← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

زمعة، وأبوها شيخ كبير قد جلس عن الموسم فحيّيته بتحيّة أهل الجاهلية وقلت: انعم صباحا، قال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم، فرحّب بي وقال ما شاء الله أن يقول، قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب يذكر سودة بنت زمعة، قال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قلت: تحبّ ذلك، قال: قولي له فليأت، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فملكها. قالت: وقدم عبد بن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إنّي لسفيه يوم أحثو على رأسي التراب أن تزوّج رسول الله ﷺ سودة (١). إسناده حسن. عرض نفسه ﷺ على القبائل. قال إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على النّاس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي. أخرجه أبو داود (٢)، عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، وهو على شرط البخاري. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كلّ موسم، ويكلّم كلّ شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلاّ أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك، ومن كره لم أكرهه، إنّما أريد أن تحرزوني ممّا يراد بي من الفتك، حتى أبلّغ رسالات ربّي، وحتّى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء، فلم يقبله أحد ويقولون: قومه أعلم به، أترون أنّ رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، ولفظوه، فكان ذلك ممّا ذخر الله للأنصار. وتوفّي أبو طالب، وابتلي رسول الله ﷺ أشدّ ما كان، فعمد لثقيف بالطّائف، رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم، هم سادة ثقيف: عبد ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم

стр. 982

البلاء، وما انتهك منه قومه. فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك قطّ. وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك. وقال الآخر: والله لا أكلّمك بعد مجلسك هذا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفا وحقّا من أن أكلّمك، ولئن كنت تكذب على الله، لأنت أشرّ من أن أكلّمك. وتهزّؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، وقعدوا له صفّين على طريقه، فلمّا مرّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلاّ رضخوهما بالحجارة ودموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظلّ في ظلّ سمرة حبلة منه، وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عدّاسا، وهو نصرانيّ من أهل نينوى، معه عنب، فلمّا جاء عدّاس، قال له رسول الله ﷺ : من أيّ أرض أنت يا عدّاس؟ قال: من أهل نينوى، فقال له النّبيّ ﷺ : من مدينة الرجل الصّالح يونس بن متّى؟ فقال: ما يدريك من يونس بن متّى؟ قال: أنا رسول الله، والله أخبرني خبر يونس فلما أخبره خر عداس ساجدا لرسول الله ﷺ ، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلمّا أبصر عتبة، وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلّت قدميه؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متّى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيّ ك، فإنّه رجل خدّاع، فرجع رسول الله ﷺ إلى مكة (١). وقال يونس بن يزيد، عن الزّهريّ: أخبرني عروة، أنّ عائشة حدّثته، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : هل أتى عليك يوم أشدّ عليك من يوم أحد؟ قال: ما لقيت من قومك كان أشدّ منه، يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلاّ وأنا بقرن الثعالب (٢)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا هو جبريل، فناداني إنّ الله قد سمع قول

стр. 983

قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثمّ ناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمد إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربّك لتأمرني بما شئت، إن شئت يطبق عليهم الأخشبين (١)، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أسرارهم - أو قال: من أصلابهم - من يعبد الله لا يشرك به شيئا. أخرجاه (٢). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (٣): فحدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظيّ قال: لمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى الطّائف، عمد إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادتهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو، وأخواه مسعود وحبيب، وعند أحدهم امرأة من قريش من جمح، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله من يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أكلّمك. وذكره كما في حديث ابن شهاب، وفيه زيادة وهي: فلمّا اطمأن ﷺ قال فيما ذكر لي: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على النّاس، أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدوّ ملّكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخط، لك العتبى حتّى ترضى ولا حول ولا قوّة إلاّ بك. وحدّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس، قال: سمعت ربيعة بن عبّاد (٤) يحدّث أبي قال (٥): إنّي لغلام شابّ مع أبي بمنى، ورسول الله ﷺ

стр. 984

يقف على القبائل من العرب، يقول: يا بني فلان إنّي رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا وتصدّقوني وتمنعوني حتى أبيّن عن الله ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلّة عدنيّة، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله قال: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحيّ من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضّلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا عمّه عبد العزّى أبو لهب. وحدّثني ابن شهاب أنّه ﷺ أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيّد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه (١). وحدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين، أنّه أتى كلبا في منازلهم، إلى بطن منهم يقال له بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتّى إنّه ليقول: يا بني عبد الله إنّ الله قد أحسن اسم أبيكم، فدعاهم إلى الله فلم يقبلوا (٢). وحدّثني بعض أصحابنا أنّه أتى بني حنيفة في منازلهم، ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردّا منهم (٣). وحدّثني الزّهريّ أنّه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه (٤). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدّثني عاصم بن عمر بن

стр. 985

قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصّامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجّا أو معتمرا، وكان سويد يسمّيه قومه فيهم الكامل لسنّه وجلده وشعره، فتصدّى له رسول الله ﷺ ودعاه إلى الله، فقال سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ : وما الذي معك؟ قال: مجلّة لقمان، يعني حكمة لقمان، قال: اعرضها، فعرضها عليه، فقال: إنّ هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله عليّ، فتلا عليه القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا لقول حسن. ثم انصرف فقدم المدينة على قومها، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فكان رجال من قومه يقولون: إنّا لنرى أنّه قتل وهو مسلم، وكان قتله يوم بعاث (١). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (٢) قال: وسويد الذي يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى … مقالته بالغيب ساءك ما يفري مقالته كالشهد ما كان شاهدا … وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه … تميمة غش تبتري عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم … من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فرشني بخير طالما قد بريتني … وخير الموالي من يريش ولا يبري حديث يوم بعاث (٣) قال يونس، عن ابن إسحاق (٤): حدّثني الحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فقال

стр. 986

لهم: هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس، وكان غلاما حدثا: يا قوم هذا والله خير ممّا جئتم له، فيأخذ أبو الحيسر حفنة من الحصباء (١)، فضرب بها وجه إياس، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فسكت، وقام النّبيّ ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي أنّهم لم يزالوا يسمعونه يهلّل الله ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتى مات، وكانوا لا يشكّون أنّه مات مسلما. وقد كان استشعر منه الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يوم بعاث يوما قدّمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم - يعني وجرّحوا - قدّمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام. أخرجه البخاري (٢). ذكر مبدأ خبر الأنصار والعقبة الأولى. قال أحمد بن المقدام العجليّ (٣): حدثنا هشام بن محمد الكلبيّ، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير، عن أبيه قال: سمعت قريش قائلا يقول في اللّيل على أبي قبيس: فإن يسلم السّعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف فلمّا أصبحوا قال أبو سفيان: من السّعدان؟ سعد بن بكر، سعد تميم؟ فلمّا كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:

стр. 987

أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا … على الله في الفردوس منية عارف فإنّ ثواب الله للطالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (١): لمّا أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيّه، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه الأنصار، فعرض نفسه على القبائل، كما كان يصنع، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج، فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، أنّ رسول الله ﷺ لمّا لقيهم قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان ممّا صنع الله به في الإسلام أنّ يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إنّ نبيّا مبعوث الآن، قد أظلّ زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلمّا كلّم رسول الله ﷺ أولئك النّفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلّموا والله إنّه للنّبيّ الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه، فأجابوه وأسلموا وقالوا: إنّا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك به، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك، ثم انصرفوا. قال ابن إسحاق (٢): وهم فيما ذكر ستّة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك الزّرقي، وقطبة بن عامر السّلميّ، وعقبة بن عامر. رواه جرير بن حازم، عن ابن إسحاق، فقال بدل عقبة: معوّذ بن عفراء، وجابر بن عبد الله أحد بني عديّ بن غنم، فلمّا قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله، ودعوهم إلى الإسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله

стр. 988

ﷺ ، فلمّا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النّساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء، وذكوان بن عبد قيس، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصّامت، ويزيد بن ثعلبة البلويّ، وعبّاس بن عبادة بن نضلة، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وهم من الخزرج، وأبو الهيثم بن التّيهان، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس. وقال يونس وجماعة، عن ابن إسحاق (١): حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله الصّنابحيّ عبد الرحمن بن عسيلة، قال: حدّثني عبادة بن الصّامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى، ونحن اثنا عشر رجلا، فبايعناه بيعة النساء، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وذلك قبل أن تفترض الحرب، فإن وفيتم بذلك فلكم الجنّة، وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذّب. أخرجاه (٢) عن قتيبة، عن اللّيث، عن يزيد بن أبي حبيب. أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن أبي عمرو قالا: أخبرنا الحسن بن عليّ بن الحسين بن الحسن بن البنّ، قال: أخبرنا جدّي أبو القاسم الحسين، قال: أخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد بن عليّ بن أبي العلاء سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان المعدّل، قال: أخبرنا عليّ بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم القرشيّ، قال: أخبرنا محمد بن عائذ، قال: أخبرني إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن عبادة بن الصّامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة في النشاط والكسل، وعلى

стр. 989

النّفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله ، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنّة. رواه زهير بن معاوية، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أنّ عبادة قال نحوه. خالفه داود بن عبد الرحمن العطّار، ويحيى بن سليم، فرويا عن ابن خثيم هذا المتن بإسناد آخر، وهو عن أبي الزّبير عن جابر. وسيأتي. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (١): فلمّا انصرف القوم، بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير العبدريّ يقرئهم القرآن ويفقّههم في الدّين، فنزل على أسعد بن زرارة، فحدّثني عاصم بن عمر أنّه كان يصلّي بهم، وذلك أنّ الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض. قال ابن إسحاق: وكان يسمّى مصعب بالمدينة المقرئ. وحدّثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان صلّى على أبي أمامة أسعد بن زرارة، واستغفر، فقلت: يا أبه ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة صلّيت على أبي أمامة؟! قال: أي بنيّ، كان أوّل من جمّع بنا بالمدينة في هزم (٢) من حرّة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات، قلت: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا (٣). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: فلمّا حضر الموسم حجّ نفر من الأنصار، منهم معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصّامت، وأبو عبد الرحمن بن تغلب، وأبو الهيثم بن التّيهان، وعويم بن ساعدة، فأتاهم رسول الله ﷺ فأخبرهم خبره، وقرأ

стр. 990

عليهم القرآن، فأيقنوا به واطمأنوا وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب، فصدّقوه، ثم قالوا: قد علمت الذي كان بين الأوس والخزرج من سفك الدماء، ونحن حراص على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك بالنّصيحة، وإنّا نشير عليك برأينا، فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله، فلعلّ الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لهم أمرهم فنواعدك الموسم من قابل، فرضي بذلك رسول الله ﷺ ، ورجعوا إلى قومهم فدعوهم سرّا وتلوا عليهم القرآن، حتّى قلّ دار من دور الأنصار إلاّ قد أسلم فيها ناس، ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ معاذ بن عفراء، ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يفقّهنا، فبعث مصعب بن عمير، فنزل في بني تميم على أسعد يدعو النّاس سرّا، ويفشو فيهم الإسلام ويكثر، ثم أقبل مصعب وأسعد، فجلسا عند بئر بني مرق، وبعثا إلى رهط من الأنصار، فأتوهما مستخفين، فأخبر بذلك سعد بن معاذ، ويقول بعض النّاس: بل أسيد بن حضير فأتاهم في لأمته معه الرّمح، حتى وقف عليهم، فقال لأبي أمامة أسعد: علام أتيتنا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطّريد، يسفّه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه، لا أراك بعدها تسيء من جوارنا، فقاموا، ثم إنّهم عادوا مرّة أخرى لبئر بني مرق، أو قريبا منها، فذكروا لسعد بن معاذ الثانية فجاءهم، فتواعدهم وعيدا دون وعيده الأول، فقال له أسعد: يا ابن خالة، اسمع من قوله، فإن سمعت حقّا فأجب إليه، وإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب: حم والكتاب المبين. إنّا جعلناه قرآنا عربيّا لعلّكم تعقلون فقال سعد: ما أسمع إلاّ ما أعرفه، فرجع سعد وقد هداه الله، ولم يظهر لهما إسلامه، حتى رجع إلى قومه فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام، وأظهر لهم إسلامه وقال: من شكّ منكم فيه فليأت بأهدى منه، فوالله لقد جاء أمر لتحزن منه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ، إلا من لا يذكر. ثمّ إنّ بني النّجّار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدّوا على أسعد، فانتقل مصعب إلى سعد بن معاذ يدعو آمنا ويهدي الله به. وأسلم عمرو بن الجموح، وكسرت أصنامهم، وكان المسلمون أعزّ من بالمدينة، وكان

стр. 991

مصعب أوّل من جمّع الجمعة بالمدينة، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ . هكذا قال ابن شهاب: إنّ مصعبا أوّل من جمّع بالمدينة (١). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (٢): وحدّثني عبد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنّ أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به (٣) حائطا من حوائط بني ظفر، وقالا: على بئر مرق، فاجتمع إليهما ناس، وكان سعد وأسيد بن حضير سيّديّ بني عبد الأشهل، فلمّا سمعا به قال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فلولا أسعد بن زرارة ابن خالتي كفيتك ذلك، فأخذ أسيد حربته، ثم أقبل إليهما، فلمّا رآه أسعد قال: هذا سيّد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلّمه، قال: فوقف عليهما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كان لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركّز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما بلغنا: والله لعرفنا في وجهه الإسلام، قبل أن يتكلّم في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا: تغتسل وتطهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي، فقام فاغتسل وأسلم وركع ركعتين ثمّ قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه من قومه أحد، وسأرسله إليكما، ثم انصرف إلى سعد بن معاذ وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلمّا رآه سعد مقبلا قال: أقسم بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ولّى به، ثمّ قال له: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فما رأيت بهما بأسا، وقد تهيبتهما فقالا: لا نفعل ما أحببت،

стр. 992

وقد حدّثت أنّ بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد ليقتلوه، وذلك أنّهم عرفوا أنّه ابن خالتك ليخفروك (١)، فقام سعد مغضبا مبادرا متخوّفا، فأخذ الحربة وقال: والله ما أراك أغنيت عنّا شيئا، ثم خرج إليهما، فلمّا رآهما سعد مطمئّنين عرف أنّ أسيدا إنّما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متبسما. ثمّ قال لأسعد: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت منّي هذا، أتغشانا في دارينا بما نكره! وقد قال أسعد لمصعب: أي مصعب جاءك والله سيّد من وراءه، إن يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان، فقال: أوتقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره، قال: أنصفت، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فعرفنا في وجهه والله الإسلام قبل أن يتكلّم به، لإشراقه وتسهّله. ثم فعل كما عمل أسيد، وأسلم، وأخذ حربته، وأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه أسيد، فلمّا رآه قومه قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعرفون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإنّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا، فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلما ومسلمة، ورجع مصعب وأسعد إلى منزلهما، ولم تبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيها رجال ونساء مسلمون، إلاّ ما كان من دار بني أميّة بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنّه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرا لهم وقائدا، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى مضت أحد والخندق (٢).

стр. 993

العقبة الثانية. قال يحيى بن سليم الطّائفيّ، وداود العطّار وهذا لفظه: حدثنا ابن خثيم، عن أبي الزّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ لبث عشر سنين يتبع الحاجّ في منازلهم في المواسم: مجنّة (١)، وعكاظ، ومنى، يقول: من يؤويني وينصرني حتى أبلغّ رسالات ربّي وله الجنّة؟ فلا يجد، حتى إنّ الرجل يرحل صاحبه من مضر أو اليمن، فيأتيه قومه أو ذو رحمه يقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك، يمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله ، يشيرون إليه بأصابعهم، حتّى بعثنا الله له من يثرب، فيأتيه الرجل منّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من يثرب إلاّ وفيها رهط يظهرون الإسلام، ثم ائتمرنا واجتمعنا سبعين رجلا منّا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله ﷺ يطوف في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين، حتى توافينا عنده، فقلنا يا رسول الله: علام نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النّشاط والكسل، وعلى النّفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنّة فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، إلاّ أنا، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطيّ إلاّ ونحن نعلم أنّه رسول الله، إنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافّة، وقتل خياركم، وأن تعضّكم السيوف، فإمّا أنتم قوم تصبرون على عضّ السيوف إذا مسّتكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافّة، فخذوه وأجركم

стр. 994

على الله، وإمّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فهو أعذر لكم عند الله . فقلنا: أمط يدك يا أسعد، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلا رجلا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنّة (١). زاد في وسطه يحيى بن سليم: فقال له عمّه العبّاس: يا ابن أخي لا أدري ما هذا القوم الذين جاؤوك، إنّي ذو معرفة بأهل يثرب، قال: فاجتمعا عنده من رجل ورجلين، فلمّا نظر العبّاس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث، فقلنا: علام نبايعك؟ (٢) وقال أبو نعيم: حدثنا زكريا، عن الشّعبي قال: انطلق النّبيّ ﷺ معه عمّه العبّاس، إلى السبعين من الأنصار، عند العقبة تحت الشجرة، قال: ليتكلّم متكلّمكم ولا يطيل الخطبة، فإنّ عليكم من المشركين عينا، فقال أسعد: سل يا محمد لربّك ما شئت، ثمّ سل لنفسك، ثمّ أخبرنا ما لنا على الله، قال: أسألكم لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا ممّا منعتم منه أنفسكم، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنّة، قالوا: فلك ذلك (٣). ورواه أحمد بن حنبل (٤)، عن يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، قال: أخبرنا مجالد، عن الشّعبيّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ بنحوه، قال: وكان أبو مسعود أصغرهم سنّا. وقال ابن بكير، عن ابن إسحاق (٥): حدّثني عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، أنّ العبّاس بن عبادة بن نضلة أخا بني سالم قال: يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون رسول الله ﷺ ؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنّها إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل، تركتموه وأسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا

стр. 995

والآخرة، وإن كنتم ترون أنّكم مستضلعون به وافون له، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قال عاصم: فوالله ما قال العبّاس هذه المقالة إلاّ ليشدّ لرسول الله ﷺ بها العقد. وقال ابن أبي بكر: ما قالها إلاّ ليؤخّر بها أمر القوم تلك اللّيلة، ليشهد أمرهم عبد الله بن أبيّ، فيكون أقوى، قالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟ قال: الجنّة، قالوا: ابسط يدك، وبايعوه، فقال عبّاس بن عبادة: إن شئت لنميلنّ عليهم غدا بأسيافنا، فقال: لم أؤمر بذلك. وقال الزّهريّ: ورواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وقاله موسى بن عقبة، وهذا لفظه: إنّ (١) العام المقبل حجّ من الأنصار سبعون رجلا، أربعون من ذوي أسنانهم وثلاثون من شبانهم، أصغرهم أبو مسعود عقبة بن عمرو، وجابر بن عبد الله، فلقوه بالعقبة، ومع رسول الله ﷺ عمّه العبّاس، فلمّا أخبرهم بما خصّه الله من النّبوّة والكرامة، ودعاهم إلى الإسلام وإلى البيعة أجابوه وقالوا: اشترط علينا لربّك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربّي أن لا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فلمّا طابت بذلك أنفسهم من الشرط أخذ عليهم العبّاس المواثيق لرسول الله ﷺ بالوفاء، وعظم العبّاس الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وذكر أنّ أم عبد المطّلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن عديّ بن النّجّار. وذكر الحديث بطوله. قال عروة: فجميع من شهد العقبة من الأنصار سبعون رجلا وامرأة. وقال ابن إسحاق (٢): سبعون رجلا وامرأتان، إحداهما أمّ عمارة وزوجها وابناهما. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٣): فحدّثني معبد بن كعب بن مالك بن القين، عن أخيه عبيد الله، عن أبيه كعب ﵁ قال: خرجنا في الحجّة التي بايعنا فيها رسول الله ﷺ بالعقبة مع مشركي قومنا،

стр. 996

ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدّنا، حتى إذا كنّا بظاهر البيداء قال: يا هؤلاء تعلّمون أنّي قد رأيت رأيا، والله ما أدري توافقوني عليه أم لا، فقلنا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إنّي قد أردت أن أصلّي إلى هذه البنيّة (١) ولا أجعلها منّي بظهر، فقلنا: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أنّ نبيّنا ﷺ يصلّي إلا إلى الشام، قال: فإنّي والله لمصلّ إليها، فكان إذا حضرت الصّلاة توجّه إلى الكعبة، وتوجّهنا إلى الشام، حتى قدمنا مكة، فقال لي البراء: يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عمّا صنعت، فلقد وجدت في نفسي بخلافكم إيّاي، قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، فلقينا رجلا بالأبطح، فقلنا: هل تدلّنا على محمد؟ قال: وهل تعرفانه إن رأيتماه؟ قلنا: لا والله، قال: فهل تعرفان العبّاس؟ فقلنا: نعم، وقد كنّا نعرفه، كان يختلف إلينا بالتجارة، فقال: إذا دخلتما المسجد فانظرا العبّاس، فهو الرجل الذي معه، قال: فدخلنا المسجد، فإذا رسول الله ﷺ والعبّاس ناحية المسجد جالسين، فسلّمنا، ثم جلسنا، فقال رسول الله ﷺ : هل تعرف هذين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك، فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم، فقال له البراء: يا رسول الله إنّي قد كنت رأيت في سفري هذا رأيا، وقد أحببت أن أسألك عنه، قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أن لا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر فصلّيت إليها، فقال له رسول الله ﷺ : قد كنت على قبلة لو صبرت عليها، فرجع إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وأهله يقولون: قد مات عليها، ونحن أعلم به، قد رجع إلى قبلة رسول الله ﷺ وصلّى معنا إلى الشام. ثم واعدنا رسول الله ﷺ العقبة، أوسط أيّام التشريق، ونحن سبعون رجلا للبيعة، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وإنّه لعلى شركه، فأخذناه فقلنا: يا أبا جابر والله إنّا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه. فتكون لهذه النّار غدا حطبا، وإنّ الله قد بعث رسولا يأمر بتوحيده وعبادته. وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله ﷺ للبيعة، فأسلم وطهّر ثيابه، وحضرها معنا فكان نقيبا، فلمّا كانت الليلة التي وعدنا فيها رسول الله

стр. 997

ﷺ بمنى أوّل اللّيل مع قومنا، فلمّا استثقل النّاس من النّوم تسلّلنا من فرشنا تسلّل القطا، حتى اجتمعنا بالعقبة، فأتى رسول الله ﷺ وعمّه العباس، ليس معه غيره، أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فكان أول متكلّم، فقال: يا معشر الخزرج إنّ محمدا منّا حيث قد علمتم، وهو في منعة من قومه وبلاده، قد منعناه ممّن هو على مثل رأينا منه، وقد أبى إلاّ الانقطاع إليكم، وإلى ما دعوتموه إليه، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما وعدتموه، فأنتم وما تحمّلتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه، فإنّه في منعة من عشيرته وقومه، فقلنا: قد سمعنا ما قلت، تكلّم يا رسول الله، فتكلّم ودعا إلى الله، وتلا القرآن ورغب في الإسلام، فأجبناه بالإيمان والتصديق له، وقلنا له: خذ لربّك ولنفسك، فقال: إنّي أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونساءكم، فأجابه البراء بن معرور فقال: نعم والذي بعثك بالحقّ ما نمنع منه أزرنا (١)، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة (٢)، ورثناها كابرا عن كابر، فعرض في الحديث أبو الهيثم بن التّيهان فقال: يا رسول الله إنّ بيننا وبين أقوام حبالا (٣)، وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن الله أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال: بل الدّم الدّم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم، فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك. فقال رسول الله ﷺ : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، فأخرجوهم له، فكان نقيب بني النّجّار: أسعد بن زرارة، ونقيب بني سلمة: البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق: رافع بن مالك، ونقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ونقيب بني عوف بن الخزرج: عبادة بن الصّامت وبعضهم جعل بدل عبادة بن الصّامت خارجة بن زيد، ونقيب بني عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة، ونقيب بني عبد الأشهل وهم من الأوس أسيد بن حضير، وأبو

стр. 998

الهيثم بن التّيهان، قال: فأخذ البراء بيد رسول الله ﷺ فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع النّاس فبايعوا، فصرخ الشيطان على العقبة بأنفذ (١) - والله - صوت سمعته قطّ، فقال: يا أهل الجباجب (٢) هل لكم في مذمّم والصّباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أزب (٣) العقبة، هذا ابن أزيب، أما والله لأفرغنّ لك، ارفضوا إلى رحالكم. فقال العبّاس بن عبادة أخو بني سالم: يا رسول الله: والذي بعثك بالحقّ لئن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال: إنّا لم نؤمر بذلك فرحنا إلى رحالنا فاضطجعنا، فلمّا أصبحنا، أقبلت جلّة من قريش فيهم الحارث بن هشام، فتى شاب وعليه نعلان له جديدتان، فقالوا: يا معشر الخزرج إنّه قد بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وإنّه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من قومنا من المشركين يحلفون لهم بالله، ما كان من هذا من شيء، وما فعلناه، فلمّا تثور القوم لينطلقوا قلت كلمة كأنّي أشركهم في الكلام: يا أبا جابر - يريد عبد الله بن عمرو - أنت سيّد من سادتنا وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتّخذ مثل نعلي هذا الفتى من قريش، فسمعه الحارث، فرمى بهما إليّ وقال: والله لتلبسنّهما، فقال أبو جابر: مهلا أحفظت لعمر الله الرجل - يقول: أخجلته - اردد عليه نعليه، فقلت: لا والله لا أردّهما، فأل صالح إنّي لأرجو أن أسلبه. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني عبد الله بن أبي بكر قال: ثم انصرفوا عنهم فأتوا عبد الله بن أبيّ - يعني ابن سلول - فسألوه، فقال: إنّ هذا الأمر جسيم وما كان قومي ليتفوّتوا عليّ بمثله، فانصرفوا عنه. وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق (٥): حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنّ

стр. 999

رسول الله ﷺ قال لهم: ابعثوا منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم، ككفالة الحواريّين لعيسى ابن مريم، فقال أسعد بن زرارة: نعم يا رسول الله، قال: فأنت نقيب على قومك، ثم سمّى النّقباء كرواية معبد بن مالك. وقال ابن وهب: حدّثني مالك، قال: حدّثني شيخ من الأنصار أنّ جبريل ﵇ كان يشير للنّبيّ ﷺ إلى من يجعله نقيبا، قال مالك: كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجل، ومن قبيلة رجلان، حتّى حدّثني هذا الشيخ أنّ جبريل كان يشير إليهم يوم البيعة، قال مالك: وهم تسعة نقباء من الخزرج، وثلاثة من الأوس (١). وقال: ابن إسحاق (٢): تسمية من شهد العقبة. قلت: تركت النّقباء لأنّهم قد تقدّموا. فمن الأوس: سلمة بن سلامة بن وقش. ومن بني حارثة: ظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار، وبهير بن الهيثم. ومن بني عمرو بن عوف: رفاعة بن عبد المنذر، وعدّه ابن إسحاق نقيبا عوض أبي الهيثم بن التّيهان، وعبد الله بن جبير بن النّعمان أمير الرّماة يوم أحد، ويومئذ استشهد، ومعن بن عديّ قتل يوم اليمامة، وعويم بن ساعدة. فجميع من شهد العقبة من الأوس أحد عشر رجلا. ومن الخزرج من بني النّجّار: أبو أيّوب خالد بن زيد، ومعاذ بن عفراء، وأخوه عوف، وعمارة بن حزم، وقتل يوم اليمامة. ومن بني عمرو بن مبذول: سهل بن عتيك، بدريّ. ومن بني عمرو بن النّجّار، وهم بنو حديلة: أوس بن ثابت، وأبو طلحة زيد بن سهل. ومن بني مازن بن النّجّار: قيس بن أبي صعصعة، وعمرو بن غزيّة.

стр. 1000

ومن بلحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد، استشهد يوم أحد، وبشير بن سعد، وعبد الله بن زيد صاحب النّداء (١)، وخلاد بن سويد، استشهد يوم قريظة، وأبو مسعود عقبة بن عمرو. ومن بني بياضة: زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، وخالد بن قيس. ومن بني زريق: ذكوان بن عبد قيس، وكان خرج إلى مكة، فكان مع رسول الله ﷺ ، فكان يقال له: مهاجريّ أنصاريّ، واستشهد يوم أحد، وعباد (٢) بن قيس، والحارث بن قيس. ومن بني سلمة: بشر بن البراء بن معرور ابن أحد النّقباء، وسنان بن صيفي، والطّفيل بن النّعمان، واستشهد يوم الخندق، ومعقل بن المنذر، ومسعود بن يزيد، والضّحّاك بن حارثة، ويزيد بن حرام، وجبّار بن صخر، والطّفيل بن مالك. ومن بني غنم بن سواد: سليم بن عمرو، وقطبة بن عامر، ويزيد بن عامر، وأبو اليسر كعب بن عمرو، وصيفي بن سواد. ومن بني نابي بن عمرو: ثعلبة بن غنمة، وقتل بالخندق، وأخوه عمرو، وعبس بن عامر، وعبد الله بن أنيس، وخالد بن عديّ. ومن بني حرام: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وثابت بن الجذع، استشهد بالطّائف، وعمير بن الحارث، وخديج بن سلامة، ومعاذ بن جبل. ومن بني عوف بن الخزرج: العبّاس بن عبادة، استشهد يوم أحد، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة البلوي حليف لهم، وعمرو بن الحارث. ومن بني سالم بن غنم بن عوف: رفاعة بن عمرو، وعقبة بن وهب. ومن بني ساعدة: النّقيبان سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو الذي كان أميرا يوم بئر معونة فاستشهد.

стр. 1001

وأمّا المرأتان فأمّ منيع أسماء بنت عمرو بن عديّ، وأمّ عمارة نسيبة بنت كعب، حضرت ومعها زوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابناها حبيب وعبد الله، وحبيب هو الذي مثّل به مسيلمة الكذّاب وقطّعه عضوا عضوا. قال ابن إسحاق (١): فلمّا تفرّق النّاس عن البيعة، فتّشت قريش من الغد عن الخبر والبيعة، فوجدوه حقّا، فانطلقوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة، وهرب منذر بن عمرو، فشدّوا يدي سعد إلى عنقه بنسعة (٢)، وكان ذا شعر كثير، فطفقوا يحبذونه بجمّته ويصكّونه ويلكزونه، إلى أن جاء مطعم بن عديّ، والحارث بن أميّة، وكان سعد يجيرهما إذا قدما المدينة، فأطلقاه من أيديهم وخلّيا سبيله. قال (٣): وكان معاذ بن عمرو بن الجموح قد شهد العقبة، وكان أبوه من سادة بني سلمة، وقد اتّخذ في داره صنما من خشب يقال له مناف، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو وغيرهما، كانوا يدخلون بالليل على صنمه فيأخذونه ويطرحونه في بعض الحفر، وفيها عذر النّاس، منكّسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا في هذه اللّيلة! ثم يلتمسه حتى إذا وجده غسّله وطهّره وطيّبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من يصنع بك هذا لأخزيته. فإذا أمسى ونام فعلوا به مثل ذلك، وفعل مرّات، وفي الآخر علّق عليه سيفه، ثم قال: إنّي والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، وهذا السيف معك، فلمّا كان الليل أخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فعلقوه وربطوه به وألقوه في جبّ عذرة، فغدا عمرو فلم يجده، فخرج يتبعه حتّى وجدوه في البئر منكّسا مقرونا بالكلب، فلمّا رآه أبصر شأنه، وكلّمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه، وقال: تالله لو كنت إلها لم تكن … أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لمصرعك إلها مستدن … الآن فتشناك عن سوء الغبن

стр. 1002

الحمد لله العلي ذي المنن … الواهب الرزق وديان الدين هو الذي أنقذني من قبل أن … أكون في ظلمة قبر مرتهن (١) ذكر أوّل من هاجر إلى المدينة عقيل، وغيره، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال النّبيّ ﷺ للمسلمين بمكة: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين. وهما الحرّتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة عند ذلك، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك فإنّي أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت وأمّي؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين عنده ورق السّمر أربعة أشهر. أخرجه البخاريّ (٢). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (٣) قال: فلمّا أذن الله لنبيّه في الحرب وبايعه هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام والنصّرة، أمر رسول الل ﷺ قومه بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللّحوق بالأنصار، فخرجوا أرسالا، فكان أوّل من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد إلى المدينة، هاجر إليها قبل العقبة الكبرى بسنة، وقد كان قدم من الحبشة مكة، فآذته قريش، وبلغه أنّ جماعة من الأنصار قد أسلموا، فهاجر إلى المدينة. فعن أمّ سلمة قالت: لمّا أجمع أبو سلمة الخروج رحّل لي بعيره، ثمّ حملني وابني عليه، ثمّ خرج بي يقودني. فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد! فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، وغضب عند ذلك رهط أبي سلمة، فقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا،

стр. 1003

فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، فانطلق زوجي إذ فرّقوا بيننا، فكنت أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح، فلا أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها. حتى مرّ بي رجل من بني عمّي فرحمني، فقال: ألا تحرجون من هذه المسكينة، فرّقتم بينها وبين ولدها؟ فقالوا لي: الحقي بزوجك، قالت: وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني. فارتحلت بعيري، ثمّ وضعت سلمة في حجري، وخرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله. قلت: أتبلّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتّى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة العبدريّ، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أميّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أوما معك أحد؟ قالت: قلت: لا والله إلاّ الله وبنيّ هذا، قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب، أرى أنّه أكرم منه، كان أبدا إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثمّ استأخر عنّي حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطّ عنه، ثمّ قيّده في الشجر، ثم تنحّى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحّله، ثمّ استأخر عنّي وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، ثم انصرف راجعا. ثم كان أوّل من قدمها بعد أبي سلمة: عامر بن ربيعة حليف بني عديّ بن كعب مع امرأته، ثم عبد الله بن جحش حليف بني أميّة، مع امرأته وأخيه أبي أحمد، وكان أبو أحمد ضرير البصر، وكان يمشي بمكة بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمّه أميمة بنت عبد المطّلب، فنزل هؤلاء بقباء على مبشّر بن عبد المنذر. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: فلمّا اشتدّوا على رسول الله ﷺ وأصحابه، أمر رسول الله أصحابه بالهجرة، فخرجوا رسلا رسلا (١)، فخرج منهم قبل مخرج رسول الله ﷺ : أبو سلمة وامرأته، وعامر

стр. 1004

ابن ربيعة، وامرأته أمّ عبد الله بنت أبي حثمة، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الشّريد، وعمّار بن ياسر، ثم خرج عمر وعيّاش بن أبي ربيعة وجماعة، فطلب أبو جهل، والحارث بن هشام عيّاشا، وهو أخوهم لأمّهم، فقدموا المدينة فذكروا له حزن أمّه، وأنّها حلفت لا يظلّها سقف، وكان بها برّا، فرقّ لها وصدقهم، فلما خرجا به أوثقاه وقدما به مكة، فلم يزل بها إلى قبل الفتح. قلت: وهو الذي كان يدعو له النّبيّ ﷺ في القنوت: اللهمّ أنج سلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة … الحديث. قال ابن شهاب: وخرج عبد الرحمن بن عوف، فنزل على سعد بن الربيع، وخرج عثمان، والزّبير، وطلحة بن عبيد الله، وطائفة، ومكث ناس من الصحابة بمكة، حتى قدموا المدينة بعد مقدمه، منهم: سعد بن أبي وقاص، على اختلاف فيه (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢): حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن أبيه عمر بن الخطّاب قال: لمّا اجتمعنا للهجرة اتّعدت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعاد بيننا التّناضب من أضاة بني غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فأصبحت عندها أنا وعيّاش، وحبس هشام وفتن فافتتن، وقدمنا المدينة فكنّا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله، ثمّ رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم في الدنيا فأنزلت: قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم، فكتبتها بيدي كتابا، ثمّ بعثت بها إلى هشام، فقال هشام بن العاص: فلمّا قدمت عليّ خرجت بها إلى ذي طوى أصعد فيها النّظر وأصوّبه لأفهمها، فقلت: اللهمّ فهّمنيها، فعرفت إنما أنزلت فينا لما كنّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت برسول الله ﷺ ، قال: فقتل هشام بأجنادين.

стр. 1005

وقال عبد العزيز الدّراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قدمنا من مكة فنزلنا العصبة (١) عمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، فكان يؤمّهم سالم، لأنّه كان أكثرهم قرآنا (٢). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير، فقلنا له: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هو مكانه وأصحابه على أثري، ثم أتى بعده عمرو بن أمّ مكتوم الأعمى أخو بني فهر، ثم عمّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وبلال، ثم أتانا عمر بن الخطّاب في عشرين راكبا، ثم أتانا رسول الله ﷺ وأبو بكر معه، فلم يقدم علينا رسول الله حتى قرأت سورا من المفصّل. أخرجه مسلم (٣). وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: ومكث رسول الله ﷺ بعد الحجّ بقيّة ذي الحجّة، والمحرّم، وصفر، وإنّ مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يأخذوا رسول الله ﷺ ، فإمّا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فأخبره الله بمكرهم في قوله: وإذ يمكر بك الّذين كفروا الآية، فخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من تحت الليل قبل الغار بثور، وعمد عليّ فرقد على فراش رسول الله ﷺ يواري عنه العيون (٤). وكذا قال موسى بن عقبة، وزاد: فباتت قريش يختلفون ويأتمرون أيّهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه، إلى أن أصبحوا، فإذا هم بعليّ ﵁، فسألوه عن النّبيّ ﷺ ، فأخبرهم أنّه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنّه قد خرج فارّا منهم، فركبوا في كلّ وجه يطلبونه.

стр. 1006

وكذا قال ابن إسحاق (١): وقال: لمّا أيقنت قريش أنّ محمدا ﷺ قد بويع، وأمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم بالمدينة، توامروا فيما بينهم فقالوا: الآن، فأجمعوا في أمر محمد فوالله لكأنه قد كرّ عليكم بالرجال، فأثبتوه أو اقتلوه أو أخرجوه. فاجتمعوا له في دار النّدوة ليقتلوه. فلمّا دخلوا الدّار اعترضهم الشيطان في صورة رجل جميل في بتّ (٢) له فقال: أأدخل؟ قالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له، فأراد أن يحضره معكم، فعسى أن لا يعدمكم منه نصح ورأي، قالوا: أجل فادخل، فلمّا دخل قال بعضهم لبعض: قد كان من الأمر ما قد علمتم، فأجمعوا رأيا في هذا الرجل، فقال قائل: أرى أن تحبسوه، فقال النّجديّ: ما هذا برأي، والله لئن فعلتم ليخرجنّ رأيه وحديثه إلى من وراءه من أصحابه، فأوشك أن ينتزعوه من أيديكم، ثمّ يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم، فقال قائل منهم: بل نخرجه فننفيه، فإذا غيّب عنّا وجهه وحديثه ما نبالي أين وقع، قال النجديّ: ما ذا برأي، أما رأيتم حلاوة منطقه، وحسن حديثه، وغلبته على من يلقاه، ولئن فعلتم ذلك ليدخل على قبيلة من قبائل العرب فأصفقت (٣) معه على رأيه، ثم سار بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فقال أبو جهل: والله إنّ لي فيه لرأيا، ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: وما هو؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة من قريش غلاما جلدا نهدا نسيبا وسيطا، ثم تعطوهم شفارا صارمة، فيضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرّق دمه في القبائل، فلم تدر عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولم يقووا على حرب قومهم، وإنّما غايتهم عند ذلك أن يأخذوا العقل فتدونه لهم، قال النّجديّ: لله درّ هذا الفتى، هذا الرأي وإلاّ فلا شيء، فتفرّقوا على ذلك واجتمعوا له، وأتى رسول الله ﷺ الخبر وأمر أن لا ينام على فراشه تلك اللّيلة، فلم يبت موضعه، بل بيّت عليّا في مضجعه. رواه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه.

стр. 1007

حدثنا ابن إسحاق (١)، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس. (ح). قال ابن إسحاق: وحدّثني الكلبي عن باذان (٢) مولى أمّ هانئ، عن ابن عبّاس، فذكر معنى الحديث، وزاد فيه: وأذن الله عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بالمدينة الأنفال يذكر نعمته عليه وبلاءه عنده وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك الآية (٣). سياق خروج النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرا قال عقيل: قال ابن شهاب، وأخبرني عروة أنّ عائشة زوج النّبيّ ﷺ قالت: لم أعقل أبويّ إلاّ وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلاّ ويأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النّهار بكرة وعشيّا، فلمّا ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك (٤) الغماد، لقيه ابن الدّغنة وهو سيّد القارة، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربّي، قال: إن ّمثلك لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربّك ببلادك، وارتحل ابن الدّغنة مع أبي بكر، فطاف في أشراف قريش، فقال لهم: إنّ أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقري الضيّف، ويعين على نوائب الحقّ! فأنفذت قريش جوار ابن الدّغنة، وقالوا له: مر أبا بكر يعبد ربّه في داره، فليصلّ وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنّا نخشى أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا، فقال ذلك لأبي بكر، فلبث يعبد ربّه ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره، ثم

стр. 1008

بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز، فيصلّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف (١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر لا يكاد يملك دمعه حين يقرأ، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدّغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنّا كنّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربّه في داره، وإنّه جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصّلاة والقراءة، وإنّا قد خشينا أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا، فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فسله أن يردّ عليك جوارك، فإنّا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدّغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإمّا أن تردّ إليّ ذمتي، فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أنّي أخفرت في رجل عقدت له، قال أبو بكر: أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله. ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة، فقال النّبيّ ﷺ للمسلمين: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين. وهما الحرّتان (٢)، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله ﷺ ، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة. وتجهّز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي، قال: هل ترجو بأبي أنت ذلك؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر. فبينا نحن جلوس في بيتنا في نحر الظّهيرة، قيل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبلا متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأميّ، أمّا والله إن جاء به في هذه السّاعة إلاّ أمر، قالت: فجاء واستأذن، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج من عندك، قال أبو بكر: إنّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، فقال: اخرج فقد أذن لي في الخروج، قال: فخذ منّي إحدى راحلتيّ قال: بالثمن، قالت عائشة: فجهّزتهما أحثّ (٣) الجهاز، فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها

стр. 1009

فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تسمّى ذات النّطاقين، ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح في قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكيدون به إلاّ وعاه، حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليها عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة، ويريح عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل (١) منحتهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كلّ ليلة من اللّيالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل هاديا خرّيتا (٢)، قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على جاهليّته، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا، وانطلق عامر بن فهيرة والدليل الدّيليّ، فأخذ بهما في طريق الساحل. أخرجه البخاري (٣). عن عمر ﵁ قال: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، خرج رسول الله ﷺ هاربا من أهل مكة ليلا، فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرّة أمامه، ومرّة خلفه يحرسه، فمشى رسول الله ﷺ ليلته حتى حفيت رجلاه، فلمّا رآهما أبو بكر حمله على كاهله، حتى أتى به فم الغار، وكان فيه خرق فيه حيّات، فخشي أبو بكر أن يخرج منهنّ شيء يؤذي رسول الله ﷺ فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه ويلسعنه الحيّات والأفاعي ودموعه تتحدّر، ورسول الله ﷺ يقول: لا تحزن إنّ الله معنا، وأمّا يومه، فلمّا ارتدّت العرب قلت: يا خليفة رسول الله تألّف النّاس وارفق بهم، فقال: جبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام، بم أتالّفهم أبشعر مفتعل أم بقول مفترى! وذكر الحديث. وهو منكر، سكت عنه البيهقيّ، وساقه من حديث يحيى بن أبي طالب (٤)، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبيّ، قال: حدّثني

стр. 1010

فرات بن السّائب، عن ميمون، عن ضبّة بن محصّن، عن عمر. وآفته من هذا الراسبيّ فإنّه ليس بثقة، مع كونه مجهولا، ذكره الخطيب في تاريخه (١) فغمزه. وقال الأسود بن عامر: حدثنا إسرائيل، عن الأسود، عن جندب قال: كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ في الغار، فأصاب يده حجر فقال: إن أنت إلاّ إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت (٢) الأسود: هو ابن قيس، سمع من جندب البجليّ، واحتجّا به في الصّحيحين (٣). وقال همّام: حدثنا ثابت، عن أنس أنّ أبا بكر حدّثه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أنّ أحدهم ينظر إلى تحت قدميه لأبصرنا، فقال النّبيّ ﷺ : يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما. متفق عليه (٤). وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة أنّهم ركبوا في كلّ وجه يطلبون النّبيّ ﷺ وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به، ويجعلون لهم الجعل العظيم إلى أن قال: فأجاز بهما الدليل أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان ثمّ سلك في أمج، ثم أجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثمّ سلك في الخرّار، ثمّ أجاز على ثنيّة المرة، ثمّ سلك نقعا مدلجة ثقيف، ثمّ استبطن مدلجة محاج، ثمّ بطن مرجح ذي العصوين، ثمّ أجاز القاحة، ثم هبط للعرج، ثمّ أجاز في ثنيّة الغابر عن يمين ركوبة، ثمّ هبط بطن رئم (٥) ثمّ قدم قباء من قبل العالية. وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عون بن عمرو القيسيّ، قال: سمعت أبا مصعب المكيّ قال: أدركت المغيرة بن شعبة؛ وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، فسمعتهم يتحدّثون أنّ النّبيّ ﷺ ليلة الغار أمر الله بشجرة فنبتت في

стр. 1011

وجه النّبيّ ﷺ فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيّتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش بعصيّهم وسيوفهم، فجاء رجل ثم رجع إلى الباقين فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنّه ليس فيه أحد (١). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى رحلي، فقال له عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما، والمشركون يطلبونكما. قال: أدلجنا من مكة ليلا، فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظّهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظلّ نأوي إليه، فإذا صخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظلّ لها فسوّيته، ثمّ فرشت لرسول الله ﷺ فروة، ثم قلت: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع، ثم ذهبت أنفض ما حولي هل أرى من الطّلب أحدا، فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصّخرة، ويريد منها الذي أريد، يعني الظّلّ، فسألته: لمن أنت؟ فقال: لرجل من قريش، فسمّاه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمرته، فاعتقل شاة من غنمه، وأمرته أن ينفض ضرعها من التراب، ثم أمرته أن ينفض كفّيه، فقال هكذا، فضرب إحداهما على الأخرى، فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت معي لرسول الله ﷺ إداوة، على فمها خرقة، فصببت على اللّبن حتى برد أسفله، فأتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل، قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطّلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: لا تحزن إنّ الله معنا، فلمّا أن دنا منّا، وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطّلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكنّي إنّما أبكي عليك، فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال: اللهمّ اكفناه بما

стр. 1012

شئت، فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أنّ هذا عملك، فادع الله أن ينجيني ممّا أنا فيه، فوالله لأعمينّ على من ورائي من الطّلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنّك ستمرّ بإبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله ﷺ : لا حاجة لنا في إبلك وغنمك، ودعا له، فانطلق راجعا إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة ليلا. أخرجاه (١) من حديث زهير بن معاوية، سمعت أبا إسحاق قال: سمعت البراء. وأخرج البخاريّ (٢) حديث إسرائيل، عن عبد الله بن رجاء، عنه. وقال عقيل، عن الزّهريّ: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجيّ أنّ أباه أخبره، أنّه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كلّ واحد منهما في قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إنّي قد رأيت آنفا أسودة بالساحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنّهم هم، فقلت: إنّهم ليسوا بهم، ولكنّك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا باغين (٣)، ثمّ قل ما لبثت في المجلس حتى قمت فدخلت بيتي، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي فتهبطها من وراء أكمة فتحبسها عليّ، فأخذت برمحي (٤) وخرجت من ظهر البيت، فخططت بزجّه الأرض، وخفضت عالية الرمح حتّى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي (٥)، حتّى إذا دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرّهم أو لا أضرهم، فخرج الذي أكره: لا أضرّهم، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، فرفعتها تقرب بي، حتّى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ

стр. 1013

وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر التلفّت، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يداها، فلمّا استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدّخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره لا أضرهم، فناديتهما بالأمان، فوقفا لي وركبت فرسي حتىّ جئتهما، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما، أنّه سيظهر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيكما الدّية، وأخبرتهما أخبار ما يريد النّاس بهم، وعرضت عليهم الزّاد والمتاع، فلم يرزؤوني شيئا، ولم يسألني، إلاّ أن قال: أخف عنّا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أدم (١)، ثم مضى رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري (٢). وقال موسى بن عقبة: حدثنا ابن شهاب الزّهري، قال: حدّثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أنّ أباه أخبره، أنّ أخاه سراقة بن جعشم أخبره، ثم ساق الحديث، وزاد فيه: وأخرجت سلاحي ثمّ لبست لأمتي، وفيه: فكتب لي أبو بكر، ثمّ ألقاه إليّ فرجعت فسكتّ، فلم أذكر شيئا ممّا كان، حتى فتح الله مكة، وفرغ رسول الله ﷺ من حنين خرجت لألقاه ومعي الكتاب، فدخلت بين كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك، حتى دنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، أنظر إلى ساقه في غرزه كأنّها جمارة (٣)، فرفعت يدي بالكتاب فقلت: يا رسول الله هذا كتابك، فقال: يوم وفاء وبرّ ادن، قال: فأسلمت، ثمّ ذكرت شيئا أسال عنه رسول الله ﷺ ، قال ابن شهاب: سأله عن الضّالّة وشيء آخر، قال: فانصرفت وسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي (٤). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق (٥): حدّثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها

стр. 1014

قالت: لمّا خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر، أتى نفر من قريش، فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك؟ قلت: لا أدري والله أين أبي، فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطمني على خدّي لطمة طرح منها قرطي. وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير أنّ أباه حدّثه عن جدّته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كلّه معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه، فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إنّي لأراه فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلاّ يا أبه، قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوّة من البيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت: ولا، والله ما ترك لنا شيئا، ولكنّي أردت أن أسكّن الشيخ (١). وحدّثني الزّهريّ، أنّ عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدّثه، عن أبيه، عن عمّه سراقة بن مالك بن جعشم قال: لمّا خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه، قال: فبينا أنا جالس أقبل رجل منّا فقال: والله لقد رأيت ركبا ثلاثة مرّوا عليّ آنفا، إنّي لأراهم محمدا وأصحابه، فأومأت إليه، يعني أن اسكت، ثم قلت: إنّما هم بنو فلان يبتغون ضالّة لهم، قال: لعلّه، قال: فمكثت قليلا، ثمّ قمت فدخلت بيتي، فذكر نحو ما تقدّم (٢). قال: وحدّثت عن أسماء بنت أبي بكر قالت: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجّه رسول الله ﷺ ، حتى أقبل رجل من الجنّ من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من شعر غناء العرب، وإنّ النّاس ليتبعونه، ويسمعون صوته، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:

стр. 1015

جزى الله ربّ النّاس خير جزائه … رفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبرّ ثمّ تروّحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت: فعرفنا حيث وجّه رسول الله ﷺ وأنّ وجهه إلى المدينة (١). قلت: قد سقت خبر أمّ معبد بطوله في صفته ﷺ ، كما يأتي. وقال يحيى بن زكرّيا بن أبي زائدة: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بكر الصّدّيق قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة، فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب، فنظر رسول الله ﷺ إلى بيت متنحيا، فقصد إليه، فلمّا نزلنا لم يكن فيه إلاّ امرأة، فقالت: يا عبدي الله إنّما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحيّ إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها، فقالت له: يا بنيّ انطلق بهذه العنز والشّفرة إليهما فقل: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلمّا جاء قال له النّبيّ ﷺ : انطلق بالشّفرة وجئني بالقدح، قال: إنّها قد عزبت وليس بها لبن، قال: انطلق، فانطلق فجاء بقدح، فمسح النّبيّ ﷺ ضرعها، ثمّ حلب حتى ملأ القدح، ثم قال: انطلق به إلى أمّك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم شرب ﷺ ، قال: فبتنا ليلتنا ثمّ انطلقنا، فكانت تسمّيه المبارك، وكثر غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمرّ أبو بكر فرآه ابنها فعرفه فقال: يا أمه إنّ هذا الرجل الذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال: وما تدرين من هو! قالت: لا، قال: هو النّبيّ صلى ال هـ عليه وسلم، قالت: فأدخلني عليه، فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها. رواه محمد بن عمران بن أبي ليلى، وأسد بن موسى عن يحيى،

стр. 1016

وإسناده نظيف لكن منقطع بين أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (١). أوس بن عبد الله بن بريدة: حدثنا الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، أنّ النّبيّ ﷺ كان يتفاءل، وكانت قريش قد جعلت مائة من الإبل لمن يردّه عليهم، فركب بريدة في سبعين من بني سهم، فيلقى نبيّ الله ليلا فقال له: من أنت؟ قال: بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال: برد أمرنا وصلح، ثم قال: وممّن؟ قال: من أسلم، قال لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: ممّن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك. فأسلم بريدة والذين معه جميعا، فلمّا أصبحوا قال بريدة للنّبيّ ﷺ : لا تدخل المدينة إلاّ ومعك لواء، فحلّ عمامته ثم شدّها في رمح، ثمّ مشى بين يدي النّبيّ ﷺ وقال: يا نبيّ الله تنزل عليّ، قال: إنّ ناقتي مأمورة. فسار حتى وقفت على باب أبي أيّوب فبركت. قلت: أوس متروك. وقال الحافظ أبو الوليد الطّيالسيّ: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حدثنا أبي، عن قيس بن النّعمان قال: لمّا انطلق النّبيّ ﷺ وأبو بكر مستخفيين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللّبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أنّ هاهنا عناقا حملت أوّل الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النّبيّ ﷺ ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجنّ فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الرّاعي، ثم حلب فشرب، فقال الرّاعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط؟ قال: أتكتم عليّ حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإنّي محمد رسول الله، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنّه صابئ؟ قال: إنّهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنّك نبيّ، وأشهد أنّ ما جئت به حقّ، وأنّه لا يفعل ما فعلت إلاّ نبيّ، وأنّا متّبعك، قال: إنّك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أنّي قد ظهرت فائتنا (٢). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٣) قال: فحدّثني محمد بن

стр. 1017

جعفر بن الزّبير، عن عروة بن الزّبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، عن رجال من قومه، قالوا: لمّا بلغنا مخرج رسول الله ﷺ من مكة، كنّا نخرج كلّ غداة فنجلس له بظاهر الحرّة، نلجأ إلى ظلّ الجدر حتى تغلبنا عليه الشمس، ثمّ نرجع إلى رحالنا، حتى إذا كان اليوم الذي جاء فيه رسول الله ﷺ ، جلسنا كما كنّا نجلس، حتى إذا رجعنا جاء رسول الله ﷺ ، فرآه رجل من اليهود، فنادى: يا بني قيلة هذا جدّكم قد جاء، فخرجنا ورسول الله ﷺ قد أناخ إلى ظلّ هو وأبو بكر، والله ما ندري أيّهما أسنّ، هما في سنّ واحدة، حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظّلّ، فعرفنا رسول الله ﷺ بذلك، وقد قال قائل منهم: إنّ أبا بكر قام فأظلّ رسول الله ﷺ بردائه، فعرفناه. وقال محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عبلة: حدّثني عقبة بن وسّاج، عن أنس بن مالك أنّ النّبيّ ﷺ قدم، يعني المدينة، وليس في أصحابه أشمط (١) غير أبي بكر، فغلّفها بالحنّاء والكتم. أخرجه البخاريّ (٢)، من حديث محمد بن حمير. وقال شعبة: أنبأنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: أوّل من قدم علينا من الصّحابة مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، وكانا يقرئان القرآن، ثم جاء عمّار، وبلال، وسعد، ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في عشرين راكبا، ثمّ جاء رسول الله ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء قطّ فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصّبيان يسعون في الطّرق يقولون: جاء رسول الله ﷺ ، فما قدم المدينة حتى تعلّمت سبّح اسم ربّك الأعلى في مثلها من المفصّل. البخاري (٣). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، في حديث الرّحل، قال أبو بكر: ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه، حتّى قدمنا المدينة ليلا، فتنازعه القوم أيّهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : إنّي أنزل اللّيلة على بني النّجّار

стр. 1018

أخوال بني عبد المطّلب أكرمهم بذلك، وقدم النّاس حين قدمنا المدينة، في الطّريق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: جاء رسول الله، جاء رسول الله ﷺ ، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد ﷺ ، فلمّا أصبح انطلق فنزل حيث أمر. متّفق عليه (١). وقال هاشم بن القاسم: حدثنا سليمان هو ابن المغيرة عن ثابت، عن أنس، قال: إنّي لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، وأسعى ولا أرى شيئا، ثمّ يقولون: جاء محمد، فأسعى، حتى جاء النّبيّ ﷺ وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض جدار المدينة، ثمّ بعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار قال: فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما، فقالوا: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة، حتّى إنّ العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟ قال: فما رأينا منظرا شبها به يومئذ. صحيح (٢). وقال الوليد بن محمد الموقريّ وغيره، عن الزّهري قال: فأخبرني عروة أنّ الزّبير كان في ركب تجّار بالشام، فقفلوا إلى مكة، فعارضوا رسول الله ﷺ وأبا بكر بثياب بياض، وسمع المسلمون بمخرج رسول الله ﷺ ، فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرّة فينتظرونه، حتى يردّهم نحر الظّهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظاره، فلمّا أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود أطما من آطامهم لشأنه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العريب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم رسول الله ﷺ ذات اليمين، حتى نزل في بني عمرو بن عوف من الأنصار، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر يذكّر النّاس، وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممّن لم ير رسول الله ﷺ يحسبه أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ،

стр. 1019

فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه، فعرفوا رسول الله عند ذلك، فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة. وأسّس المسجد الذي أسس على التّقوى، فصلّى فيه، ثم ركب راحلته فسار، فمشى معه النّاس، حتى بركت بالمدينة عند مسجده ﷺ ، وهو يصلّي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتّمر لسهل وسهيل، غلامين يتيمين أخوين في حجر أسعد بن زرارة من بني النّجّار، فقال حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل. ثمّ دعا الغلامين فساومهما المربد ليتّخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك، فأبى حتى ابتاعه وبناه (١). وقال عبد الوارث بن سعيد وغيره: حدثنا أبو التّيّاح، عن أنس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملأ بني النّجّار، فجاؤوا متقلّدين سيوفهم، فكأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ وأبو بكر ردفه، وملأ بني النّجّار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيّوب. متّفق عليه (٢). وقال عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: لمّا دخل النّبيّ ﷺ المدينة مرّ على عبد الله بن أبيّ وهو جالس على ظهر الطّريق، فوقف عليه رسول الله ﷺ ينظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيّد أهل المدينة في أنفسهم، فقال عبد الله: انظر الذين دعوك فأتهم، فعمد إلى سعد بن خيثمة، فنزل عليه في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، واتّخذ مكانه مسجدا فكان يصلّي فيه، ثم بناه بنو عمرو، فهو الذي أسّس على التٌقوى والرّضوان. ثمّ إنّه ركب يوم الجمعة، فمرّ على بني سالم، فجمّع فيهم، وكانت أول جمعة صلّاها حين قدم المدينة، واستقبل بيت المقدس، فلمّا أبصرته اليهود صلّى قبلتهم طمعوا فيه للّذي يجدونه مكتوبا عندهم، ثم ارتحل فاجتمعت له الأنصار يعظّمون دين الله بذلك، يمشون حول ناقة رسول الله

стр. 1020

ﷺ ، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام النّاقة، فقال: خلّوا سبيل النّاقة، فإنّما أنزل حيث أنزلني الله، حتى انتهى إلى دار أبي أيّوب في بني غنم، فبركت على الباب، فنزل، ثمّ دخل دار أبي أيّوب، فنزل عليه حتى ابتنى مسجده ومسكنه في بني غنم، وكان المسجد موضعا للتّمر لابني أخي أسعد بن زرارة، فأعطاه رسول الله ﷺ ، وأعطى ابني أخيه مكانه نخلا له في بني بياضة، فقالوا: نعطيه رسول الله ﷺ لا نأخذ له ثمنا، وبنى النّبيّ ﷺ لحمزة ولعليّ وجعفر، وهم بأرض الحبشة، وجعل مسكنهم في مسكنه، وجعل أبوابهم في المسجد مع بابه، ثمّ إنّه بدا له، فصرف باب حمزة وجعفر. كذا قال: وهم بأرض الحبشة، وإنّما كان عليّ بمكة. رواه ابن عائذ، عن محمد بن شعيب، عنه. وقال موسى بن عقبة: يقال: لمّا دنا رسول الله ﷺ وأبو بكر من المدينة، وقدم طلحة بن عبيد الله من الشام، خرج طلحة عامدا إلى مكة، لمّا ذكر له رسول الله ﷺ وأبو بكر، خرج إمّا متلقّيا لهما، وإمّا عامدا عمده بمكة، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلمّا لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول الله ﷺ وأبو بكر منها (١). وقال الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي البدّاح بن عاصم بن عديّ، عن أبيه: قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فأقام بالمدينة عشر سنين (٢). وقال ابن إسحاق: المعروف أنّه قدم المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، قال: ومنهم من يقول: لليلتين مضتا منه. رواه يونس وغيره، عن ابن إسحاق (٣). وقال عبد الله بن إدريس: حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عويم، قال: أخبرني بعض قومي قال: قدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام
следующие страницы →