المتين في تاريخ الأندلس أيضا ستين مجلدا. ذكرهما ابن خلكان القاضي (١).
ورآه بعضهم في النوم فسأله عن التاريخ الذي عمله، فقال: لقد ندمت عليه، إلا أن الله أقالني وغفر لي بلطفه.
توفي في أواخر ربيع الأول (٢).
٢٨٢ - حيدرة بن علي بن محمد، أبو المنجى القحطاني الأنطاكي المالكي المعبر.
حدث بدمشق عن عبد الرحمن بن أبي نصر، والقاضي عبد الوهاب بن علي المالكي، والحسن بن علي الكفرطابي. روى عنه أبو محمد ابن الأكفاني، وأبو الحسن بن المسلم الفقيه، وعلي بن أحمد بن قبيس، وأبو المفضل يحيى بن علي القرشي.
قال ابن الأكفاني (٣): كان من أهل الدين. قال: وكان يذكر أنه يحفظ في علم تعبير الرؤيا عشرة آلاف ورقة، وثلاثمائة ونيفا وسبعين. كان يقول: زدت على أستاذي عبد العزيز بن علي الشهرزوري المالكي بحفظ ثلاثمائة وسبعين ورقة (٤).
قلت: هكذا كانت أيها اللعاب همم العلماء وأذهانهم، وأين هذا من محفوظات علمائنا اليوم؟
٢٨٣ - رزق الله بن محمد بن محمد بن الأخضر الأنباري، أخو أبي الحسن الأقطع.
كان ثقة، روى عن أبي عمر بن مهدي، وتوفي ليلة عيد الفطر، روى عنه قاضي المرستان.
٢٨٤ - سليمان بن عبد الرحيم بن محمد، أبو العلاء الحسناباذي الأصبهاني.
стр. 9767
روى عن أبي عبد الله بن منده، وإبراهيم بن خرشيذ قولة. روى عنه أبو عبد الله الخلال وغيره.
مات في ذي الحجة (١).
٢٨٥ - طاهر بن أحمد بن بابشاذ، أبو الحسن المصري الجوهري النحوي، صاحب التصانيف.
ورد العراق تاجرا في اللؤلؤ، وأخذ عن علمائها. ثم رجع وخدم بمصر في ديوان الرسائل لإصلاح المكاتبات وإعرابها، وقرروا له في الشهر خمسين دينارا، ثم استعفى من ذلك في آخر عمره، وتزهد في منارة جامع عمرو بن العاص.
وكان شيخ الديار المصرية في الأدب، ألف شرحا للجمل في غاية الحسن، وصنف كتاب الحسبة في النحو ثم شرحها. أخذ عنه أبو القاسم ابن الفحام المقرئ، ومحمد بن بركات السعيدي شيخ ابن بري. وصنف كتابا سماه تعليق الغرفة في النحو؛ ألفه أيام انقطاعه.
وبلغنا أن سبب تزهده أنه كان إذا جلس للغداء جاءه سنور فوقف بين يديه، فإذا ألقى له شيئا لا يأكله، بل يحمله ويمضي، فتبعه يوما لينظر أين يذهب، فإذا هو يحمله إلى موضع مظلم في الدار فيه سنور أخرى عمياء، فيلقيه لها فتأكله. فبهت من ذلك، وقال: إن الذي سخر هذا السنور لهذه المسكينة ولم يهمله قادر أن يغنيني عن هذا العالم. فلزم منارة الجامع كما ذكرنا، ثم خرج ليلة لشيء عرض له، والليلة مقمرة، وفي عينيه بقية من النوم، فسقط من المنارة إلى سطح الجامع فمات.
وأبوه من مشيخة أبي عبد الله الرازي.
قد مر (٢).
٢٨٦ - عبد الله بن علي بن عبد الله، أبو القاسم الطوسي الزاهد، المعروف بكركان، من أهل الطابران.
شيخ الصوفية في عصره، ذو المجاهدة والأحوال، خدم الكبار، ولازم
стр. 9768
الفقراء. وله الدويرة والأصحاب الذين اهتدوا بهديه، وكان زكي النفس مبارك الصحبة، بقيت آثاره على المنتمين في الطريقة إليه. سمع عبد الله بن يوسف، وحمزة بن عبد العزيز المهلبي، وأحمد بن الحسن الحيري، وأصحاب الأصم.
قدم بغداد في صباه، وسمع بمكة من محمد بن أبي سعيد الإسفراييني وغيره.
قال السمعاني: حدثنا عنه ابن بنته عبد الواحد ابن القدوة أبي علي الفضل الفارمذي، وعبد الجبار الخواري. مات في ربيع الأول.
٢٨٧ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن أحمد بن مجيب بن المجمع بن بحر بن معبد بن هزارمرد، أبو محمد الصريفيني، خطيب صريفين.
اختلفوا في نسبه في تقديم مجيب على مجمع.
ولد في صفر سنة أربع وثمانين، وسمع أبا القاسم بن حبابة، وابن أخي ميمي الدقاق، وأبا حفص الكتاني، وأبا طاهر المخلص، وأمة السلام بنت القاضي أحمد بن كامل، وجماعة.
ذكره الخطيب فقال (١): المعروف والده بهزارمرد، قدم بغداد دفعات، وحدث بها، وكان صدوقا.
وقال أبو سعد السمعاني: هو شيخ صالح خير، صارت إليه الرحلة من الأقطار، ولد ببغداد وسكن صريفين. قال: وكان أحمد الناس طريقة، وأجملهم خليقة، وأخلصهم نية، وأصفاهم طوية، سمع منه الكبار مثل قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وأبي بكر الخطيب، والحميدي، وجدي أبي المظفر السمعاني، وهبة الله الشيرازي، ومحمد بن طاهر المقدسي. وحدثنا عنه أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم ابن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، وعلي بن علي بن سكينة.
وحكى ابن طاهر أن هبة الله بن عبد الوارث كان مصعدا إلى الشام منصرفا من بغداد، فدخل صريفين، فرأى شيخا ذا هيئة قاعدا على باب داره، فسأله: هل سمعت شيئا؟ فقال: سمعت ابن حبابة، والمخلص، وأبا حفص
стр. 9769
الكتاني، وطبقتهم. فتعجب من ذلك، وطالبه بالأصول، فأخرج له أصولا عتقا بخط ابن البقال وغيره، وفيها سماعه، فقرأ هبة الله ما كان عنده ونسخه. ونم الخبر إلى عكبرا وبغداد. قال: فرحل الناس إليه وسمعوا منه.
وقال أبو الفضل بن خيرون: أبو محمد بن هزارمرد ثقة، وله أصول جياد. قرأت بخط والده: ولد ابني ليلة الجمعة لخمس خلون من صفر، وسمع من المخلص كتاب النسب، وكتاب الفتوح، وكتاب المزني، وأخبار الأصمعي، وكتاب البر والصلة، وكتاب الزهد لابن المبارك، وكتاب مزاح النبي ﷺ ، ومن الفوائد جملة.
توفي ابن هزارمرد في ثالث جمادى الآخرة.
٢٨٨ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم، العلامة أبو محمد الأصبهاني الشافعي الكروني، مفتي البلد، وإمام الجامع العتيق.
سمع ببغداد من الحمامي، وابن بشران. أرخه يحيى بن منده.
٢٨٩ - عبد الباقي بن أحمد بن عمر، أبو نصر الواعظ.
من أهل الأدب واللغة والشعر. سمع أبا الحسين بن بشران، وأبا علي بن شاذان. روى عنه يحيى ابن الطراح.
ومات في شعبان (١).
٢٩٠ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد، أبو محمد البحيري النيسابوري.
فقيه خير، روى مسند أبي عوانة عن أبي نعيم الإسفراييني. روى عنه وجيه الشحامي، وهبة الرحمن القشيري. قرأ عليه أبو المظفر السمعاني جميع مسند أبي عوانة (٢).
٢٩١ - عبد الرحمن بن محمد بن طاهر، أبو زيد المرسي.
روى عن أبي الوليد بن ميقل، وأبي القاسم ابن الإفليلي. وحج فسمع من أبي ذر، وجماعة.
стр. 9770
وكان فقيها مفتيا، عاش اثنتين وستين سنة (١).
٢٩٢ - عبد الكريم بن أحمد بن طاهر بن إبراهيم، القاضي أبو سعد الوزان الرازي.
إمام مناظر، بارع، محتشم، نبيل كبير القدر، سمع أبا بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي، وأبا بكر الحيري، والأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني، والطرازي، وطائفة. روى عنه زاهر بن طاهر (٢).
٢٩٣ - عبد الكريم بن الحسن بن علي بن رزمة، أبو طاهر الخباز الكرخي.
صالح صدوق، صاحب أصول جياد. سمع أبا عمر بن مهدي، وأبا الحسن بن رزقويه. روى عنه يوسف بن أيوب الهمذاني، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعلي بن عبد السلام، وغيرهم.
ووثقه أبو الفضل بن خيرون وقال: توفي في ثاني عشري ربيع الآخر (٣).
٢٩٤ - عبيد الله، أبو القاسم، ولد القاضي أبي يعلى ابن الفراء الفقيه، أخو أبي الحسين وأبي خازم.
قرأ القراءات على أبي بكر محمد بن علي الخياط، وأبي علي ابن البناء، وتفقه على والده، ثم على أبي جعفر بن أبي موسى، وسمع من الخطيب. وأكثر من الحديث، وتوسع من العلم.
وتوفي شابا بطريق مكة وهو ابن سبع وعشرين سنة.
حدث عنه أخوه أبو الحسين، وعمر الرواسي، والمبارك بن عبد الجبار (٤).
• - علي بن محمد بن نصر بن اللبان، المحدث.
ذكر في العام الماضي (٥).
стр. 9771
٢٩٥ - عمر بن أحمد بن محمد بن موسى، الحافظ أبو منصور الجوري الحنفي الصوفي.
كان متعبدا منعزلا على طريقة السلف، ومن خواص أصحاب أبي عبد الرحمن السلمي، أكثر عنه، وكتب عنه مصنفاته. وسمع قبله من أبي الحسين الخفاف، وأبي نعيم عبد الملك بن الحسن، ومحمد بن الحسين العلوي، وجماعة. روى عنه زاهر ووجيه ابنا الشحامي.
وتوفي في جمادى الآخرة.
وروى عنه أيضا عبد الغافر بن إسماعيل، وإسماعيل ابن المؤذن، وأبو عبد الله الفراوي، وهو من جور نيسابور (١).
٢٩٦ - الفضل بن الفرج، أبو القاسم الأصبهاني الأحدب، من سادة الصوفية.
كان عابدا قانتا مجتهدا، ترك فراشه ثلاثين سنة، وكان يقوم أكثر الليل، وقد جاور مدة.
قال يحيى بن منده: كان والله للقرآن تاليا، وعن الفحشاء ساهيا، وعن المنكر ناهيا، ومن دنياه خاليا، وفي الأحوال لله شاكرا. مات فجاءة في الحمام في شوال.
٢٩٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن هارون، أبو الحسن البرداني الحنبلي الفرضي.
ولد بالبردان في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وسكن بغداد من صغره. وسمع أبا الحسن بن رزقويه، وأبا الحسين بن بشران، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وأبا الفضل التميمي، وأبا الحسن بن البادا، والحفار. روى عنه ابنه أبو علي الحافظ، وأبو بكر الأنصاري.
وكان دينا ثقة، عارفا بالفرائض، كتب الكثير.
توفي في ذي القعدة (٢).
стр. 9772
٢٩٨ - محمد بن أحمد بن سعيد، أبو عبد الله ابن الفراء الجياني المقرئ.
كان فاضلا زاهدا، أخذ القراءات عن مكي بن أبي طالب، وأقرأ الناس، وحج في آخر عمره، ومات بمكة. قرأ عليه بالروايات علي بن يوسف السالمي (١).
٢٩٩ - محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن منظور بن عبد الله بن منظور القيسي، أبو عبد الله الإشبيلي.
حج وجاور سنة، وسمع الصحيح من أبي ذر.
وكان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيد التقييد، صدوقا نبيلا. توفي في شوال.
روى عنه نسيبه أحمد بن محمد بن منظور، وأبو علي الغساني، ويونس بن محمد بن مغيث، وشريح بن محمد، وآخرون.
وكان موصوفا بالصلاح والفضل، من كبار الأئمة، لقي أيضا أبا النجيب الأرموي، وأبا عمرو السفاقسي، وعاش سبعين سنة (٢).
٣٠٠ - محمد بن الحسين بن الحسن بن محمد بن وهب، أبو الحسين الهمذاني البيع.
روى عن ابن تركان، وأبي عمر بن مهدي الفارسي.
قال شيرويه: سمعت منه، وكان صدوقا، قال لي: ولدت سنة أربع وثمانين، وتوفي في ثالث عشر جمادى الأولى.
٣٠١ - محمد بن علي بن الحسين بن سكينة، أبو عبد الله البغدادي الأنماطي.
صالح ورع ثقة، ولد سنة تسعين وثلاثمائة، سمع الكثير، ولكن ذهبت أكثر أصوله في النهب؛ نهب البساسيري. سمع عبيد الله بن أحمد الصيدلاني، ومحمد بن فارس الغوري. روى عنه أبو بكر الأنصاري، وأبو
стр. 9773
القاسم ابن السمرقندي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف، وعبد المنعم بن أبي القاسم القشيري.
ومات في ذي القعدة.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان لا بأس به (١).
٣٠٢ - محمد بن علي بن أحمد بن صالح، الأستاذ أبو طاهر الجبلي، ويعرف بصاحب الجبلي، وبابن العلاف، وبالمؤدب الشاعر.
روى عن أبي علي بن شاذان. روى عنه المبارك ابن الطيوري، وأبو غالب القزاز، وهبة الله بن عبد الله الواسطي، وجماعة.
قال السلفي: أنشدنا محمد بن عبد الملك الأسدي قال: أنشدنا أبو طاهر صاحب الجبلي لنفسه:
قد سترت وجهها عن البشر … بساعد حل عقد مصطبري
كأنه والعيون ترمقه … عمود نور في دارة القمر
ومما سار له قوله:
أتأذن لي في أن أبثك ما ألقى؟ … فلست وإن دام التجلد لي أبقى
حظرت على طرفي الهجوع فلم أنم … وأطلقت عيني بالدموع فما ترقا
جرى في مجاري الروح حبك وانثنى … فلم يبق لي عظما ولم يبق لي عرقا
أيا متلفي شوقا، ويا محرقي جوى … ويا ملبسي سقما، ويا قاتلي عشقا
أرى كل مملوك يسر بعتقه … سواي، فإني عاشق أكره العتقا
توفي في المارستان عن ست وثمانين سنة.
٣٠٣ - معاوية بن محمد بن أحمد بن معارك، أبو عبد الرحمن العقيقي القرطبي.
شيخ محدث، ومقرئ مجود. روى عن عمر بن حسين بن نابل، وأبي بكر بن وافد القاضي، وأبي القاسم الوهراني، وأبي المطرف القنازعي، وأبي محمد بن بنوش، ويونس بن مغيث. وعني بالعلم وسماعه وتقييده، وكان
стр. 9774
مجودا للقرآن، وكان ينوب في إمامة جامع قرطبة، دفن يوم عيد الفطر (١).
٣٠٤ - مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، أبو الحسن القرطبي.
لزم جده يونس وأكثر عنه، روى عنه حفيده يونس بن محمد بن مغيث.
وتوفي في ربيع الأول محبوسا بإشبيلية للمحنة التي نزلت به - قدس الله روحه - عن ست وسبعين سنة (٢).
٣٠٥ - نجا بن أحمد بن عمرو بن حرب، أبو الحسين الدمشقي العطار المحدث.
سمع أبا الحسن ابن السمسار، وأبا علي وأبا الحسين ابنا عبد الرحمن بن أبي نصر، ومحمد بن الحسين الطفال المصري، وخلقا سواهم.
وكتب الكثير، وخرج لنفسه معجما. روى عنه الحافظ عبد العزيز الكتاني وهو من شيوخه، وعمر الرواسي، وأبو محمد ابن الأكفاني، وأبو الحسن بن المسلم الفقيه. وقد سمع ببيروت من عبد الوهاب بن برهان، وبمكة ومصر.
قال غيث الأرمنازي: كان سماعه صحيحا، إلا أنه لم يكن له فهم بالحديث؛ ففي معجمه من الخطأ والتصحيف ما الله به عليم.
ولد سنة أربعمائة، وتوفي في عاشر صفر، وأول سماعه بعد الثلاثين.
٣٠٦ - يحيى بن علي بن محمد، أبو القاسم الحمدويي الكشميهني المروزي، الفقيه الشافعي.
قال السمعاني: كان فقيها مدرسا، ورعا متقنا، قيل: إنه تفقه على أبي محمد والد إمام الحرمين، وسمع الحديث وأملى عدة مجالس، وحج سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. سمع أباه، وأبا الهيثم محمد بن مكي الكشميهني - كذا قال ابن السمعاني - وأبا سعد الماليني، وأبا بكر البرقاني، وأبا علي بن شاذان.
стр. 9775
سنة سبعين وأربعمائة
٣٠٧ - أحمد بن أحمد بن سليمان، أبو عبد الله الواسطي التاجر.
سمع أبا أحمد بن أبي مسلم الفرضي، وأبا عمر بن مهدي، وعلي بن محمد بن عبد الله بن بشران. وروى اليسير، وتوفي بخوزستان.
روى عنه أبو الحسن بن عبد السلام، وإسماعيل ابن السمرقندي.
توفي في ربيع الأول، وقد خانق السبعين.
٣٠٨ - أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر، أبو صالح النيسابوري المؤذن الحافظ الصوفي، محدث نيسابور.
سمع أبا نعيم عبد الملك الإسفراييني، وأبا الحسن العلوي، وأبا طاهر الزيادي، وأبا يعلى المهلبي، وعبد الله بن يوسف بن بامويه، وأبا عبد الله الحاكم، وأبا عبد الرحمن السلمي، وخلقا من أصحاب الأصم. ورحل فسمع بجرجان من حمزة بن يوسف الحافظ، وبأصبهان من أبي نعيم، وببغداد من أبي القاسم بن بشران، وبدمشق من المسدد الأملوكي وعبد الرحمن بن الطبيز وأمثالهم، وبمكة من أبي ذر الهروي، وبمنبج من الحسن بن الأشعث المنبجي. وصحب في الطريقة أبا علي الدقاق، وأحمد بن نصر الطالقاني. وعمل مسودة تاريخ مرو.
قال زاهر الشحامي: خرج أبو صالح ألف حديث عن ألف شيخ له.
وقال الخطيب (١): قدم أبو صالح علينا في حياة ابن بشران، وكتب عني وكتبت عنه، وقال لي: أول سماعي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وكنت إذ ذاك قد حفظت القرآن. وكان ثقة.
قلت: ولد سنة ثمان وثمانين، وأول سماعه كان من أبي نعيم الإسفراييني لما قدم نيسابور، وحدث بمسند الحافظ أبي عوانة.
وذكره أبو سعد السمعاني فقال: صوفي، حافظ متقن، نسيج وحده في الجمع والإفادة، وكان الاعتماد عليه في الودائع من كتب الحديث التي في الخزائن الموروثة عن المشايخ والموقوفة على أصحاب الحديث، فيتعهد
стр. 9776
حفظها، ويتولى أوقاف المحدثين من الحبر والكاغد وغير ذلك، ويؤذن في المدرسة البيهقية مدة سنين احتسابا، ووعظ المسلمين وذكرهم الأذكار في الليالي على المئذنة، وكان يأخذ صدقات الرؤساء والتجار ويوصلها إلى المستحقين والمستورين.
قلت: روى عنه ابنه إسماعيل، وزاهر ووجيه ابنا الشحامي، وعبد الكريم بن الحسين البسطامي، ومحمد بن الفضل الفراوي، وعبد المنعم ابن القشيري، وأبو الأسعد القشيري، وآخرون.
وقال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل (١): أبو صالح المؤذن، الأمين المتقن المحدث، الصوفي، نسيج وحده في طريقته وجمعه وإفادته، ما رأينا مثله في حفظ القرآن وجمع الأحاديث، سمع الكثير، وجمع الأبواب والشيوخ، وأذن سنين حسبة، وتوفي في سابع رمضان، وكان يحثني على معرفة الحديث، ولم أتمكن من جمع هذا الكتاب إلا من مسوداته ومجموعاته، فهي المرجوع إليها فيما أحتاج إلى معرفته وتخريجه. إلى أن قال: ولو ذهبت أشرح ما رأيت منه لسودت أوراقا جمة، وما انتهيت إلى استيفاء ذلك. سمعت منه كتاب الحلية لأبي نعيم بتمامه، ومعجم الطبراني، ومسند الطيالسي، والأحاديث الألف. وما تفرغ لعقد الإملاء من كثرة ما هو بصدده من الإشغال والقراءة عليه.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المعز الهروي قال: أخبرنا زاهر قال: أخبرنا أبو صالح المؤذن قال: أخبرنا محمد بن محمد الزيادي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى البزاز قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدثنا بشر بن السري قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: «أنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها» (٢).
وقال أبو جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني: سمعت أبا بكر محمد بن أبي زكريا المزكي يقول: ما يقدر أحد أن يكذب في الحديث في هذه البلدة وأبو صالح حي.
стр. 9777
وسمعت أبا المظفر منصور ابن السمعاني يقول: إذا دخلتم على أبي صالح فادخلوا بالحرمة، فإنه نجم الزمان، وشيخ وقته في هذا الأوان.
قال أبو سعد السمعاني: رآه بعض الصالحين ليلة وفاته، وكأن النبي ﷺ قد أخذ بيده وقال له: جزاك الله عني خيرا، فنعم ما أقمت بحقي، ونعم ما أديت من قولي ونشرت من سنتي.
٣٠٩ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور، أبو الحسين البغدادي البزاز، مسند العراق في وقته.
رحل الناس إليه من الأقطار، وتفرد في الدنيا بنسخ رواها البغوي عن أشياخه؛ نسخة هدبة بن خالد، ونسخة كامل بن طلحة، ونسخة عمر بن زرارة، ونسخة مصعب الزبيري.
وكان متحريا فيما يرويه، سمع علي بن عمر الحربي، وعلي بن عبد العزيز بن مردك، وعبيد الله بن حبابة، وعمر بن إبراهيم الكتاني، ومحمد بن عبد الرحمن المخلص، ومحمد ابن أخي ميمي الدقاق.
روى عنه الخطيب، وأبو بكر ابن الخاضبة، وابن طاهر المقدسي، والمؤتمن الساجي، والحسين بن علي سبط الخياط، وإسماعيل بن أحمد السمرقندي، وأبو البركات عمر بن إبراهيم الحسيني الكوفي، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن صرما، وأبو الفضل محمد بن عبد الله ابن المهتدي بالله، وأبو نصر أحمد بن علي الغازي الأصبهاني، وأبو سعد أحمد بن محمد الزوزني، وأبو نصر إبراهيم بن الفضل البئار، وأبو البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، والقاضي محمد بن عمر الأرموي، وخلق كثير.
قال الخطيب (١): كان صدوقا.
وقال ابن خيرون: هو ثقة.
وقال الحسين سبط الخياط: كنا نكون في مجلس ابن النقور، فإذا تكلم أحد من الحلقة قال لكاتب الأسماء: لا تكتب اسمه.
وقال أبو الحسن بن عبد السلام: كان أبو محمد التميمي يحضر مجلسه
стр. 9778
ويسمع منه، ويقول: حديث ابن النقور سبيكة الذهب، وكان يأخذ على نسخة طالوت بن عباد دينارا.
قال ابن ناصر: وإنما أخذ ذلك لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بذلك، لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه من الكسب لعياله، وكان أيضا يمنع من ينسخ في سماع الحديث.
وقال أبو علي الحسن بن مسعود الدمشقي ابن الوزير: كان ابن النقور يأخذ على جزء طالوت دينارا، فجاء غريب فقير فأراد أن يسمعه، فقرأه عليه عن شيخه قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا أبو عثمان الصيرفي. فما عرف ابن النقور أنه طالوت، وحصل للغريب الجزء كذلك.
ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة في جمادى الأولى، ومات في سادس عشر رجب. وآخر من روى حديثه عاليا الأبرقوهي.
٣١٠ - أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب بن حمدوه (١)، ويقال: حمدويه (٢)، أبو بكر البغدادي المقرئ الرزاز، من أهل النصرية.
عمر، وكان آخر من حدث عن أبي الحسين بن سمعون. سمع ابن سمعون، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وأبا الحسين بن بشران، وأبا نصر بن حسنون النرسي. وقرأ لعاصم على الحمامي.
وولد في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب الأنماطي، والمبارك السمذي، وأبو بكر القاضي.
قال أبو سعد السمعاني: كان زاهدا منقطعا، حسن الطريقة خشنها، أجهد نفسه في الطاعة والعبادة، درس عليه خَلْقٌ القرآنَ.
قال الخطيب (٣): كتبت عنه، وكان صدوقا.
وقال غيره: توفي في ذي الحجة.
٣١١ - أحمد بن محمد، أبو صالح السواحي الفقيه.
стр. 9779
شيخ رئيس، بهي ظريف لطيف، سمع من عبد الغافر بن محمد الفارسي، ولم يحدث. وقد صاهر بيت القشيري (١).
٣١٢ - أحمد بن محمد بن يحيى، أبو طاهر الحربي الدلال.
سمع ابن رزقويه، وأبا الحسين بن بشران. وعنه عبد الله ابن السمرقندي وغيره.
توفي في ربيع الآخر.
٣١٣ - إبراهيم بن سعيد بن عثمان بن وردون، أبو إسحاق النميري الأندلسي، من أهل المرية.
روى عن أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الوهراني، وأبي عبد الله بن حمود، وعمر بن يوسف.
وكان معنيا بالعلم والرواية، أخذ الناس عنه الكثير.
قال ابن بشكوال (٢): أخبرنا عنه غير واحد من شيوخنا، واستقضي بالمرية في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وعزل بعد سنتين، وعاش إحدى وثمانين سنة.
٣١٤ - الحسين بن محمد بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن طلاب، أبو نصر القرشي الدمشقي الخطيب، مولى عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي.
روى عن أبي الحسين بن جميع معجمه، وعن أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي الحديد، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وعطية الله الصيداوي، وجماعة. روى عنه أبو عبد الله بن أبي الحديد، وعمر الرواسي، وأبو القاسم النسيب، وأبو الحسن بن قبيس، وجمال الإسلام، وإسماعيل ابن السمرقندي.
وقال النسيب: هو ثقة أمين.
وقال ابن قبيس: كان ابن طلاب قد كسب في الوكالة كسبا عظيما، فحدثني قال: لما استوفيت سبعين سنة قلت: أكثر ما أعيش عشر سنين أخرى،
стр. 9780
فجعلت لكل سنة مائة دينار. قال: فعاش أكثر من ذلك، وكان له مِلْك بالشاغور.
وقال النسيب: سألته عن مولده فقال: في آخر سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بصيدا.
وقال ابن الأكفاني (١): توفي يوم السبت الثالث من صفر سنة سبعين ودفن في باب الصغير. قال: وكان فاضلا كثير الدرس للقرآن، ثقة مأمونا. وقال: كان يخطب للمصريين، ثم تخلى عن ذلك.
وذكر النسيب أنه مات بصيدا في المحرم، والأول أصح (٢).
٣١٥ - سعد بن علي، أبو الوفاء النسوي.
حدث بأطرابلس بالبخاري في هذه السنة، وادعى أنه سمعه من محمد بن أحمد بن عليجة عن الفربري. وكذا افترى أنه سمع من إبراهيم الشرابي وحدثه عن علي بن أبي طالب ﵁، فكذب (٣).
٣١٦ - طلحة بن أحمد، أبو القاسم الأصبهاني القصار الغسال، المالكي.
سمع أبا عبد الله بن منده. روى عنه أبو نصر البئار، وأبو عبد الله الخلال. مات في ربيع الآخر.
٣١٧ - العاص بن خلف، أبو الحكم الإشبيلي المقرئ.
مصنف التذكرة في القراءات السبع، وكتاب التهذيب.
ذكره ابن بشكوال مختصرا (٤).
٣١٨ - عبد الله ابن الحافظ أبي محمد الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الخلال، أبو القاسم البغدادي.
قال السمعاني: كان شيخا صالحا صدوقا، صحيح السماع، من أولاد المحدثين. بكر به أبوه لسماع الحديث، وسمعه من عمر بن إبراهيم الكتاني،
стр. 9781
وأبي الحسن ابن الجندي، وأبي طاهر المخلص، وأبي القاسم الصيدلاني، وغيرهم. وعمر حتى نقل عنه الكثير؛ روى لنا عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو الفضل ابن المهتدي بالله، وأبو الحسن بن صرما، وجماعة سواهم.
ووثقه أبو الفضل بن خيرون.
وقال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان صدوقا، وقال لي: ولدت في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وقال شجاع الذهلي: توفي في ثامن عشر صفر.
٣١٩ - عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الفقيه، إمام الطائفة الحنبلية في زمانه بلا مدافعة.
سمع أبا القاسم بن بشران، وأبا الحسين ابن الحراني، وأبا محمد الخلال، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا طالب العشاري. روى عنه أبو بكر محمد بن عبد الباقي وغيره، وهو أجل أصحاب القاضي أبي يعلى.
قال السمعاني: كان حسن الكلام في المناظرة، ورعا زاهدا متقنا، عالما بأحكام القرآن والفرائض، مرضي الطريقة.
وقال أبو الحسين ابن الفراء (٢): لزمته خمس سنين. قال: وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم ذلك عليه جدا، وكان شديدا على المبتدعة، لم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه يقمعونهم، ولا يرد يده عنهم أحد. وكان عفيفا نزها، وكان يدرس بمسجده، ثم انتقل إلى الجانب الشرقي يدرس في مسجد، ثم انتقل في سنة ست وستين لأجل ما لحق نهر المعلى من الغرق إلى باب الطاق، ودرس بجامع المهدي. ولما احتضر القاضي أبو يعلى أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، فلما احتضر القائم بأمر الله أوصى أيضا أن يغسله، ففعل. وكان قد وصى له القائم بأمر الله بأشياء كثيرة فلم يأخذها، فقيل له: خذ قميص أمير المؤمنين للبركة. فأخذ فوطته فنشف بها القائم وقال: قد لحق
стр. 9782
الفوطة بركة أمير المؤمنين. ثم استدعاه المقتدي فبايعه منفردا.
ولما توفي كان يوم جنازته يوما مشهودا، وحفر له إلى جانب قبر الإمام أحمد، ولزم الناس قبره ليلا ونهارا، حتى قيل: ختم على قبره أكثر من عشرة آلاف ختمة. ورؤي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لقيني أحمد بن حنبل فقال: يا أبا جعفر، لقد جاهدت في الله حق جهاده، وقد أعطاك الله الرضا.
وطول ترجمته ابن الفراء إلى أن قال فيها: وأخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى في فتنة أبي نصر ابن القشيري، وحبس أياما، فسرد الصوم وقال: ما آكل لأحد شيئا. ودخلت عليه في تلك الأيام، فرأيته يقرأ في المصحف، فقال لي: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ الصبر: الصوم. ولم يفطر إلى أن بلغ منه المرض، فلما ثقل وضج الناس من حبسه أخرج إلى الحريم الطاهري فمات هناك، ومولده في سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
وقال شجاع: توفي في نصف صفر سنة سبعين.
٣٢٠ - عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، واسمه إبراهيم بن الوليد، أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني.
كان كبير الشأن جليل المقدار، حسن الخط واسع الرواية، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، ذا وقار وسكون وسمت، له أصحاب وأتباع يقتفون بآثاره.
ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو أكبر الإخوة. أجاز له زاهر بن أحمد السرخسي، وسمع الكثير من أبيه، وإبراهيم بن خرشيد قوله، وإبراهيم بن محمد الجلاب، وأبي بكر بن مردويه، وأبي جعفر بن المرزبان الأبهري، وأبي ذر ابن الطبراني، وأبي عمر الطلحي. وسافر إلى بغداد سنة ست وأربعمائة، فأدرك نفرا من أصحاب المحاملي، وسمع بواسط من ابن خزفة الواسطي، وبمكة من أبي الحسن بن جهضم وابن نظيف الفراء. وسمع بشيراز، والدينور، وهمذان. ودخل نيسابور، وسمع من أبي بكر الحيري،
стр. 9783
ولم يرو عنه لأشعريته كما فعل شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري؛ فإنه قال: تركت الحيري لله.
وقال أبو عبد الله الدقاق: ولد الشيخ السديد أبو القاسم عبد الرحمن في سنة إحدى وثمانين، في السنة التي مات فيها أبو بكر ابن المقرئ. قال: وفضائله ومناقبه أكثر من أن تعد، وأقول أنا: ومن أنا لنشر فضيلته؟ سمع من أبيه. ثم سمى أشياخه، إلى أن قال: وكان صاحب خلق وفتوة، وسخاء وبهاء، والإجازة كانت عنده قوية. وكان يقول: ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة؛ كي لا أوبق فأدخل في كتاب أهل البدعة. وله تصانيف كثيرة، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في صفات الله وغيرها.
وقال أبو سعد السمعاني: له إجازة من زاهر، وعبد الرحمن بن أبي شريح، وأبي عبد الله الحاكم، وحمد بن عبد الله الأصبهاني ثم الرازي، ومحمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي. روى لنا عنه أبو نصر الغازي، وأبو سعد البغدادي، وأبو عبد الله الخلال، وأبو بكر الباغبان، وأبو عبد الله الدقاق، وجماعة كثيرة.
قال ابن طاهر المقدسي: سمعت أبا علي الدقاق بأصبهان يقول: سمعت أبا القاسم بن منده يقول: قرأت على أبي أحمد الفرضي ببغداد جزءا فأردت أخذ خطه بذلك، فقال: يا بني، لو قال لك قائل بأصبهان: ليس هذا خط فلان، بم كنت تجيبه؟ ومن كان يشهد لك؟ قال: فبعد ذلك لم أطلب من شيخ خطا.
قال السمعاني: سمعت الحسين بن عبد الملك الخلال يقول: سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله الحافظ يقول: قد تعجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين بي والمنكرين، فإني وجدت بمكة وبخراسان وغيرهما من الآفاق التي قصدتها - من صباي وإلى هذا الوقت - أكثر من لقيته بها موافقا كان أو مخالفا دعاني إلى مساعدته على ما يقوله وتصديق قوله، والشهادة له في فعله على قبول ورضى. فإن كنت صدقته فيما كان يقوله وأجزت له ذلك كما يفعل أهل هذا الزمان، سماني موافقا. وإن وقفت في حرف من قوله وفي شيء من فعله، سماني مخالفا. وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك، سماني خارجيا.
стр. 9784
وإن قرئ علي حديث في التوحيد، سماني مشبها. وإن كان في الرؤية سماني سالميا.
إلى أن قال: وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل، والضد والند، والجسم والأعضاء والآلات، ومن كل ما ينسبه الناسبون إلي ويدعيه المدعون علي، من أن أقول في الله شيئا من ذلك، أو قلته، أو أراه، أو أتوهمه، أو أتجرأه، أو أنتحله، أو أصفه به، وإن كان على وجه الحكاية، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقال أبو زكريا يحيى بن منده: كان عمي سيفا على أهل البدع، وأكبر من أن يثني عليه مثلي، كان والله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وفي الغدو والآصال ذاكرا، ولنفسه في المصالح قاهرا، فأعقب الله من ذكره بالشر الندامة إلى يوم القيامة، وكان عظيم الحلم كثير العلم، ولد سنة ثلاث وثمانين. قرأت عليه حكاية شعبة: من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد. فقال عمي: من كتب عني حديثا فأنا له عبد.
وسمعت (١) أبي أبا عمرو يقول: اتفق أن كنا ليلة مجتمعين للإفطار في رمضان، وكان الحر شديدا، وكنا نأكل ونشرب، وكان عبد الر من يأكل ولا يشرب، فقلت أنا على سبيل اللعب: من عادة أخي أن يأكل ليلة ولا يشرب، ويشرب ليلة أخرى ولا يأكل. قال: فما شرب تلك الليلة. وفي الليلة الآتية كان يشرب ولا يأكل البتة، فلما كانت الليلة الثالثة قال: أيها الأخ، لا تلعب بعد هذا بمثله، فإني ما اشتهيت أن أكذبك.
قلت: وقال الدقاق في رسالته: أول شيخ سمعت منه الشيخ الإمام السيد السديد الأوحد أبو القاسم بن منده، فرزقني الله ﷻ ببركته وحسن نيته وجميل سيرته وعزيز طريقته، فهم حديث رسول الله ﷺ . وكان جذعا في أعين المخالفين أهل البدع والتبدع المتنطعين، وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم، ووصفه أكثر من أن يحصى.
ذكر أبو بكر أحمد بن هبة الله بن أحمد اللوردجاني أنه سمع من لفظ أبي القاسم سعد الزنجاني بمكة يقول: حفظ الله الإسلام برجلين، أحدهما بأصبهان
стр. 9785
والآخر بهراة: عبد الرحمن بن منده، وعبد الله بن محمد الأنصاري.
وقال السمعاني: سمعت الحسن بن محمد بن الرضا العلوي يقول: سمعت خالي أبا طالب بن طباطبا يقول: كنت أشتم أبدا عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده إذا سمعت ذكره أو جرى ذكره في محفل، فسافرت إلى جرباذقان، فرأيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في المنام ويده في يد رجل عليه جبة زرقاء، وفي عينه نكتة، فسلمت عليه فلم يرد علي، وقال: لم تشتم هذا إذا سمعت اسمه؟ فقيل لي في المنام: هذا أمير المؤمنين عمر، وهذا عبد الرحمن بن منده. فانتبهت، ثم رجعت إلى أصبهان وقصدت الشيخ عبد الرحمن، فلما دخلت عليه ورأيته صادفته على النعت الذي رأيته في المنام، وعليه جبة زرقاء، فلما سلمت عليه قال: وعليك السلام يا أبا طالب. وقبل ذلك ما رآني ولا رأيته، فقال لي قبل أن أكلمه: شيء حرمه الله ورسوله، يجوز لنا أن نحله؟ فقلت له: اجعلني في حل. ونشدته الله، وقبلت عينيه، فقال: جعلتك في حل فيما يرجع إلي.
قال السمعاني: سألت أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، فسكت ساعة وتوقف، فراجعته فقال: سمع الكثير، وخالف أباه في مسائل، وأعرض عنه مشايخ الوقت، وما تركني أبي أسمع منه. ثم قال: كان أخوه خيرا منه.
وقال المؤيد ابن الإخوة: سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي قال: سمعت أبي قال: سمعت صاعد بن سيار الهروي يقول: سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده: كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته.
ذكر يحيى أن عمه توفي في سادس عشر شوال، وغسله أحمد بن محمد البقال، وصلى عليه أخوه عبد الوهاب، وحضر جنازته من لا يعلم عددهم إلا الله .
وأول ما قرئ عليه الحديث سنة سبع وأربعمائة؛ سمع عليه علي بن عبد العزيز بن مقرن.
стр. 9786
٣٢١ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، أبو القاسم النيسابوري، المعروف بالحافظ.
قدم همذان في هذا العام، وحدث عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني، وأبي العلاء صاعد بن محمد، ويحيى بن إبراهيم المزكي.
٣٢٢ - عبد الرزاق بن سلهب الأصبهاني.
صالح خير، روى عن أبي عبد الله بن منده.
وقع من سلم فمات في ذي القعدة، وكان خياطا.
٣٢٣ - عبد الكريم بن أبي حاتم السجستاني، أبو بشر الحافظ.
توفي في هذه السنة بسجستان.
٣٢٤ - عبد الملك بن عبد الرحمن، أبو سعد السرخسي الحنفي.
من علماء بغداد، ولي قضاء البصرة، وبها مات في شوال. سمع من هلال الحفار ببغداد، ومن علي بن محمد الطرازي بنيسابور، ومن علي بن محمد بن نصر الدينوري. كتب عنه أبو طاهر بن سوار وغيره، وروى عنه عبد المغيث بن محمد العبدي (١).
٣٢٥ - عبد الملك بن عبد الغفار بن محمد، أبو القاسم الهمذاني الفقيه، الملقب بنجير (٢).
روى عن أبيه، وأبي طاهر بن سلمة، وأبي سعيد بن شبابة، وابن عبدان، وأبي القاسم بن بشران، والحسن بن دوما النعالي، وأبي نعيم الحافظ، والحسين الفلاكي.
قال شيرويه: سمعت منه، وكان فقيها حافظا، أحد أولياء الله، ما رأيت مثله. توفي في المحرم، كان يكتب لنا ويقرأ لنا.
قلت: روى عنه أحمد بن سعد العجلي، وأبو بكر محمد بن بطال؛ لقيه بهمذان.
стр. 9787
٣٢٦ - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان، أبو عمرو بن أبي عقيل السلمي النيسابوري المائقي (١)، ابن خال الأستاذ أبي القاسم القشيري.
شيخ كبير نبيل ثقة، من كبار شيوخ الصوفية العارفين بلغة القوم ورموزهم في الحقائق.
توفي في حدود هذه السنة.
سمع أبا طاهر بن محمش، وعبد الله بن يوسف، وببغداد أبا الحسين بن بشران. روى عنه حفيده عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الوهاب، وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري. وعادل القشيري في المحمل إلى الحجاز (٢).
٣٢٧ - عبيد الله بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان، أبو محمد بن أبي الحديد، السلمي الدمشقي المعدل.
سمع جده، وأباه، وعبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه غيث بن علي، وعمر الرواسي، وأبو القاسم النسيب. روى عن جده شيئا يسيرا (٣).
٣٢٨ - علي بن الحسن بن علي ابن العطار، أخو فاطمة بنت الأقرع.
سمع من ابن مخلد جزء ابن عرفة، وعنه القاضي أبو بكر.
٣٢٩ - علي بن الحسن بن القاسم بن عنان، القاضي أبو الحسن الأسدآباذي، نزيل قشان (٤).
روى عن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن التيمي.
قال شيرويه: سمعت منه، وكان صدوقا متعبدا فاضلا، ومولده سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
٣٣٠ - علي بن الخضر بن عبدان بن أحمد بن عبدان، أبو الحسن الدمشقي العدل.
стр. 9788
حدث عن عبد الرحمن بن أبي نصر، ومنصور بن رامش. روى عنه طاهر الخشوعي، وهبة الله ابن الأكفاني، وأبو الحسن بن المسلم.
توفي في جمادى الأولى (١).
٣٣١ - علي بن محمد بن علي، أبو القاسم التيمي، الكوفي ثم النيسابوري.
سمع أبا زكريا يحيى ابن المزكي، وأبا بكر الحيري. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد المنعم ابن القشيري.
وكان صوفيا، حج مرات، وحدث بهمذان، وتوفي بطريق مكة، وكان صدوقا (٢).
٣٣٢ - علي بن ناعم بن علي بن سهل، أبو الحسن البغدادي البزاز الحنبلي.
صالح ورع مقرئ. سمع أبا الفتح بن أبي الفوارس، وأبا الحسين بن بشران. وعنه قاضي المرستان، وابن السمرقندي، وأبو الحسن بن عبد السلام.
توفي في رجب.
٣٣٣ - محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي، أبو عبد الله، قاضي قرطبة.
روى عن أبيه وعمه عبد الرحمن، وولي القضاء مرتين، ولم تحفظ له قضية جور.
روى عنه أبو علي الغساني، وابناه أبو الحسن وأبو القاسم ابنا أبي عبد الله. وعزل ثاني مرة، وامتحن بسبب القضاء محنة عظيمة، ومات بعد إطلاقه من السجن في صفر بإشبيلية وله ثلاث وسبعون سنة (٣).
٣٣٤ - محمد بن أحمد بن مأمون، أبو عبد الله الكرثي (٤).
توفي في هذه السنة ببلده.
стр. 9789
٣٣٥ - محمد بن هبة الله، أبو الحسن ابن الوراق، النحوي، شيخ العربية ببغداد.
قال السمعاني: تفرد بعلم النحو، وانتهى إليه علم العربية في زمانه. وكان له في القراءات وعلوم القرآن يد ممتدة وباع طويل، وكان صدوقا مأمونا متحريا صالحا وقورا، سمع أبا القاسم بن بشران، وكان ضريرا، روى عنه علي بن عبد السلام، وتوفي في رمضان. وقد استدعاه القائم أمير المؤمنين ليعلم أولاده، فلما خرج قال: هذا البحر.
قال ابن النجار: هو سبط أبي سعيد السيرافي، ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وسمع من أبي علي بن شاذان.
وقال أبو البركات ابن السقطي في معجمه: انتهى إليه علم العربية، قرأت عليه كتاب الإقناع لجده لأمه أبي سعيد النيسابوري.
٣٣٦ - محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن أبي عثمان، أبو تمام الدقاق، أخو أبي سعد المذكور سنة خمس وستين (١).
روى عن أبي عمر بن مهدي، وابن رزقويه. سمع منه ولده أحمد، وأبو عبد الله الحميدي.
قال شجاع الذهلي: توفي سنة سبعين.
٣٣٧ - محمد بن عيسى بن أحمد، أبو الفضل الهاشمي، أخو الشريف أبي جعفر عبد الخالق.
سمع أبا القاسم بن بشران وغيره، وكان من كبار علماء الحنابلة، كتب عنه شجاع الذهلي وغيره.
٣٣٨ - منصور، أبو القاسم، قاضي قضاة نيسابور ابن قاضي القضاة أبي الحسن إسماعيل ابن القاضي أبي العلاء صاعد بن محمد النيسابوري الحنفي.
سمع جده، وأبا عبد الرحمن السلمي، وغيرهما. ومات في ربيع الأول.
وكان سنيا سليما من الاعتزال، وكان عارفا بالعربية عالما بالحديث، وكانت إليه الفتوى على مذهب أبي حنيفة، سافر إلى ما وراء النهر وإلى بغداد.
стр. 9790
روى عنه عثمان بن إسماعيل الخفاف شيخ السمعاني، وقد سمع أيضا من أبي القاسم السراج وجماعة.
٣٣٩ - موسى بن علي بن محمد بن علي، أبو عمران الصقلي النحوي.
قدم الشام، وسمع أبا ذر الهروي بمكة، ومحمد بن جعفر الميماسي، والحسن بن جميع، وجماعة. روى عنه من شيوخه عبد العزيز الكتاني، وغيث الأرمنازي. وكان مؤدب الشريف النسيب.
توفي بصور (١).
٣٤٠ - هبة الله بن أحمد بن محمد، أبو الحسن البرويي (٢) النيسابوري.
روى عن الحاكم، وغالب بن علي الحافظ، وجماعة.
توفي في حدود السبعين، روى عنه عثمان الخفاف.
٣٤١ - هبة الله بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الطيب، أبو الفتح القرشي المخزومي الكوفي، نزيل بغداد.
حدث عن محمد بن عبد الله بن الحسين الجعفي، ومحمد بن جعفر النجار. وعنه أبو القاسم ابن السمرقندي.
قال الخطيب (٣): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا.
وقال هبة الله السقطي: كان زيديا.
وقال ابن خيرون: توفي هبة الله بن علي ابن الخباز في ربيع الأول.
стр. 9791
المتوفون تقريبا
٣٤٢ - أحمد بن علي بن عبيد الله، أبو نصر الدينوري السلمي الصوفي المقرئ.
سمع أبا الحسن بن جهضم، وأبا محمد ابن النحاس، وأبا سعد الماليني، وأبا محمد بن أبي نصر. روى عنه نصر المقدسي، ومكي الرميلي، وأبو بكر ابن الخاضبة، وغيرهم.
توفي بعد الستين وأربعمائة، أو قبلها (١).
٣٤٣ - إبراهيم بن محمد بن أحمد، أبو القاسم البصري المناديلي المقرئ المعدل.
سمع من أحمد بن يعقوب المعدل سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، ومن القاضي أبي عمر الهاشمي، وعلي بن أحمد بن غسان الحافظ، وطائفة. وعنه الغطريف بن عبد الله، ومحمد بن أبي نصر الأشناني شيخ السلفي، وغير واحد.
حدث سنة ست وستين بالبصرة، وقع لنا من حديثه جزءان.
٣٤٤ - إسماعيل بن علي، الأديب أبو محمد الدمشقي، الكاتب المعروف بابن العين زربي.
شاعر مفلق، توفي سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو القائل:
ترك الظاعنون جسمي بلا قلـ … ـب وعيني عينا من الهملان
وإذا لم تفض دما سحب أجفا … ني على بعدكم فما أجفاني
حل في مقلتي فلو فتشوها … كان ذاك الإنسان في إنساني (٢)
٣٤٥ - تبع بن القاسم بن نصر، أبو الحسن التبعي الهمذاني، نزيل بغداد.
وكان له بها آثار جميلة من فتوات، ومنابر، وكان فقيرا معانا كثير التلاوة. سمع أبا بكر أحمد بن علي بن لال، روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي (٣).
стр. 9792
٣٤٦ - ثابت بن محمد بن محمد الفزاري، أبو القاسم ابن الطبقي.
سمع ابن الصلت المجبر، روى عنه أبو عبد الله البارع وغيره.
٣٤٧ - الحسن بن مكي بن الحسن، أبو محمد الشيزري المقرئ.
سمع أبا عبد الله بن أبي كامل صاحب خيثمة، وأبا الفوارس أحمد بن محمد الشيزري. وعنه المؤتمن الساجي، ومحمد بن طاهر المقدسي، وعمر الدهستاني.
توفي بحلب (١).
٣٤٨ - الحسين بن عبد الله بن الحسين ابن الشويخ، الفقيه أبو عبد الله الأرموي الشافعي.
سمع أبا محمد عبد الله بن عبيد الله ابن البيع، وعبد الواحد بن محمد بن سبنك ببغداد، ومحمد بن محمد بن محمد بن بكر الهزاني بالبصرة. روى عنه عمر الرواسي، وتوفي بمصر بعد الستين وأربعمائة؛ قاله السمعاني (٢).
وروى عنه الرازي في مشيخته.
٣٤٩ - شبيب بن أحمد بن محمد بن خشنام، أبو سعد البستيغي الخباز النيسابوري الكرامي.
حدث عن أبي نعيم عبد الملك الإسفراييني، وأبي الحسن العلوي، وغيرهما. وعنه أبو عبد الله الفراوي، وزاهر ووجيه ابنا الشحامي، وهبة الرحمن ابن القشيري، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وقال (٣): هو شيخ صالح صحيح السماع، مشتغل بكسبه. قال: وتوفي سنة نيف وستين وأربعمائة.
وقال ابن ناصر: ذكر لي زاهر الشحامي أنه سمع منه، فسألته عنه فقال: لم يكن يعرف الحديث، وكان كراميا مغاليا في معتقده.
وقال ابن السمعاني: كان شيخا صالحا عفيفا، سديد السيرة. ولد قبل التسعين وثلاثمائة، روى عنه جدي أبو المظفر في أماليه، وتوفي في حدود السبعين وأربعمائة. وروى لأبي عنه سعيد بن الحسين الجوهري، وأبو الأسعد بن القشيري.
стр. 9793
٣٥٠ - عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الحسن البحيري المزكي النيسابوري.
سمع أبا نعيم عبد الملك بن الحسن العلوي، وأبا عبد الله الحاكم، وعبد الله بن يوسف، ومحمد بن أحمد بن عبدوس المزكي، وطبقتهم. وحدث وأملى؛ روى عنه أبو القاسم الشحامي (١).
وابنه عبد الرحمن هو المذكور في سنة أربعين وخمسمائة.
٣٥١ - عبد الله بن عبيد الله بن محمد، أبو محمد المصري المحاملي.
سمع محمد بن الحسن بن عمر الصيرفي وغيره. روى عنه صالح بن حميد اللبان، وعلي بن الحسين الفراء، وغيرهما.
أخبرنا أبو بكر بن عمر النحوي قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الإوقي قال: أخبرنا السلفي قال: أخبرنا صالح بن حميد قال: أخبرنا عبد الله بن عبيد الله المحاملي قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا محمد بن موسى النقاش قال: حدثنا محمد بن صالح الخولاني قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الخولاني قال: حدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا حسين الجعفي قال: كان أبو يونس القوي يطوف في كل يوم سبعين أسبوعا.
٣٥٢ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم، أبو محمد الكروني الأصبهاني، أحد أئمة الشافعية.
تفقه على أبي الطيب الطبري ببغداد. وسمع من أبي الحسين بن بشران، وهبة الله اللالكائي، وجماعة كثيرة. روى عنه محمد بن عبد الوهاب الدقاق، وغانم بن خالد، ومحمود بن أحمد الخاني.
قال السمعاني: توفي سنة نيف وستين.
٣٥٣ - عبد الجليل بن أبي بكر الربعي القروي، أبو القاسم الديباجي، المعروف بالصابوني، المتكلم.
أخذ عن أبي عمران الفاسي، وأبي عبد الله الأزدي صاحب ابن الباقلاني. وصنف كتاب المستوعب في أصول الفقه، وكتاب نكت الانتصار، وألف معتقدا.
درس بقلعة حماد وبفاس، أخذ عنه الأصول أبو عبد الله بن شبرين. وروى عنه أبو عبد الله بن الخير، وأبو عبد الله بن خليفة، ومحمد بن داود
стр. 9794
القلعي، وأبو الحجاج يوسف بن الملجوم (١).
٣٥٤ - عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد، أبو حنيفة الزوزني، الفقيه الشافعي، نزيل نيسابور.
شيخ بهي رئيس، كثير التلاوة، بارع الخط، كان يداوم على كتابة المصاحف ويتأنق فيها، ونفق سوقه وازدحموا على مصاحفه. سمع أبا بكر الحيري، ومنصور بن رامش.
توفي سنة نيف وستين (٢).
٣٥٥ - عبد الكريم بن أحمد بن طاهر بن أحمد، أبو سعد التيمي الوزان، من أهل طبرستان.
سكن الري، وكان من كبار عصره فضلا وحشمة وجاها، له قدم في المناظرة وإفحام الخصوم، تفقه بمرو على الإمام أبي بكر القفال (٣).
٣٥٦ - عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر، أبو مروان الإيادي الإشبيلي.
تفقه وتفنن في العلم، ثم حج، وتعلم الطب فتقدم فيه، وسكن دانية. وفي ذريته أطباء، وهو والد الطبيب أبي العلاء بن زهر.
مات في حدود السبعين وأربعمائة (٤).
٣٥٧ - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن أحمد، أبو عمرو السلمي الزاهد.
من نبلاء مشيخة نيسابور، ومن أعيان الصوفية. سمع عبد الله بن يوسف، وابن محمش، وأبا الحسين بن بشران، وعدة. وعاش تسعين سنة، روى عنه أبو الأسعد هبة الرحمن (٥).
٣٥٨ - عقيل بن محمد بن علي، أبو الفضل، الفارسي ثم البعلبكي، الفقيه الشافعي.
روى عن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن القطان، وعبد الرحمن بن أبي
стр. 9795
نصر. روى عنه عمر الرواسي، وهبة الله ابن الأكفاني، وابنه أحمد بن عقيل. وكان يحفظ مختصر المزني (١).
٣٥٩ - علي بن محمد بن جعفر، أبو الحسن اللحساني الطريثيثي، وطريثيث من نواحي نيسابور.
قال السمعاني: كان شيخا صالحا عفيفا صوفيا ظريفا، حج مرات، وكان يحدث بنيسابور ويرجع إلى ناحيته. سمع بهراة شاه بن عبد الرحمن ومحمد بن محمد بن جعفر الماليني، وبنيسابور أبا الحسين أحمد بن محمد الخفاف. روى عنه أبو عبد الله الفراوي، وأبو القاسم الشحامي (٢).
وتوفي بعد سنة ستين، وقد جاوز الثمانين.
• - علي بن محمد بن نصر الدينوري، نزيل غزنة.
ذكر في سنة ثمان وستين ظنا (٣).
٣٦٠ - علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الحسن بن أبي عيسى الحسناباذي الأصبهاني.
مشهور، صدوق، عارف بالرواية. سمع أبا بكر بن مردويه، وببغداد أبا الحسن بن الصلت وابن رزقويه.
قال السمعاني: روى لنا عنه ابن عمه أبو الخير عبد السلام بن محمود، ومحمد بن الفضل الخاني، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق (٤).
٣٦١ - علي بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الحسن البغدادي الحنبلي.
أحد الأئمة الكبار، خرج في فتنة البساسيري فسكن ثغر آمد، كان أحد الأذكياء المعدودين، تفقه على القاضي أبي يعلى، وسمع من أبي القاسم بن بشران، وأبي الحسين ابن الحراني، وأبي علي بن المذهب. ورحل إليه أبو القاسم ابن الفراء للتفقه عليه.
توفي بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربعمائة (٥).
стр. 9796
٣٦٢ - علي بن غنائم، أبو الحسن الأوسي المصري، المالكي.
سمع ابن نظيف، وصلة بن المؤمل، وأبا حازم ابن الفراء، وجماعة. وعنه علي بن طاهر، وجمال الإسلام علي بن المسلم، وإسماعيل ابن السمرقندي.
وثقه ابن الأكفاني (١).
٣٦٣ - الفضل بن عطاء، أبو إبراهيم المهراني النيسابوري.
شيخ بهي فاضل، من بيت الزهد والورع، سمع الكثير من أبي عبد الله الحاكم وغيره، وكان مبالغا في الزهد والورع.
روى عنه عبد الرحمن بن عبد الله البحيري، وتوفي سنة نيف وستين وله سبعون سنة (٢).
٣٦٤ - محمد بن خلصة، أبو عبد الله النحوي الشذوني، نزيل دانية.
كان كفيفا ذكيا ظريفا، من كبار النحاة المذكورين والشعراء المشهورين، أخذ عن أبي الحسن بن سيده، وبرع في اللغة والنحو، وأشغل مدة. أخذ عنه أبو عمر بن مشرف، وأبو عبد الله بن مطرف، وغيرهما.
وشعره مدون، فمنه:
أمدنف نفس بالهوى أم جليدها … غداة غدت في حلبة البين غيدها
تخد بألحاظ لها وجناتها … وترهب أن تنقد لينا قدودها
فيا لدماء الأسد تسفكها الدما … وللصيد من عفر الظباء تصيدها
قال الأبار (٣): بقي إلى بعد سنة ثمان وستين وأربعمائة.
٣٦٥ - محمد بن أحمد، الفقيه أبو المظفر التميمي المروروذي الشافعي الواعظ.
روى عن عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي الدمشقي، وجماعة. روى عنه عبد العزيز الكتاني، وعلي بن الخضر، ومحيي السنة أبو محمد البغوي (٤).
٣٦٦ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد، القاضي أبو عمرو النسوي، الملقب بأقضى القضاة.
стр. 9797
من أكابر أهل خراسان فضلا وحشمة وإفضالا وجاها، وكان رسول الملوك إلى الخلافة المشرفة.
سمع أبا بكر الحيري، وأبا إسحاق الإسفراييني، ومحمد بن زهير النسائي. وبمكة أبا ذر الهروي، وابن نظيف. وبدمشق أبا الحسن ابن السمسار.
أملى سنين وتكلم على الأحاديث؛ روى عنه أبو عبد الله الفراوي، وأبو المظفر ابن القشيري، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وعبد الغافر الفارسي في تاريخه وأطنب في وصفه، وقال (١): وقف بعض بساتينه بنسا على مدرسة الصوفية المنسوبة إلى أبي علي الدقاق بنسا. وله بخوارزم مدرسة اتخذها لما ولي قضاءها وأعمالها، وعاش ثمانين سنة، وصنف كتبا في التفسير والفقه (٢).
٣٦٧ - واصل بن حمزة بن علي، أبو القاسم الخنبوني - وخنبون: قرية من قرى بخارى - الصوفي الحافظ.
ثقة صالح خير، رحال؛ سمع عبد الكريم بن عبد الرحمن الكلاباذي، وأحمد بن ماما الأصبهاني الحافظ، وإبراهيم بن سلم الشكاني (٣) ببخارى، وأبا العباس المستغفري بنسف، وأبا الحسين بن فاذشاه، وأصحاب الطبراني بأصبهان.
قال الخطيب (٤): كتبت عنه، ولم يكن به بأس.
وروى عنه أبو بكر قاضي المارستان (٥).
قال أبو زكريا بن منده: كان يرجع إلى الحفظ والديانة، وجمع الأبواب والطرق، ثم ترك ذلك كله واشتغل بشيء لا يرضاه الله.
وقال السمعاني: حدث في سنة سبع وستين (٦).
(آخر الطبقة والحمد لله)
стр. 9798
الطبقة الثامنة والأربعون
(٤٧١ - ٤٨٠ هـ)
стр. 9799
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وسبعين وأربعمائة
فيها عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي بالله بأبي شجاع بن الحسين لكونه شد (١) من الحنابلة، وكتب أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الفقيه الواسطي إلى نظام الملك هذه الأبيات:
يا نظام الملك قد حل … ببغداد النظام
وابنك القاطن فيها … مستهان مستضام
وبها أودى له قتـ … ـلا غلام، وغلام
والذي منهم تبقى … سالما فيه سهام
يا قوام الدين لم يبـ … ـق ببغداد مقام
عظم الخطب، وللحر … ب اتصال، ودوام
فمتى لم تحسم الدا … ء أياديك الحسام
ويكف القوم في بغـ … ـداد قتل، وانتقام
فعلى مدرسة فيـ … ـها ومن فيها السلام
واعتصام بحريم … لك، من بعدُ، حرام
فعظم هذا الخطب على النظام، وأعاد كوهرائين إلى شحنكية بغداد، وحمله رسالة إلى المقتدي تتضمن الشكوى من ابن جهير. وأمر كوهرائين بأخذ أصحاب ابن جهير وإيصال المكروه والأذى إليهم، فسار عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى النظام، وتلطف في القضية إلى أن لان لهم.
وفيها سار الملك تاج الدولة تتش أخو السلطان ملكشاه فدخل الشام، وتملك دمشق بأمر أخيه بعد أن افتتح حلب، وكان معه عسكر كثير من
стр. 9800
التركمان، وذلك أن آتسز - والعامة تغيره؛ يقولون: أقسيس - صاحب دمشق لما جاء المصريون لحربه استنجد بتتش، فسار إليه من حلب، وطمع فيه، فلما قارب دمشق أجفل العسكر المصري بين يديه شبه المنهزمين، وفرح آتسز، وخرج لتلقيه عند سور المدينة، فأبدى تتش صورة، وأظهر الغيظ من آتسز إذ لم يبعد في تلقيه، وعاتبه بغضب، فاعتذر إليه فلم يقبل، وقبض عليه وقتله في الحال، وملك البلد، وأحسن السيرة، وتحبب إلى الناس.
ومنهم من ورخ فتح تتش لدمشق في سنة اثنتين وسبعين.
وكان أهل الشام في ويل شديد مع آتسز الخوارزمي المقتول.
سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة
فيها كتب شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي صاحب الموصل إلى السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان السلجوقي يطلب منه أن يسلم إليه حلب على أن يحمل إليه في العام ثلاثمائة ألف دينار، فأجابه إلى ذلك، وكتب له توقيعا بها. فسار إليها وبها سابق آخر ملوك بني مرداس، فأعطاه مسلم بن قريش إقطاعا بعشرين ألف دينار على أن يخرج من البلد، فأجاب. فوثب عليه أخواه فقتلاه واستوليا على القلعة، فحاصرهما مسلم، ثم أخذها صلحا.
وفيها مات نصر بن أحمد بن مروان صاحب ديار بكر، وتملك بعده ابنه منصور.
وفيها غزا صاحب الهند إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين في الكفار غزوة كبرى.
سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة
فيها عرض السلطان ملكشاه جيشه بالري، فأسقط منهم سبعة آلاف لم يرض حالهم، فصاروا إلى أخيه تكش فقوي بهم وأظهر العصيان، واستولى على مرو وترمذ، وسار إلى نيسابور، فسبقه إليها السلطان، فرد وتحصن بترمذ، ثم نزل إليه فعفا عنه.
стр. 9801
سنة أربع وسبعين وأربعمائة
فيها بعث الخليفة المقتدي بالله الوزير أبا نصر بن جهير يخطب ابنة السلطان، فأجابوا، على أن لا يتسرى عليها ولا يبيت إلا عندها.
وفيها حاصر تميم صاحب إفريقية مدينة قابس، وأتلف جنده بساتينها، وضيق على أهلها.
وفيها سار تتش صاحب دمشق فافتتح أنطرسوس وغيرها.
وفيها أخذ شرف الدولة صاحب الموصل حران من بني وثاب النميريين، وصالحه صاحب الرها وخطب له.
وفيها مات الأمير داود ولد السلطان ملكشاه فجزع عليه، ومنع من دفنه حتى تغيرت رائحته، وأراد قتل نفسه مرات فيمنعونه؛ كذا نقل صاحب الكامل (١).
وفيها تملك الأمير سديد الدولة أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني حصن شيزر وانتزعه من الفرنج، وكان له عشيرة وأصحاب، وكانوا ينزلون بقرب شيزر، فنازلها ثم تسلمها بالأمان، ومال بذله للأسقف بها فلم تزل شيزر بيده ويد أولاده إلى أن هدمتها الزلزلة وقتلت أكثر من بها، فأخذها السلطان نور الدين محمود وأصلحها وجددها. وأما سديد الدولة فلم يحيا بعد أن تملكها إلا نحو السنة، وكان فارسا شجاعا شاعرا، وتملك بعده ابنه أبو المرهف نصر.
وفيها مات نور الدولة دبيس ابن الأمير سند الدولة علي بن مزيد الأسدي، وقد ولي الإمارة صبيا بعد أبيه من سنة ست وأربعمائة، وبقي رئيس العرب هذه المدة كلها، وكان كريما عاقلا شريفا، قليل الشر والظلم.
سنة خمس وسبعين وأربعمائة
فيها قدم الشريف أبو القاسم البكري الواعظ الأشعري بغداد، وكان جاء من الغرب وقصد نظام الملك فأحبه ومال إليه، وبعثه إلى بغداد، فوعظ
стр. 9802
بالنظامية، وأخذ يذكر الحنابلة ويرميهم بالتجسيم، ويثني على الإمام أحمد ويقول: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ثم وقع بينه وبين جماعة من الحنابلة سب وخصام، فكبس دور بني الفراء وأخذ كتاب أبي يعلى الفراء ﵀ في إبطال التأويل، فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على المنبر فيشنع به، فلقبوه علم السنة، ولما مات دفنوه عند قبر أبي الحسن الأشعري.
وفي آخر السنة بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح.
وفيها قدم مؤيد الملك ابن نظام الملك من أصبهان، ونزل بالنظامية، وضربت على بابه الطبول أوقات الصلوات الثلاث، فأعطي مالا جزيلا حتى قطعها وبعث بها إلى تكريت.
سنة ست وسبعين وأربعمائة
فيها عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة، وولي أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء ابن المسلمة، وسار ابن جهير وأبوه إلى السلطان فأكرمهم، وعقد لابنه فخر الدولة على ديار بكر وأعطاه الكوسات والعساكر، وأمره أن ينتزعها من بني مروان.
وفيها عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ابن جلبة (١) الحنبلي، وعزموا على تسليم حران إلى جنق أمير التركمان لكونه سنيا، ولكون مسلم رافضيا. وكان مسلم على دمشق يحاصر أخا السلطان تاج الدولة تتش في هوى المصريين، فأسرع إلى حران ورماها بالمنجنيق، وافتتح البلد، وقتل القاضي وولديه، ﵏. وكان تاج الدولة تتش قد سار فقصد أنطاكية.
وفيها عزل المظفر ابن رئيس الرؤساء من وزارة الخليفة، وولي أبو
стр. 9803
شجاع محمد بن الحسين، ولقبه الخليفة ظهير الدين، ومدحته الشعراء فأكثروا.
وفيها قتلة سيد الرؤساء أبي المحاسن ابن كمال الملك بن أبي الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه إلى الغاية، وكان أبوه كمال الملك يكتب الإنشاء للسلطان، فقال أبو المحاسن: أيها الملك، سلم إلي نظام الملك وأصحابه وأنا أعطيك ألف ألف دينار، فإنهم قد أكلوا البلاد. فبلغ ذلك نظام الملك، فمد سماطا وأقام عليه مماليكه، وهم ألوف من الأتراك؛ كذا قال ابن الأثير (١)، وأقام خيلهم وسلاحهم. فلما حضر السلطان قال له: إنني خدمتك وخدمت أباك وجدك، ولي حق خدمة. وقد بلغك أخذي لأموالك، وصدق القائل، أنا آخذ المال وأعطيه لهؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، وأصرفه أيضا في الصدقات والوقوف والصلات التي معظم ذكرها وأجرها لك، وأموالي وجميع ما أملك بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية. فصفا له السلطان، وأمر أن تسمل عينا أبي المحاسن، ونفذه إلى قلعة ساوة، فسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بنظام الملك وحمل مائتي ألف دينار، وعزل عن الطغراء؛ يعني كتابة السر، ووليها مؤيد الملك ابن النظام.
وفيها خرج مالك بن علوي أمير العرب على تميم ابن المعز وحاصر المهدية، وتعب معه تميم، ثم سار إلى القيروان فملكها، فجهز إليه تميم جيوشه، فحاصروه بالقيروان، فعجز وخرج منها، وعادت إلى يد تميم.
وفيها رخصت الأسعار بسائر البلاد، وعاش الناس، ولله الحمد.
سنة سبع وسبعين وأربعمائة
فيها بعث السلطان جيشا عليهم الأمير أرتق بن أكسب نجدة لفخر الدولة ابن جهير، وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة صاحب الموصل، واستنجد به على أن يسلم إليه آمد، وحلف له على ذلك، وكانت بينهما إحن قديمة، فاتفقا على حرب ابن جهير وسارا، فمال ابن جهير إلى الصلح، وعلمت التركمان نيته، فساروا في الليل، وأتوا العرب فأحاطوا بهم، والتحم القتال فانهزمت العرب، وأسرت أمراء بني عقيل، وغنمت التركمان لهم شيئا
стр. 9804
كثيرا، واستظهر ابن جهير وحاصر شرف الدولة، فراسل شرف الدولة أرتق وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه ويمكنه من الخروج من آمد، فأذن له، فساق على حمية، وقصد الرقة، وبعث بالمال إلى أرتق. وسار فخر الدولة إلى خلاط، وبلغ السلطان أن شرف الدولة قد انهزم وحصر بآمد، فجهز عميد الدولة بن جهير في جيش مددا لأبيه، فقدم الموصل، وفي خدمته من الأمراء: قسيم الدولة آقسنقر جد السلطان نور الدين ﵀ والأمير أرتق، وفتح له أهل الموصل البلد فتسلمه.
وسار السلطان بنفسه ليستولي على بلاد شرف الدولة بن قريش، فأتاه البريد بخروج أخيه تكش بخراسان، فبعث مؤيد الدولة ابن النظام إلى شرف الدولة، وهو بنواحي الرحبة، وحلف له، فحضر إلى خدمة السلطان، فخلع عليه، وقدم هو خيلا عربية من جملتها فرسه بشار، وكان فرسا عديم النظير في زمانه، لا يسبق، فأجري بين يديه فجاء سابقا، فوثب قائما من شدة فرحه، وصلح شرف الدولة. وعاد إلى خراسان لحرب أخيه، وكان قد صالحه، فلما رأى تكش الآن بعد السلطان عنه عاد إلى العصيان، فظفر به السلطان فكحله وسجنه، ولو كان قتله لاستراح؛ لأنه قصد مرو بعد، فدخلها وأباحها لعسكره ثلاثة أيام، فنهبوا الأموال وفعلوا العظائم، وشربوا في الجامع في رمضان.
وفيها سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصرا بجيوشه إلى الشام، فأخذ أنطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وسبب أخذها أن صاحبها كان قد سار عنها إلى بلاد الروم ورتب بها شحنة، وكان مسيئا إلى أهلها وإلى جنده حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه، فركب في البحر في ثلاثمائة فارس، وجمع من الرجالة، وطلع من المراكب، وسار في جبال وعرة ومضائق صعبة حتى وصل إليها بغتة ونصب السلالم ودخلها في شعبان، وقاتلوه قتالا ضعيفا، وقتل جماعة وعفا عن الرعية وعدل فيهم، وأخذ منها أموالا لا تحصى، ثم أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره، فأظهر السلطان السرور، وهنأه الناس.
وفيها يقول الأبيوردي قصيدته، منها:
стр. 9805
لمعت كناصية الحصان الأشقر … نار بمعتلج الكثيب الأعفر
وفتحت أنطاكية الروم التي … نشرت معاقلها على الإسكندر
وطئت مناكبها جيادك فانثنت … تلقي أجنتها بنات الأصفر
وأرسل شرف الدولة مسلم بن قريش إلى سليمان يطلب منه الحمل الذي كان يحمله إليه صاحب أنطاكية، فبعث يقول له: إنما ذاك المال كان جزية رأس الفردروس، وأنا بحمد الله فمؤمن، ولا أعطيك شيئا. فنهب شرف الدولة بلاد أنطاكية، فنهب سليمان أيضا بلاد حلب، فاستغاث له أهل القرى فرق لهم، وأمر جنده بإعادة عامة ما نهبوه.
ثم إن شرف الدولة حشد العساكر وسار لحصار أنطاكية، فأقبل سليمان بعساكره، فالتقيا في صفر سنة ثمان وسبعين بنواحي أنطاكية، فانهزمت العرب، وقتل شرف الدولة بعد أن ثبت وقتل بين يديه أربعمائة من شباب حلب. وكان أخوه إبراهيم في سجنه، فأخرجوه وملكوه، وسار سليمان فنازل حلب وحاصرها أكثر من شهر، وترحل عنها.
وفيها ولي شحنكية بغداد قسيم الدولة آقسنقر.
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
كان الأدفونش - لعنه الله - قد جمع جيوشه، وسار فنزل على مدينة طليطلة من بلاد الأندلس في السنين الماضية، فحاصرها سبع سنين، وأخذها في هذا العام من صاحبها القادر بالله ولد المأمون يحيى بن ذي النون، فازداد قوة وطغى وتجبر.
وكان ملوك الأندلس، حتى المعتمد صاحب قرطبة وإشبيلية، يحمل إليه قطيعة كل عام. فاستعان المعتمد بن عباد على حربه بالملثمين من البربر، فدخلوا إلى الأندلس، فكانت بينهما وقعة مشهودة، ولكن أساء يوسف بن تاشفين ملك الملثمين إلى ابن عباد وعمل عليه، وأخذ منه البلاد، وسجنه بأغمات إلى أن مات.
وذكر اليسع بن حزم قال: كان وجه أدفونش بن شانجة رسولا إلى المعتمد، وكان من أعيان ملوك الفرنج يقال له البرهنس، معه كتاب كتبه رجل