← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك. ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله ﷺ ومن أعيانهم: قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل. قال: فأمر عليهم النبي ﷺ قيسا. وقد كان النبي ﷺ بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة، ويأخذ منهم صدقاتهم. وفي عاشر ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن سنة ونصف. وغسله الفضل بن العباس. ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد فيما قيل. وكان أبيض مسمنا، كثير الشبه بوالده ﷺ . وقال ثابت، عن أنس، قال رسول الله ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم ففيه دليل على تسمية الولد ليلية مولده. ثم دفعه إلى أم سيف؛ يعني امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. قال أنس: فانطلق رسول الله ﷺ بابنه وانطلقت معه، فدخل فدعا بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول. قال أنس: فلقد رأيت إبراهيم بين يدي رسول الله ﷺ وهو يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون. أخرجه مسلم (١) والبخاري (٢) تعليقا مجزوما به. وقال شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة. أخرجه البخاري (٣).

стр. 807

وقال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم حين مات (١). وفيها: مات أبو عامر الراهب، الذي كان عند هرقل عظيم الروم. وفيها: ماتت بوران بنت كسرى ملكة الفرس، وملكوا بعدها أختها آزرمن. قاله أبو عبيدة. وفي أواخر ذي القعدة: ولد محمد بن أبي بكر الصديق، ولدته أسماء بنت عميس، بذي الحليفة، وهي مع النبي ﷺ . قال جابر بن عبد الله: خرجنا مع النبي ﷺ حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إليه: كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي. وفيها: ولد محمد بن عمرو بن حزم، بنجران، وأبوه بها. حجة الوداع (٢) قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر، قال: أذن رسول الله ﷺ في الناس بالحج، فاجتمع في المدينة بشر كثير. فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، أو لأربع، فلما كان بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب. وصلى رسول الله ﷺ في المسجد، وركب القصواء حتى استوت به على البيداء، فنظرت إلى مد بصري، بين يدي رسول الله ﷺ من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك. فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. ولسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى أتينا البيت معه

стр. 808

استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت. قال جعفر: فكان أبي يقول: - لا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله ﷺ - كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، فقال مثل ذلك ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فعلا عليها وفعل كما فعل على الصفا. فلما كان آخر الطواف على المروة قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك أصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين، لا؛ بل لأبد الأبد. وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن إلى النبي ﷺ فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر عليها. فقالت: أبي أمرني بهذا. فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا بالذي صنعته، مستفتيا رسول الله ﷺ فقال: صدقت، صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: فإن معي الهدي فلا تحلل. قال: فكان الهدي الذي جاء معه، والهدي الذي أتى به النبي ﷺ من المدينة مائة. ثم حل الناس وقصروا، إلا رسول الله ﷺ ومن معه هدي.

стр. 809

فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى، أهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة (١)، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجازه رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت (٢) له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة. وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث؛ كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله تعالى. وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكبها (٣) إلى الناس: اللهم اشهد؛ ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة (٤) بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه فدفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده: أيها الناس، السكينة السكينة، كلما أتى حبلا من الحبال (٥) أرخى لها

стр. 810

قليلا حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئا. ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله. فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر وسيما. فلما دفع رسول الله ﷺ مر الظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر، فحول رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل. حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند المسجد، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، وأعطى عليا، ﵁ فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، وطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون من بئر زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه. أخرجه مسلم (١)، دون قوله: يحيى ويميت. وقال شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنة من جانب سنامها الأيمن، ثم سلت عنها الدم، وأهل بالحج. أخرجه مسلم (٢). وقال أيمن بن نابل، حدثني قدامة بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقة حمراء؛ وفي رواية صهباء؛ لا ضرب ولا

стр. 811

طرد ولا إليك إليك. حديث حسن (١). وقال ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن لحي، عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر، يستقر فيه الناس، وهو الذي يلي يوم النحر. قدم إلى رسول الله ﷺ بدنات، خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال رسول الله ﷺ كلمة خفية لم أفهمها، فقلت للذي إلى جنبي: ما قال؟ قال: قال: من شاء اقتطع. حديث حسن (٢). وقال هشام، عن ابن سيرين، عن أنس، أن رسول الله ﷺ رمى الجمرة، ثم رجع إلى منزله بمنى، فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسمه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة. رواه مسلم (٣). وقال أبان العطار، حدثنا يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، أن محمد بن عبد الله بن زيد حدثه، أن أباه شهد المنحر عند رسول الله ﷺ فقسم بين أصحابه ضحايا، فلم يصبه ولا رفيقه. قال: فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه فأعطاه، فقسم منه على رجال، وقلم أظفاره فأعطى صاحبه. فإنه لمخضوب عندنا بالحناء والكتم (٤). وقال علي بن الجعد: حدثنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رث وقطيفة تساوي، أو لا

стр. 812

تساوي، أربعة دراهم. وقال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة. يزيد ضعيف (١). وقال أبو عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا. فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة. متفق عليه (٢). وقال حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: كنت عند ابن عباس وعنده يهودي، فقرأ: اليوم أكملت لكم دينكم الآية. فقال اليهودي: لو أنزلت علينا لاتخذنا يومها عيدا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد؛ يوم جمعة، يوم عرفة. صحيح على شرط مسلم. وقال ابن جريج، عن أبي الزبير، أخبره أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه مسلم (٣). وقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أبي، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه. إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا، ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (٤).

стр. 813

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (١): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: وكان ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي هو الذي يصرخ يوم عرفة تحت لبة ناقة رسول الله ﷺ . قال له: اصرخ: أيها الناس - وكان صيتا - هل تدرون أي شهر هذا؟ فصرخ، فقالوا: نعم، الشهر الحرام. قال: فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا. وذكر الحديث. وقال الزهري، من حديث الأوزاعي، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين أراد أن ينفر من منى قال: إنا نازلون غدا إن شاء الله بالمحصب بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر. وذلك أن قريشا تقاسموا على بني هاشم وعلى بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يخالطوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ . اتفقا عليه (٢). وقال أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ليالي الحج. قالت: فلما تفرقنا من منى نزلنا المحصب. وذكر الحديث. متفق عليه (٣). وقال أبو إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعد ما هاجر حجة الوداع، لم يحج بعدها. قال أبو إسحاق من قبله: وواحدة بمكة. اتفقا عليه (٤). ويروى عن ابن عباس أنه كان يكره أن يقال: حجة الوداع، ويقول: حجة الإسلام. وقال زيد بن الحباب: حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، وساق ستا وثلاثين بدنة، وجاء علي بتمامها من اليمن، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحرها رسول الله ﷺ .

стр. 814

تفرد به زيد. وقيل: إنه أخطأ، وإنما يروى عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد؛ مرسلا. قال أبو بكر البيهقي (١): قوله: وحجة معها عمرة فإنما يقول ذلك أنس ﵁، ومن ذهب من الصحابة إلى أن رسول الله ﷺ قرن، فأما من ذهب إلى أنه أفرد، فإنه لا يكاد تصح عنده هذه اللفظة لما في إسناده من الاختلاف وغيره. وقال وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: حج رسول الله ﷺ ثلاث حجج؛ حجتين وهو بمكة قبل الهجرة، وحجة الوداع، والله أعلم (٢). وفي آخر السنة: كان ظهور الأسود العنسي، وسيأتي ذكره.

стр. 815

سنة إحدى عشرة سرية أسامة في يوم الاثنين؛ لأربع بقين من صفر. ذكر الواقدي (١) أنهم قالوا: أمر النبي ﷺ بالتهيؤ لغزو الروم. ودعا أسامة بن زيد، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. فأغر صباحا على أهل أبنى (٢)، وأسرع السير، تسبق الأخبار. فإن ظفرت فأقلل اللبث فيهم، وقدم العيون والطلائع أمامك. فلما كان يوم الأربعاء، بدئ برسول الله ﷺ وجعه. فحم وصدع. فلما أصبح يوم الخميس، عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودا؛ يعني أسامة. فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة؛ فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة. فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على هؤلاء؟ فقال ابن عيينة، وغيره، عن عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: أمر رسول الله ﷺ أسامة، فطعن الناس في إمارته. فقال رسول الله ﷺ : إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه. وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي. وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي بعده. متفق على صحته (٣). قال شيبان، عن قتادة: جميع غزوات النبي ﷺ وسراياه: ثلاث وأربعون (٤). ثم دخل شهر ربيع الأول. وبدخوله تكملت عشر سنين من التاريخ للهجرة النبوية. والحمد لله وحده.

стр. 816

الترجمة النبوية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر نسب سيد البشر محمد رسول الله ﷺ - أبو القاسم سيّد المرسلين وخاتم النّبيّين هو محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، واسم عبد المطّلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصيّ، واسمه زيد (١)، بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم، صلّى الله عليهما وعلى نبيّنا وسلّم، بإجماع النّاس. لكن اختلفوا فيما بين عدنان وبين إسماعيل من الآباء، فقيل: بينهما تسعة آباء، وقيل: سبعة، وقيل: مثل ذلك عن جماعة. لكن اختلفوا في أسماء بعض الآباء، وقيل: بينهما خمسة عشر أبا، وقيل: بينهما أربعون أبا وهو بعيد، وقد ورد عن طائفة من العرب ذلك. وأما عروة بن الزّبير فقال: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلاّ تخرّصا. وعن ابن عبّاس قال: بين معد بن عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أبا، قاله

стр. 817

هشام بن الكلبيّ النسّابة (١)، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، ولكن هشام وأبوه متروكان. وجاء بهذا الإسناد أن النّبيّ ﷺ كان إذا انتهى إلى عدنان أمسك ويقول: كذب السّابون قال الله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا. وقال أبو الأسود يتيم عروة: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وكان من أعلم قريش بأنسابها وأشعارها يقول: ما وجدنا أحدا يعلم ما وراء معدّ بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم. قال هشام ابن الكلبيّ: سمعت من يقول: إنّ معدّا كان على عهد عيسى ابن مريم ﵇. وقال أبو عمر بن عبد البر (٢): كان قوم من السّلف منهم عبد الله بن مسعود، ومحمد بن كعب القرظيّ، وعمرو بن ميمون الأودي إذا تلوا: والذين من بعدهم لا يعلمهم إلاّ الله قالوا: كذب النّسّابون، قال أبو عمر: ومعنى هذا عندنا على غير ما ذهبوا إليه، وإنّما المعنى فيها -والله أعلم -: تكذيب من ادّعى إحصاء بني آدم. وأمّا أنساب العرب فإنّ أهل العلم بأيّامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمّهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك. والذي عليه أئمة هذا الشأن أنّه: عدنان بن أدد بن مقوّم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ابن آزر، واسمه تارح بن ناحور بن ساروح بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ بن لامك بن متّوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس ﵇، بن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇، قال: وهذا الذي اعتمده محمد بن إسحاق في السيرة (٣)، وقد اختلف أصحاب ابن إسحاق عليه في بعض الأسماء.

стр. 818

قال ابن سعد (١): الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل. وروى سلمة الأبرش، عن ابن إسحاق هذا النسب إلى يشجب سواء، ثم خالفه فقال: يشجب بن يامين بن صاتوح بن نبت بن العوّام بن قيذار بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈. وقال ابن إسحاق (٢): يذكرون أن عمر إسماعيل ﵇ مائة وثلاثون سنة، وأنه دفن في الحجر مع أمه هاجر. وقال عبد الملك بن هشام (٣): حدّثني خلاد بن قرّة بن خالد السّدوسيّ، عن شيبان بن زهير، عن قتادة، قال: إبراهيم خليل الله هو ابن تارح بن ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متّوشلخ بن هنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قانن بن أنوش بن شيث بن آدم. وروى عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبّه، أنّه وجد نسب إبراهيم ﵇ في التّوراة: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمّك بن متشالخ بن خنوخ وهو إرديس بن يارد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وقال ابن سعد (٤): حدثنا هشام ابن الكلبيّ قال: علّمني أبي وأنا غلام نسب النّبيّ ﷺ محمد، الطّيّب المبارك ولد عبد الله بن عبد المطّلب، واسمه شيبة الحمد، بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصيّ، واسمه زيد بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. قال أبي: وبين معدّ وإسماعيل نيّف وثلاثون أبا، وكان لا يسمّيهم ولا

стр. 819

ينفذهم. قلت: وسائر هذه الأسماء أعجميّة، وبعضها لا يمكن ضبطه بالخطّ إلاّ تقريبا. وقد قيل في قوله تعالى: وفصيلته التّي تؤويه: فصيلة النّبيّ ﷺ بنو عبد المطّلب أعمامه وبنو أعمامه، وأمّا فخذه فبنو هاشم قال: وبنو عبد مناف بطنه، وقريش عمارته، وبنو كنانة قبيلته. ومضر شعبه. قال الأوزاعيّ: حدّثني شدّاد أبو عمّار، قال: حدّثني واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من بني هاشم رواه مسلم (١). وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فهي أقرب نسبا إلى كلاب من زوجها عبد الله برجل. مولده المبارك أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن أبي الفتح، والفتح بن عبد الله قالا: أخبرنا محمد بن عمر الفقيه، قال أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد ابن النّقّور، قال: أخبرنا عليّ بن عمر الحربيّ، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الصّوفيّ، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا حجّاج بن محمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: أن النّبيّ ﷺ ولد عام (٢) الفيل. صحيح (٣). وقال ابن إسحاق (٤): حدّثني المطّلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة،

стр. 820

عن أبيه، عن جدّه قيس بن مخرمة بن عبد المطّلب قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل. كنا لدين. أخرجه الترمذي (١)، وإسناده حسن. وقال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: حدثنا سليمان النّوفليّ، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل. وتنبأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين سنة من الفيل. وقال شباب العصفريّ (٢): حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال حدّثني الزّبير بن موسى، عن أبي الحويرث، قال: سمعت قباث بن أشيم يقول: أنا أسنّ من رسول الله ﷺ وهو أكبر منّي، وقفت بي أميّ على روث الفيل محيلا (٣) أعقله، وولد رسول الله ﷺ عام الفيل (٤). يحيى هو أبو زكير، وشيخه متروك الحديث. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث الله محمدا ﷺ على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، وكان بين مبعثه وبين أصحاب الفيل سبعون سنة. كذا قال (٥). وقد قال إبراهيم بن المنذر وغيره: هذا وهم لا يشكّ فيه أحد من علمائنا. إنّ رسول الله ولد عام الفيل وبعث على رأس أربعين سنة من الفيل. وقال يعقوب القميّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان بين الفيل وبين مولد رسول الله ﷺ عشر سنين. وهذا قول منقطع (٦). وأضعف منه ما روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو ضعيف قال: حدثنا عقبة بن مكرم، قال: حدثنا المسيّب بن شريك، عن شعيب بن

стр. 821

شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: حمل برسول الله ﷺ في عاشوراء المحرّم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وهذا حديث ساقط كما ترى. وأوهى منه ما يروى عن الكلبيّ - وهو متّهم ساقط - عن أبي صالح باذام، عن ابن عبّاس قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة. قد تقدّم ما يبيّن كذب هذا القول عن ابن عبّاس بإسناد صحيح. قال خليفة بن خيّاط (١): المجتمع عليه أنه ولد عام الفيل. وقال الزّبير بن بكّار: حدثنا محمد بن حسن، عن عبد السّلام بن عبد الله، عن معروف بن خربوذ وغيره من أهل العلم، قالوا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وسمّيت قريش آل الله وعظمت في العرب، ولد لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وقيل: من رمضان يوم الاثنين حين طلع الفجر. وقال أبو قتادة الأنصاريّ: سأل أعرابيّ رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أوحي إليّ. أخرجه مسلم (٢). وقال عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزّهري، عن سعيد بن المسيّب وغيره، أنّ رسول الله ﷺ ولد في ليلة الاثنين من ربيع الأول عند ابهرار النّهار. وروى ابن إسحاق قال: حدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: حدّثني من شئت من رجال قومي، عن حسّان بن ثابت، قال: إني - والله - لغلام يفعة، إذ سمعت يهوديا وهو على أطمه (٣) بيثرب يصرخ: يا معشر يهود، فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به

стр. 822

اللّيلة (١). وقال ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عبّاس قال: ولد نبيّكم ﷺ يوم الاثنين ونبّئ يوم الاثنين. وخرج من مكة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين، وتوفّي يوم الاثنين. رواه أحمد في مسنده (٢)، وأخرجه الفسوي في تاريخه (٣). وقال شيخنا أبو محمد الدّمياطي في السيرة من تأليفه، عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النّصف من المحرّم. وقال أبو معشر نجيح: ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. قال الدّمياطيّ: والصّحيح قول أبي جعفر، قال: ويقال: إنّه ولد في العشرين من نيسان. وقال أبو أحمد الحاكم: ولد بعد الفيل بثلاثين يوما. قاله بعضهم: قال: وقيل بعده بأربعين يوما. قلت: لا أبعد أنّ الغلط وقع من هنا على من قال ثلاثين عاما أو أربعين عاما، فكأنّه أراد أن يقول يوما فقال عاما. وقال الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراسانيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد المطّلب ختن النّبيّ ﷺ يوم سابعه، وصنع له مأدبّة وسمّاه محمدا. وهذا أصحّ ممّا رواه ابن سعد (٤): أخبرنا يونس بن عطاء المكّي، قال: حدثنا الحكم بن أبان العدني، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عبّاس، عن أبيه العباس قال: ولد النّبيّ ﷺ مختونا مسرورا، فأعجب ذلك عبد المطّلب وحظي عنده وقال: ليكوننّ لابني هذا شأن.

стр. 823

تابعه سليمان بن سلمة الخبائري، عن يونس، لكن أدخل فيه بين يونس والحكم: عثمان بن ربيعة الصّدائي. قال شيخنا الدّمياطيّ: ويروى عن أبي بكرة قال: ختن جبريل رسول الله ﷺ لما طهّر قلبه. قلت: هذا منكر. أسماء النّبيّ ﷺ وكنيته الزّهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: إنّ لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر النّاس على قدمي، وأنا العاقب قال الزّهري: والعاقب الذي ليس بعده نبيّ. متفقّ عليه (١). وقال الزّهريّ: وقد سمّاه الله رؤوفا رحيما. وقال حمّاد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشيّة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، والخاتم، والعاقب. وهذا إسناد قويّ حسن. وجاء بلفظ آخر قال: أنا أحمد، ومحمد، والمقفّي، والحاشر، ونبيّ الرحمة، ونبيّ الملحمة. وقال عبد الله بن صالح: حدثنا اللّيث، قال: حدّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عقبة بن مسلم، عن نافع بن جبير بن مطعم: أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصي أسماء رسول الله ﷺ التي كان جبير يعدّها؟ قال: نعم، هي ستّة: محمد، وأحمد، وخاتم، وحاشر، وعاقب، وماحي. فأمّا حاشر فبعث مع السّاعة نذيرا لكم، وأمّا عاقب فإنّه

стр. 824

عقّب الأنبياء، وأمّا ماحي فإنّ الله محا به سيّئات من اتّبعه (١). وقال عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعريّ قال: كان رسول الله ﷺ يسمّي لنا نفسه أسماء فقال: أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والمقفيّ، ونبيّ التوبة، والملحمة (٢). رواه مسلم (٣). وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن النّبيّ ﷺ مرسلا قال: أيّها النّاس إنّما أنا رحمة مهداة. ورواه زياد بن يحيى الحسّاني، عن سعير بن الخمس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولا (٤). وقد قال الله تعالى: وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين. وقال وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن ابن عمر، عن ابن الحنفيّة قال: يس محمد ﷺ . وعن بعضهم قال: لرسول الله ﷺ في القرآن خمسة أسماء: محمد، وأحمد، وعبد الله، ويس، وطه. وقيل: طه، لغة لعكّ، أي: يا رجل، فإذا قلت لعكيّ: يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له: طه، التفت إليك. نقل هذا الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، والكلبيّ متروك. فعلى هذا القول لا يكون طه من أسمائه. وقد وصفه الله تعالى في كتابه فقال: رسولا، ونبيّا أمّيّا، وشاهدا، ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ومذكرا، ومدّثّرا، ومزّمّلا، وهاديا، إلى غير ذلك. ومن أسمائه: الضّحوك، والقتّال. جاء في بعض الآثار عنه ﷺ أنه قال: أنا الضّحوك أنا القتّال. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصّادق المصدوق. وفي التّوراة فيما بلغنا أنّه حرز للأمّيّين، وأنّ اسمه المتوكّل.

стр. 825

ومن أسمائه: الأمين. وكانت قريش تدعوه به قبل نبوّته. ومن أسمائه: الفاتح، وقثم. وقال عليّ بن زيد بن جدعان: تذاكروا أحسن بيت قالته العرب، فقالوا: قول أبي طالب في النّبيّ ﷺ : وشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمد (١) وقال عاصم بن أبي النّجود، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: لقيت رسول الله ﷺ في بعض طرق المدينة فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ الرحمة، ونبيّ التوبة، والمقفيّ، وأنا الحاشر، ونبيّ الملحمة قال: المقفيّ الذي ليس بعده نبيّ، رواه التّرمذيّ في الشمائل (٢) وإسناده حسن، وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، فقال عن زرّ، عن حذيفة نحوه. ويروى بإسناد واه عن أبي الطّفيل قال: قال النّبيّ ﷺ : لي عشرة أسماء، فذكر منها الفاتح، والخاتم. قلت: وأكثر ما سقنا من أسمائه صفات له لا أسماء أعلام. وقد تواتر أنّ كنيته أبو القاسم. قال ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : تسمّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي. متفق عليه (٣). وقال محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجمعوا اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم. وقال ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزّهري، عن أنس قال: لما ولد إبراهيم ابن النّبيّ ﷺ من ماريّة كاد يقع في نفسه منه، حتى أتاه جبريل ﵇، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. ابن لهيعة ضعيف (٤).

стр. 826

ذكر ما ورد في قصّة سطيح وخمود النيران ليلة المولد وانشقاق الإيوان. قال ابن أبي الدّنيا وغيره (١): حدثنا عليّ بن حرب الطّائي، قال: أخبرنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي، قال: حدّثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه، وكان قد أتت عليه مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان (٢) إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلمّا أصبح كسرى أفزعه ما رأى من شأن إيوانه فصبر عليه تشجّعا، ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلاّ أن يخبرنا الملك، فبينا هم على ذلك أورد عليهم كتاب بخمود النّار، فازداد غمّا إلى غمّه، فقال الموبذان: وأنا قد رأيت - أصلح الله الملك - في هذه اللّيلة رؤيا، ثم قصّ عليه رؤياه فقال: أيّ شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النّعمان بن المنذر، أما بعد، فوجّه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه. فوجّه إليه بعبد المسيح بن حيّان بن بقيلة الغسانيّ، فلما قدم عليه قال له: هل لك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليسألني الملك فإن كان عندي علم وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح، قال: فائته فسله عما سألتك وائتني بجوابه، فركب حتى أتى على

стр. 827

سطيح وقد أشفى على الموت، فسلّم عليه وحيّاه فلم يحر سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أصمّ أم يسمع غطريف اليمن … أم فاد فازلمّ (١) به شأو العنن يا فاصل الخطّة أعيت من ومن … أتاك شيخ الحيّ من آل سنن وأمّه من آل ذئب بن حجن … أزرق بهم النّاب صرّار الأذن أبيض فضفاض الرّداء والبدن … رسول قيل العجم يسري للوسن يجوب في الأرض علنداة شجن … ترفعني وجن (٢) وتهوي بي وجن لا يرهب الرّعد ولا ريب الزّمن … كأنّما حثحث من حضني ثكن حتى أتى عاري الجآجي والقطن … تلفّه في الريح بوغاء الدّمن فقال سطيح: عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضّريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السّماوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشّرفات، وكلّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه، وسار عبد المسيح إلى رحله، وهو يقول: شمّر فإنّك ماضي الهمّ شمّير … لا يفزعنّك تفريق وتغيير إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم … فإنّ ذا الدّهر أطوار دهارير فربّما ربّما أضحوا بمنزلة … تهاب صولهم الأسد المهاصير منهم أخو الصّرح بهرام وإخوته … والهرمزان وسابور وسابور والنّاس أولاد علاّت فمن علموا … أن قد أقلّ فمحقور ومهجور وهم بنو الأمّ إمّا إن رأوا نشبا … فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشرّ مصفودان في قرن … فالخير متبّع والشّرّ محذور

стр. 828

فلما قدم على كسرى أخبره بقول سطيح فقال كسرى: إلى متى يملك منّا أربعة عشر ملكا تكون أمور، فملك منهم عشرة أربع سنين، وملك الباقون إلى آخر خلافة عثمان ﵁. هذا حديث منكر غريب. وبإسنادي إلى البكّائيّ، عن ابن إسحاق (١) قال: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التّبابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجّما من أهل مملكته إلاّ جمعه إليه، فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها وبتأويلها، قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إنّي إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنّه لا يعرف تأويلها إلاّ من عرفها، فقيل له: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشقّ فإنّه ليس أحد أعلم منهما، فبعث إليهما فقدم سطيح قبل شقّ، فقال له: رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة (٢)، فأكلت منها كلّ ذات جمجمة. قال: ما أخطأت منها شيئا، فما تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حنش، ليهبطنّ أرضكم الحبش، فليملكنّ ما بين أبين إلى جرش (٣). فقال الملك: وأبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن أفي زمانه أم بعده؟ قال: بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين يمضين من السّنين، قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون هاربين. قال: من يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: أفيدوم ذلك؟ قال: بل ينقطع بنبيّ زكيّ يأتيه الوحي من قبل العليّ. قال: وممّن هو؟ قال: من ولد فهر بن مالك بن النّضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر. قال: وهل للدّهر من آخر؟ قال: نعم، يوم

стр. 829

يجمع فيه الأوّلون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقّ ما تخبرني؟ قال: نعم والشّفق والغسق، والفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ. ثم قدم عليه شقّ، فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان. قال: نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلّ ذات نسمة، فلما قال ذلك عرف أنّهما قد اتّفقا، فوقع في نفسه، فجهّز أهل بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ولد ربيعة بن نصر: النّعمان بن المنذر فهو في نسب اليمن: النّعمان بن المنذر بن النّعمان بن المنذر بن عمرو بن عديّ بن ربيعة بن نصر.

стр. 830

باب منه عن ابن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ قال: خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح. هذا حديث ضعيف، فيه متروكان: الواقديّ، وأبو بكر بن أبي سبرة. وورد مثله عن محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، وهو منقطع إن صحّ عن جعفر بن محمد، ولكن معناه صحيح. وقال خالد الحذّاء، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيّا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد. وقال منصور بن سعد، وإبراهيم بن طهمان، واللّفظ له قال: حدثنا بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: سألت رسول الله ﷺ متى كتبت نبيّا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد (١). وقال التّرمذيّ (٢): حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سئل النّبيّ ﷺ : متى وجبت لك النّبوّة؟ قال: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه. قال التّرمذيّ: حسن غريب. قلت: لولا لين في الوليد بن مسلم لصحّحه التّرمذيّ. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٣)، حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمّي حين حملت بي كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام.

стр. 831

وروينا بإسناد حسن - إن شاء الله - عن العرباض بن سارية، أنه سمع النّبيّ ﷺ يقول: إنّي عبد الله وخاتم النّبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى لي، ورؤيا أمّي التي رأت. وإن أمّ رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام. ورواه اللّيث، وابن وهب، عن معاوية بن صالح، سمع سعيد بن سويد يحدّث عن عبد الأعلى بن هلال السّلمي، عن العرباض فذكره. ورواه أبو بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن سعيد بن سويد، عن العرباض نفسه (١). وقال فرج بن فضالة: حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، قال: قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أمرك؟ قال: دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمّي أنّه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام. رواه أحمد في مسنده (٢) عن أبي النّضر، عن فرج. قوله: لمنجدل أي ملقى، وأمّا دعوة إبراهيم فقوله: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وبشارة عيسى قوله: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. وقال أبو ضمرة: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ النّبيّ ﷺ قال: قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النّصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من النّاس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطّلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطّلب هذا حديث مرسل. وروى زحر بن حصن، عن جدّه حميد بن منهب قال: سمعت جدّي خريم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العبّاس، يقول: يا رسول الله إنّي أريد أن أمتدحك. فقال: قل لا يفضض الله فاك. فقال:

стр. 832

من قبلها طبت في الظّلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر … أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السّفين وقد … ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق حتّى احتوى بيتك المهيمن من … خندف علياء تحتها النّطق وأنت لما ولدت أشرقت الأ … رض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضّياء وفي النّـ … ـور وسبل الرّشاد نخترق الظّلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى إنّ المتّقين في ظلال وعيون. والمستودع: هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان عليهما من الورق، أي يضمّان بعضه إلى بعض يتستران به، ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم، وأنت لا بشر ولا مضغة. وقوله: تركب السّفين، يعني في صلب نوح. وصالب لغة غريبة في الصّلب، ويجوز في الصّلب الفتحتان كسقم وسقم. والطّبق: القرن، أي: كلّما مضى عالم وقرن جاء قرن، ولأن القرن يطبق الأرض بسكناه بها. ومنه قوله ﵇ في الاستسقاء: اللهم اسقنا غيثا مغيثا طبقا غدقا أي يطبق الأرض. وأما قوله تعالى لتركبنّ طبقا عن طبق أي حالا بعد حال. والنّطق: جمع نطاق وهو ما يشدّ به الوسط ومنه المنطقة. أي أنت أوسط قومك نسبا. وجعله في علياء وجعلهم تحته نطاقا. وضاءت: لغة في أضاءت. وأرضعته ثويبة وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب عمه، مع عمّه حمزة، ومع أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ ﵄. قال شعيب، عن الزّهري، عن عروة: إنّ زينب بنت أبي سلمة وأمّها أخبرته، أنّ أم حبيبة أخبرتهما قالت: قلت: يا رسول الله، انكح أختي

стр. 833

بنت أبي سفيان. قال: أوتحبين ذلك؟ قلت: لست لك بمخلية، وأحبّ إليّ من شركني في خير أختي. قال: إنّ ذلك لا يحلّ لي، فقلت: يا رسول الله إنّا لنتحدّث أنّك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة، فقال: والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي، إنّها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضنّ عليّ بناتكن ولا أخواتكن. أخرجه البخاري (١). وقال عروة في سياق البخاري: ثويبة مولاة أبي لهب، أعتقها، فأرضعت النّبيّ ﷺ فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النّوم بشرّ حيبة، يعني حالة. فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم رخاء، غير أنّي أسقيت في هذه منّي بعتاقتي ثويبة. وأشار إلى النّقرة التي بين الإبهام والتي تليها. ثم أرضعته حليمة السعدية ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السّعديّة وأخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردّته إلى أمّه. قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق (٢)، عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث أمّ رسول الله ﷺ السّعديّة قالت: خرجت في نسوة نلتمس الرّضعاء بمكة على أتان لي قمراء (٣) قد أذمّت (٤) بالرّكب، وخرجنا في سنة شهباء لم تبق شيئا، ومعنا شارف (٥) لنا، والله إن تبضّ (٦) علينا بقطرة، ومعي صبيّ لي إن ننام ليلنا مع بكائه، فلما قدمنا مكة لم يبق منّا امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنّما كنا نرجو كرامة رضاعة من أبيه، وكان يتيما، فلم يبق من

стр. 834

صواحبي امرأة إلاّ أخذت صبيّا، غيري. فقلت لزوجي: لأرجعنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، فأتيته فأخذته، فقال زوجي: عسى الله أن يجعل فيه خيرا. قالت: فوالله ما هو إلاّ أن جعلته في حجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللّبن، فشرب وشرب أخوه رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب وشربنا حتى روينا، فبتنا شباعا رواء، وقد نام صبياننا، قال أبوه: والله يا حليمة ما أراك إلاّ قد أصبت نسمة مباركة، ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني أمام الرّكب قد قطعتهنّ حتى ما يتعلّق بها أحد، فقدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر، فقدمنا على أجدب أرض الله، فوالذي نفسي بيده إن كانوا ليسرّحون أغنامهم ويسرّح راعيّ غنمي، فتروح غنمي بطانا لبّنا حفّلا، وتروح أغنامهم جياعا، فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة؟ فيسرحون في الشّعب الذي يسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعا ما بها من لبن، وتروح غنمي لبّنا حفّلا. شق الصدر فكان ﷺ يشبّ في يومه شباب الصّبيّ في الشهر، ويشبّ في الشهر شباب الصّبيّ في سنة، قالت: فقدمنا على أمّه فقلنا لها: ردّي علينا ابني فإنّا نخشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضن شيء به ممّا رأينا من بركته، قالت: ارجعا به، فمكث عندنا شهرين فبينا هو يلعب وأخوه خلف البيوت يرعيان بهما لنا، إذ جاء أخوه يشتدّ فقال: أدركا أخي قد جاءه رجلان فشقّا بطنه، فخرجنا نشتدّ، فأتيناه وهو قائم منتقع اللّون، فاعتنقه أبوه وأنا، ثم قال: ما لك يا بنيّ؟ قال: أتاني رجلان فأضجعاني ثم شقا بطني فوالله ما أدري ما صنعا، فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلاّ قد أصيب، فانطلقي فلنردّه إلى أهله. فرجعنا به إليها، فقالت: ما ردّكما به؟ فقلت: كفلناه وأدّينا الحقّ، ثم تخوّفنا عليه الأحداث. فقالت: والله ما ذاك بكما، فأخبراني خبركما، فما زالت بنا حتى أخبرناها، قالت: فتخوّفتما عليه؟ كلاّ والله إنّ لابني هذا شأنا، إنّي حملت به فلم أحمل حملا

стр. 835

قطّ كان أخفّ منه، ولا أعظم بركة، ثم رأيت نورا كأنّه شهاب خرج منّي حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصّبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء، دعاه والحقا شأنكما. هذا حديث جيّد الإسناد (١). قال أبو عاصم النّبيل: أخبرني جعفر بن يحيى، قال: أخبرنا عمارة بن ثوبان أنّ أبا الطّفيل أخبره قال: رأيت رسول الله ﷺ وأقبلت إليه امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فقلت: من هذه؟ فقالوا: أمّه التي أرضعته. أخرجه أبو داود (٢). قال مسلم (٣): حدثنا شيبان، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه، يعني مرضعته، فقالوا: إنّ محمدا قد قتل، فاستقبلوه منتقع اللّون. قال أنس: قد كنت أرى أثر المخيط في صدره. وقال بقيّة، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السّلمي، عن عتبة بن عبد، فذكر نحوا من حديث أنس. وهو صحيح أيضا وزاد فيه: فرحّلت - يعني ظئره (٤) - بعيرا، فحملتني على الرّحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمّي فقالت: أدّيت أمانتي وذمّتي، وحدّثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك فقالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشام (٥).

стр. 836

وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : أتيت وأنا في أهلي، فانطلق بي إلى زمزم فشرح صدري، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئة حكمة وإيمانا فحشي بها صدري، قال أنس: ورسول الله ﷺ يرينا أثره، فعرج بي الملك إلى السّماء الدنيا. وذكر حديث المعراج. وقد روى نحوه شريك بن أبي نمر، عن أنس، عن أبي ذرّ، وكذلك رواه الزّهري، عن أنس، عن أبي ذرّ أيضا. وأما قتادة فرواه عن أنس، عن مالك بن صعصعة نحوه (١). وإنّما ذكرت هذا ليعرف أنّ جبريل شرح صدره مرّتين: في صغره ووقت الإسراء به. وفاة والده وتوفّي عبد الله أبوه، وللنّبيّ ﷺ ثمانية وعشرون شهرا. وقيل: أقلّ من ذلك. وقيل: وهو حمل. توفّي بالمدينة غريبا، وكان قدمها ليمتار تمرا، وقيل: بل مرّ بها مريضا راجعا من الشام، فروى محمد بن كعب القرظيّ وغيره: أن عبد الله بن عبد المطّلب خرج إلى الشام إلى غزّة في عير تحمل تجارات، فلمّا قفلوا مرّوا بالمدينة وعبد الله مريض فقال: أتخلّف عند أخوالي بني عديّ بن النّجار، فأقام عندهم مريضا مدّة شهر، فبلغ ذلك عبد المطّلب، فبعث إليه الحارث وهو أكبر ولده؛ فوجده قد مات؛ ودفن في دار النّابغة أحد بني النّجار؛ والنّبيّ ﷺ يومئذ حمل، على الصّحيح (٢). وعاش عبد الله خمسا وعشرين سنة. قال الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سنّه ووفاته. وترك عبد الله من الميراث أمّ أيمن وخمسة أجمال وغنما، فورث ذلك النّبيّ ﷺ .

стр. 837

(وفاة أمه وكفالة جده وعمه) وتوفّيت أمّه آمنة بالأبواء وهي راجعة به ﷺ إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عديّ بن النّجار، وهو يومئذ ابن ست سنين ومائة يوم. وقيل: ابن أربع سنين. فلمّا ماتت ودفنت، حملته أمّ أيمن مولاته إلى مكة إلى جدّه، فكان في كفالته إلى أن توفّي جدّه، وللنّبيّ ﷺ ثمان سنين، فأوصى به إلى عمّه أبي طالب. قال عمرو بن عون: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عبّاس بن عبد الرحمن، عن كندير بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول: ربّ ردّ إليّ راكبي محمدا … يا ربّ ردّه واصطنع عندي يدا قلت: من هذا؟ قال: عبد المطّلب، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قطّ إلاّ جاء بها، وقد احتبس عليه، فما برحت حتى جاء محمد ﷺ وجاء بالإبل فقال: يا بنيّ لقد حزنت عليك حزنا؛ لا تفارقني أبدا (١). وقال خارجة بن مصعب، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جدّه، أنّ حيدة بن معاوية اعتمر في الجاهليّة، فذكر نحوا من حديث كندير عن أبيه. وقال إبراهيم بن محمد الشافعيّ، عن أبيه، عن أبان بن الوليد، عن أبان بن تغلب، قال: حدّثني جلهمة بن عرفطة قال: إنّي لبالقاع من نمرة، إذ أقبلت عير من أعلى نجد، فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى بنفسه عن عجز بعير، فجاء حتى تعلّق بأستار الكعبة، ثم نادى يا ربّ البنيّة أجرني؛ وإذا شيخ وسيم قسيم عليه بهاء الملك ووقار الحكماء، فقال: ما شأنك يا غلام، فأنا من آل الله وأجير من استجار به؟ قال: إنّ أبي مات وأنا صغير، وإنّ هذا استعبدني، وقد كنت أسمع أنّ لله بيتا يمنع من الظّلم، فلما رأيته استجرت به. فقال له القرشيّ: قد أجرتك يا غلام، قال: وحبس الله يد

стр. 838

الجندعي إلى عنقه. قال جلهمة: فحدّثت بهذا الحديث عمرو بن خارجة وكان قعدد (١) الحيّ، فقال: إنّ لهذا الشيخ ابنا يعني أبا طالب. قال: فهويت رحلي نحو تهامة، أكسع بها الجدود، وأعلو بها الكذان (٢)، حتى انتهيت إلى المسجد الحرام، وإذا قريش عزين (٣)، قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزّى؛ وقائل يقول: اعتمدوا لمناة الثالثة الأخرى. وقال شيخ وسيم قسيم حسن الوجه جيّد الرأي: أنّى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم ﵇ وسلالة إسماعيل؟ قالوا له: كأنّك عنيت أبا طالب. قال: إيها. فقاموا بأجمعهم، وقمت معهم فدققنا عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه مصفّر، عليه إزار قد اتّشح به، فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العباد فهلمّ فاستسق؛ فقال: رويدكم زوال الشمس وهبوب الريح؛ فلما زاغت الشمس أو كادت، خرج أبو طالب معه غلام كأنّه شمس دجنّ تجلّت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة؛ فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأصبعه الغلام، وبصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة، فأقبل السّحاب من ها هنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي، وأخصب النّادي والبادي؛ وفي ذلك يقول أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ربيع اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاّك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفضائل وميزان عدل لا يخيس شعيرة … ووزان صدق وزنه غير عائل وقال عبد الله بن شبيب - وهو ضعيف -: حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، قال: حدثني سعيد بن سالم، قال: حدثنا ابن جريج قال: كنّا مع عطاء فقال: سمعت ابن عبّاس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطّلب أطول النّاس قامة، وأحسنهم وجها، ما رآه أحد قطّ إلاّ أحبه، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد،

стр. 839

وكان الندي من قريش حرب بن أميّة فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش؛ فجاء رسول الله ﷺ وهو غلام لم يبلغ فجلس على المفرش، فجبذه رجل فبكى؛ فقال عبد المطّلب - وذلك بعد ما كفّ بصره -: ما لابني يبكي؟ قالوا له: إنّه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال: دعوا ابني يجلس عليه، فإنّه يحسّ من نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشّرف ما لم يبلغ عربيّ قبله ولا بعده. قال: ومات عبد المطّلب والنبي ﷺ ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبد المطّلب يبكي حتى دفن بالحجون (١). وقد رعى الغنم فروى عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نبيّ إلاّ وقد رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها بالقراريط (٢) لأهل مكة. رواه البخاري (٣). وقال أبو سلمة، عن جابر قال: كنّا مع رسول الله ﷺ بمر الظّهران نجتني الكباث فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيب قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نعم وهل من نبيّ إلاّ قد رعاها. متفق عليه (٤). سفره مع عمّه إن صحّ قال قراد أبو نوح: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه محمد ﷺ وأشياخ من قريش؛ فلما أشرفوا على الراهب نزلوا فخرج إليهم، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، فجعل يتخلّلهم وهم يحلّون رحالهم؛ حتى جاء فأخذ

стр. 840

بيده ﷺ فقال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين؛ فقال أشياخ قريش: وما علمك بهذا؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجدا، ولا يسجدون إلاّ لنبيّ وإني لأعرفه بخاتم النّبوّة، أسفل غرضوف (١) كتفه مثل التّفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاما؛ فلما أتاهم به كان ﷺ في رعية الإبل قال: فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه، يعني إلى فيء شجرة، فلمّا جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليه يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإنّ الروم لو رأوه عرفوه بصفته فقتلوه؛ فالتفت فإذا بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم الراهب، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنّ هذا النّبيّ خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلاّ قد بعث إليه ناس، وإنّا أخبرنا فبعثنا إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلّفتم خلفكم أحدا هو خير منكم؟ قالوا: لا. إنّما أخبرنا خبره بطريقك هذا؛ قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من النّاس ردّه؟ قالوا: لا. قال: فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكم بالله أيّكم وليّه؟ قال أبو طالب: أنا، فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزودّه الراهب من الكعك والزّيت (٢). تفرّد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتجّ به البخاري والنّسائيّ؛ ورواه الناس عن قراد، وحسّنه التّرمذي (٣). وهو حديث منكر جدّا؛ وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف؛ وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإنّ أبا بكر لم يشتره إلاّ بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد؛ وأيضا، فإذا كان عليه غمامة تظلّه كيف يتصوّر أن يميل فيء الشجرة؟ لأنّ ظلّ الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النّبيّ ﷺ ذكر أبا طالب قطّ بقول الرّاهب، ولا تذاكرته

стр. 841

قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ، مع توفّر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، ولبقي عنده ﷺ حسّ من النّبوّة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه، أوّلا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه ﷺ . وأيضا فلو أثّر هذا الخوف في أبي طالب وردّه، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكّنه من السّفر إلى الشام تاجرا لخديجة؟. وفي الحديث ألفاظ منكرة، تشبه ألفاظ الطّرقيّة، مع أنّ ابن عائذ روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، إلى آخره، فقال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره بمعناه. وقال ابن إسحاق في السيرة (١): إنّ أبا طالب خرج إلى الشام تاجرا في ركب، ومعه النّبيّ ﷺ وهو غلام، فلما نزلوا بصرى، وبها بحيرا الرّاهب في صومعته، وكان أعلم أهل النّصرانيّة؛ ولم يزل في تلك الصّومعة قط راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر؛ قال: فنزلوا قريبا من الصّومعة، فصنع بحيرا طعاما، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه حين أقبلوا، وغمامة تظلّه من بين القوم، فنزل بظلّ شجرة، فنزل بحيرا من صومعته، وقد أمر بذلك الطّعام فصنع، ثم أرسل إليهم فجاؤوه فقال رجل منهم: يا بحيرا ما كنت تصنع هذا، فما شأنك؟ قال: نعم، ولكنّكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، فاجتمعوا، وتخلّف رسول الله ﷺ لصغره في رحالهم. فلما نظر بحيرا فيهم ولم يره قال: يا معشر قريش لا يتخلّف أحد عن طعامي هذا. قالوا: ما تخلّف أحد إلاّ غلام هو أحدث القوم سنّا. قال: فلا تفعلوا، ادعوه، فقال رجل: واللات والعزّى إنّ هذا للؤم بنا، يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطّلب عن الطّعام من بيننا، ثم قام واحتضنه، وأقبل به فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا شبعوا وتفرّقوا قام بحيرا فقال: يا غلام أسألك باللات والعزّى إلاّ أخبرتني عمّا

стр. 842

أسألك عنه، فزعموا أنّه قال: لا تسألني باللّات والعزّى، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قطّ. فقال له: فبالله إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتوافق ما عنده من الصّفة، ثم نظر فيه أثر خاتم النّبوّة، فأقبل على أبي طالب، فقال: ما هو منك؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا. قال: فإنّه ابن أخي. قال: ارجع به واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفته ليبغنّه شرّا، فإنّه كائن لابن أخيك شأن، فخرج به أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته. وذكر الحديث (١). وقال معتمر بن سليمان: حدّثني أبي، عن أبي مجلز: أن أبا طالب سافر إلى الشام ومعه محمد، فنزل منزلا، فأتاه راهب فقال: فيكم رجل صالح، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال أبو طالب: ها أنذا وليّه. قال: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشّام، إنّ اليهود قوم حسد، وإنّي أخشاهم عليه. فردّه. وقال ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر وجماعة، عن داود بن الحصين، أنّ أبا طالب خرج تاجرا إلى الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببحيرا … الحديث. وروى يونس عن ابن شهاب حديثا طويلا فيه: فلمّا ناهز الاحتلام، ارتحل به أبو طالب تاجرا، فنزل تيماء، فرآه حبر من يهود تيماء، فقال لأبي طالب: ما هذا الغلام؟ قال: هو ابن أخي، قال: فوالله إن قدمت به الشّام لا تصل به إلى أهلك أبدا، لتقتلنّه اليهود إنّه عدوّهم، فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة. قال ابن إسحاق (٣): كان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي، يحدّث عمّا كان الله تعالى يحفظه به في صغره، قال: لقد رأيتني في غلمان من قريش

стр. 843

ننقل حجارة لبعض ما يلعب الغلمان به، كلّنا قد تعرّى وجعل إزاره على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنّي لأقبل معهم كذلك وأبر، إذ لكمني لاكم ما أراها، لكمة وجيعة، وقال: شدّ عليك إزارك، فأخذته فشددته، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي. قال ابن إسحاق (١): وهاجت حرب الفجار ولرسول الله ﷺ عشرون سنة، سمّيت بذلك لمّا استحلّت كنانة وقيس عيلان في الحرب من المحارم بينهم، فقال رسول الله ﷺ : كنت أنبّل على أعمامي أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم. وكان قائد قريش حرب بن أميّة. شأن خديجة قال ابن إسحاق (٢): ثم إنّ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهي أقرب منه ﷺ إلى قصيّ برجل، كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، وكانت تستأجر الرجال في مالها، وكانت قريش تجارا فعرضت على النّبيّ ﷺ أن يخرج في مال لها إلى الشّام، ومعه غلام اسمه ميسرة، فخرج إلى الشام، فنزل تحت شجرة بقرب صومعة، فأطل الرّاهب إلى ميسرة فقال: من هذا؟ فقال: رجل من قريش، قال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاّ نبيّ. ثم باع النّبيّ ﷺ تجارته وتعوّض ورجع، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا اشتدّ الحرّ يرى ملكين يظلاّنه من الشمس وهو يسير. روى قصة خروجه ﷺ إلى الشام تاجرا، المحاملي، عن عبد الله بن شبيب وهو واه، قال: حدثنا أبو بكر بن شيبة، قال حدّثني عمر بن أبي بكر العدوي، قال: حدّثني موسى بن شيبة، قال: حدّثتني عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك، عن أمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة. فذكر الحديث بطوله، وهو حديث منكر. قال: فلما قدم مكة باعت خديجة ما جاء به فأضعف أو قريبا. وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعن الملكين،

стр. 844

وكانت لبيبة حازمة، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمّي، إنّي قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدقك وحسن خلقك، ثم عرضت عليه نفسها، فقال ذلك لأعمامه، فجاء معه حمزة عمّه حتى دخل على خويلد فخطبها منه، وأصدقها النّبيّ ﷺ عشرين بكرة، فلم يتزوّج عليها حتى ماتت. وتزوّجها وعمره خمس وعشرون سنة. وقال أحمد في مسنده (١): حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس - فيما يحسب حمّاد -: أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوّجه، فصنعت هي طعاما وشرابا، فدعت أباها وزمرا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت لأبيها: إنّ محمدا يخطبني فزوّجني إياه، فزوّجها إيّاه، فخلّقته (٢) وألبسته حلّة كعادتهم، فلما صحا نظر، فإذا هو مخلّق فقال: ما شأني؟ فقالت: زوّجتني محمدا، فقال: وأنا أزوّج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت: أما تستحي؟ تريد أن تسفّه نفسك عند قريش بأنّك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي. وقد روى طرفا منه الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة أو غيره. وأولاده كلّهم من خديجة سوى إبراهيم، وهم: القاسم، والطّيّب، والطّاهر، وماتوا صغارا رضّعا قبل المبعث، ورقيّة، وزينب، وأمّ كلثوم، وفاطمة، ﵃، فرقيّة، وأمّ كلثوم زوّجتا عثمان بن عفّان، وزينب زوجة أبي العاص بن الرّبيع بن عبد شمس، وفاطمة زوجة عليّ، ﵃ أجمعين.

стр. 845

بنيان الكعبة قال ابن إسحاق (١): فلما بلغ ﷺ خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهموّن بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنّما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة فتحطّمت، فأخذوا خشبها وأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة نجّار قبطيّ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التي كانت يطرح فيها ما يهدى لها كلّ يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانت ممّا يهابون، وذلك أنّه كان لا يدنو منها أحد إلاّ احزألت (٢) وكشّت (٣) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها، قال: فاستبشروا بذلك، ثم هابوا هدمها. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول وهو يقول: اللهمّ لم ترع، اللهمّ لا نريد إلاّ خيرا. ثم هدم من ناحية الرّكنين، وهدموا حتى بلغوا أساس إبراهيم، ﵇، فإذا حجارة خضر آخذ بعضها ببعض. ثم بنوا، فلمّا بلغ البنيان موضع الرّكن، يعني الحجر الأسود، اختصموا فيمن يضعه، وحرصت كلّ قبيلة على ذلك حتى تحاربوا ومكثوا أربع ليال. ثمّ إنّهم اجتمعوا في المسجد وتناصفوا فزعموا أنّ أبا أميّة بن المغيرة، وكان أسنّ قريش، قال: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب المسجد، ففعلوا، فكان أوّل من دخل عليهم رسول الله ﷺ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به، فلمّا انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال: هاتوا لي ثوبا فأتوا به، فأخذ الركن بيده فوضعه في الثوب، ثم قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو ﷺ بيده وبنى عليه. وقال ابن وهب، عن يونس، عن الزّهريّ قال: لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة
следующие страницы →