← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

سنة أربع وسبعين وأربعمائة فيها بعث الخليفة المقتدي بالله الوزير أبا نصر بن جهير يخطب ابنة السلطان، فأجابوا، على أن لا يتسرى عليها ولا يبيت إلا عندها. وفيها حاصر تميم صاحب إفريقية مدينة قابس، وأتلف جنده بساتينها، وضيق على أهلها. وفيها سار تتش صاحب دمشق فافتتح أنطرسوس وغيرها. وفيها أخذ شرف الدولة صاحب الموصل حران من بني وثاب النميريين، وصالحه صاحب الرها وخطب له. وفيها مات الأمير داود ولد السلطان ملكشاه فجزع عليه، ومنع من دفنه حتى تغيرت رائحته، وأراد قتل نفسه مرات فيمنعونه؛ كذا نقل صاحب الكامل (١). وفيها تملك الأمير سديد الدولة أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني حصن شيزر وانتزعه من الفرنج، وكان له عشيرة وأصحاب، وكانوا ينزلون بقرب شيزر، فنازلها ثم تسلمها بالأمان، ومال بذله للأسقف بها فلم تزل شيزر بيده ويد أولاده إلى أن هدمتها الزلزلة وقتلت أكثر من بها، فأخذها السلطان نور الدين محمود وأصلحها وجددها. وأما سديد الدولة فلم يحيا بعد أن تملكها إلا نحو السنة، وكان فارسا شجاعا شاعرا، وتملك بعده ابنه أبو المرهف نصر. وفيها مات نور الدولة دبيس ابن الأمير سند الدولة علي بن مزيد الأسدي، وقد ولي الإمارة صبيا بعد أبيه من سنة ست وأربعمائة، وبقي رئيس العرب هذه المدة كلها، وكان كريما عاقلا شريفا، قليل الشر والظلم. سنة خمس وسبعين وأربعمائة فيها قدم الشريف أبو القاسم البكري الواعظ الأشعري بغداد، وكان جاء من الغرب وقصد نظام الملك فأحبه ومال إليه، وبعثه إلى بغداد، فوعظ

стр. 9802

بالنظامية، وأخذ يذكر الحنابلة ويرميهم بالتجسيم، ويثني على الإمام أحمد ويقول: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ثم وقع بينه وبين جماعة من الحنابلة سب وخصام، فكبس دور بني الفراء وأخذ كتاب أبي يعلى الفراء ﵀ في إبطال التأويل، فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على المنبر فيشنع به، فلقبوه علم السنة، ولما مات دفنوه عند قبر أبي الحسن الأشعري. وفي آخر السنة بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح. وفيها قدم مؤيد الملك ابن نظام الملك من أصبهان، ونزل بالنظامية، وضربت على بابه الطبول أوقات الصلوات الثلاث، فأعطي مالا جزيلا حتى قطعها وبعث بها إلى تكريت. سنة ست وسبعين وأربعمائة فيها عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة، وولي أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء ابن المسلمة، وسار ابن جهير وأبوه إلى السلطان فأكرمهم، وعقد لابنه فخر الدولة على ديار بكر وأعطاه الكوسات والعساكر، وأمره أن ينتزعها من بني مروان. وفيها عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ابن جلبة (١) الحنبلي، وعزموا على تسليم حران إلى جنق أمير التركمان لكونه سنيا، ولكون مسلم رافضيا. وكان مسلم على دمشق يحاصر أخا السلطان تاج الدولة تتش في هوى المصريين، فأسرع إلى حران ورماها بالمنجنيق، وافتتح البلد، وقتل القاضي وولديه، ﵏. وكان تاج الدولة تتش قد سار فقصد أنطاكية. وفيها عزل المظفر ابن رئيس الرؤساء من وزارة الخليفة، وولي أبو

стр. 9803

شجاع محمد بن الحسين، ولقبه الخليفة ظهير الدين، ومدحته الشعراء فأكثروا. وفيها قتلة سيد الرؤساء أبي المحاسن ابن كمال الملك بن أبي الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه إلى الغاية، وكان أبوه كمال الملك يكتب الإنشاء للسلطان، فقال أبو المحاسن: أيها الملك، سلم إلي نظام الملك وأصحابه وأنا أعطيك ألف ألف دينار، فإنهم قد أكلوا البلاد. فبلغ ذلك نظام الملك، فمد سماطا وأقام عليه مماليكه، وهم ألوف من الأتراك؛ كذا قال ابن الأثير (١)، وأقام خيلهم وسلاحهم. فلما حضر السلطان قال له: إنني خدمتك وخدمت أباك وجدك، ولي حق خدمة. وقد بلغك أخذي لأموالك، وصدق القائل، أنا آخذ المال وأعطيه لهؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، وأصرفه أيضا في الصدقات والوقوف والصلات التي معظم ذكرها وأجرها لك، وأموالي وجميع ما أملك بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية. فصفا له السلطان، وأمر أن تسمل عينا أبي المحاسن، ونفذه إلى قلعة ساوة، فسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بنظام الملك وحمل مائتي ألف دينار، وعزل عن الطغراء؛ يعني كتابة السر، ووليها مؤيد الملك ابن النظام. وفيها خرج مالك بن علوي أمير العرب على تميم ابن المعز وحاصر المهدية، وتعب معه تميم، ثم سار إلى القيروان فملكها، فجهز إليه تميم جيوشه، فحاصروه بالقيروان، فعجز وخرج منها، وعادت إلى يد تميم. وفيها رخصت الأسعار بسائر البلاد، وعاش الناس، ولله الحمد. سنة سبع وسبعين وأربعمائة فيها بعث السلطان جيشا عليهم الأمير أرتق بن أكسب نجدة لفخر الدولة ابن جهير، وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة صاحب الموصل، واستنجد به على أن يسلم إليه آمد، وحلف له على ذلك، وكانت بينهما إحن قديمة، فاتفقا على حرب ابن جهير وسارا، فمال ابن جهير إلى الصلح، وعلمت التركمان نيته، فساروا في الليل، وأتوا العرب فأحاطوا بهم، والتحم القتال فانهزمت العرب، وأسرت أمراء بني عقيل، وغنمت التركمان لهم شيئا

стр. 9804

كثيرا، واستظهر ابن جهير وحاصر شرف الدولة، فراسل شرف الدولة أرتق وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه ويمكنه من الخروج من آمد، فأذن له، فساق على حمية، وقصد الرقة، وبعث بالمال إلى أرتق. وسار فخر الدولة إلى خلاط، وبلغ السلطان أن شرف الدولة قد انهزم وحصر بآمد، فجهز عميد الدولة بن جهير في جيش مددا لأبيه، فقدم الموصل، وفي خدمته من الأمراء: قسيم الدولة آقسنقر جد السلطان نور الدين ﵀ والأمير أرتق، وفتح له أهل الموصل البلد فتسلمه. وسار السلطان بنفسه ليستولي على بلاد شرف الدولة بن قريش، فأتاه البريد بخروج أخيه تكش بخراسان، فبعث مؤيد الدولة ابن النظام إلى شرف الدولة، وهو بنواحي الرحبة، وحلف له، فحضر إلى خدمة السلطان، فخلع عليه، وقدم هو خيلا عربية من جملتها فرسه بشار، وكان فرسا عديم النظير في زمانه، لا يسبق، فأجري بين يديه فجاء سابقا، فوثب قائما من شدة فرحه، وصلح شرف الدولة. وعاد إلى خراسان لحرب أخيه، وكان قد صالحه، فلما رأى تكش الآن بعد السلطان عنه عاد إلى العصيان، فظفر به السلطان فكحله وسجنه، ولو كان قتله لاستراح؛ لأنه قصد مرو بعد، فدخلها وأباحها لعسكره ثلاثة أيام، فنهبوا الأموال وفعلوا العظائم، وشربوا في الجامع في رمضان. وفيها سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصرا بجيوشه إلى الشام، فأخذ أنطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وسبب أخذها أن صاحبها كان قد سار عنها إلى بلاد الروم ورتب بها شحنة، وكان مسيئا إلى أهلها وإلى جنده حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه، فركب في البحر في ثلاثمائة فارس، وجمع من الرجالة، وطلع من المراكب، وسار في جبال وعرة ومضائق صعبة حتى وصل إليها بغتة ونصب السلالم ودخلها في شعبان، وقاتلوه قتالا ضعيفا، وقتل جماعة وعفا عن الرعية وعدل فيهم، وأخذ منها أموالا لا تحصى، ثم أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره، فأظهر السلطان السرور، وهنأه الناس. وفيها يقول الأبيوردي قصيدته، منها:

стр. 9805

لمعت كناصية الحصان الأشقر … نار بمعتلج الكثيب الأعفر وفتحت أنطاكية الروم التي … نشرت معاقلها على الإسكندر وطئت مناكبها جيادك فانثنت … تلقي أجنتها بنات الأصفر وأرسل شرف الدولة مسلم بن قريش إلى سليمان يطلب منه الحمل الذي كان يحمله إليه صاحب أنطاكية، فبعث يقول له: إنما ذاك المال كان جزية رأس الفردروس، وأنا بحمد الله فمؤمن، ولا أعطيك شيئا. فنهب شرف الدولة بلاد أنطاكية، فنهب سليمان أيضا بلاد حلب، فاستغاث له أهل القرى فرق لهم، وأمر جنده بإعادة عامة ما نهبوه. ثم إن شرف الدولة حشد العساكر وسار لحصار أنطاكية، فأقبل سليمان بعساكره، فالتقيا في صفر سنة ثمان وسبعين بنواحي أنطاكية، فانهزمت العرب، وقتل شرف الدولة بعد أن ثبت وقتل بين يديه أربعمائة من شباب حلب. وكان أخوه إبراهيم في سجنه، فأخرجوه وملكوه، وسار سليمان فنازل حلب وحاصرها أكثر من شهر، وترحل عنها. وفيها ولي شحنكية بغداد قسيم الدولة آقسنقر. سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كان الأدفونش - لعنه الله - قد جمع جيوشه، وسار فنزل على مدينة طليطلة من بلاد الأندلس في السنين الماضية، فحاصرها سبع سنين، وأخذها في هذا العام من صاحبها القادر بالله ولد المأمون يحيى بن ذي النون، فازداد قوة وطغى وتجبر. وكان ملوك الأندلس، حتى المعتمد صاحب قرطبة وإشبيلية، يحمل إليه قطيعة كل عام. فاستعان المعتمد بن عباد على حربه بالملثمين من البربر، فدخلوا إلى الأندلس، فكانت بينهما وقعة مشهودة، ولكن أساء يوسف بن تاشفين ملك الملثمين إلى ابن عباد وعمل عليه، وأخذ منه البلاد، وسجنه بأغمات إلى أن مات. وذكر اليسع بن حزم قال: كان وجه أدفونش بن شانجة رسولا إلى المعتمد، وكان من أعيان ملوك الفرنج يقال له البرهنس، معه كتاب كتبه رجل

стр. 9806

من فقهاء طليطلة تنصر، ويعرف بابن الخياط، فكان إذا عير قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ والكتاب: من الإمبراطور ذي الملتين الملك أدفونش بن شانجة إلى المعتمد بالله، سدد الله آراءه، وبصره مقاصد الرشاد، قد أبصرت تزلزل أقطار طليطلة وحصارها في سالف هذه السنين، فأسلمتم إخوانكم، وعطلتم بالدعة زمانكم، والحذر من أيقظ باله قبل الوقوع في الحبالة. ولولا عهد سلف بيننا نحفظ ذمامه نهض العزم، ولكن الإنذار يقطع الأعذار، ولا يعجل إلا من يخاف الفوت فيما يرومه، وقد حملنا الرسالة إليك السيد البرهانس، وعنده من التسديد الذي يلقى به أمثالك، والعقل الذي يدبر به بلادك ورجالك، ما أوجب استنابته فيما يدق ويجل. فلما قدم الرسول أحضر المعتمد الأكابر، وقرئ الكتاب، فبكى أبو عبد الله بن عبد البر وقال: قد أبصرنا ببصائرنا أن مآل هذه الأحوال إلى هذا، وأن مسالمة اللعين قوة بلاده، فلو تضافرنا لم نصبح في التلاف تحت ذل الخلاف، وما بقي إلا الرجوع إلى الله والجهاد. وأما ابن زيدون وابن لبون فقالا: الرأي مهادنته ومسالمته. فجنح المعتمد إلى الحرب، وإلى استمداد ملك البربر، فقال جماعة: نخاف عليك من استمداده. فقال: رعي الجمال خير من رعي الخنازير. ثم أخذ وكتب جواب أدفونش بخطه، ونصه: الذل تأباه الكرام وديننا … لك ما ندين به من البأساء سمناك سلما ما أردت وبعد ذا … نغزوك في الإصباح والإمساء الله أعلى من صليبك فادرع … لكتيبة خبطتك في الهيجاء سوداء غابت شمسها في غيمها … فجرت مدامعها بفيض دماء ما بيننا إلا النزال وفتية … قدحت زناد الصبر في الغماء من الملك المنصور بفضل الله المعتمد على الله محمد ابن المعتضد بالله إلى الطاغية الباغية أدفونش الذي لقب نفسه ملك الملوك، وتسمى بذي الملتين. سلام على من اتبع الهدى، فأول ما نبدأ به من دعواه أنه ذو الملتين والمسلمون أحق بهذا الاسم؛ لأن الذي نملكه من نصارى البلاد وعظيم

стр. 9807

الاستعداد لا تبلغه قدرتكم، ولا تعرفه ملتكم. وإنما كانت سنة سعد أيقظ منها مناديك، وأغفل عن النظر السديد جميل مناديك، فركبنا مركب عجز يشحذ الكيس، وعاطيناك كؤوس دعة، قلت في أثنائها: ليس. ولم تستحي أن تأمر بتسليم البلاد لرجالك، وإنا لنعجب من استعجالك وإعجابك بصنع وافقك فيه القدر، ومتى كان لأسلافك الأخدمين مع أسلافنا الأكرمين يد صاعدة، أو وقفة مساعدة، فاستعد بحرب، وكذا وكذا. . إلى أن قال: فالحمد لله الذي جعل عقوبتنا توبيخك وتقريعك بما الموت دونه، والله ينصر دينه ولو كره الكافرون، وبه نستعين عليك. ثم كتب إلى يوسف بن تاشفين يستنجده فأنجده. وفيها استولى فخر الدولة بن جهير على آمد وميافارقين، وبعث بالأموال إلى السلطان ملكشاه. ثم ملك جزيرة ابن عمر بمخامرة من أهلها، وانقرضت دولة بني مروان. وفيها وصل أمير الجيوش في عساكر مصر، فحاصر دمشق، وضيق على تاج الدولة تتش، فلم يقدر عليها، فعاد إلى مصر. وفيها كانت فتنة كبيرة بين أهل الكرخ الشيعة وبين السنة، وأحرقت أماكن واقتتلوا. وجاءت زلزلة مهولة بأرجان، مات خلق منها تحت الردم. وفيها كانت الريح السوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وتراب كالمطر، ووقعت عدة صواعق، وظن الناس أنها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر، نسأل الله السلامة. وقد سقت خبر هذه الكائنة في ترجمة الإمام أبي بكر الطرطوشي لأنه شاهدها وأوردها في أماليه، وكان ثقة ورعا، رحمه الله تعالى. سنة تسع وسبعين وأربعمائة فيها نازل سليمان بن قتلمش حلب لما قتل شرف الدولة، وأرسل إلى نائبها ابن الحتيتي العباسي يطلب منه أن يسلمها إليه، فقدم تقدمة، واستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه. وأرسل العباسي إلى صاحب دمشق تتش، وهو أخو السلطان يحرضه على المجيء ليتسلم البلد. فسار تتش

стр. 9808

بجيشه، فقصده قبل أن يصل إليها سليمان، وكان مع تتش أرتق التركماني جد أصحاب ماردين، وكان شجاعا سعيدا، لم يحضر مصافا قط إلا وكان الظفر له. وقد كان فارق ابن جهير لأمر بدا منه، ولحق بتاج الدولة تتش، فأعطاه القدس. والتقى الجمعان، وأبلى يومئذ أرتق بلاء حسنا، وحرض العرب على القتال، فانهزم عسكر سليمان، وثبت سليمان بخواصه إلى أن قتل، وقيل: بل أخرج سكينا عند الغلبة قتل بها نفسه. ونهب أصحاب تتش شيئا كثيرا، ثم إنه سار لأخذ حلب فامتنعوا، فحاصرهم وأخذها بمخامرة جرت. وأما السلطان فإن البرد وصلت إليه بشغور حلب من ملك، فساق بجيوشه من أصبهان، فقدمها في رجب، وهرب أخوه عنها ومعه أرتق. وكانت قلعة حلب عاصية مع سالم ابن أخي شرف الدولة، فسلمها إلى السلطان، وعوضه عنها بقلعة جعبر، فبقيت في يده ويد أولاده إلى أن أخذها السلطان نور الدين. وأرسل الأمير نصر بن علي بن منقذ إلى السلطان ملكشاه يبذل الطاعة، وسلم إليه لاذقية وكفرطاب وفامية، فترك قصده وأقره على شيزر. ثم سلم حلب إلى قسيم الدولة آقسنقر، فعمرها وأحسن السيرة. وأما ابن الحتيتي فإن أهلها شكوه، فأخذه السلطان معه، وتركه بديار بكر، فافتقر وقاسى. وأما ولده فقتلته الفرنج بأنطاكية لما ملكوها. خبر وقعة الزلاقة بالأندلس: وهو أن الأدفونش - لعنه الله - تمكن وتمرد، وجمع الجيوش فأخذ طليطلة، فاستعان المسلمون بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش، فبادر وعدى بجيوشه، واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وتهيأ عسكرها وعسكر قرطبة، وأقبلت المطوعة من النواحي. وسار جيش الإسلام حتى أتوا الزلاقة - من عمل بطليوس - وأقبلت الفرنج، وتراءى الجمعان، فوقع الأدفونش على ابن عباد قبل أن يتواصل جيش ابن تاشفين، فثبت ابن عباد وأبلى بلاء حسنا، وأشرف المسلمون على الهزيمة، فجاء ابن تاشفين عرضا، فوقع على خيام الفرنج فنهبها وقتل من بها، فلم تتمالك النصارى لما رأت ذلك أن انهزمت، فركب ابن عباد أقفيتهم، ولقيهم ابن تاشفين من بين أيديهم، ووضع فيهم السيف، فلم ينج منهم إلا القليل، ونجا الأدفونش في طائفة. وجمع المسلمون من رؤوس الفرنج كوما كبيرا وأذنوا عليه، ثم أحرقوها لما جيفت. وكانت الوقعة يوم الجمعة في أوائل رمضان، وأصاب المعتمد بن عباد جراحات سليمة في وجهه. وكان العدو خمسين ألفا، فيقال: إنه لم يصل منهم إلى بلادهم ثلاثمائة نفس. وهذه ملحمة لم يعهد مثلها، وحاز المسلمون غنيمة عظيمة.

стр. 9809

وطابت الأندلس للملّثمين، فعمل ابن تاشفين على أخذها، فشرع أوّلًا، وقد سار في خدمته ملك غرناطة، فقبض عليه وأخذ بلده، واستولى على قصره بما حوى، فيقال: إنّ في جملة ما أخذ أربعمائة حبة جوهر، فقُوِّمت كلّ واحدةٍ بمائة دينار. ونقل ابن الأثير (١) أنّ ابن تاشفين أرسل إلى المقتدي بالله العّباسّي يطلب أن يسلطنه، فبعث إليه الخلع والأعلام والتّقليد، ولقِّب بأمير المسلمين. ولمّا افتتح السّلطان ملكشاه حلب والجزيرة، رجع ودخل بغداد، وهو أوّل دخوله إليها، فنزل بدار المملكة ولعب بالكرة، وقدَّم تقادم للخليفة، ثمّ قدم بعده نظام الملك. ثمّ سار فزار قبور الصّالحين، وفيه يقول ابن زكرويه الواسطيّ: زرت المشاهد زورةً مشهودةً … أرضت مضاجع من بها مدفون فكأنّك الغيث استهلّ بتربها؛ … وكأنّها بك روضةٌ ومعينٌ ثمّ خرج وتصيّد، وأمر بعمل منارة القرون من كثرة ما اصطاد من الغزلان وغيرها. ثمّ جلس له الخليفة ودخل إليه وأفرغ الخلع عليه. ولم يزل نظام الملك قائمًا يقدِّم أميرًا أميرًا إلى الخليفة، وكلما قدَّم أميرًا قال: هذا العبد فلان، وإقطاعه كذا وكذا، وعدّة رجاله وأجناده كذا وكذا؛ إلى أن أتى على آخرهم. ثمّ خلع على نظام الملك. وكان يومًا مشهودًا. وجلس نظام الملك بمدرسته، وحدَّث بها، وأملى مجلسًا. ثمّ سار السّلطان من بغداد إلى أصبهان في صفر من سنة ثمانين. وفيها كانت فتنة هائلة بين السُّنّة والشّيعة، وكادت الشّيعة أن تهلك، ثمّ حجز بينهم الدّولة. وفيها قدم الشّريف أبو القاسم عليّ بن أبي يعلى الحسينيّ الدّبّوسيّ بغداد في تجمُّل عظيم لم ير مثله لعالم، ورتّب مدرسًّا بالنّظاميّة بعد أبي سعد المتولّي. وفيها زوّج السّلطان أخته زليخا بابن صاحب الموصل، وهو محمد ابن شرف الدّولة مسلم بن قريش، وأقطعه الرحبة، وحرّان، والرَّقَّة، وسروج، والخابور. وتسلَّم هذه البلاد سوى حرّان، فإنّ محمد بن الشّاطر امتنع من تسليمها مدّة، ثمّ سلّمها.

стр. 9810

وفيها عزل فخر الدّولة بن جهير عن ديار بكر بالعميد أبي علي البلخيّ، بعثه السّلطان وجعله عاملًا عليها. وفيها أسقطت خطبة صاحب مصر المستنصر بالحرمين، وخطب لأمير المؤمنين المقتدي. وفيها أسقط السّلطان المكوس والاجتيازات بالعراق. وفيها حاصر تميم بن باديس قابس وسفاقس، وفرق عليهما جيوشه. سنة ثمانين وأربعمائة. في أوّلها عرس أمير المؤمنين على بنت السّلطان ملكشاه، عندما ذهب السّلطان للصّيد. فنقل جهازها إلى دار الخليفة، فيما نقل ابن الأثير (١)، على مائةٍ وثلاثين جملًا مجلَّلة بالدّيباج الروميّ، وعلى أربعة وسبعين بغلًا مجلَّلة بألوان الدّيباج، وأجراسها وقلائدها الذَّهب، فكان على ستّة بغال اثنا عشر صندوقًا فيها الحليّ والمصاغ، وثلاثة وثلاثون فرسًا عليها مراكب الذَّهب مرصّعة بأنواع الجوهر والحليّ، ومهد كبير كثير الذّهب، وبين يدي الجهاز الأميران كوهرائين وبرسق. فأرسل الخليفة وزيره أبا شجاع إلى تركان خاتون زوج السلطان، وبين يديه ثلاثمائة مركبيّة، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكّان إلاّ وقد أوقد فيها الشّمع. وأرسل الخليفة محفّة لم ير مثلها. فقال الوزير لتركان: يقول أمير المؤمنين: إنّ الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وقد أذن في نقل الوديعة إليه. فأجابت، وحضر نظام الملك فمن دونه، وكلٌّ معهم الشّمع والمشاعل. وجاءت نساء الأمراء بين أيديهن الشّمع والمشاعل. ثمّ أقبلت الخاتون في محفّةٍ مجلَّلة عليها من الذَّهب والجواهر أكثر شيء، قد أحاط بالمحفّة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة، فسارت إلى دار الخلافة. وكانت ليلة مشهودة لم ير ببغداد مثلها. وعمل الخليفة من الغد سماطًا لأمراء السّلطان، يحكى أنّ فيه أربعين ألف منّ من السُّكّر، وخلع عليهم. وجاءه منها ولد في ذي القعدة سمّاه جعفرًا. وجاء السّلطان في هذه السّنة من تركان خاتون ولده محمود الذّي ولي الملك.

стр. 9811

بسم الله الرحمن الرحيم. (ال وفيات) سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. ١ - أحمد ابن الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد الدّاني المقرئ أبو العبّاس. قرأ على أبيه، وأقرأ النّاس بالروايات. أخذ عنه أبو القاسم بن مدير. توفي في ثامن رجب (١). ٢ - أحمد بن عليّ بن أحمد بن محمد بن الفض ل، أبو الحسن بن أبي الفرج البغداديّ البشّاريّ، المعروف أيضًا بابن الوازع. شيخ معمّر، وجد ابن ماكولا سماعه من أبي طاهر المخلّص في جزء من الفتوح لسيف. فأفاده النّاس، وسمعوه منه (٢). روى عنه مكّيّ الرُّميليّ، وإسماعيل ابن السمرقندي. وتوفّي في ربيع الآخر وله أربع وتسعون سنة (٣). ٣ - أحمد بن محمد بن هبة الله، أبو الحسين الدّمشقيّ الأكفانيّ، والد الأمين أبي محمد. حدَّث عن المسدَّد الأملوكيّ، وعبد الرحمن بن الطُّبيز. وعنه ابنه. مات في ربيع الأوّل (٤). ٤ - آتسز بن أوق الخوارزمي التّركي، صاحب دمشق. قال ابن الأكفاني: غلت الأسعار في سنة حصار الملك آتسز ابن الخوارزمي دمشق، وبلغت الغرارة أكثر من عشرين دينارًا. ثمّ ملك البلد صلحًا، ونزل دار الإمارة داخل باب الفراديس، وخطب لأمير المؤمنين

стр. 9812

المقتدي بالله عبد الله بن أبي العبّاس، وقطعت دعوة المصرييّن، وذلك في ذي القعدة سنة ثمانٍ وستّين. وقال ابن عساكر (١): إنّه ولي دمشق بعد حصاره إيّاها دفعات، وأقام الدّعوة لبني العبّاس، وتغلّب على أكثر الشّام، وقصد مصر ليأخذها فلم يتمّ له ذلك. ثمّ وجّه المصريّون إلى الشّام عسكرًا ثقيلًا في سنة إحدى وسبعين، فلمّا عجز عنهم راسل تتش بن ألب أرسلان يستنجد به. فقدم تتش دمشق، وغلب على دمشق، وقتل آتسز في ربيع الآخر، واستقام الأمر لتتش. وكان آتسز لمّا أخذ دمشق أنزل جنده في دور النّاس، واعتقل من الرُّؤساء جماعةّ وشمّسهم بمرج راهط حتّى افتدوا نفوسهم منه بمالٍ كثير، ونزح جماعة إلى طرابلس. وقتل بالقدس خلقًا كثيرًا كما مرَّ في الحوادث إلى أن أراح الله منه. ٥ - إبراهيم بن إسماعيل، أبو سعد اليعقوبيّ. مات بمرو في شعبان. ٦ - إبراهيم بن عليّ، الشّيخ أبو إسحاق القبّانيّ، شيخ الصّوفيّة بدمشق. أقام بدمشق، وأقام بصور أربعين عامًا. وسمع بالرملة من شيخه أبي الحسين بن التّرجمان، وبصيدا من الحسن بن جميع. روى عنه نصر المقدسيّ، وغيث الأرمنازيّ، وجماعة. وكان صالحًا صدوقًا له معاملة (٢). ٧ - الحسن بن أحمد بن عبد الله، الفقيه أبو عليّ ابن البنّاء البغداديّ الحنبليّ، صاحب التّصانيف والتّخاريج. سمع من هلال الحفّار، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي الحسن بن رزقويه، وأبي الحسين بن بشران، وعبد الله بن يحيى السُّكَّريّ، وهذه الطبّقة فأكثر.

стр. 9813

روى عنه أحمد بن ظفر المغازليّ، وأبو منصور عبد الرحمن القزّاز، وإسماعيل ابن السمرقندي، وجماعة، وولداه يحيى وأحمد، وأبو الحسين ابن الفرّاء، وقاضي المرستان. وقرأ بالرّوايات على أبي الحسن الحمَّاميّ، وعلّق الفقه والخلاف عن القاضي أبي يعلى قديمًا، ودرّس في أيّامه. وله تصانيف في الفقه والأصول والحديث، وكان له حلقتان للفتوى وللوعظ، وكان شديدًا على المبتدعة، ناصرًا للسُّنَّة. آخر من روى عنه بالإجازة الحافظ محمد بن ناصر. قال القفطيّ: كان من كبار الحنابلة. سأل فقال: هل ذكرني الخطيب في تاريخه مع الثّقات أو مع الكذّابين؟ فقيل له: ما ذكرك أصلًا. فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذّابين. قال القفطيّ (١): كان مشارًا إليه في القراءات واللّغة والحديث. حكي عنه أنّه قال: صنّفت خمسمائة مصنَّف. قال: إلاّ أنّه كان حنبليّ المعتقد، تكلّموا فيه بأنواع. توفّي في رجب. قلت: ما تكلَّم فيه إلاّ أهل الكلام لكونه كان لهجًا بمخالفتهم، كثير الذّمّ لهم، معنيًا بأخبار الصِّفات. قرأ عليه جماعة. ولم يذكره الخطيب في تاريخه لأّنه أصغر منه، ولا ذكر أحدًا من هذه الطّبقة إلاّ من مات قبله. وذكره ابن النّجّار، فقال: كان يؤدِّب بني جردة. قرأ بالرّوايات على الحمّاميّ، وغيره. وكتب بخطّه كثيرًا. إلى أن قال: وتصانيفه تدلّ على قلّة فهمه، كان صحفيًّا قليل التّحصيل. روى الكثير، وأقرأ ودرّس، وأفتى، وشرح الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ. إذا نظرت في كلامه بان لك سوء تصرُّفه. ورأيت له ترتيبًا في غريب أبي عبيد قد خبط كثيرًا وصحّف. حدَّث عنه أولاده أحمد ومحمد ويحيى، وابن الحصين، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبو منصور القزّاز، وأحمد بن ظفر المغازليّ.

стр. 9814

قال شجاع الذُّهليّ: كان أحد القرّاء المجّودين، سمعنا منه قطعة من تصانيفه. وقال المؤتمن السّاجيّ: كان له رواء ومنظر، ما طاوعتني نفسي للسَّماع منه. وقال إسماعيل ابن السمرقندي: كان واحدٌ من المحدّثين اسمه الحسن بن أحمد بن عبد الله الَّنيسابوريّ، سمع الكثير، فكان ابن البنّاء يكشط بوريّ ويمدّ السّين، فتصير البنّا كذا قيل: إنّه كان يفعل ذلك (١). ٨ - الحسن بن عليّ بن محمد بن أحمد بن جعفر، الحافظ أبو عليّ البلخيّ الوخشيّ، ووخش: من أعمال بلخ. رحّال حافظ كبير. سمع بدمشق من تمّام الرّازيّ وعقيل بن عبدان، وببغداد من أبي عمر بن مهديّ، وبالبصرة من أبي عمر الهاشميّ، وبمصر من أبي محمد عبد الرحمن بن عمر ابن النحاس، وبخراسان من أصحاب الأصمّ. قال أبو بكر الخطيب (٢): علّقت عنه ببغداد، وأصبهان. وقال ابن السَّمعانيّ (٣): كان حافظًا فاضلًا ثقة، حسن القراءة. رحل إلى العراق، والجبال، والشّام، والثّغور، ومصر. وذاكر الحفّاظ. وسمع ببلخ من أبي القاسم عليّ بن أحمد الخزاعيّ؛ وبنيسابور من أبي زكريّا المزكّي والحيريّ، وببغداد من ابن مهديّ، وابن أبي الفوارس؛ وبأصبهان من أبي نعيم. روى لنا عنه عمر بن محمد بن عليّ السَّرخسيّ، وعمر بن عليّ المحموديّ. روى عنه الخطيب في تصانيفه، وذكر الحافظ عبد العزيز النَّخشبيّ أنّه كان يتَّهم بالقدر. قال السَّمعانيّ: ولد سنة خمسٍ وثمانين وثلاثمائة، وتوفّي في خامس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ببلخ. قلت: انتقى على أبي نعيم خمسة أجزاء مشهورة بالوخشيّات، وسمعنا

стр. 9815

جزءًا من حديثه رواه من حفظه. سئل عنه إسماعيل بن محمد التَّيميّ، فقال: حافظ كبير. قلت: روى عن الوخشيّ كتاب السُّنن لأبي داود: الحسن بن عليّ الحسينيّ البلخيّ، والّذي قيّد وفاته صاحبه عمر السَّرخسيّ. وقد حدَّث المحموديّ عنه في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وقال: كنت قد راهقت لما توفّي الوخشيّ وحضرت جنازته، فلمّا وضعوه في القبر، سمعنا صيحةً، فقيل: إنّه لمّا وضع في القبر خرجت الحشرات من المقبرة، وكان في طرفها وادي، فانحدرت إليه الحشرات، فذهبت وأبصرت البيض الصِّغار، والعقارب، والخنافس، وهي منحدرة إلى الوادي بعينيَّ، والّناس ما كانوا يتعّرضون لها. قال ابن النّجّار: سمع ببلخ من عليّ بن أحمد الخزاعيّ، وبهمذان محمد بن أحمد بن مزدين، وبحلب، وبعكّا. وسمع منه نظام الملك ببلخ، وصدّره بمدرسته ببلخ، وقال: جعت بعسقلان أيّامًا حتّى عجزت عن الكتابة، ثمّ فتح الله. قال فيه إسماعيل التيَّميّ: حافظ كبير (١). ٩ - الحسين بن عقيل بن محمد بن عبد المنعم بن ريش الدّمشقيّ البزّاز (٢) الشاعر. سمع عبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب مع تقدُّمه، وأبو الحسن بن المسلّم الفقيه (٣). ١٠ - سعد بن عليّ بن محمد بن عليّ بن حسين، أبو القاسم الزَّنجانيّ، الحافظ الزّاهد. سمع أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف، وأبا عليّ الحسين بن ميمون الصّدفيّ بمصر، وبغزّة عليّ بن سلامة، وبزنجان محمد بن أبي عبيد، وبدمشق عبد الرحمن بن ياسر وأبا الحسن الجبّان، وجماعة. روى عنه أبو بكر الخطيب وهو أكبر منه، وأبو المظفّر منصور السَّمعانيّ

стр. 9816

الفقيه، ومكّيّ الرُّميليّ، وهبة الله بن فاخر، ومحمد بن طاهر المقدسيّ، وعبد المنعم ابن القشيريّ، وآخرون. وجاور بمكّة زمانًا، وصار شيخ الحرم. قال أبو الحسن محمد بن أبي طالب الفقيه الكرجيّ: سألت محمد بن طاهر عن أفضل من رأى، فقال: سعد الزَّنجانيّ، وعبد الله بن محمد الأنصاريّ، فسألته أيُّهما أفضل؟ فقال: عبد الله كان متفننًا، وأمّا الزَّنجانيّ فكان أعرف بالحديث منه؛ وذلك أنّي كنت أقرأ على عبد الله فأترك شيئًا لأجرّبه، ففي بعضٍ يردّ، وفي بعض يسكت، والزَّنجانيُّ، كنت إذا تركت اسم رجلٍ يقول: تركت بين فلان وفلان اسم فلان. قال ابن السَّمعانيّ: صدق كان سعد أعرف بحديثه لقلَّته، وعبد الله كان مكثرًا. قال أبو سعد السَّمعانيّ: سمعت بعض مشايخي يقول: كان جدّك أبو المظفّر قد عزم على أن يقيم بمكّة ويجاور بها، صحبة الإمام سعد بن عليّ، فرأى ليلةً من اللّيالي والدته كأنّها قد كشفت رأسها وقالت له: يا بنيّ، بحقّي عليك إلاّ ما رجعت إلى مرو، فإنّي لا أطيق فراقك. قال: فانتبهت مغمومًا، وقلت: أشاور الشّيخ سعدا، فمضيت إليه وهو قاعد في الحرم، ولم أقدر من الزّحام أن أكلّمه، فلمّا تفرَّق النّاس وقام تبعته إلى داره، فالتفت إليّ وقال: يا أبا المظفَّر، العجوز تنتظرك. ودخل البيت. فعرفت أنّه تكلَّم على ضميري، فرجعت مع الحاجّ تلك السّنة. قال أبو سعد: كان أبو القاسم حافظًا، متقنًا، ثقة، ورعًا، كثير العبادة، صاحب كرامات وآيات. وإذا خرج إلى الحرم يخلو المطاف، ويقبّلون يده أكثر ممّا يقبّلون الحجر الأسود. وقال محمد بن طاهر: ما رأيت مثله، سمعت أبا إسحاق الحبّال يقول: لم يكن في الدّنيا مثل أبي القاسم سعد بن عليّ الزَّنجانيّ في الفضل. وكان يحضر معنا المجالس، ويقرأ الخطأ بين يديه، فلا يردّ على أحدٍ شيئًا، إلاّ أن يسأل فيجيب. قال ابن طاهر: وسمعت الفقيه هيّاج بن عبيد إمام الحرم ومفتيه يقول:

стр. 9817

يومٌ لا أرى فيه سعد بن عليّ لا أعتدّ أنّي عملت خيرًا. وكان هيّاج يعتمر ثلاث مرّات. وسيأتي ذكره. قال ابن طاهر: كان الشّيخ سعد لمّا عزم على المجاورة عزم على نيِّفٍ وعشرين عزيمة أنّه يلزمها نفسه من المجاهدات والعبادات. ومات بعد ذلك بأربعين سنة ولم يخلّ منها بعزيمةٍ واحدة. وكان يملي بمكّة، ولم يكن يملي بها حين تولّى مكّة المصريّون، وإنمّا كان يملي سرًّا في بيته. وقال ابن طاهر: دخلت على الشّيخ أبي القاسم سعد وأنا ضيّق الصَّدر من رجلٍ من أهل شيراز لا أذكره، فأخذت يده فقبَّلتها، فقال لي ابتداءً من غير أن أعلمه بما أنا فيه: يا أبا الفضل، لا تضيِّق صدرك، عندنا في بلاد العجم مثل يضرب، يقال: بخل أهوازيّ، وحماقة شيرازيّ، وكثرة كلام رازيّ. ودخلت عليه في أوّل سنة سبعين لمّا عزمت على الخروج إلى العراق حتّى أودّعه، ولم يكن عنده خبر من خروجي. فلمّا دخلت عليه قال: أراحلون فنبكي، أم مقيمونا؟ فقلت: ما أمر الشّيخ لا نتعدّاه. فقال: على أيّ شيءٍ عزمت؟ قلت: على الخروج إلى العراق لألحق مشايخ خراسان. فقال: تدخل خراسان، وتبقى بها، وتفوتك مصر، ويبقى في قلبك. فاخرج إلى مصر، ثمّ منها إلى العراق وخراسان، فإنه لا يفوتك شيء ففعلت، وكان في ذلك البركة. سمعت سعد بن عليّ - وجرى بين يديه ذكر الصّحيح الّذي خرَّجه أبو ذرّ الهرويّ - فقال: فيه عن أبي مسلم الكاتب، وليس من شرط الصّحيح. وقال أبو القاسم ثابت بن أحمد البغداديّ: رأيت أبا القاسم الزَّنجانيّ في المنام يقول لي مرةً بعد أخرى: إنّ الله يبني لأهل الحديث بكّل مجلسٍ يجلسونه بيتًا في الجنّة. ولد سعد في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة، أو قبلها، وتوفّي في سنة إحدى وسبعين، أو في أواخر سنة سبعين بمكّة. وله قصيدة مشهورة في السُّنّة، وقد سئل عنه إسماعيل الطّلحيّ فقال: إمامٌ كبيرٌ عارفٌ بالسُّنَّة (١).

стр. 9818

١١ - سلمان بن الحسن بن عبد الله، أبو نصر، صاحب ابن الذّهبيّة، البغداديّ. رجل صالح معمَّر، روى عن أبي الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد صاحب الصفّار. روى عنه محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ، وعبد الوهّاب الأنماطيّ، وقال: عاش أكثر من مائة سنة. مات أبو نصر في رجب (١). ١٢ - سهل بن عمر بن محمد بن الحسين، أبو عمر ابن المؤَّيد أبي المعالي البسطاميّ ثمّ النيَّسابوريّ. من بيت الإمامة والحشمة، وهو ختن عمّه الموفّق بابنته. روى عن أبي الفضل عمر بن إبراهيم الهرويّ، وأصحاب الأصمّ. توفّي في شوّال (٢). ١٣ - طاهر بن محمد شاه فور، أبو المظفّر الطٌّوسيّ. مات بطوس في شوّال. يروي عن ابن محمش الزّياديّ، وغيره. وعنه زاهر الشّحّاميّ. وكان إمامًا مفسِّرًا أصوليًّا. وسمّاه عبد الغافر (٣): شاهفور. ١٤ - عبد الله بن سبعون بن يحيى، أبو محمد السلّميّ القيروانيّ. محدِّث عارف، سكن بغداد ونقل بخطّه الكثير، وقرأ بنفسه، سمع أبا القاسم عبد العزيز الأزجيّ، وأبا طالب بن غيلان، وجماعة. وبمكّة أبا نصر السِّجزيّ، وأبا الحسن بن صخر، وبمصر عليّ بن منير. روى عنه أبو القاسم السَّمرقنديّ، وأبو الحسن بن عبد السّلام. توفّي في رمضان. ١٥ - عبد الباقي بن محمد بن غالب، أبو منصور ابن العطّار الأزجيّ وكيل أميري المؤمنين القائم والمقتدي.

стр. 9819

قال السّمعانيّ: كان حسن السِّيرة، جميل الأمر، صحيح السّماع؛ سمع أبا طاهر المخلّص، وأحمد بن محمد ابن الجنديّ. روى عنه يوسف بن أيّوب الهمذانيّ، وعبد المنعم ابن القشيريّ، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وآخرون. قلت: كان قليل الرّواية، رئيسًا. قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان صدوقًا. قال لي: ولدت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. توفّي ابن العطّار في ربيع الآخر. ١٦ - عبد الحميد بن الحسن بن محمد، أبو الفرج الهمذانيّ الدّلاّل الفقاعيّ. روى عن أبي بكر بن لال، وعبد الرحمن الإمام، وعبد الرحمن المؤدِّب الهمذانيّين. قال شيرويه: سمعت منه وليس التّحديث من شأنه. وسماعه مع أخيه عليّ. ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وتوفّي في ثامن عشر ذي القعدة. ١٧ - عبد الرحمن بن أحمد بن عليّ بن عبد الله بن منصور الطَّبريّ. قال السَّمعانيّ: أبو القاسم ابن الزُّجاجي كان ينزل باب الطّاق من بغداد، وكان خيرًّا ثقة صدوقًا. سمع من أبي أحمد الفرضيّ، وحدثنا عنه أبو بكر الأنصاريّ، وأبو محمد ابن الطراح، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي. توفّي في ربيع الأوّل. ١٨ - عبد الرحمن بن علوان بن عقيل، أبو القاسم الشّيبانيّ البغداديّ، أخو عبد الواحد. سمع من عبد القاهر بن عترة (٢). روى عنه قاضي المرستان؛ ووثَّقه أبو الفضل بن خيرون.

стр. 9820

١٩ - عبد العزيز بن عليّ بن أحمد بن الحسين الأنماطي، أبو القاسم ابن بنت السُّكّريّ العتّابيّ، من محلّة العتّابيين ببغداد. قال الخطيب (١): حدَّث عن أبي طاهر المخلِّص. كتبت عنه، وكان سماعه صحيحًا. قلت: روى عنه أبو بكر الأنصاريّ، وعبد الوهّاب الأنماطّي، وإسماعيل ابن السمرقندي. وقال عبد الوهّاب الأنماطيّ: هو ثقة. ولد أبو القاسم في سنة ثمانٍ وثمانين وثلاثمائة، ومات في رجب. وآخر من حدَّث عنه أحمد ابن الطّلاّية (٢). قرأت على أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا المبارك بن أبي الجود، قال: أخبرنا أحمد بن أبي غالب الزّاهد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن عليّ سنة ثمانٍ وستّين وأربعمائة، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الذّهبيّ، قال: حدثنا عبد الله بن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن شرحبيل، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدَّق الرجل في حياته بدرهمٍ خيرٌ من أن يتصدَّق بمائة دينارٍ عند موته» (٣). ٢٠ - عبد القاهر بن عبد الرحمن، أبو بكر الجرجانيّ النَّحويّ المشهور. أخذ النَّحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسيّ ابن أخت الشّيخ أبي عليّ الفارسيّ، وعنه أخذ عليّ بن أبي زيد الفصيحيّ. وكان من كبار أئمّة العربيّة. صنَّفَّ كتاب المغني في شرح الإيضاح في نحوٍ من ثلاثين مجلَّدًا، وكتاب المقتصد في شرح الإيضاح أيضًا، ثلاث مجلّدات، وكتاب إعجاز القرآن الكبير، وكتاب إعجاز القرآن الصّغير، وكتاب العوامل المائة، وكتاب المفتاح، وكتاب شرح الفاتحة في مجلَّد،

стр. 9821

وكتاب العمد في التصريف، وكتاب الجمل وهو مشهور. وله كتاب التّلخيص في شرح هذا الجمل. وكان شافعيَّ المذهب، متكلّمًا على طريقة الأشعريّ، مع دين وسكون. وقد ذكره السَّلفيّ في معجمه فقال: كان ورعًا قانعًا، دخل عليه لص وهو في الصّلاة فأخذ ما وجد، وعبد القاهر ينظر، فلم يقطع صلاته. سمعت أبا محمد الأبيورديّ يقول: ما مقلت عينيّ لغويًّا مثله. وأمّا في النّحو فعبد القاهر. وله نظمٌ، فمنه: كبِّر على العقل لا ترمه … ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارًا تعش سعيدًا … فالسَّعد في طالع البهائم توفّي عبد القاهر سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة أربعٍ وسبعين، فالله أعلم (١). ٢١ - عليّ بن أحمد بن عليّ، أبو القاسم السّمسار الأصبهانيّ. مات في ربيع الأوّل. ٢٢ - عليّ بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عبد المؤمن، أبو الحسن الميدانيّ، ميدان زياد الّذي على باب نيسابور، سكن همذان. روى عن محمد بن يحيى العاصميّ، وأبي حفص بن مسرور. ورحل فسمع من عبد الملك بن بشران، وبشرى الفاتنيّ، وطائفة كبيرة. قال شيرويه: سمعت منه. وكان ثقة، صدوقًا، معتنيا بهذا الشّأن، متقنًا، زاهدًا، صامتًا، لم تر عيناي مثله. وسمعت أحمد بن عمر الفقيه يقول: لم ير أبو الحسن الميدانيّ مثل نفسه. قال شيرويه: ازدحموا على جنازته، وأطنبوا في وصفه وفضله. توفّي يوم الجمعة ثامن عشر صفر. قلت: روى عنه هبة الله بن الفرج. ٢٣ - عليّ بن محمد بن عليّ بن هارون، أبو القاسم التَّيميّ الكوفيّ ابن الأدلابيّ (٢) النَّيسابوريّ.

стр. 9822

حدَّث عن أبي زكريا المزكّيّ، وعبد الرحمن بن محمد السّرّاج، وأبي بكر الحيريّ، وابن نظيف المصريّ، وعبد الملك بن بشران. وحدَّث ببغداد بمسند الشّافعيّ. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو البركات بن أبي سعد، ومحمد بن طلحة الرّازيّ. وكان ثقة. مات في ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين (١). ٢٤ - عمر بن عبد الملك بن عمر بن خلف، أبو القاسم ابن الرّزّاز. أحد عدول بغداد وفقهائها، سمع أبا الحسن بن رزقويه، وأبا القاسم الحرفيّ، وابن شاذان. روى عنه ابن السَّمرقنديّ. توفّي في رجب (٢). ٢٥ - عمر بن عبيد الله بن عمر، أبو الفضل ابن البقّال البغداديّ الأزجيّ المقرئ. قرأ القرآن على أبي الحسن الحمّاميّ، وسمع أبا أحمد بن أبي مسلم الفرضيّ، وختم عليه خلق، وكان ورده كلَّ يومٍ ختمة. روى عنه أبو بكر الأنصاريّ، وأبو القاسم ابن السمرقندي، وأحمد بن عمر الغازي، وكان مولده في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (٣). ٢٦ - الفضيل بن يحيى بن الفضيل، أبو عاصم الفضيليّ الهرويّ، الفقيه. راوي المائة وغيرها. عن عبد الرحمن بن أبي شريح، وأقرانه. ذكره أبو سعد السَّمعانيّ، فقال: كان فقيهًا، مزكِّيًا، صدوقًا، ثقة. عمِّر حتّى حمل عنه الكثير. روى عنه أبو الوقت. وكان مولده في سنة ثلاثٍ وثمانين وثلاثمائة، وتوفّي في جمادى الأولى. روى عن أبي عليّ منصور بن عبد الله الخالديّ، وأبي الحسين بن بشران، وقدم بغداد، وروى عنه عبد السّلام

стр. 9823

بكبرة (١)، ومحمد بن الحسين العلويّ. ٢٧ - محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أبو بكر الكشميهنيّ. توفّي بمرّو، وكان واعظًا فقيهًا، تفقَّه على أبي بكر القفّال، وسمع من جماعة. ٢٨ - محمد بن عبد الواحد بن عبد الله، أبو بكر المستعمل السِّمسار. سمع البرقانيّ، وأبا عليّ بن شاذان. روى عنه عبد الله، وإسماعيل ابنا السَّمرقنديّ. ٢٩ - محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عليّ بن مردين، أبو الفضل القومسانيّ، ثمّ الهمذانيّ، ويعرف بابن زيرك. قال شيرويه: هو شيخ عصره، ووحيد وقته في فنون العلم، روى عن أبيه، وعمّه أبي منصور محمد، وخاله أبي سعد عبد الغفّار، وابن جانجان، وعليّ بن أحمد بن عبدان، ويوسف بن كجّ، والحسين بن فنجويه الثّقفيّ، وعبد الله بن الأفشين، وجماعة. وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، وأبي الحسن بن رزقويه. وسمعت منه عامّة ما مرَّ له. وكان صدوقًا ثقة، له شأن وحشمة. وله يد في التّفسير، حسن العبارة والخطّ، فقيهًا، أديبًا، متعبّدًا. توفّي في سلخ ربيع الآخر. وقبره يزار ويتبرَّك به، وسمعته يقول: ولدت سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة. قال شيرويه: سمعت عبد الله بن مكّيّ يقول: سمعت أبا الفضل القومسانّي يقول في مرضه: رأيت رجلًا دفع إليَّ كتابًا، فأخذته، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى محمد بن عثمان القومسانيّ، سلامٌ عليكم. وسمعت (٢) إبراهيم بن محمد القزّاز الشّيخ الصالح يقول: رأيت ابن عبدان ليلة مات أبو الفضل القومسانيّ، فأخذ بيدي ساعةً، ثمّ قرأ: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها. يريد موته. سمعت أبا الفضل القومسانيّ يقول: روي عن النبي ﷺ أنّه كان يقول:

стр. 9824

اللهم أمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي (١) معناه مشكلٌ، فإنّ العلماء قالوا: كيف يكون سمعه وبصره يرثانه بعده دون سائر أعضائه؟ فتأوّلوه أنّه أراد بذلك الدّعاء لأبي بكر وعمر، بدليل قوله: إنّي لا غنى بي عنهما، فإنّهما من الدّين بمنزلة السَّمع والبصر من الرّأس (٢). فكأنّه دعا بأن يمتّع بهما في حياته، وأن يرثاه خلافة النُّبوَّة بعد وفاته. ولا يجد العلماء لهذا الحديث وجهًا ولا تأويلًا غير هذا (٣). فرأيت أبا هريرة في المنام، وكنت مارًّا في مقبرة سراسكبهر (٤)، فقال لي: أتعرفني؟ فقلت: لا. قال: أنا أبو هريرة. أصبت ما قلت، أنا رويت هذا الحديث وكذا أراد به النبي ﷺ ما فسّرت (٥). سمعت أبا الفضل يقول: مرضت حتّى غلب على ظنّي أنّي سأموت، فاشتدّ الأمر وعندي أبي وعمر خادم لنا، فكان أبي يقول: يا بنيّ أكثر من ذكر الله. فأشهدته وعمر على نفسي، أنّي على دين الإسلام، وعلى السُّنّة. فرأيت وأنا على تلك الحال كأنّ هيبةً دخلت قلبي، فنظرت فإذا أنا برجلٍ يأتي من جهة القبلة، ذو هيبة وجمال، كأنّه يسبح في الهواء، فازددت له هيبةً. فلمّا قرب منّي قال لي: قل. قلت: نعم. وهبته أن أقول له: ماذا أقول. فكرَّر علي وقال: قل. قلت: نعم، أقول. فقال: قل الإيمان يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، وأنّ الله تعالى يرى في الآخرة، وقل بفضل الصّحابة، فإنّهم خيرٌ من الملائكة بعد الأنبياء. قلت: لست أطيق أن أقول ذلك من الهيبة. فقال: قل معي. فأعاد الكلمات فقلتها معه، فتبسَّم، وقال: أنا أشهد لك عند العرش. فلمّا تبسَّم سكن قلبي، وذهبت عنّي الهيبة، فأردت أن

стр. 9825

أسأله: هل أنا ميت؟ فكأنّه عرف، فقال: أنا لا أدري. أو قال: من أين أدري؟ فقلت في نفسي: هذا ملك، وعوفيت من المرض. وسمعته يقول: أصابني وجعٌ شديد، فرأيت في المنام كأنّ قائلًا يقول لي: اقرأ على وجعك الآيات الّتي فيها اسم الله الأعظم. فقلت: ما هي؟ قال: بديع السَّماوات والأرض إلى قوله: اللَّطيف الخبير. فقرأته فعوفيت. وسمعته يقول: أتاني رجلٌ من خراسان فقال: إنّ رسول الله ﷺ أتاني في منامي وأنا في مسجد المدينة، فقال لي: إذا أتيت همذان فاقرأ على أبي الفضل بن زيرك منّي السَّلام. قلت: يا رسول الله، لماذا؟ قال: لأنّه يصلّي عليَّ في كلّ يومٍ مائة مرّة. فقال: أسألك أن تعلّمنيها. فقلت: إنّي أقول كلّ يوم مائة مرّة أو أكثر: اللهمّ صلّ على محمد النّبيّ الأمّيّ، وعلى آل محمد، جزى الله محمدًا ﷺ عنّا ما هو أهله. فأخذها عنّي، وحلف لي: إنّي ما كنت عرفتك ولا اسمك حتّى عرَّفك لي رسول الله ﷺ . فعرضت عليه برًّا لأنّي ظننته متزيِّدًا في قوله، فما قبل منّي وقال: ما كنت لأبيع رسالة رسول الله ﷺ بعرضٍ من الدّنيا. ومضى فما رأيته بعد ذلك. ٣٠ - محمد بن عليّ بن محمد بن يحيى ابن المهديّ بالله الهاشميّ العبّاسيّ البغداديّ الشّاعر، ويعرف بابن الحندقوقيّ. سمع أبا الحسن بن رزقويه، وأبا الحسين القطّان. وسمع بالبصرة من القاضي أبي عمر الهاشميّ. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي. توفّي في ذي الحجّة، وهو في عشر الثمانين (١). ٣١ - محمد بن عمر، أبو طاهر الأصبهانيّ، النّقّاش. ٣٢ - محمد بن أبي عمران موسى بن عبد الله، أبو الخير المروزيّ الصّفار. آخر من روى صحيح البخاريّ في الدّنيا بعلوٍّ، رواه عن أبي الهيثم الكشميهنيّ. قال ابن طاهر المقدسيّ: ظهر سماعه على الأصل بالصّحيح، فقرئ

стр. 9826

عليه. ثمّ استحضره الوزير نظام الملك، وسمعوا منه. فسقط يومًا عن دابّته، وحمل إلى بيته فمات. قلت: روى عنه أبو بكر محمد بن إسماعيل المروزيّ الخراجيّ، والحافظ أبو جعفر محمد بن أبي عليّ الهمذانيّ، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحمن الكشميهنيّ الخطيب، وهو آخر أصحابه. قال الحافظ ابن طاهر: سمعت عبد الله بن أحمد السَّمرقنديّ يقول: لم يصحّ لهذا الرجل أبي الخير بن أبي عمران، من الكشميهنيّ سماع، وإنمّا وافق الاسم الاسم، وكان هذا آخر من روى الكتاب بمرو. ثم حمل إلى الوزير نظام الملك ليقرأ عليه، فقرئ عليه بعضه، وطرحته البغلة فمات، ولم يتمّ، وقد رأيت أهل مرو يضحكون إذا قيل: إنّ أبا الخير بن أبي عمران سمع من أبي الهيثم، ويشيرون إلى أنّ هذا غير ذاك. وقال أبو سعد السَّمعانيّ: كان صالحًا سديد السِّيرة. حدَّث بالبخاريّ، وحدَّث ببعض الجامع للترمذيّ، عن أحمد بن محمد بن سراج الطّحّان. وعمّر، وصار شيخ عصره. تكلَّم بعضهم في سماعه، وليس بشيء. أنا رأيت سماعه في القدر الموجود من أصل أبي الهيثم، وأثنى عليه والدي. وقال الأمير ابن ماكولا: سألت أبا الخير عن مولده، فقال: كان لي وقت ما سمعت الصّحيح عشر سنين، وسمع في سنة ثمان وثمانين. توفّي في رمضان (١). ٣٣ - محمد ابن المهديّ، وهو محمد بن عبد العزيز بن العبّاس ابن المهديّ الهاشميّ البغداديّ، والد أبي عليّ محمد. يروي عن أبي عمر الهاشميّ البصريّ. وعنه ابنه. ٣٤ - مهديُّ بن نصر، أبو الحسن الهمذانيّ الفقيه المشطيّ. روى عن رافع القاضي، وطاهر الإمام. قال شيرويه: صدوق، سمعت منه. ٣٥ - هبة الله بن حسين بن المهلَّب البزّاز، أبو محمد. بغداديّ، سمع أبا عمر بن مهديّ، وأبا الحسين بن بشران، وابن

стр. 9827

رزقويه، وغيرهم. روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو بكر القاضي، وأبو نصر الغازي. قال ابن خيرون: كان سماعه صحيحًا. وقال السّمعانيّ: كان من ملاح البغدادييّن، وكان ممّن يشار إليه في الدعابة والولع، وحدث ببغداد، ومات في ربيع الآخر.

стр. 9828

سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. ٣٦ - أحمد بن الحسن بن محمد، أبو العبّاس القارئ مسكويه. مات في جمادى الآخرة. ٣٧ - أحمد بن محمد بن أحمد، أبو ذرّ الإسكاف. حدَّث بأصبهان عن أبي سعيد محمد بن موسى الصَّيرفيّ. روى عنه سعيد بن أبي الرجاء. ٣٨ - أحمد بن محمد بن عثمان، الأستاذ أبو عمر البشخوانيّ، شيخ الصُّوفيّة. كان مولده في سنة أربعمائة، وهو من ذرّية الحسن بن سفيان النَّسويّ. وبشخوان: من قرى نسا. ولي الخطابة ونيابة القضاء، ثمّ ترك ذلك وتجرَّد، وحجّ ورجع، فخدم أبا سعيد الميهنيّ، وأبا القاسم القشيريّ، وظهرت عليه أحوال الطّريقة، وصار من أصحاب الكرامات، وسمع من شيخ الإسلام أبي عثمان الصابونيّ، وبنى بقريته الخانقاه، وصار شيخ تلك النّاحية. أضرّ في آخر عمره. ذكره السِّمعانيّ (١). ٣٩ - أمة القاهر بنت محمد بن عثمان بن دوست العلاّف. عن جدّها. روى عنها إسماعيل ابن السمرقندي. توفيت في جمادى الآخرة (٢). ٤٠ - الحسن بن إسماعيل بن صاعد بن محمد، قاضي القضاة أبو عليّ الحنفيّ النيَّسابوريّ. سمع الكثير من أبي يعلى حمزة المهلبي، وعبد الله بن يوسف، وأبي الحسن بن عبدان. ولم يحدث. توفّي في جمادى الأولى (٣).

стр. 9829

٤١ - الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن العبّاس بن جعفر بن أبي جعفر المنصور العبّاسيّ، أبو عليّ المكّيّ الشّافعيّ الحنّاط. شيخ ثقة، كان يبيع الحنطة، روى عن أحمد بن إبراهيم بن فراس، وعبيد الله بن أحمد السَّقطيّ، وغيرهما. روى عنه أبو المظفّر منصور السَّمعانيّ، وعبد المنعم ابن القشيريّ، ومحمد بن طاهر، وأحمد بن محمد العبّاسيّ المكّيّ، وطائفة من حجّاج المغاربة، وغيرهم. قيل: إنّه توفّي في ذي القعدة. وكان أسند من بقي بالحجاز. وثقّه ابن السَّمعانيّ في الأنساب (١). وقال محمد بن محمد بن يوسف الفاشانيّ: كنت أقرأ الحديث على هبة الله بن عبد الوارث الشّيرازيّ، فقال: قرأت على أبي عليّ الشّافعيّ بمكّة: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةّ بفخّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) قال هبة الله: فقرأته بالتّصحيف بفجّ، فقال أبو عليّ، وأخرجني إلى ظاهر مكّة، وأتى بي إلى موضعٍ، فقال: يا بنّي، هذا هو الفخّ، بالخاء المعجمة، وهو الموضع الّذي تمنّى بلال أن يكون به. وقد سأل ابن السّمعانيّ إسماعيل بن محمد الحافظ، عن أبي عليّ المذكور، فقال: عدلٌ ثقة، كثير السّماع. ٤٢ - الحسين بن عليّ بن أبي شريك الحاسب. كان آيةً في الهندسة والحساب، ولم يكن بذاك. سمع عبد الودود بن عبد المتكبِّر. روى عنه أبو القاسم هبة الله الحاسب (٣). ٤٣ - عبد الله بن أحمد بن عبيد الله بن عثمان، أبو محمد بن أبي الخير البغداديّ السكِّريّ، صاحب الزّاهد عبد الصّمد. كان أمينًا مطبوعًا، صحيح الأصول، سمع أبا أحمد الفرضيّ، ومحمد

стр. 9830

ابن بكران الرّازيّ. روى عنه أبو نصر الغازي بأصبهان، ويحيى ابن الطراح، وإسماعيل ابن السمرقندي. وكان يعرف بابن المُطَّوِّعة (١). ٤٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن جحّاف، أبو المطرِّف المعافريّ، الفقيه البلنسيّ، قاضي بلنسية. روى عن خلف بن هانئ الطُّرطوشيّ. روى عنه أبو بحر سفيان بن العاص الأسديّ، وأبو اللَّيث السَّمرقنديّ (٢). وسمع خلف من أحمد بن الفضل الدِّينَوَريّ. ٤٥ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عبّاس، أبو محمد القرطبيّ المقرئ. قرأ على مكّيّ بن أبي طالب بالروايات، وسمع من حاتم بن محمد، وأبي عبد الله محمد بن عتّاب. قال ابن بشكوال (٣): كان من جلَّة المقرئين، وخيارهم. عارفًا بالقراءات، ضابطًا لها، مجوِّداً، مع الدّين والعفاف. أخبرنا عنه جماعة، وتوفّي في ذي الحجّة. ٤٦ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسلم، أبو سعيد الأبهريّ المالكيّ. سمع بمصر من عليّ بن منير، وعبد الله بن الوليد الأندلسيّ، وحدَّث بدمشق، روى عنه نصر المقدسيّ، وهبة الله ابن الأكفاني، ونصر الله المصِّيصيّ وآخرون (٤). ٤٧ - عبد الملك بن الحسين بن خيران، أبو نصر الدّلاّل. سمع أبا بكر ابن الإسكاف. مات في جمادى الأولى.

стр. 9831

٤٨ - عليّ بن عبد الرحمن بن محمد، أبو القاسم المحميّ. شيخ رئيس من بيت الرواية والتَّزكية. سمع من ابن محمش، وأبي بكر الحيريّ، وجماعة. مولده سنة أربعمائة. روى عنه إسماعيل بن عبد الرحمن العصائديّ، وغيره (١). ٤٩ - عليّ بن أبي القاسم بن عبد الله بن عليّ، أبو الحسن السَّرقسطيّ، نزيل طليطلة. حجّ، وأخذ عن أبي ذرّ الهرويّ، وأبي الحسن بن صخر، والقاضي عبد الوهّاب المالكيّ، وجماعة. وكان رجلًا صالحًا، فاضلًا، لم تكن له خبرة بالإسناد، وفي كتبه تخليط كثير. توفّي في ربيع الأوّل، وكانت له جنازة مشهودة بقرطبة (٢). ٥٠ - الفضل بن عبد الله بن محمد بن المحبّ. قال عبد الغافر (٣): توفّي في المحرَّم سنة اثنتين وسبعين. وقال غيره: توفّي في سنة ثلاثٍ، وهو هناك (٤). ٥١ - محمد بن حسّان بن محمد، أبو بكر الملقاباذيّ (٥) النيَّسابوريّ. سمع مسند أبي عوانة من أبي نعيم، وحدَّث به. وكان من كبار الفقهاء، روى عنه وجيه الشّحّاميّ، وعبيد الله بن جامع الفارسيّ، وأحمد بن سهل المطَرِّزيّ، وآخرون من آخرهم وفاةً أبو طالب محمد بن عبد الرحمن الحنزبارانيّ. قال أبو سعد: محمد بن أبي الوليد حسّان بن محمد بن القاسم فقيه، ثقة، عدل مشتغل بنفسه، غير دخّال في الأمور، أدرك الأسانيد العالية. سمع أبا الحسن العلويّ، وعبد الله بن يوسف، وابن محمش. وروى عنه جدّي أبو المظفّر في الأحاديث الألف. ولد في المحرَّم سنة أربعٍ وتسعين وثلاثمائة،

стр. 9832

ومات بنيسابور في ذي القعدة سنة اثنتين (١). ٥٢ - محمد بن الحسن بن محمد ابن الأنماطيّ، الخزاعيّ الكوفيّ، أبو عبد الله. سمع أبا عبد الله محمد بن عبد الله الجعفيّ القاضي، وغيره. وعنه إسماعيل ابن السمرقندي. ولد سنة أربعمائة، ومات في شوّال. ٥٣ - محمد بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم بن دينار بن يزدانيار، أبو جعفر السَّعيديّ الهمذانيّ الصُّوفيّ، ويعرف بالقاضي. روى عن يوسف بن أحمد بن كجّ، وأبي عبد الله بن فنجويه، ومحمد بن أحمد بن حمدويه الطُّوسيّ، وعبد الرحمن ابن الإمام، وأحمد بن الحسن الإمام، وأحمد بن عمر حموش، ونصر بن الحارث، وجماعة كبيرة. قال شيرويه: سمعت منه، وكان ثقة صدوقًا فقيرًا. وكان أصمّ، وكنت إذا دخلت بيته ضاق صدري لما أرى من حاله. توفّي في جمادى الأولى. وكان مولده في سنة ثمانين وثلاثمائة. ٥٤ - محمد بن أبي مسعود عبد العزيز بن محمد، أبو عبد الله الفارسيّ الهرويّ. راوي جزء أبي الجهم، ونسخة مصعب الزُّبيريّ، وأجزاء ابن صاعد السّتّة، وغير ذلك عن عبد الرحمن بن أبي شريح. روى عنه محمد بن طاهر المقدسيّ، وعبد السّلام بن أحمد بن بكبرة، وأبو الفتح محمد بن عليّ المضريّ، وأبو الوقت عبد الأوّل، وأهل هراة ورحل ابن طاهر إليه بالقصد إلى هراة، فحكى أنّه منع من الدّخول فتنازل إلى أن يدخل ويقرأ عليه حديثًا واحدًا، فأذن له. فلّما دخل عليه قرأ عليه الحديث الّذي في ذكر خيبر، وقد رواه البخاريّ بواسطة ثلاثة بينه وبين مالك (٢)، والشّيخ يروي هذا الحديث بواسطة ثلاثة كالبخاريّ، فقال لابن طاهر: لم اخترت قراءة هذا الحديث؟ فوصف له علوّه

стр. 9833

فيه، فقال: اقرأ باقي الجزء، ولازمه حتّى أكثر عنه. توفيّ في شوّال. ٥٥ - محمد بن عبد العزيز بن محمد، أبو يعلى ابن المناطقيّ البغداديّ الدّلاّل في الملك. سمع ابن رزقويه، وأبا الحسين بن بشران. وعنه أحمد بن المجلّيّ، وإسماعيل ابن السمرقندي. ومات في رمضان (١). ٥٦ - محمد بن عليّ بن محمود بن إبراهيم بن ماخرة، أبو بكر الزَّوزنيّ الصُّوفيّ، ولد الشّيخ أبي الحسن. سمع أبا الحسن بن مخلد، وأبا القاسم الحرفيّ. روى عنه أبو عليّ البردانيّ، وإسماعيل ابن السمرقندي. ومات في ذي القعدة عن ستّين سنة. ٥٧ - محمد بن قاسم بن هلال القيسيّ الطلُّيطليّ، الفقيه. حدَّث عن أبيه، وأبي عمر الطَّلمنكيّ. توفّي في جمادى الآخرة (٢). ٥٨ - محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز، أبو منصور العكبريّ الأخباريّ الندّيم. فارسيّ الأصل، كان راويةً للأخبار والحكايات، مليح النّادرة، حادّ الخاطر، طيّب العشرة، من أولاد المحدّثين. ولد سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وسمع بالكوفة من محمد بن عبد الله الجعفيّ، وببغداد من هلال الحفّار، وابن رزقويه، وأبي الحسين بن بشران. روى عنه عبد الله النحَّويّ، والحسين سبطا الخيّاط، ويحيى ابن الطراح، وإسماعيل ابن السمرقندي. قال الخطيب (٣): كتبت عنه، وكان صدوقًا. وقال عبد الله بن عليّ سبط الخيّاط: كان يتشيَّع.

стр. 9834

وقال ابن خيرون: إنّه خلّط في غير شيء، وسمّع لنفسه فيه، وتوفّي في رمضان. قال أبو سعد السَّمعانيّ: قول ابن خيرون لا يقدح فيه، لأنّ عمدة قدحه كونه استعار منه جزءًا، فنقل فيه سماعه وردّه، وما زالت الطَّلبة يفعلون ذلك. قلت: وقع لنا المجتنى لابن دريد بعلو من طريقه، سمعناه من أبي حفص ابن القوّاس، عن الكنديّ إجازة، قال: أخبرنا سبط الخيّاط، قال: أخبرنا أبو منصور النّديم، قال: أخبرنا أبو الطّيّب محمد بن أحمد بن خلف بن خاقان العكبريّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد. والنّديم أيضًا بنزول، عن أبي أيّوب الشّافعيّ، عن ابن الجّراح، عنه. ٥٩ - محمد بن هبة الله بن الحسن بن منصور، أبو بكر ابن الحافظ أبي القاسم الطَّبريّ اللاّلكائيّ ثمّ البغداديّ. ثقة، مكثر. سمعّه أبوه من هلال الحفَّار، وأبي الحسين بن بشران، وأبي الحسين بن الفضل القطّان. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو محمد سبط الخيّاط، وعبد الوهّاب الأنماطيّ. ومولده في ذي الحجّة سنة تسعٍ وأربعمائة. قلت: فيكون سماعه من الحفّار حضورًا. توفّي في جمادى الأولى. وكان شافعيّ المذهب، تبارد من أورده في علماء الشّافعيّة، فإنّه ليس هناك (١). ٦٠ - محمد بن يحيى بن سعيد، أبو عبد لله السِّرقسطيّ، خطيب سرقسطة. ويعرف بابن سماعة. حدَّث عن أبي عمر الطَّلمنكيّ. روى عنه أبو عليّ بن سكَّرة، وقال: مشهور بالصَّلاح التّامّ (٢).

стр. 9835

٦١ - نصر بن أحمد بن مروان الكرديّ، صاحب ديار بكر. مات عن سنٍّ عالية، وتملَّك ابنه منصور سنة اثنتين وسبعين. ٦٢ - هيّاج بن عبيد بن حسين، الفقيه الزّاهد أبو محمد الحطّينيّ. وحطّين: قرية بين عكا وطبرّية، بها قبر شعيب ﵇ فيما قيل. سمع أبا الحسن عليّ بن موسى السِّمسار، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن الطُّبيز، ومحمد بن عوف المزنيّ، وجماعة بدمشق، وأبا ذرّ الهرويّ بمكّة، وعبد العزيز الأزجيّ وغيره ببغداد، ومحمد بن الحسين الطّفّال، وعليّ بن حمِّصة بمصر، والسَّكن بن جميع بصيدا، ومحمد بن أحمد بن سهل بقيساريّة. روى عنه هبة الله الشّيرازيّ في معجمه فقال: أخبرنا هيّاج الزّاهد الفقيه، وما رأت عيناي مثله في الزُّهد والورع. وروى عنه محمد بن طاهر، وعمر الرُّواسيّ، ومحمد بن أبي عليّ الهمذانيّ، وثابت بن منصور القيسرانيّ، وإبراهيم بن عثمان الرّازقيّ، وأبو نصر هبة الله السِّجزيّ، وغيرهم. قال ابن طاهر المقدسيّ: كنّا جلوسًا بالحرم، فتمارى اثنان أيُّهما أحسن: مصر، أو بغداد؟ فقلت: هذا يطول، ولا يفصل بينكما إلاّ من دخل البلدين. فقالوا: من هو؟ فقلت: الفقيه هيَّاج. فقمنا بأجمعنا إليه، قال: فيم جئتم؟ فقصصت عليه وقلت: قد احتكما إليك. فأطرق ساعةً ثمّ قال: أقول لكما أيُّهما أطيب؟ قلنا: نعم. فقال: البصرة. قلت: إنّما سألا عن مصر وبغداد، فقال: البصرة أطيب؛ ذاك الخراب وقلّة النّاس، ويطيب القلب بتلك المقابر والزّيارات. وأمّا بغداد ومصر، فليس فيهما خير من الزَّحمة والأكاسرة. وكان هيّاج فقيه الحرم بعد رافع الحمّال (١)، وسمعته يقول: كان لرافع الحمّال في الزُّهد قدم، وإنّما تفقّه أبو إسحاق الشّيرازيّ، وأبو يعلى ابن الفرّاء بمراعاة رافع. كانوا يتفقّهون، وكان يكون معهما ثمّ يروح يحمل على رأسه، ويعطيهما ما يتقوَّتان به. قال ابن طاهر: كان هيّاج قد بلغ من زهده أنّه يصوم ثلاثة أيّام، ويواصل ولا يفطر إلاّ على ماء زمزم. فإذا كان آخر اليوم الثّالث من أتاه بشيء أكله، ولا

стр. 9836

يسأل عنه. وكان قد نيّف على الثّمانين، وكان يعتمر في كلّ يومٍ ثلاث عمر على رجليه، ويدّرس عدّة دروس لأصحابه. وكان يزور عبد الله بن عبّاس بالطّائف كلّ سنة مرّة، يأكل بمكّة أكلة، وبالطّائف أخرى. وكان يزور النبّيَّ ﷺ كلّ سنة مع أهل مكّة. كان يتوقّف إلى يوم الرحيل، ثمّ يخرج، فأوّل من أخذ بيده كان في مؤنته إلى أن يرجع، وكان يمشي حافيًا من مكّة إلى المدينة ذاهبًا وراجعًا. وسمعته يقول: وقد شكى إليه بعض أصحابه أنّ نعله سرقت في الطّوّاف: اتَّخذ نعلين لا يسرقهما أحد. ورزق الشهادة في وقعةٍ وقعت لأهل السُّنَّة بمكّة، وذلك أنّ بعض الرّوافض شكى إلى أمير مكّة: أنّ أهل السُّنَّة ينالون منّا ويبغضونا. فأنفذ وأخذ الشّيخ هيَّاجًا، وجماعة من أصحابه، مثل أبي محمد ابن الأنماطي، وأبي الفضل بن قوّام، وغيرهما. وضربهم، فمات الاثنان في الحال، وحمل هيّاج إلى زاويته، وبقي أيّامًا، ومات من ذلك ﵁. وقال السّمعانيّ: سألت إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، عن هيّاج بن عبيد، فقال: كان فقيهًا زاهدًا. وأثنى عليه. ٦٣ - يحيى بن محمد بن الحسن، الشّريف أبو محمد ابن الأقساسيّ، العلويّ الكوفيّ، من ولد زيد بن عليّ بن الحسين، وأقساس: قرية من قرى الكوفة. ثقة، روى عن محمد بن عبد الله الجعفيّ. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو الفضل الأرمويّ. توفّي في حدود هذه السّنة (١).

стр. 9837

سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ٦٤ - أحمد بن حاتم بن بسّام بن عامر، أبو العبّاس البكريّ التَّيميّ الأصبهانيّ الشّاهد. له رحلة إلى خراسان وإلى بغداد سنة عشرين، فسمع من جماعة؛ روى عن أبي عليّ بن شاذان. روى عنه الحسين بن عبد الملك الأديب. توفّي في صفر (١). ٦٥ - أحمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن سرابان، أبو طاهر الرُّوذباريّ الصّائغ ابن الزّاهد. روى عن أحمد بن تركان، وعبد الرحمن المؤدّب، وأبي سلمة الهمذانيين، ومنصور بن رامش. قال شيرويه: سمعت منه، وكان ثقة متقنًا. توفّي في شوّال، وله ثمانون سنة. ٦٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن الأخضر البغداديّ المقرئ. كان من أحسن النّاس تلاوة في المحراب، وكان مقلاًّ قانعًا. روى عن أبي عليّ بن شاذان. وعنه ابن السَّمرقنديّ، وعلي بن أحمد بن بكّار المقرئ (٢). ٦٧ - أحمد بن محمد بن الحسين بن الحسن الخيّاط الأنصاريّ. روى عن ابن خرَّشيد قولة، وأبي الفرج البرجيّ. ٦٨ - إسماعيل بن أحمد بن محمد بن عبد الله الحيريّ، أبو محمد الَّنيسابوريّ البزّاز. شيخ معمَّر، صالح، مجاور بالجامع، سمع الكثير، وحدَّث عن أبي الحسن العلويّ، وأبي طاهر بن محمش، وعبد الله بن يوسف بن بامويه، وأبي

стр. 9838

عبد الرحمن السُّلميّ. روى عنه عبد الغافر الفارسي وقال (١): توفّي في رابع ذي الحجّة، والحسين بن عليّ الشّحّاميّ، وسعيدة بنت زاهر الشّحّاميّ، وآخرون. ٦٩ - أمة الرحمن بنت عمر بن محمد بن يوسف بن دوست العلاّف أمّ الخير. صالحة مستورة، روت عن عمّها عثمان بن دوست. روى عنها إسماعيل ابن السمرقندي. وماتت في شوّال. ٧٠ - أمة القاهر بنت محمد بن أبي عمرو بن دوست العلاّف، أمّ العزّ. عن جدّها. وعنها إسماعيل ابن السمرقندي، وغيره. أرّخها ابن النّجّار (٢). ٧١ - الحسين بن عليّ بن عمر بن عليّ، أبو عبد الله الأنطاكيّ. كان ينوب بدمشق في القضاء عن أبي الفضل بن أبي الجنّ العلويّ. سمع من تمّام الرّازيّ، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وكان يسكن بالشّاغور، وهو آخر من حدَّث عن تمّام. روى عنه أبو بكر الخطيب، وهبة الله بن أحمد الأكفانيّ، وجمال الإسلام أبو الحسن، وعلي بن قبيس. وسأله غيث عن مولده، فقال: سنة أربعٍ وتسعين وثلاثمائة. توفّي في المحرَّم (٣). ٧٢ - الحسين بن عليّ بن محمد بن أحمد بن إسحاق، أبو القاسم النَّيسابوريّ المختار. حدَّث عن عبد الله بن يوسف، وابن محمش، والأستاذ أبي سعد، وأصحاب الأصمّ، ودفن إلى جانب ابن نجيد. وله كلام في المعرفة (٤).

стр. 9839

٧٣ - الحسين بن محمد بن مبشّر، أبو عليّ الأنصاري السَّرقسطيّ. ويعرف بابن الإمام. أخذ القراءة عن أبي عمرو الدّانيّ، وأبي عليّ الإلبيريّ. ورحل وسمع من أبي ذرّ عبد بن أحمد، وإسماعيل الحدّاد المقرئ. وأقرأ النّاس. وكان خيِّرًا فاضلًا (١). ٧٤ - سعيد بن يوسف، أبو طالب. صلبوه بهمذان في شوّال. ٧٥ - سفيان بن الحسين بن محمد بن فنجويه. ورّخه بعضهم فيها، والصّحيح ما تقدَّم (٢). ٧٦ - شيبان بن عبد الله بن أحمد بن محمد، أبو المعمّر البرجيّ الأصبهانيّ المحتسب. توفّي في ربيع الآخر. شيخ صالح صاحب سنّة، يعظ في القرى. سمع أبا عبد الله بن منده، والجرجانيّ، وأبا سعد المالينيّ، وأبا بكر بن مردويه. أرّخه يحيى بن منده. ٧٧ - عبد الله بن عبد العزيز، أبو محمد بن عزّون التّميميّ المهدويّ المغربيّ المالكيّ. من أصحاب أبي عمران الفاسيّ، وأبي بكر عبد الرحمن. وكان أحد الفقهاء الأربعة الّذين نزحوا بعد خراب القيروان عنها، وهم: عبد الحميد الصّائغ، وأبو الحسن اللَّخميّ، وهذا، وأبو الرّجال المكفوف. وكان ابن عزّون متفننِّاً في العلوم؛ تخرَّج به ابن حسّان، والقاضي ابن شغلان، وكان من أقيم النّاس على المدوَّنة، وأبحثهم في أسرارها، توفّي في حدود هذا العام (٣). ٧٨ - عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن عليّ بن أيّوب، أبو القاسم العكبريّ.

стр. 9840

من بيت العلم والعدالة. كان ثقة ورعًا، أضرّ في آخر عمره. سمع عمّ أبيه الحسين، وعمر بن أحمد بن أبي عمرو، وعبد الله بن عليّ بن أيّوب العكبريّين. روى عنه ابن السَّمرقنديّ، وأبو الحسن بن عبد السّلام. حدَّث في هذا العام. ٧٩ - عبد الرحمن بن عيسى بن محمد، أبو زيد الأندلسيّ، قاضي طليطلة، ويعرف بابن الحشّاء. سمع بقرطبة من يونس بن عبد الله، وأبي المطِّرف القنازعيّ. وسمع بدانية من أبي عمرو المقرئ، وأبي الوليد بن فتحون، وبمكّة من أبي ذرّ الهرويّ، وأبي الحسن بن صخر، وبالمغرب من عبد الحقّ بن هارون الصَّقلّيّ، وبمصر من أبي القاسم عبد الملك بن الحسن، وعليّ بن إبراهيم الحوفيّ، وبالقيروان من أبي عمران الفاسيّ الفقيه. استقضاه المأمون يحيى بن ذي النُّون بطليطلة بعد أبي الوليد بن صاعد. وحمدت سيرته، ثمّ استقضي بدانية (١). وقال أبو بكر الطّرطوشيّ: لمّا ولي جدّي، يعني لأمّه، أبو زيد ابن الحشاء القضاء بطليطلة جمع أهلها وأخرج لهم صندوقًا فيه عشرة آلاف دينار، وقال: هذا مالي، فلا تحسبوا ظهور حالي من ولايتكم، ولا نموَّ مالي من أموالكم. ٨٠ - عبد السّلام ابن شيخ الشيوخ أبي الحسن بن سالبة، أبو الفتح. توفّي في جمادى الأولى بأصبهان ظنا (٢). ٨١ - عبد الواحد بن محمد بن عبيد الله، أبو القاسم البغداديّ الزّجّاج. ثمّ الخبّاز. سمع ابن بشران، وابن رزقويه. وعنه إسماعيل ابن السمرقندي. مات في ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وسبعين. ٨٢ - عبد الواحد بن المطهّر بن عبد الواحد بن محمد البزانّي (٣) الأصبهانيّ.
следующие страницы →