آدم، وجماعة، وحدث.
٤٤ - مظفر بن عاصم بن أبي الأغر، أبو القاسم العجلي.
كذاب، حدث في هذا العام ببغداد، وزعم أنه ابن مائة وتسع وثمانين سنة وأشهر، وأنه سمع من حميد الطويل، ومن مكلبة بخوارزم. وزعم أن لمكلبة صحبة. روى عنه من لا يستحي كعمر بن محمد بن إبراهيم، ومحمد بن محمد بن معاذ، وغيرهما.
كذبه ابن الجوزي (١)، وغيره.
стр. 7245
سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة
٤٥ - أحمد بن الحسن بن هارون، أبو بكر الخراز الكوفي، ثم البغدادي الصباحي.
عن: عمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن منصور الطوسي. وعنه: علي بن عمر السكري، والطبراني (١)، والحسن بن رشيق، وأبو عمر بن فضالة، وآخرون.
وثقه الخطيب (٢).
٤٦ - أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو عبد الله الكرخي المعدل.
سمع من حسين الكرابيسي تصانيفه. ومن: إسحاق بن موسى، وغير واحد. وعنه: علي بن لؤلؤ، وابن المظفر، لكن سمى أباه حسنًا.
مات في جمادى. أرخه ابن قانع (٣).
٤٧ - أحمد بن زكريا، أبو حامد النيسابوري.
نزل بغداد، وحدث عن الذهلي، وابن وارة، وأحمد بن يوسف السلمي. وعنه: ابن لؤلؤ، ومحمد بن المظفر.
وهو موثق نبيل (٤).
٤٨ - أحمد بن عمرو بن منصور، أبو جعفر الإلبيري الأندلسي الحافظ.
رحل وسمع من يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن سنجر، والربيع بن سليمان الجيزي، وعلي بن عبد العزيز البغوي.
وكان بصيرا بعلل الحديث، إماما فيه، وإليه كانت الرحلة بالأندلس،
стр. 7246
وولي خطابة بلده، ويعرف بابن عمريل (١).
٤٩ - أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، أبو العباس السجزي.
سمع: علي بن حجر، وسعيد بن يعقوب الطالقاني، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن رافع، وأبا حفص الفلاس، وطبقتهم.
واتهمه بالكذب أبو قريش الحافظ فإنه قال: حججت معه سنة ست وأربعين ومائتين، فلما بلغنا أن محمد بن مصفى قد حج صرنا إلى رحله في منزلة الدمشقيين بمنى، فلم نصل. ثم قصدناه بمكة، فقال: تعالوا غدًا. فبكرت أنا وأبو العباس بن الأزهر إليه، فإذا به قد رحل من الليل. وقد بلغني الآن أن ابن الأزهر يحدث عن ابن مصفى.
قلت: روى عنه أبو بكر بن علي الحافظ، وعبد العزيز بن محمد بن مسلم، وجماعة.
٥٠ - أحمد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن، أبو القاسم بن شبطون اللخمي القرطبي المالكي.
من كبار العلماء ذوي الأموال. ولي القضاة مدة. أخذ عن ابن وضاح (٢).
٥١ - أحمد بن محمد بن عثمان بن شبيب، أبو بكر الرازي، نزيل مصر.
قرأ القرآن على: الفضل بن شاذان، وأحمد بن أبي سريج. وسمع: أبا زرعة الرازي. وسمع منه: الحسن بن رشيق، وأحمد بن عمر الداجوني، وأحمد بن محمد المهندس.
توفي في ربيع الأول.
٥٢ - أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري، أبو بكر الدلال.
بغدادي، سمع: أحمد بن منيع، وعبد الرحمن بن يونس السراج. وعنه: أبو بكر الأبهري، وابن المظفر، وغيرهما.
стр. 7247
وهو إن شاء الله أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري الدقاق، حدث في سنة ثمانٍ هذه عن أحمد بن منيع، وأحمد بن عبدة، وسلم بن جنادة. وعنه: أبو الفضل الزهري، وابن المظفر، وابن شاهين.
صالح الحديث (١).
٥٣ - إبراهيم بن حمش (٢) النيسابوري، أبو إسحاق الزاهد الواعظ.
سمع: محمد بن مقاتل الرازي، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، ومحمد بن رافع. وعنه: ابنه أبو عبد الله، وجماعة.
توفي في رمضان.
٥٤ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الكندي الصيرفي.
روى عن: الفلاس، ومحمد بن المثنى، وعبدة الصفار. وعنه: أبو عمر بن حيويه، ومحمد بن عبيد الله بن الشخير.
وثقه الدارقطني.
يعرف بابن الخنازيري (٣).
٥٥ - إسحاق بن بنان بن معن الأنماطي.
بغدادي، سمع: أبا همام، وإسحاق بن أبي إسرائيل. وعنه: علي بن لؤلؤ، وابن البواب المقرئ.
وثقه الدارقطني (٤).
٥٦ - إسحاق بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، أبو يعقوب النسفي القاضي.
عن: علي بن خشرم، ومحمود بن آدم، وغيرهما. وعنه: عبد المؤمن بن خلف الحافظ.
стр. 7248
٥٧ - إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن حكيم الأصبهاني. أخو أبي عمرو أحمد بن محمد بن ممك.
سمع: محمد بن بن عاصم الثقفي، وأبا أمية الطرسوسي.
وكان يحفظ ويصنف. روى عنه أبو أحمد العسال (١).
٥٨ - حزم بن وهب بن عبد الكريم، أبو وهب الأندلسي.
توفي بمصر في رمضان.
٥٩ - الحسن بن علي بن نصر، أبو علي الطوسي.
سمع: محمد بن رافع، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن بشار، والزبير بن بكار، وأبا موسى الزمن، وطائفة سواهم. وعنه: محمد بن جعفر البستي، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وأبو سهل محمد الصعلوكي، وجماعة.
وكان يعرف بكردوش (٢).
وحدث بقزوين.
قال الخليلي: سمعت على عشرةٍ من أصحابه، وله تصانيف تدل على معرفته. وقد روى عنه الحافظ أبو حاتم الرازي أحد شيوخه حكايات. وروى عنه أبو أحمد الحاكم، وقال: تكلموا في روايته كتاب الأنساب للزبير بن بكار.
٦٠ - الحسن بن محمد بن حسين بن هزاري، أبو علي الأشعري الأصبهاني.
سمع: إسماعيل بن يزيد القطان، وأحمد بن بديل. وعنه: محمد بن جعفر، وأبو أحمد العسال، وابن المقرئ، وأبو بكر الطلحي، وجماعة (٣).
٦١ - الحسين بن أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، أبو علي.
стр. 7249
سمع: محمد بن رافع، وعلي بن خشرم. وعنه: أبو القاسم بن المؤمل، وأبو علي الحافظ.
٦٢ - الحسين بن إدريس بن عبد الكبير، أبو علي الغيفي المصري. وغيفة: من قرى مصر.
سمع: سلمة بن شبيب، وغيره. وتوفي بمكة في شهر رمضان.
٦٣ - الحسين بن علي بن حسن بن علي بن عمر ابن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني. الكوفي المعروف بالزيدي.
قال أبو سعيد بن يونس: كتبت عنه، وكان ثقة دينًا. قدم علينا وحدثنا عن أبيه، عن حاتم بن إسماعيل، وأبي ضمرة.
٦٤ - سفيان بن هارون القاضي.
عن: فضل بن سهل الأعرج، والعباس البحراني. وعنه: محمد بن المظفر (١).
٦٥ - سليمان بن عبد السلام القرطبي.
خير، فاضل، سمع من: محمد بن أحمد العتبي، ويحيى بن إبراهيم بن مزين. وحدث. روى عنه: عبد الله بن محمد الباجي (٢).
٦٦ - عباس بن الفضل النيسابوري المحمداباذي.
سمع: علي بن الحسن الهلالي، وأحمد بن يوسف، وعباس الدوري. وعنه: أبو علي الحافظ، وأبو إسحاق المزكي.
٦٧ - علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، أبو الحسن الوزير.
وزر للمقتدر بالله ثلاث مرات. الأولى سنة ست وتسعين ومائتين. ثم نكب ونهب. ثم استغل من أملاكه إلى أن أعيد إلى الوزارة سبعة آلاف ألف دينار؛ لأنه فيما بلغنا كان يستغل من ضياعه في العام ألفي ألف دينار.
стр. 7250
وذكروا عنه أنه كتب إلى الأعراب أن يكبسوا بغداد، فالله أعلم.
ووزر في سنة أربع وثلاثمائة، وخلع عليه سبع خلع، وسقي في ذلك اليوم والليلة في داره أربعون ألف رطل ثلج. ثم قبض عليه بعد سنةٍ ونصف، ثم ولي بعد خمس سنين، فقتل الوزير الذي كان قبله حامد بن العباس، وسفك الدماء وبدع. ثم أمسك بعد سنةٍ في ربيع الأول من هذه السنة.
قال الصولي: مدحته بقصيدةٍ فنالني منه ستمائة دينار، وكان هو وأخوه أبو العباس عجبًا في معرفة حساب الديوان. وكان أبو الحسن يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والفقراء والمستورين، أكثرهم مائة دينار في الشهر، وأقلهم خمسة دراهم.
ثم تولى قتله نازوك صاحب الشرطة. قتله هو وابنه المحسن بن علي في ربيع الآخر. وعاش أبو الحسن إحدى وسبعين سنة.
٦٨ - عبد الله بن عبد السلام بن بندار الأصبهاني، أبو محمد الزاهد.
توفي بالبادية حاجًا. سمع: يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر. وعنه: أبو الشيخ (١)، وعبد الله ابن محمد بن مندويه، وابن المقرئ، وآخرون (٢).
٦٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن عباد، أبو محمد الثقفي الهمذاني عبدوس.
عن: محمد بن عبيد الأسدي، وزياد بن أيوب، وحميد بن الربيع، وأبي سعيد الأشج، ويعقوب الدورقي، وطائفة. وعنه: أحمد بن عبيد الأسدي، وجبريل العدل، ومحمد بن حيويه بن المؤمل، وأبو أحمد الغطريفي، ومحمد بن الفرج المعدل.
قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: كان عبدوس ميزان بلدنا في الحديث.