← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ، مع توفّر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، ولبقي عنده ﷺ حسّ من النّبوّة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه، أوّلا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه ﷺ . وأيضا فلو أثّر هذا الخوف في أبي طالب وردّه، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكّنه من السّفر إلى الشام تاجرا لخديجة؟. وفي الحديث ألفاظ منكرة، تشبه ألفاظ الطّرقيّة، مع أنّ ابن عائذ روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، إلى آخره، فقال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره بمعناه. وقال ابن إسحاق في السيرة (١): إنّ أبا طالب خرج إلى الشام تاجرا في ركب، ومعه النّبيّ ﷺ وهو غلام، فلما نزلوا بصرى، وبها بحيرا الرّاهب في صومعته، وكان أعلم أهل النّصرانيّة؛ ولم يزل في تلك الصّومعة قط راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر؛ قال: فنزلوا قريبا من الصّومعة، فصنع بحيرا طعاما، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه حين أقبلوا، وغمامة تظلّه من بين القوم، فنزل بظلّ شجرة، فنزل بحيرا من صومعته، وقد أمر بذلك الطّعام فصنع، ثم أرسل إليهم فجاؤوه فقال رجل منهم: يا بحيرا ما كنت تصنع هذا، فما شأنك؟ قال: نعم، ولكنّكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، فاجتمعوا، وتخلّف رسول الله ﷺ لصغره في رحالهم. فلما نظر بحيرا فيهم ولم يره قال: يا معشر قريش لا يتخلّف أحد عن طعامي هذا. قالوا: ما تخلّف أحد إلاّ غلام هو أحدث القوم سنّا. قال: فلا تفعلوا، ادعوه، فقال رجل: واللات والعزّى إنّ هذا للؤم بنا، يتخلّف ابن عبد الله بن عبد المطّلب عن الطّعام من بيننا، ثم قام واحتضنه، وأقبل به فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا شبعوا وتفرّقوا قام بحيرا فقال: يا غلام أسألك باللات والعزّى إلاّ أخبرتني عمّا

стр. 842

أسألك عنه، فزعموا أنّه قال: لا تسألني باللّات والعزّى، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قطّ. فقال له: فبالله إلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتوافق ما عنده من الصّفة، ثم نظر فيه أثر خاتم النّبوّة، فأقبل على أبي طالب، فقال: ما هو منك؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا. قال: فإنّه ابن أخي. قال: ارجع به واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفته ليبغنّه شرّا، فإنّه كائن لابن أخيك شأن، فخرج به أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته. وذكر الحديث (١). وقال معتمر بن سليمان: حدّثني أبي، عن أبي مجلز: أن أبا طالب سافر إلى الشام ومعه محمد، فنزل منزلا، فأتاه راهب فقال: فيكم رجل صالح، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال أبو طالب: ها أنذا وليّه. قال: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشّام، إنّ اليهود قوم حسد، وإنّي أخشاهم عليه. فردّه. وقال ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر وجماعة، عن داود بن الحصين، أنّ أبا طالب خرج تاجرا إلى الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببحيرا … الحديث. وروى يونس عن ابن شهاب حديثا طويلا فيه: فلمّا ناهز الاحتلام، ارتحل به أبو طالب تاجرا، فنزل تيماء، فرآه حبر من يهود تيماء، فقال لأبي طالب: ما هذا الغلام؟ قال: هو ابن أخي، قال: فوالله إن قدمت به الشّام لا تصل به إلى أهلك أبدا، لتقتلنّه اليهود إنّه عدوّهم، فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة. قال ابن إسحاق (٣): كان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي، يحدّث عمّا كان الله تعالى يحفظه به في صغره، قال: لقد رأيتني في غلمان من قريش

стр. 843

ننقل حجارة لبعض ما يلعب الغلمان به، كلّنا قد تعرّى وجعل إزاره على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنّي لأقبل معهم كذلك وأبر، إذ لكمني لاكم ما أراها، لكمة وجيعة، وقال: شدّ عليك إزارك، فأخذته فشددته، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي. قال ابن إسحاق (١): وهاجت حرب الفجار ولرسول الله ﷺ عشرون سنة، سمّيت بذلك لمّا استحلّت كنانة وقيس عيلان في الحرب من المحارم بينهم، فقال رسول الله ﷺ : كنت أنبّل على أعمامي أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم. وكان قائد قريش حرب بن أميّة. شأن خديجة قال ابن إسحاق (٢): ثم إنّ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهي أقرب منه ﷺ إلى قصيّ برجل، كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، وكانت تستأجر الرجال في مالها، وكانت قريش تجارا فعرضت على النّبيّ ﷺ أن يخرج في مال لها إلى الشّام، ومعه غلام اسمه ميسرة، فخرج إلى الشام، فنزل تحت شجرة بقرب صومعة، فأطل الرّاهب إلى ميسرة فقال: من هذا؟ فقال: رجل من قريش، قال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاّ نبيّ. ثم باع النّبيّ ﷺ تجارته وتعوّض ورجع، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا اشتدّ الحرّ يرى ملكين يظلاّنه من الشمس وهو يسير. روى قصة خروجه ﷺ إلى الشام تاجرا، المحاملي، عن عبد الله بن شبيب وهو واه، قال: حدثنا أبو بكر بن شيبة، قال حدّثني عمر بن أبي بكر العدوي، قال: حدّثني موسى بن شيبة، قال: حدّثتني عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك، عن أمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة. فذكر الحديث بطوله، وهو حديث منكر. قال: فلما قدم مكة باعت خديجة ما جاء به فأضعف أو قريبا. وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعن الملكين،

стр. 844

وكانت لبيبة حازمة، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمّي، إنّي قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدقك وحسن خلقك، ثم عرضت عليه نفسها، فقال ذلك لأعمامه، فجاء معه حمزة عمّه حتى دخل على خويلد فخطبها منه، وأصدقها النّبيّ ﷺ عشرين بكرة، فلم يتزوّج عليها حتى ماتت. وتزوّجها وعمره خمس وعشرون سنة. وقال أحمد في مسنده (١): حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عبّاس - فيما يحسب حمّاد -: أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوّجه، فصنعت هي طعاما وشرابا، فدعت أباها وزمرا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت لأبيها: إنّ محمدا يخطبني فزوّجني إياه، فزوّجها إيّاه، فخلّقته (٢) وألبسته حلّة كعادتهم، فلما صحا نظر، فإذا هو مخلّق فقال: ما شأني؟ فقالت: زوّجتني محمدا، فقال: وأنا أزوّج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت: أما تستحي؟ تريد أن تسفّه نفسك عند قريش بأنّك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي. وقد روى طرفا منه الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة أو غيره. وأولاده كلّهم من خديجة سوى إبراهيم، وهم: القاسم، والطّيّب، والطّاهر، وماتوا صغارا رضّعا قبل المبعث، ورقيّة، وزينب، وأمّ كلثوم، وفاطمة، ﵃، فرقيّة، وأمّ كلثوم زوّجتا عثمان بن عفّان، وزينب زوجة أبي العاص بن الرّبيع بن عبد شمس، وفاطمة زوجة عليّ، ﵃ أجمعين.

стр. 845

بنيان الكعبة قال ابن إسحاق (١): فلما بلغ ﷺ خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهموّن بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنّما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة فتحطّمت، فأخذوا خشبها وأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة نجّار قبطيّ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التي كانت يطرح فيها ما يهدى لها كلّ يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانت ممّا يهابون، وذلك أنّه كان لا يدنو منها أحد إلاّ احزألت (٢) وكشّت (٣) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها، قال: فاستبشروا بذلك، ثم هابوا هدمها. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول وهو يقول: اللهمّ لم ترع، اللهمّ لا نريد إلاّ خيرا. ثم هدم من ناحية الرّكنين، وهدموا حتى بلغوا أساس إبراهيم، ﵇، فإذا حجارة خضر آخذ بعضها ببعض. ثم بنوا، فلمّا بلغ البنيان موضع الرّكن، يعني الحجر الأسود، اختصموا فيمن يضعه، وحرصت كلّ قبيلة على ذلك حتى تحاربوا ومكثوا أربع ليال. ثمّ إنّهم اجتمعوا في المسجد وتناصفوا فزعموا أنّ أبا أميّة بن المغيرة، وكان أسنّ قريش، قال: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب المسجد، ففعلوا، فكان أوّل من دخل عليهم رسول الله ﷺ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به، فلمّا انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال: هاتوا لي ثوبا فأتوا به، فأخذ الركن بيده فوضعه في الثوب، ثم قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو ﷺ بيده وبنى عليه. وقال ابن وهب، عن يونس، عن الزّهريّ قال: لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة

стр. 846

فاحترقت، فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الرّكن اختصمت قريش في الركن أيّ القبائل تضعه؟ قالوا: تعالوا نحكّم أوّل من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكّموه، فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخذ سيّد كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه، ثم طفق لا يزداد على السنّ إلاّ رضا حتى دعوه الأمين، قبل أن ينزل عليه وحي، وطفقوا لا ينحرون جزورا إلاّ التمسوه فيدعو لهم فيها (١). ويروى عن عروة ومجاهد وغيرهما: أن البيت بني قبل المبعث بخمس عشرة سنة. وقال داود بن عبد الرحمن العطّار: حدثنا ابن خثيم، عن أبي الطّفيل قال: قلت له: يا خال، حدّثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش قال: كان برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق، وتوضع الكسوة على الجدر ثم تدلّى، ثم إنّ سفينة للروم أقبلت، حتى إذا كانت بالشّعيبة انكسرت، فسمعت بها قريش فركبوا إليها وأخذوا خشبها، وروميّ يقال له بلقوم (٢) نجّار باني، فلمّا قدموا مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنّا، ، فاجتمعوا لذلك ونقلوا الحجارة من أجياد الضّواحي، فبينا رسول الله ﷺ ينقل إذ انكشفت نمرته، فنودي: يا محمد عورتك، فذلك أوّل ما نودي، والله أعلم. فما رؤيت له عورة بعد. وقال أبو الأحوص، عن سماك بن حرب: إنّ إبراهيم ﷺ بنى البيت وذكر الحديث، إلى أن قال: فمرّ عليه الدّهر فانهدم، فبنته العمالقة، فمرّ عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم، فمرّ عليه الدّهر فانهدم فبنته قريش. وذكر في الحديث وضع النّبيّ ﷺ الحجر الأسود مكانه. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٣)، حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما زلنا نسمع أنّ إسافا ونائلة - رجل وامرأة

стр. 847

من جرهم - زنيا في الكعبة فمسخا حجرين. وقال موسى بن عقبة: إنما حمل قريشا على بناء الكعبة أنّ السّيل كان يأتي من فوقها من فوق الرّدم الذي صنعوه فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة، فأرادوا أن يشيّدوا بناءها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلاّ من شاءوا، فأعدّوا لذلك نفقة وعمالا. وقال زكريا بن إسحاق: حدثنا عمرو بن دينار أنّه سمع جابرا يقول: إنّ رسول الله ﷺ كان ينقل الحجارة للكعبة مع قريش وعليه إزار، فقال له عمه العبّاس: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، ففعل ذلك، فسقط مغشيّا عليه (١)، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا. متّفق عليه. وأخرجاه أيضا من حديث ابن جريج (٢). وقال معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطّفيل قال: لما بني البيت كان النّاس ينقلون الحجارة، والنّبيّ ﷺ معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه فنودي: لا تكشف عورتك فألقى الحجر ولبس ثوبه. رواه أحمد في مسنده (٣). وقال عبد الرحمن بن عبد الله الدّشتكيّ: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن أبيه قال: كنت أنا وابن أخي ننقل الحجارة على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس اتزرنا، فبينا هو أمامي خرّ على وجهه منبطحا، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره وقال: نهيت أن أمشي عريانا فكنت أكتمها النّاس مخافة أن يقولوا مجنون. رواه قيس بن الربيع بنحوه، عن سماك. وقال حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن عليّ ﵁ قال: لما تشاجروا في الحجر أن

стр. 848

يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فكان أوّل من دخل النّبيّ ﷺ فقالوا: قد جاء الأمين. مسلم الزّنجي، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: جلس رجال من قريش فتذاكروا بنيان الكعبة فقالوا: كانت مبنية برضم يابس، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف، وإنّما تدلّى الكسوة على الجدر، وتربط من أعلى الجدر من بطنها، وكان في بطن الكعبة عن يمين الداخل جبّ يكون فيه ما يهدى للكعبة منذ زمن جرهم، وذلك أنّه عدا على ذلك الجبّ قوم من جرهم فسرقوا ما به، فبعث الله تلك الحيّة فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة إلى أن بنتها قريش، وكان قرنا الكبش معلّقين في بطنها مع معاليق من حلية. إلى أن قال: حتى بلغوا الأساس الذي رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد، فرأوا حجارة كأنّها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا يحرّك الحجر منها، فترتجّ جوانبها، قد تشبّك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلةّ بين إصبعين (١) حجرين فانفلقت منه فلقة، فأخذها رجل فنزّت من يده حتى عادت في مكانها، وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فأمسكوا إلى أن قال: وقلّت النّفقة عن عمارة البيت، فأجمعوا على أن يقصّروا عن القواعد ويحجّروا ما يقدرون ويتركوا بقيّته في الحجر، ففعلوا ذلك وتركوا ستّة أذرع وشبرا، ورفعوا بابها وكسوها بالحجارة حتى لا يدخلها السّيل ولا يدخلها إلاّ من أرادوا، وبنوها بساف من حجارة وساف من خشب، حتى انتهوا إلى موضع الركن فتنافسوا في وضعه. إلى أن قال: فرفعوها بمدماك حجارة ومدماك خشب، حتى بلغوا السقف، فقال لهم باقوم النّجار الروميّ: أتحبّون أن تجعلوا سقفها مكنسا أو مسطّحا؟ قالوا: بل مسطّحا، وجعلوا فيه ستّ دعائم في صفّين، وجعلوا ارتفاعها من ظاهرها ثمانية عشر ذراعا وقد كانت قبل تسعة أذرع، وجعلوا درجة من خشب في بطنها يصعد منها إلى ظهرها، وزوّقوا سقفها وحيطانها من بطنها ودعائمها، وصوّروا فيها الأنبياء

стр. 849

والملائكة والشجر، وصوّروا إبراهيم يستقسم بالأزلام، وصوّروا عيسى وأمّه، وكانوا أخرجوا ما في جب الكعبة من حلية ومال وقرني الكبش، وجعلوه عند أبي طلحة العبدري، وأخرجوا منها هبل، فنصب عند المقام حتى فرغوا فأعادوا جميع ذلك، ثم ستروها بحبرات يمانية. وفي الحديث عن أبي نجيح، عن أبيه، عن حويطب بن عبد العزّى وغيره: فلما كان يوم الفتح دخل رسول الله ﷺ إلى البيت، فأمر بثوب فبلّ بماء وأمر بطمس تلك الصّور، ووضع كفّيه على صورة عيسى وأمّه وقال: امحوا الجميع إلاّ ما تحت يدي. رواه الأزرقي (١). ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح، وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى؟ قال: نعم أدركت تمثال مريم مزوّقا في حجرها عيسى قاعد، وكان في البيت ستّة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب، فقلت لعطاء: متى هلك؟ قال: في الحريق زمن ابن الزّبير، قلت: أعلى عهد رسول الله ﷺ تعني كان؟ قال: لا أدري، وإنّي لأظنّه قد كان على عهده. قال داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج: ثم عاودت عطاء بعد حين فقال: تمثال عيسى وأمّه في الوسطى من السّواري. قال الأزرقيّ (٢): حدثنا داود العطّار، عن عمرو بن دينار قال: أدركت في الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيسى وأمّه، قال داود: فأخبرني بعض الحجبة عن مسافع بن شيبة: أن النّبيّ ﷺ قال: يا شيبة امح كلّ صورة إلاّ ما تحت يدي قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم وأمّه. قال الأزرقيّ، عن سعيد بن سالم، حدّثني يزيد بن عياض بن جعدبة، عن ابن شهاب: أن النّبيّ ﷺ دخل الكعبة وفيها صور الملائكة، فرأى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام، ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها فقال: امحوا ما فيها إلاّ صورة مريم. ثم ساقه

стр. 850

الأزرقي (١) بإسناد آخر بنحوه، وهو مرسل، لكنّ قول عطاء وعمرو ثابت، وهذا أمر لم نسمع به إلى اليوم. أخبرنا سليمان بن حمزة، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد، أنّ فاطمة بنت عبد الله أخبرتهم، قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطّبرانيّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزّاق (٢)، عن معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الطّفيل قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنيّة بالرضم، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما نقتحمها، وكانت غير مسقوفة، إنّما توضع ثيابها عليها، ثم تسدل عليها سدلا، وكان الركن الأسود موضوعا على سورها باديا، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من أرض الروم فانكسرت بقرب جدّة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا رجلا روميّا عندها، فأخذوا الخشب، وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الروميّ الذي في السفينة نجّارا، فقدموا به وبالخشب، فقالت قريش: نبني بهذا الذي في السفينة بيت ربّنا، فلما أرادوا هدمه إذا هم بحيّة على سور البيت، مثل قطعة الجائز (٣) سوداء الظّهر، بيضاء البطن، فجعلت كلّما دنا أحد إلى البيت ليهدم أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها، فاجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله وقالوا: ربنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك، وإلاّ فما بدا لك فافعل، فسمعوا خوارا في السّماء، فإذا هم بطائر أسود الظّهر، أبيض البطن، والرّجلين، أعظم من النّسر، فغرز مخلابه في رأس الحيّة، حتى انطلق بها يجرّها، ذنبها أعظم من كذا وكذا ساقطا، فانطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، فبينا النّبيّ ﷺ يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النّمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبرزت عورته من صغر النّمرة، فنودي: يا محمّد، خمّر عورتك، فلم ير

стр. 851

عريانا بعد ذلك. وكان بين بنيان الكعبة، وبين ما أنزل عليه خمس سنين. هذا حديث صحيح. وقد روى نحوه داود العطّار، عن ابن خثيم. ورواه محمّد بن كثير المصّيصيّ، عن عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع بن سرجس قال: سألت أبا الطّفيل، فذكر نحوه. وقال عبد الصّمد بن النّعمان: حدثنا ثابت بن يزيد، قال: حدثنا هلال بن خبّاب، عن مجاهد، عن مولاه، أنّه حدّثه أنّه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية، قال: ولي حجر أنا نحتّه بيدي أعبده من دون الله، فأجيء باللّبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فأصبّه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يشغر فيبول، فبنينا حتى بلغنا الحجر، وما يرى الحجر منا أحد، فإذا هو وسط حجارتنا، مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: بل نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. قالوا: أوّل رجل يطلع من الفجّ، فجاء النّبيّ ﷺ فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو. اسم مولى مجاهد: السّائب بن عبد الله. وقال إسرائيل، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة (وإذا الأرض مدّت) قال: من تحته مدّا. وروي نحوه عن منصور، عن مجاهد (١). ما عصمه الله به من أمر الجاهلية ومما عصم الله به محمدا ﷺ من أمر الجاهلية أنّ قريشا كانوا يسمّون الحمس، يعني الأشدّاء الأقوياء، وكانوا يقفون في الحرم بمزدلفة، ولا يقفون مع النّاس بعرفة، يفعلون ذلك رياسة وبأوا (٢)، وخالفوا بذلك شعائر إبراهيم، ﵊، في جملة ما خالفوا. فروى البخاريّ ومسلم

стр. 852

من حديث جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فرأيت النّبيّ ﷺ واقفا مع النّاس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس، فما شأنه ها هنا؟ (١) وقال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد ابن الحنفيّة، عن أبيه، عن جدّه، سمع النبي ﷺ يقول: ما هممت بقبيح ممّا يهمّ به أهل الجاهليّة إلا مرّتين، عصمني الله، قلت ليلة لفتى من قريش: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه اللّيلة بمكة كما تسمر الفتيان. قال: نعم، فخرجت حتى جئت أدنى دار من دور مكة، فسمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوّج، فلهوت بذلك حتى غلبتني عيني، فنمت، فما أيقظني إلاّ مسّ الشّمس، فرجعت إلى صاحبي، ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك، فوالله ما هممت بعدها بسوء ممّا يعمله أهل الجاهليّة، حتى أكرمني الله بنبوّته (٢). وروى مسعر، عن العباس بن ذريح، عن زياد النّخعي، قال: حدثنا عمّار بن ياسر أنّهم سألوا رسول الله ﷺ : هل أتيت في الجاهليّة شيئا حراما؟ قال: لا، وقد كنت معه على ميعادين، أمّا أحدهما فحال بيني وبينه سامر قومي، والآخر غلبتني عيني أو كما قال. وقال ابن سعد (٣): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: حدّثتني أمّ أيمن قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش، تعظّمه وتنسّك له النّسّاك، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويعكفون عنده يوما في السنة، وكان أبو طالب يكلّم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد، فيأبى، حتى رأيت أبا طالب غضب، ورأيت عمّاته غضبن يومئذ أشدّ الغضب، وجعلن يقلن: إنّا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوبا، فقلن: ما دهاك؟

стр. 853

قال: إنّي أخشى أن يكون بي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ قال: إنّي كلّما دنوت من صنم منها تمثّل لي رجل أبيض طويل يصيح: وراءك يا محمد لا تمسّه قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبّئ. وقال أبو أسامة: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسّح المشركون به إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ : لا تمسّه، قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي: لأمسّنّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : ألم تنه. هذا حديث حسن (١). وقد زاد فيه بعضهم عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فوالله ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أنزل عليه. وقال جرير بن عبد الحميد، عن سفيان الثّوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: كان النّبيّ ﷺ شهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله، فقال: كيف نقوم خلفه، وإنّما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. تفرّد به جرير، وما أتى به عنه سوى شيخ البخاريّ عثمان بن أبي شيبة. وهو منكر. وقال إبراهيم بن طهمان: أخبرنا بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ بيعا قبل أن يبعث، فبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث، فوجدته في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك. أخرجه أبو داود. وأخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: أخبرنا أبو محمد بن البن، قال: أخبرنا جدّي، قال: أخبرنا أبو القاسم عليّ بن أبي العلاء، قال

стр. 854

أخبرنا عبد الرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدّثني الوليد، قال: أخبرني معاوية بن سلاّم، عن جدّه أبي سلام الأسود، عمّن حدّثه أنّ رسول الله ﷺ قال: بينا أنا بأعلى مكة، إذا براكب عليه سواد فقال: هل بهذه القرية رجل يقال له أحمد؟ فقلت ما بها أحمد ولا محمد غيري، فضرب ذراع راحلته فاستناخت، ثم أقبل حتى كشف عن كتفي حتى نظر إلى الخاتم الذي بين كتفيّ فقال: أنت نبيّ الله؟ قلت: ونبيّ أنا؟ قال: نعم. قلت: بم أبعث؟ قال: بضرب أعناق قومك، قال: فهل من زاد؟ فخرجت حتى أتيت خديجة فأخبرتها، فقالت: حريّا أو خليقا أن لا يكون ذلك، فهي أكبر كلمة تكلّمت بها في أمري، فأتيته بالزّاد، فأخذه وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى زوّدني نبيّ الله ﷺ طعاما، وحمله لي في ثوبه. ذكر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀ قال موسى بن عقبة: أخبرني سالم أنّه سمع أباه يحدّث عن رسول الله ﷺ : أنّه لقي زيد بن عمرو بن نفيل أسفل بلدح، وذلك قبل الوحي، فقدّم إليه رسول الله ﷺ سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل وقال: لا آكل ممّا يذبحون على أنصابهم، أنا لا آكل إلاّ مما ذكر اسم الله عليه. رواه البخاري (١)؛ وزاد في آخره: فكان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشّاة خلقها الله، وأنزل لها من السّماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إنكارا لذلك وإعظاما له. ثم قال البخاري: قال موسى: حدّثني سالم بن عبد الله، ولا أعلم إلاّ يحدّث به عن ابن عمر: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشّام يسأل عن الدّين ويتبّعه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم، قال: إنّك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلاّ من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنا أستطيعه، فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما

стр. 855

أعلمه إلاّ أن يكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديّا ولا نصرانيا ولا يعبد إلاّ الله، فخرج زيد فلقي عالما من النّصارى، فذكر له مثله فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرّ إلاّ من لعنة الله، فقال له كما قال اليهوديّ، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلمّا برز رفع يديه فقال: اللهمّ إنّي أشهدك أنّي على دين إبراهيم. وهكذا أخرجه البخاري (١). وقال عبد الوهاب الثقفي: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوما حارا وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب، وقد ذبحنا له شاة فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل، فحيّا كلّ واحد منهما صاحبه بتحيّة الجاهليّة، فقال له النّبيّ ﷺ : يا زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك؟ قال: والله يا محمد إنّ ذلك لبغير نائلة ترة لي فيهم، ولكنّي خرجت أبتغي هذا الدّين حتى أقدم على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت: ما هذا بالدّين الذي أبتغي، فقدمت الشّام فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فخرجت فقال لي شيخ منهم: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة، فأتيته، فلمّا رآني قال: ممّن أنت؟ قلت: من أهل بيت الله، قال: من أهل الشّوك والقرظ؟ إنّ الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبيّ قد طلع نجمه، وجميع من رأيتهم في ضلال، قال: فلم أحسّ بشيء، قال: فقرّب إليه السّفرة فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: شاة ذبحت للنّصب. قال: ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال: فتفرّقا. وذكر باقي الحديث. وقال اللّيث (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه! لا تقتلها أنا أكفيك

стр. 856

مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها. هذا حديث صحيح (١). وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، أنّ زيد بن عمرو بن نفيل مات، ثم أنزل على النّبيّ ﷺ فقال النّبيّ ﷺ : إنه يبعث يوم القيامة أمّة وحده. إسناده حسن (٢). أنبئت عن أبي الفخر أسعد، قال: أخبرتنا فاطمة، قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطّبرانيّ، قال: أخبرنا عليّ بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا المسعوديّ، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جدّه قال: خرج أبي وورقة بن نوفل يطلبان الدّين حتى مرّا بالشّام، فأما ورقة فتنصرّ، وأما زيد فقيل له: إنّ الذي تطلب أمامك، فانطلق حتى أتى الموصل، فإذا هو براهب فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة؟ قال: من بيت إبراهيم، قال: ما تطلب؟ قال: الدّين، فعرض عليه النّصرانيّة، فأبى أن يقبل، وقال: لا حاجة لي فيه، قال: أمّا إنّ الذي تطلب سيظهر بأرضك، فأقبل وهو يقول: لبّيك حقّا، تعبّدا ورقّا، البرّ أبغي لا الخال، وما مهجّر كمن قال (٣). عذت بما عاذ به إبراهم … مستقبل القبلة وهو قائم أنفي لك اللهمّ عان راغم … مهما تجشّمني فإنّي جاشم (٤) ثم يخرّ فيسجد للكعبة. قال: فمرّ زيد بالنّبيّ ﷺ وبزيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعياه فقال: يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النّصب، قال: فما رؤي النّبيّ ﷺ يأكل مما ذبح على النّصب من يومه ذاك حتى بعث. قال: وجاء سعيد بن زيد إلى النّبيّ ﷺ : فقال: يا رسول الله إنّ زيدا

стр. 857

كان كما رأيت، أو كما بلغك، فأستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفروا له، فإنّه يبعث يوم القيامة أمّة وحده (١). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: كانت قريش حين بنوا الكعبة يتوافدون على كسوتها كلّ عام تعظيما لحقها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشّرك في ذبائحهم ودينهم كلّه. وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وهو ابن عمّ ورقة، وعبيد الله بن جحش بن رئاب، وأمّه أميمة بنت عبد المطّلب بن هاشم حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النّفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمنّ والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه، وما وثن يعبد لا يضرّ ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنّصارى والملل كلّها، يتّبعون الحنيفيّة دين إبراهيم، فأمّا ورقة فتنصرّ، ولم يكن منهم أعدل شأنا من زيد بن عمرو، اعتزل الأوثان وفارق الأديان إلاّ دين إبراهيم (٢). وقال الباغنديّ: حدثنا أبو سعيد الأشجّ، قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : دخلت الجنّة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق: حدّثني هشام (٣)، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده! ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهمّ لو أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك عبدتك به، ثم يسجد على راحلته.

стр. 858

قال ابن إسحاق (١): فقال زيد في فراق دين قومه: أربّا واحدا أمّ ألف ربّ … أدين إذا تقسّمت الأمور عزلت اللات والعزّى جميعا … كذلك يفعل الجلد الصّبور في أبيات. قال ابن إسحاق (٢): وكان الخطّاب بن نفيل عمّه وأخوه لأمّه يعاتبه ويؤذيه حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة، فإذا دخل مكة سرا آذوه وأخرجوه، كراهية، أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد. ثم خرج يطلب دين إبراهيم، فجال الشام والجزيرة، إلى أن قال ابن إسحاق: فردّ إلى مكة حتى إذا توّسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه. باب أخبرتنا ستّ الأهل بنت علوان، قالت: أخبرنا البهاء عبد الرحمن، قال: أخبرنا منوجهر بن محمد، قال: أخبرنا هبة الله بن أحمد، قال: أخبرنا الحسين بن عليّ بن بطحا، قال: أخبرنا محمد بن الحسين الحرّاني، قال: حدثنا محمد بن سعيد الرّسعني، قال: حدثنا المعافى بن سليمان، قال: حدثنا فليح، عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التّوراة، فقال: أجل، والله إنّه لموصوف في التّوراة بصفته في القرآن يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وحرزا للأمّيين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يدفع السّيئة بالسّيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صمّا وقلوبا غلفا. قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته، فما اختلفا في

стр. 859

حرف، إلاّ أنّ كعبا يقول بلغته: أعينا عمومى، وآذانا صموما وقلوبا غلوفى (١). أخرجه البخاري (٢) عن العوقي، عن فليح. وقد رواه سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلاّم، فذكر نحوه. ثم قال عطاء: وأخبرني أبو واقد اللّيثي أنّه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلاّم. قلت: وهذا أصحّ فإنّ عطاء لم يدرك كعبا. وروى نحوه أبو غسّان محمد بن مطرّف، عن زيد بن أسلم، أنّ عبد الله بن سلاّم قال: صفة النّبي ﷺ في التّوراة، وذكر الحديث. وروى عطاء بن السّائب، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إنّ الله ابتعث نبيّه لإدخال رجل الجنّة، فدخل الكنيسة، فإذا هو بيهود، وإذا بيهوديّ يقرأ التّوراة، فلمّا أتوا على صفة النّبيّ ﷺ أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض، فقال النّبيّ ﷺ : ما لكم أمسكتم؟ قال المريض: أتوا على صفة نبيّ فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التّوراة فقرأ حتى أتى على صفة النّبيّ ﷺ وأمّته، فقال: هذه صفتك وأمّتك أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، فقال النّبيّ ﷺ : لوا (٣) أخاكم. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (٤). أخبرنا جماعة عن ابن الّلتّي أنّ أبا الوقت أخبره، قال: أخبرنا الدّاووديّ، قال: أخبرنا ابن حمويه، قال: أخبرنا عيسى السّمرقندي، قال: أخبرنا الدّارميّ، قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عبّاس أنّه سأل كعبا: كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التّوراة؟ قال: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحّاش ولا سخّاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويغفر

стр. 860

أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجدٍ، يوضّئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفّون في صلاتهم كما يصفّون في قتالهم، دويّهم في مساجدهم كدويّ النّحل، يسمع مناديهم في جوّ السّماء. قلت: يعني الأذان. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدّثني محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن أمّ الدّرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة النّبيّ ﷺ في التّوراة. فذكر نحو حديث عطاء. قصة سلمان الفارسي قال ابن إسحاق (١): حدّثني عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن ابن عبّاس. قال: حدّثني سلمان الفارسيّ قال: كنت رجلا من أهل فارس من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان أرضه، وكان يحبّني حبّا شديدا، لم يحبّه شيئا من ماله ولا ولده، فما زال به حبّه إيّاي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسيّة حتّى كنت قطن النّار التي يوقدها، فلا أتركها تخبو ساعة، فكنت لذلك لا أعلم من أمر النّاس شيئا إلاّ ما أنا فيه، حتّى بنى أبي بنيانا له، وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بنيّ، إنّه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، ولا بدّ لي من اطلاعها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا، ولا تحتبس عليّ فإنّك إن احتبست عنّي شغلني ذلك عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة للنّصارى، فسمعت أصواتهم فقلت: ما هذا؟ قالوا: النّصارى، فدخلت فأعجبني حالهم، فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس. وبعثّ أبي في طلبي في كلّ وجه حتّى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته فقال: أين كنت؟ قلت: مررت بالنصّارى، فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. قال: أي بنيّ

стр. 861

دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون الله، ويدعونه ويصلّون له، نحن نعبد نارا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت، فخاف فجعل في رجليّ حديدا وحبسني، فبعثت إلى النّصارى فقلت: أين أصل هذا الدّين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام، فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني، قالوا: نفعل، فقدم عليهم ناس من تجارهم فآذنوني بهم، فطرحت الحديد من رجليّ ولحقت بهم، فقدمت معهم الشّام، فقلت: من أفضل أهل هذا الدّين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت: إنّي قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير، قال: فكن معي، قال: فكنت معه، فكان رجل سوء، يأمر بالصّدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوها له اكتنزها ولم يعطها المساكين، فأبغضته بغضا شديدا، لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلمّا جاؤوا ليدفنوه قلت لهم: هذا رجل سوء، كان يأمركم بالصّدقة ويكتنزها، قالوا: وما علامة ذلك؟ قلت: أنا أخرج إليكم كنزه، فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلمّا رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدا، فصلبوه ورموه بالحجارة، وجاؤوا برجل فجعلوه مكانه، ولا والله يا ابن عبّاس، ما رأيت رجلا قطّ لا يصلّي الخمس، أرى أنه أفضل منه، وأشد اجتهادا، ولا أزهد في الدّنيا، ولا أدأب ليلا ونهارا، وما أعلمني أحببت شيئا قطّ قبله حبّه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: قد حضرك ما ترى من أمر الله فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟ قال لي: أي بنيّ، والله ما أعلمه إلاّ بالموصل، فأته فإنّك ستجده على مثل حالي. فلما مات لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزّهد، فقلت له: إنّ فلانا أوصى بي إليك. قال: فأقم أي بنيّ، فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت: إنّ فلانا أوصى بي إليك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصيني؟ قال: والله ما أعلمه إلاّ رجلا بنصيبيّن، فلما دفنّاه لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم، حتى حضره الموت فأوصى بي إلى رجل من عمّورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقيرات، ثم احتضر فكلّمته، فقال: أي بنيّ والله ما أعلمه بقي

стр. 862

أحد على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين؛ أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى؛ بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأنا أعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من رجل يهودي بوادي القرى، فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة فابتاعني، فخرج بي حتى قدمنا المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعتها فأقمت في رقي. وبعث الله رسوله ﷺ بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره، مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخله، فوالله إني لفيها، إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي. فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء - يقول الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه، فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحق من بهذه البلاد فهاكها فكل منه، فأمسك وقال لأصحابه: كلوا، فقلت في نفسي هذه واحدة، ثم رجعت وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت شيئا ثم جئته به، فقلت: هذا هدية، فأكل وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان، ثم جئته وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي، وهو في أصحابه، فاستدرت لأنظر إلى الخاتم، فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت شيئا وصف لي، فوضع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، كما وصف لي صاحبي، فأكببت

стр. 863

عليه أقبله وأبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا، فتحولت، فجلست بين يديه، وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك. فلما فرغت قال: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله ﷺ بالنخل ثلاثين ودية (١) وعشرين ودية وعشرا، فقال لي رسول الله ﷺ : فقر لها (٢)، فإذا فرغت فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي. ففقرتها وأعانني أصحابي، يقول: حفرت لها حيث توضع حتى فرغنا منها، وخرج معي، فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها، فوالذي بعثه ما مات منها ودية واحدة. وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب فقال: أين الفارسي؟ فدعيت له، فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك. قلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما علي؟ قال: فإن الله سيؤدي بها عنك، فوالذي نفس سلمان بيده، لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وعتق سلمان، وحبسني الرق حتى فاتتني بدر وأحد، ثم شهدت الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد. قوله: قطن النار جمع قاطن، أي مقيم عندها، أو هو مصدر، كرجل صوم وعدل. وقال يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق (٣): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز قال: وجدت هذا من حديث سلمان قال: حدثت عن سلمان أن صاحب عمورية قال له لما احتضر: ائت غيضتين من أرض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى، في كل سنة ليلة، يعترضه ذوو الأسقام، فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفي، فسله عن هذا الدين دين إبراهيم، فخرجت حتى أقمت بها سنة، حتى خرج تلك الليلة وإنما كان يخرج مستجيزا، فخرج وغلبني عليه

стр. 864

الناس، حتى دخل في الغيضة، حتى ما بقي إلا منكبه، فأخذت به فقلت: رحمك الله! الحنيفية دين إبراهيم؟ فقال: تسأل عن شيء ما سأل عنه الناس اليوم، قد أظلك نبي يخرج عند أهل هذا البيت بهذا الحرم، ويبعث بسفك الدم. فلما ذكر ذلك سلمان لرسول الله ﷺ قال: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت حواري عيسى ابن مريم (١). وقال مسلمة بن علقمة المازني (٢): حدثنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجلي قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له: قدامة، فقال: أحب أن ألقى سلمان الفارسي فأسلم عليه، فخرجنا إليه فوجدناه بالمدائن، وهو يومئذ على عشرين ألفا، ووجدناه على سرير يسف خوصا، فسلمنا عليه، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا ابن أخت لي قدم علي من البادية، فأحب أن يسلم عليك. قال: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. قلت: يزعم أنه يحبك. قال: أحبه الله. فتحدثنا وقلنا: يا أبا عبد الله، ألا تحدثنا عن أصلك؟ قال: أما أصلي فأنا من أهل رامهرمز، كنا قوما مجوسا، فأتى رجل نصراني من أهل الجزيرة كانت أمه منا، فنزل فينا واتخذ فينا ديرا، وكنت من كتاب الفارسية، فكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبا يبكي، قد ضربه أبواه، فقلت له يوما: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولم يضربانك؟ فقال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثا عجبا. قلت: فاذهب بي معك، فأتيناه، فحدثنا عن بدء الخلق وعن الجنة والنار، فحدثنا بأحاديث عجب، فكنت أختلف إليه معه، وفطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه، فقالوا: يا هناه، إنك قد جاورتنا فلم تر من جوارنا إلا الحسن، وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، اخرج عنا. قال: نعم. فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: اخرج معي. قال: لا أستطيع ذلك. قلت: أنا أخرج معك، وكنت يتيما لا أب لي، فخرجت معه، فأخذنا جبل رامهرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل،

стр. 865

ونأكل من ثمر الشجر، فقدمنا نصيبين. فقال لي صاحبي: يا سلمان، إن هاهنا قوما هم عباد أهل الأرض، فأنا أحب أن ألقاهم. قال: فجئناهم يوم الأحد، وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي، فحيوه وبشوا به. وقالوا: أين كانت غيبتك؟ فتحدثنا، ثم قال: قم يا سلمان، فقلت: لا، دعني مع هؤلاء. قال: إنك لا تطيق ما يطيقون، هؤلاء يصومون من الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدا واحدا إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال ذاك الرجل الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام ما تضيعوه، ليأخذه رجل منكم، فقالوا: خذه أنت، فقال لي: هلم، فذهب بي إلى غاره وقال لي: هذا خبز وهذا أدم، فكل إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصل ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته فلم يكلمني، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، وانصرف إلي، فذهبنا إلى مكانهم الذي يجتمعون فيه في الأحد، فكانوا يفطرون فيه، ويلقى بعضهم بعضا ويسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، قال: فرجعنا إلى منزلنا، فقال لي مثل ما قال أول مرة، ثم لم يكلمني إلى الأحد الآخر، فحدثت نفسي بالفرار فقلت: اصبر أحدين أو ثلاثة، فلما كان الأحد واجتمعوا، قال لهم: إني أريد بيت المقدس. فقالوا: ما تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا، قال: فلما سمعته يذكر ذاك خرجت، فخرجنا أنا وهو، فكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فأتينا بيت المقدس، وعلى الباب مقعد يسأل فقال: أعطني. قال: ما معي شيء. فدخلنا بيت المقدس، فلما رأوه بشوا إليه واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي فأطعموني خبزا ولحما، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلى الأحد الآخر، ثم انصرف. فقال: يا سلمان، إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني، فبلغ الظل الذي قال، فلم أوقظه مأواة له مما دأب من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعورا، فقال: يا سلمان، ألم أكن قلت لك: إذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني؟ قلت: بلى، ولكن إنما منعني مأواة

стр. 866

لك من دأبك. قال: ويحك! إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل لله فيه خيرا، ثم قال: اعلم أن أفضل دين اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية - كلمة ألقيت على لساني - قال: نعم، يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه. قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال: نعم، فإنه نبي لا يأمر إلا بحق، ولا يقول إلا حقا، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها. ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المقعد، فقال له: دخلت فلم تعطني، وهذا تخرج فأعطني، فالتفت فلم ير حوله أحدا، قال: أعطني يدك. فأخذه بيده، فقال: قم بإذن الله، فقام صحيحا سويا، فتوجه نحو أهله فأتبعته بصري تعجبا مما رأيت، وخرج صاحبي مسرعا وتبعته، فتلقاني رفقة من كلب فسبوني فحملوني على بعير وشدوني وثاقا، فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له، ومن ثم تعلمت عمل الخوص، أشتري بدرهم خوصا فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأنفق درهما، أحب أن آكل من عمل يدي، وهو يومئذ أمير على عشرين ألفا. قال: فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أن الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، فقلت: لأجربنه، فذهبت فاشتريت لحم جزور بدرهم، ثم طبخته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه. فقال: أصدقة أم هدية؟ قلت: صدقة. فقال لأصحابه: كلوا باسم الله، وأمسك ولم يأكل، فمكثت أياما، ثم اشتريت لحما فأصنعه أيضا وأتيته به، فقال: ما هذه؟ قلت: هدية. فقال لأصحابه: كلوا باسم الله، وأكل معهم. قال: فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، فأسلمت، ثم قلت له: يا رسول الله، أي قوم النصارى؟ قال: لا خير فيهم. ثم سألته بعد أيام قال: لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم. قلت في نفسي: فأنا والله أحبهم. قال: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف، فسرية تدخل وسرية تخرج، والسيف يقطر. قلت يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذات

стр. 867

يوم فقال: يا سلمان، أجب. قلت: هذا والله الذي كنت أحذر. فانتهيت إلى رسول الله فتبسم وقال: أبشر يا سلمان فقد فرج الله عنك، ثم تلا علي هؤلاء الآيات: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) إلى قوله: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين). قلت: والذي بعثك بالحق، لقد سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها. هذا حديث منكر غريب، والذي قبله أصح، وقد تفرد مسلمة بهذا، وهو ممن احتج به مسلم، ووثقه ابن معين، وأما أحمد بن حنبل فضعفه، رواه قيس بن حفص الدارمي شيخ البخاري عنه (١). وقال عبد الله بن عبد القدوس (٢): حدثنا عبيد المكتب، قال: أخبرنا أبو الطفيل، قال: حدثني سلمان قال: كنت من أهل جي، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق، فكنت أعرف أنهم ليسوا على شيء، فقيل لي: إن الدين الذي تطلب بالمغرب، فخرجت حتى أتيت الموصل، فسألت عن أفضل رجل بها، فدللت على رجل في صومعة، ثم ذكر نحوه. كذا قال الطبراني (٣)، قال: وقال في آخره: فقلت لصاحبي: بعني نفسي. قال: على أن تنبت لي مائة نخلة، فإذا نبتن جئني بوزن نواة من ذهب، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اشتر نفسك بالذي سألك، وائتني بدلو من ماء البئر التي كنت تسقي منها ذلك النخل. قال: فدعا لي، ثم سقيتها، فوالله لقد غرست مائة فما غادرت منها نخلة إلا نبتت، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته أن النخل قد نبتن، فأعطاني قطعة من ذهب، فانطلقت بها فوضعتها في كفة الميزان، ووضع في الجانب الآخر نواة، قال: فوالله ما استعلت القطعة الذهب من الأرض، قال: وجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأعتقني. علي بن عاصم، قال: أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن

стр. 868

حرب، عن زيد بن صوحان أن رجلين من أهل الكوفة كانا صديقين ولهما إخاء، وقد أحبا أن يسمعا حديثك كيف كان أول إسلامك؟ قال: فقال سلمان: كنت يتيما من رامهرمز، وكان ابن دهقان (١) رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه، وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنيا في نفسه، وكنت غلاما فقيرا، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج فتقنع بثوبه، ثم يصعد الجبل متنكرا، فقلت: لم لا تذهب بي معك؟ فقال: أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء. قلت: لا تخف. قال: فإن في هذا الجبل قوما في برطيل (٢)، لهم عبادة يزعمون أنا عبدة النيران، وأنا على غير دين فأستأذن لك. قال: فاستأذنهم ثم واعدني وقال: اخرج في وقت كذا، ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم بهم قتلهم. قال: فصعدنا إليهم - قال علي: وأراه قال: وهم ستة أو سبعة - قال: وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم، فذكرنا الحديث بطوله، وفيه أن الملك شعر بهم، فخرجوا، وصحبهم سلمان إلى الموصل، واجتمع بعابد من بقايا أهل الكتاب، فذكر من عبادته وجوعه شيئا مفرطا، وأنه صحبه إلى بيت المقدس، فرأى مقعدا فأقامه، فحملت على المقعد أثاثه (٣) ليسرع إلى أهله، فانملس مني صاحبي، فتبعت أثره، فلم أظفر به، فأخذني ناس من كلب وباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها، وقدم رسول الله ﷺ فاشتراني أبو بكر فأعتقني. وهذا الحديث يشبه حديث مسلمة المازني، لأن الحديثين يرجعان إلى سماك، ولكن قال هنا عن زيد بن صوحان، فهو منقطع، فإنه لم يدرك زيد بن صوحان، وعلي بن عاصم ضعيف كثير الوهم، والله أعلم. عمرو العنقزي: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قرة

стр. 869

الكندي، عن سلمان قال: كان أبي من الأساورة فأسلمني الكتاب، فكنت أختلف ومعي غلامان، فإذا رجعا دخلا على راهب أو قس، فدخلت معهما، فقال لهما: ألم أنهكما أن تدخلا علي أحدا؟ فكنت أختلف حتى كنت أحب إليه منهما، فقال لي: يا سلمان، إني أحب أن أخرج من هذه الأرض. قلت: وأنا معك. فأتى قرية فنزلها، وكانت امرأة تختلف إليه، فلما حضر قال: احفر عند رأسي، فحفرت فاستخرجت جرة من دراهم، فقال: ضعها على صدري، فجعل يضرب بيده على صدره ويقول: ويل للقنائين! قال: ومات فاجتمع القسيسون والرهبان، وهممت أن أحتمل المال، ثم إن الله عصمني، فقلت للرهبان، فوثب شباب من أهل القرية، فقالوا: هذا مال أبينا كانت سريته تختلف إليه، فقلت لأولئك: دلوني على عالم أكون معه. قالوا: ما نعلم أحدا أعلم من راهب بحمص. فأتيته فقال: ما جاء بك إلا طلب العلم؟ قلت: نعم. قال: فإني لا أعلم أحدا أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا الشهر. فانطلقت فوجدت حماره واقفا، فخرج فقصصت عليه، فقال: اجلس هاهنا حتى أرجع إليك. فذهب فلم يرجع إلى العام المقبل، فقال: وإنك لهاهنا بعد؟ قلت: نعم. قال: فإني لا أعلم أحدا في الأرض أعلم من رجل يخرج بأرض تيماء وهو نبي وهذا زمانه، وإن انطلقت الآن وافقته، وفيه ثلاث: خاتم النبوة، ولا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية. وذكر الحديث (١). وقال ابن لهيعة: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثني السلم بن الصلت، عن أبي الطفيل، عن سلمان قال: كنت رجلا من أهل جي، مدينة أصبهان، فأتيت رجلا يتحرج من كلام الناس، فسألته: أي الدين أفضل؟ قال: ما أعلم أحدا غير راهب بالموصل، فذهبت إليه. وذكر الحديث. وفيه: فأتيت حجازيا فقلت: تحملني إلى المدينة؟ قال: ما تعطيني؟ قلت: أنا لك عبد. فلما قدمت جعلني في نخله، فكنت أستقي كما يستقي البعير حتى دبر ظهري وصدري من ذلك، ولا أجد أحدا يفقه كلامي، حتى جاءت عجوز فارسية تستقي، فقلت لها: أين هذا الرجل الذي خرج؟

стр. 870

فدلتني عليه، فجمعت تمرا وجئت فقربته إليه. وذكر الحديث. ذكر مبعثه ﷺ قال الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت (١): أول ما بدئ به النبي ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث ف هـ، أي يتعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) حتى بلغ إلى قوله: (ما لم يعلم) قالت: فرجع بها ترجف بوادره (٢) حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة ما لي! وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت علي، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله؛ إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الخط العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا قد عمي، فقالت: اسمع من ابن أخيك، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا حين يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، إنه لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن

стр. 871

يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي. فروى الترمذي (١)، عن أبي موسى الأنصاري، عن يونس بن بكير، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن ورقة، فقالت له خديجة: إنه - يا رسول الله - كان صدقك، وإنه مات قبل أن تظهر، فقال: رأيته في المنام عليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك. وجاء من مراسيل عروة أن رسول الله ﷺ قال: رأيت لورقة جنة أو جنتين. وقال الزهري، عن عروة، عن عائشة: وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ حزنا شديدا، وغدا مرارا كي يتردى من شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة ليلقي نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال مثل ذلك. رواه أحمد في مسنده (٢)، والبخاري (٣). وقال هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. رواه البخاري (٤). وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين، فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا (٥). وقال محمد بن أبي عدي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:

стр. 872

نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وستين (١). أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي، قال: أخبرنا عبد القوي بن الجباب، قال: أخبرنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا علي بن الحسن الخلعي، قال: أخبرنا أبو محمد بن النحاس، قال: أخبرنا عبد الله بن الورد، قال: أخبرنا عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، قال: حدثنا عبد الملك بن هشام، قال (٢): حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق قال: كانت الأحبار والرهبان وكهان العرب قد تحدثوا بأمر محمد ﷺ قبل مبعثه لما تقارب من زمانه، أما أهل الكتاب فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان عهد إليهم أنبياؤهم من شأنه، وأما الكهان فأتتهم الشياطين بما استرقت من السمع، وأنها قد حجبت عن استراق السمع ورميت بالشهب. قال الله تعالى: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا)، فلما سمعت الجن القرآن من النبي ﷺ عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس الأمر، فآمنوا وصدقوا وولوا إلى قومهم منذرين. حدثني يعقوب بن عتبة أنه بلغه أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم ثقيف، فجاؤوا إلى عمرو بن أمية وكان أدهى العرب، فقالوا: ألا ترى ما حدث؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها وتعرف بها الأنواء هي التي يرمى بها، فهي والله طي الدنيا وهلاك أهلها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا أمر أراد الله به هذا الخلق فما هو (٣). قلت: روى حديث يعقوب بنحوه حصين، عن الشعبي، لكن قال:

стр. 873

فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفي، وكان قد عمي. وقد جاء غير حديث بأسانيد واهية أن غير واحد من الكهان أخبره رئيه من الجن بأسجاع ورجز، فيها ذكر مبعث النبي ﷺ وسمع من هواتف الجان من ذلك أشياء. وبالإسناد إلى ابن إسحاق (١) قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا أنا كنا نسمع من يهود، وكنا أصحاب أوثان، وهم أهل كتاب، وكان لا يزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم قالوا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا، وعرفنا ما كان يتوعدونا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففي ذلك نزل: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، الآيات. حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان لنا جار يهودي، فخرج يوما حتى وقف على بني عبد الأشهل، وأنا يومئذ أحدثهم سنا، فذكر القيامة والحساب والميزان والجنة والنار، قال ذلك لقوم أصحاب أوثان لا يرون بعثا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، أوترى هذا كائنا أن الناس يبعثون؟ قال: نعم، قالوا: فما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار إلى مكة واليمن، قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا حدث فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا ﷺ وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويحك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت! قال: بلى، ولكن ليس به (٢). حدثني (٣) عاصم بن عمر، عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري

стр. 874

عم كان الإسلام لثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، نفر من إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام؟ قلت: لا والله، قال: إن رجلا من يهود الشام يقال له ابن التيهان (١) قدم علينا قبل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكان إذا قحط عنا المطر يأمرنا بالصدقة ويستسقي لنا، فوالله ما يبرح من مجلسه حتى نسقى، قد فعل ذلك غير مرتين ولا ثلاث، ثم حضرته الوفاة، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: إنما قدمت أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. فلما بعث محمد ﷺ وحاصر خيبر قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابا أحداثا: يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن التيهان، قالوا: ليس به، فنزل هؤلاء وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم. وبه قال ابن إسحاق (٢): وكانت خديجة قد ذكرت لعمها ورقة بن نوفل، وكان قد قرأ الكتب وتنصر، ما حدثها ميسرة من قول الراهب وإظلال الملكين، فقال: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أن لهذه الأمة نبيا ينتظر زمانه، قال: وجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى، وقال: لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا

стр. 875

ويظهر في البلاد ضياء نور … يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كنت ذاكم … شهدت فكنت أولهم ولوجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور … يضج الكافرون لها ضجيجا وقال سليمان بن معاذ الضبي، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرفه الآن. رواه أبو داود (١). وقال يحيى بن أبي كثير: حدثنا أبو سلمة قال: سألت جابرا: أي القرآن أنزل أول؛ (يا أيها المدثر) أو (اقرأ باسم ربك)؟ فقال: ألا أحدثكم بما حدثني به رسول الله ﷺ ؟ قال: إني جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت، فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، فلم أر شيئا، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو على عرش في الهواء - يعني الملك - فأخذني رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا علي الماء، فأنزل الله (يا أيها المدثر قم فأنذر) (٢). وقال الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي، قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، فرجعت، فقلت: زملوني فدثروني، ونزلت: (يا أيها المدثر) إلى قوله: (والرجز فاهجر)؛ وهي الأوثان. متفق عليه (٣). وهو نص في أن (يا أيها المدثر) نزلت بعد فترة الوحي الأول، وهو (اقرأ باسم ربك) فكان الوحي الأول للنبوة والثاني للرسالة.

стр. 876

فأول من آمن به خديجة ﵂ قال عز الدين أبو الحسن ابن الأثير (١): خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة. وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، وغيرهم: أول من آمن بالله ورسوله خديجة وأبو بكر وعلي. وقال حسان بن ثابت وجماعة: أبو بكر أول من أسلم. وقال غير واحد: بل علي. وعن ابن عباس: فيهما قولان، لكن أسلم علي وله عشر سنين أو نحوها على الصحيح، وقيل: وله ثمان سنين، وقيل: تسع، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول شاذ، فإن ابنه محمدا، وأبا جعفر الباقر، وأبا إسحاق السبيعي وغيرهم قالوا: توفي وله ثلاث وستون سنة. فهذا يقضي بأنه أسلم وله عشر سنين، حتى إن سفيان بن عيينة روى عن جعفر الصادق، عن أبيه قال: قتل علي وله ثمان وخمسون سنة. وقال ابن إسحاق (٢): أول ذكر آمن بالله علي ﵁، وهو ابن عشر سنين، ثم أسلم زيد مولى النبي ﷺ ، ثم أسلم أبو بكر. وقال الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله، وقبل الرسول رسالة ربه وانصرف إلى بيته، وجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة إلا سلمت عليه، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتك الذي كنت أحدثك أني رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن لي، أرسله إلي ربي، وأخبرها بالوحي، فقالت: أبشر، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فاقبل الذي جاءك من الله فإنه حق، ثم انطلقت إلى عداس غلام عتبة بن ربيعة، وكان نصرانيا من أهل نينوى

стр. 877

فقالت: أذكرك الله إلا ما أخبرتني، هل عندك علم من جبريل؟ فقال عداس: قدوس قدوس. قالت: أخبرني بعلمك فيه، قال: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى ﵉. فرجعت من عنده إلى ورقة. فذكر الحديث (١). وقد رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير بنحو منه، وزاد: ففتح جبريل عينا من ماء فتوضأ، ومحمد ﷺ ينظر إليه، فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم نضح فرجه، وسجد سجدتين مواجه البيت، ففعل النبي ﷺ كما رأى جبريل يفعل (٢). من معجزاته الأول وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٣): حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، وكان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه. وقال سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث. أخرجه مسلم (٤). وقال الوليد بن أبي ثور وغيره، عن إسماعيل السدي، عن عباد بن عبد الله، عن علي ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. أخرجه الترمذي (٥) وقال: غريب.

стр. 878

وقال يوسف بن يعقوب القاضي: حدثنا أبو الربيع، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو خارج من مكة، قد خضبه أهل مكة بالدماء، قال: ما لك؟ قال: خضبني هؤلاء بالدماء وفعلوا وفعلوا، قال: تريد أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ ، فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع إلى مكانها، قال: ارجعي إلى مكانك فرجعت، فقال رسول الله ﷺ : حسبي. هذا حديث صحيح (١). وقال ابن إسحاق (٢): حدثني وهب بن كيسان، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد الله (٣) عن كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل، فقال عبيد بن عمير: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث التبرر. قال ابن إسحاق (٤): فكان يجاور ذلك في كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره، كان أول ما يبدأ به الكعبة، فيطوف ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج ﷺ إلى حراء ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. قال رسول الله ﷺ : جاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني (٥) به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: وما أقرأ؟ فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: وما أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال:

стр. 879

(اقرأ باسم ربك) إلى قوله: (ما لم يعلم)، فقرأتها ثم انتهى عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابا. في هذا المكان زيادة، زادها يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وهي: ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد، يعني نفسه، لشاعر أو مجنون، ثم قلت: لا تحدث عني قريش بهذا أبدا، لأعمدن إلى حالق من الجبل، فلأطرحن نفسي فلأستريحن، فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء فقال: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني، فانصرفت إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها (١) فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمي واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة (٢). ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب، فأخبرته بما رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقت يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى جواره طاف بالكعبة، فلقيه ورقة وهو يطوف فقال: أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذنه ولتخرجنه

стр. 880

ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه. وقال موسى بن عقبة في مغازيه: كان ﷺ فيما بلغنا أول ما رأى أن الله أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها لخديجة، فعصمها الله وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر، ثم أخبرها أنه رأى بطنه شق ثم طهر وغسل ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلس كريم معجب كان النبي ﷺ يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك (١) فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله حتى اطمأن. الذي فيها من شق بطنه يحتمل أن يكون أخبرها بما تم له في صغره ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم شق مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء. وقال ابن بكير عن ابن إسحاق (٢)، فأنشد ورقة: إن يك حقا يا خديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العاني الغوي المظلل فسبحان من تهوي الرياح بأمره … ومن هو في الأيام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السماوات كلها … وأقضاؤه في خلقه لا تبدل وقال ابن إسحاق (٣): حدثني إسماعيل بن أبي حكيم أن خديجة قالت لرسول الله ﷺ : أي ابن عم، إن استطعت أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك، قال: نعم، قال: فلما جاءه قال: يا خديجة، هذا جبريل. قالت: يا ابن عم، قم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول فقعد على فخذها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت:
следующие страницы →