← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

يجيء ذلك في المصادر. وما حكي من تأنيث زور وعدل ليس بالشائع، فأما ما أنشده أبو عبيدة من قول الأحوص: وإن عاب فيه ذو الشّنان وفنّدا «١» فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون على التخفيف القياسي كقولك في تخفيف: ملآن وظمئان: ظمان وملآن، تحذفها وتلقي حركتها على ما قبلها، والآخر أن يكون على حذف الهمزة التي هي لام، كما حذفت من السّواية التي أصلها سوائية، مثل الكراهية، وكما يذهب إليه أبو الحسن في أشياء: أنّه جمع شيء، على أفعلاء، كما قيل: سمح وسمحاء، فحذفت الهمزة التي هي لام فأما الأظهر في قوله: ذو الشنان، فأن يكون مصدرا كاللّيان، ألا ترى أنه قد أضيف إليه ذو، فلا يكون من أجل ذلك وصفا. فإن قلت: قد «٢» جاء (ذو) في مواضع غير معتدّ بها كقول الشماخ: وأدمج دمج ذي شطن بديع «٣» فإنّ حمله على الوجه الأوّل أقرب عندنا. وأمّا ما حكاه أبو زيد من قولهم: كبش آل، على مثال «٤»: فاعل، فشاذ، وكان القياس أن يكون أليى «٥» على أفعل، مثل: أعمى. فأما ما حكاه من

стр. 1122

قولهم: كباش ألي فيجوز «١» أن يكون الجمع وقع على القياس الذي كان يجب في الكلمة كأحمر «٢» وحمر، ويجوز أن يكون كبزل وعيط «٣». ومن قال: شنآن وشنأى [وقد حكاهما أبو زيد] «٤» مثل عطشان وعطشى، وحرّان وحرّى، فشنئت على هذا «٥» غير متعدّ، كما أن عطش كذلك، لأنّ هذا المصدر في أكثر الأمر ينبغي أن يكون الشنء أو الشنء مثل الشّنع «٦»، وقد حكاه «٧» أبو زيد. ومصدر هذا «٨» الذي لا يتعدّى ينبغي أن يكون الشنان، مثل الغليان والطّوفان [لأن هذا هو المصدر في أكثر الأمر] «٩»، ويجوز أن يكون الشنان بتسكين العين مثل اللّيّان، ومن زعم أنّ فعلان إذا أسكنت «١٠» عينه لم يك مصدرا، فقد أخطأ، لأنّ أبا زيد قد حكى في عيمان أيمان أنّ بني تميم تنصب اللام فتقول: لويته حقه ليّانا بنصب اللام. ومن قال:

стр. 1123

شنئت العقر عقر بني شليل «١» * و: لشانئك الضّراعة والكلول «٢» وإن شانئك هو الأبتر [الكوثر/ ٣] كان شنئت على قوله متعديا، وليس كالوجه الأوّل، ولكن تجعله في التقدير مثل شربت ولقمت، ومثل هذا أنّه جاء الفعل منه على ضربين من التعدّي. وغير التعدي قولهم: جزل السّنام يجزل، وقالوا: جزلته. قال: منع الأخيطل أن يسامي قومنا ... شرف أجبّ وغارب مجزول «٣» فهذا يدلّ على جزلته. ومن ذلك: القصم والقصم، فالقصم مصدر قصم «٤». وفي التنزيل: وكم قصمنا من قرية [الأنبياء/ ١١] وقال الأعشى «٥»: ومبسمها عن شتيت النبا ... ت غير أكسّ ولا منقصم «٦»

стр. 1124

وقال آخر: عجبت هنيدة أن رأت ذا رثّة ... وفما به قصم وجلدا أسودا «١» فهذا مصدر قصم الذي لا يتعدّى، ومن ذلك قولهم: عجي وهو عج. وأنشدنا «٢» علي بن سليمان: عداني أن أزورك أنّ بهمي ... عجايا كلّها إلّا قليلا «٣» فعجايا كأنه جمع عجيّ مثل: طبّ وطبيب، ومذل «٤» ومذيل وقال: ...... فما تع ... جوه إلّا عفافة أو فواق «٥»

стр. 1125

ومن ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم: غضف الكلب أذنه أشدّ الغضفان «١»، وقال الشاعر: غضفا طواها أمس كلّابيّ «٢» فهذا يدل على غضف يغضف. ومن ذلك قولهم: طوي يطوى فهو طيّان. وقالوا: طويته أطويه طيّا. وقال «٣»: فقام إلى حرف طواها بطيّه ... بها كلّ لمّاع بعيد المساوف «٤» وقال: .... طواها أمس كلّابيّ

стр. 1126

وقال: «١» بات الحويرث والكلاب تشمّه ... وغدا بأحدب كالهلال من الطّوى ومن قال: شنان وشنأى، فشنئت على هذا ينبغي أن لا يتعدى، فأما من قال: شنان وامرأة شنانة، فالفعل المتعدي إنّما هو من هذا دون الأول، وكلاهما قد حكاه أبو زيد. ونظير هذا في أنّه اشتق منه فعل متعد وآخر غير متعد: ما حكاه أبو إسحاق من أنّهم يقولون «٢»: جزل السنام يجزل جزلا: إذا فسد وجزلته أجزله: إذا قطعته، فاشتق منه المتعدي وغير المتعدي، وأنشد أبو زيد فيما جاء فيه فعلان وصفا: وقبلك ما هاب الرّجال ظلامتي ... وفقّأت عين الأشوس الأبيان «٣» وأنشد غيره: «٤» هل أغدون يوما وأمري مجمع وتحت رحلي زفيان ميلع «٥»

стр. 1127

فحجّة من قرأ (شنآن) أنّه مصدر، والمصدر يكثر على فعلان نحو: النزوان والغثيان والنّفيان «١» والشنآن يقارب الغليان «٢»، فجاء على وزنه لمقاربته «٣» له في المعنى «٤». ومن حجّة ابن عامر في إسكان النون أنه مصدر وقد جاء المصدر على فعلان في غير هذا [وذلك قولك] «٥»: لويته دينه ليّانا وقال «٦»: وما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا «٧» فهذا مخفف [من الهمزة] «٨» على قياس الجمهور، والأكثر «٩» الشنان، ألا ترى أنّه حذف الهمزة وألقى حركتها على الساكن الذي «١٠» قبلها والمعنى فيه البغضاء. فإذا كان كذلك فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان والمعنى. ومن زعم أنّ إسكان النون لحن؛ لم يكن قوله مستقيما، لأنّه يجوز أن يكون مصدرا كاللّيان، وأن يكون وصفا كالنفيان، حكى ذلك أبو زيد. [ولا ينبغي أن يحمل البيت على حذف الهمزة على غير قياس كقوله:

стр. 1128

يابا المغيرة ربّ أمر معضل ... فرّجته بالنّكر مني والدّها «١» وقال آخر: إن لم أقاتل فالبسوني برقعا «٢» لأنّك تجد له مذهبا في الشائع المستقيم] «٣» والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم. أي: بغضكم قوما لصدّهم إياكم، ومن أجل صدّهم إياكم أن تعتدوا، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف الفاعل، كقوله تعالى «٤»: من دعاء الخير [فصلت/ ٤٩] وبسؤال نعجتك [ص/ ٢٤] ونحو ذلك مما أضيف المصدر فيه إلى المفعول به، وحذف الفاعل في المعنى من اللفظ، وفي التفسير فيما زعموا: لا يحملنكم بغض قوم، فعلى هذا يحمل الشنان «٥» فيمن حرّك أو أسكن. أما من أسكن فلأن هذا البناء قد «٦» جاء في الصفات «٧»، نحو غضبان وسكران، وحكى أبو زيد:

стр. 1129

رجل «١» شنان وامرأة شنأى فإن حملته على هذا دون المصدر فقد أقمت الصفة مقام الموصوف وإنّما المعنى على المصدر، لأنّ المعنى: لا يحملنكم بغض قوم على أن تعتدوا فإن حملته على الصفة كان التقدير لا يحملنّكم بغيض قوم، والمعنى على الأوّل. وأمّا من حرّك فقال: الشّنان فإنّ هذا البناء في المصادر التي معناها التقلّب والتزعزع كثير، والصفة دونه في الكثرة، فإذا كثر في الاستعمال واستقام في المعنى، وعضده التفسير، لم يكن عنه مذهب إلى ما لم تجتمع فيه هذه الخلال. [المائدة: ٢] واختلفوا في فتح الهمزة وكسرها من قوله تعالى: أن صدوكم [المائدة/ ٢]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: إن صدوكم بالكسر. وقرأ الباقون «٢»: أن صدوكم «٣» بالفتح. قال أبو علي: حجّة ابن كثير وأبي عمرو في كسرهما الهمزة أنّهما جعلا (إن) للجزاء، فإن قلت: كيف صح الجزاء هنا والصدّ ماض، لأنّه إنّما هو ما «٤» كان من المشركين من صدّهم المسلمين عن البيت في الحديبيّة، والجزاء إنّما يكون بما لم يأت، فأما ما

стр. 1130

كان ماضيا فلا يكون فيه الجزاء. فالقول فيه: أن الماضي قد يقع في الجزاء وليس على أنّ المراد بالماضي الجزاء، ولكنّ المراد أن «١» ما كان مثل هذا الفعل فيكون اللفظ على ما مضى، والمعنى على مثله، كأنّه «٢» يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم كذا «٣»، وعلى هذا حمل الخليل وسيبويه قول الفرزدق: أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا ... جهارا، ولم تغضب لقتل ابن حازم «٤» وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا «٥» فانتفاء الولادة أمر ماض، وقد جعله جزاء، والجزاء إنّما يكون بالمستقبل، فكأنّ المعنى: إن تنسب لا تجدني مولود لئيمة «٦»، وجواب إن قد أغنى عنه ما تقدّم من قوله: ولا يجرمنكم، المعنى: إن صدّكم قوم عن المسجد الحرام فلا تكسبوا عدوانا.

стр. 1131

وأمّا قول من فتح فبيّن لا مئونة فيه، وهو أنّه مفعول له التقدير: ولا يجرمنكم شنان قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. فأن الثانية في موضع نصب لأنّه «١» المفعول الثاني والأول منصوب لأنه مفعول له. [المائدة: ٩] واختلفوا في نصب اللام وخفضها من قوله تعالى «٢»: وأرجلكم [المائدة/ ٩]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: وأرجلكم* خفضا. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي «٣»: وأرجلكم نصبا. وروى أبو بكر عن عاصم: وأرجلكم* خفضا، وحفض عن عاصم وأرجلكم نصبا «٤». [قال أبو علي] «٥»: الحجة لمن جرّ فقال: وأرجلكم أنه وجد في الكلام عاملين: أحدهما: الغسل، والآخر: الباء الجارة. ووجه العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن تحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله: وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا [الجن/ ٧] ونحو قوله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء/ ١٧٦] ونحو قوله: هاؤم اقرؤوا كتابيه [المعارج/ ١٩] وقوله: قال: آتوني أفرغ عليه قطرا [الكهف/ ٩٦] فلما رأى العاملين إذا اجتمعا «٦» حمل الكلام على أقربهما إلى المعمول، حمل «٧» في هذه الآية أيضا

стр. 1132

على أقربهما، وهو الباء دون قوله: فاغسلوا وكان ذلك «١» الموضع واجبا، لما قام من الدلالة على أنّ المراد بالمسح الغسل. وقيام الدلالة من وجهين: أما أحدهما فإن من لا نتهمه روى لنا عن أبي زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل، قالوا: تمسّحت للصلاة، فحمل المسح على أنه غسل. ويقوي ذلك أن أبا عبيدة ذهب في قوله تعالى: فطفق مسحا بالسوق والأعناق [ص/ ٣٣] إلى أنّه الضرب. وحكى التّوّزي عنه أنّه قال: قالوا مسح علاوته بالسيف «٢» إذا ضربه «٣»، فكأنّ المسح في الآية غسل خفيف، كما أنّ الضرب كذلك، ليس في واحد منهما متابعة ولا موالاة. فإن قلت: فإنّ المستحبّ أن يغسل ثلاثا؛ قيل: ذلك السنّة والاستحباب، وإنّما جاءت الآية بالمفروض دون المسنون، فهذا وجه. والوجه الآخر: أنّ التحديد والتوقيت إنّما جاء في المغسول ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح، علم أنّه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد. فإن قلت: فقد «٤» يجوز أن يكون على المسح، ألا ترى أنّك تقول: مررت بزيد وعمرا فتحمله على موضع الجار والمجرور، فحمله على المسح

стр. 1133

قد ثبت وجاز، جررت اللام أو نصبته؟ قيل: ليس الحمل على الموضع في هذا النحو في الكسرة كالحمل على اللفظ. ووجه من نصب فقال: وأرجلكم أنه حمل ذلك على الغسل دون المسح، لأنّ العمل «١» من فقهاء الأمصار فيما علمت على الغسل دون المسح. وروي أنّ النبي ﷺ «٢» رأى قوما وقد توضّئوا وأعقابهم تلوح، فقال [﵇]: «٣» «ويل للعراقيب من النار» «٤» وهذا أجدر أن يكون في المسح منه في الغسل، لأن إفاضة الماء لا يكاد يكون غير عام للعضو. [المائدة: ١٣] اختلفوا في إثبات الألف وإسقاطها من قوله تعالى «٥»: قاسية [المائدة/ ١٣]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر قاسية بألف. وقرأ حمزة والكسائي قسية بغير ألف. [قال أبو علي] «٦»: حجة من قرأ: قاسية على فاعلة قوله تعالى «٧»: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك [البقرة/ ٧٤] وقوله

стр. 1134

تعالى «١»: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [الحديد/ ١٦] وقال: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله [الزمر/ ٢٢]. ومن قرأ: قسية على فعيلة: أنه قد يجيء فاعل وفعيل، مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف. والقسوة كأنّه «٢» خلاف اللين والرقّة. وقد وصف الله «٣» قلوب المؤمنين باللين فقال «٤»: ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر/ ٢٣] فالقسوة كأنّها خلاف ذلك، وقال تعالى «٥»: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [الحديد/ ١٦] أي: كثير ممن قست «٦» قلوبهم فاسقون. فهذا يوجب أن ممن قسا قلبه من ليس بفاسق. فأما قول الشاعر: ما زوّدوني غير سحق عمامة* وخمس مئي منها قسي وزائف «٧» فإنّ القسيّ أحسبه معرّبا، وإذا كان معرّبا لم يكن من القسيّ العربي، ألا ترى أنّ قابوس وإبليس وجالوت وطالوت، ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية التي من ألفاظها عربي لا تكون مشتقة من

стр. 1135

باب القبس والإبلاس، يدل على ذلك منعهم الصرف، فأما قوله: فإن يقدر عليك أبو قبيس «١» فليس صرفه للضرورة، ولكن رخّمه ترخيم التحقير، فردّه إلى الأصل، فصار مثل نوح ولوط، وهذا النحو مصروف في كل قول، فكذلك أبو قبيس. وأنشد أبو عبيدة: وقد قسوت وقسا لداتي «٢» فكأنّ معنى هذا: فارقني لين الشباب ولدونته. [المائدة: ٤٤] واختلفوا في قوله تعالى: واخشون ولا تشتروا [المائدة/ ٤٤]. فقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة وابن عامر والكسائي، بغير ياء في وصل ولا وقف. وقرأ أبو عمرو بياء في الوصل. واختلف عن نافع فروى ابن جمّاز وإسماعيل بن جعفر بالياء في الوصل وروى المسيبي وقالون وورش بغير ياء في وصل ولا وقف «٣».

стр. 1136

قال أبو علي: القول في ذلك: أن الإثبات حسن والحذف حسن، وذلك أن الفواصل في أنّها أواخر الآي مثل القوافي في أنّها أواخر البيوت، فكما أنّ من القوافي ما لا يكون إلّا محذوفا منه، ومخالفا لغيره، كذلك الفواصل. وكما أنّ من القوافي ما يكون فيه الحذف والإتمام جميعا، كذلك تكون الفواصل. فمما لا يكون من القوافي إلّا ما قد حذف منه هذه الياء وحذف منها غير هذه الياء قول الأعشى: فهل ينفعنّي ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن «١» فهذا لا يكون إلّا محذوفا منه، ألا ترى أنّ هذا الضرب لا يخلو من أن يكون: فعولن، أو فعول، أو فعل، ولا يجوز تحريك الياء في شيء من ذلك، فعلى هذا يكون من «٢» الفواصل ما يكون ملزما الحذف، وأما ما يجوز فيه الحذف والإتمام فقوله: وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنّ «٣»

стр. 1137

فهذا فعولن قد حذفه، ويجوز أن يتمم فيقول: إني. وقد أجرى قوم القوافي مجرى غيرها «١» من الكلام فقالوا: أقلّي اللّوم عادل والعتاب «٢». واسأل بمصقلة البكريّ ما فعل «٣». فعلى هذا القياس يجوز أن تجرى الفواصل مثل غير الفواصل ولا تغيّر بحذف ولا غيره كما فعل ذلك بالقوافي. وإنّما فعلوا ذلك بالقوافي لأن اقتضاء الوزن للمحذوف وتمامه به يجعلانه في حكم المثبت في اللفظ، فصار هذا يسوّغ الحذف فيه إذ قد حذف مما لا يقتضيه الوزن، فصار المحذوف منه في حكم المثبت، مع أنّ الوزن لا يقتضيه، وذلك نحو قوله: ارهن بنيك عنهم أرهن بني «٤» فياء المتكلم التي «٥» تزاد في بني في حكم المثبت، يدلّ على ذلك حذف النون من «٦» الجميع، كما تحذف مع إثبات الياء

стр. 1138

في بنيّ، وإن كان الوزن لا يقتضيه، ألا ترى: أنّ: أرهن بني: مستفعلن، وإنّما خصّ القوافي والفواصل بالحذف في أكثر الأمر، لأنّها مما يوقف عليها، والوقف موضع تغيير فجعل التغيير فيه الحذف، كما جعل التغيير فيه الإبدال وتخفيف التضعيف، ونحو ذلك مما يلحق الوقف من التغيير. وقال بعض من يضبط القراءة: لم يذكر أحمد بن موسى كيف يقف أبو عمرو قال: وهو يقف. واخشون بغير ياء ويصل بياء. اختلفوا في ضمّ الحاء وإسكانها من قوله تعالى «١»: السحت [المائدة/ ٦٢/ ٦٣]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: السحت* مضمومة الحاء مثقّلة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: السحت ساكنة الحاء خفيفة. وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع: أكالون للسحت [المائدة/ ٤٢] بفتح السين [وجزم الحاء] «٢». قال «٣» أبو عبيدة «٤»: السّحت: أكل ما لا يحلّ. يقال: سحته وأسحته: إذا استأصله، وفي التنزيل: فيسحتكم بعذاب

стр. 1139

[طه/ ٦١] أي: نستأصلكم «١» به، ومن أسحت قول الفرزدق: إلّا مسحتا أو مجلّف «٢» والسّحت والسّحت لغتان، ويستمر التخفيف والتثقيل في هذا النحو، وهما اسم الشيء المسحوت، وليسا بالمصدر. فأما من قرأ أكالون للسحت [المائدة/ ٤٢] فالسّحت مصدر سحت، وأوقع اسم المصدر على المسحوت كما أوقع الضرب على المضروب في قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير. والصيد على المصيد في قوله: لا تقتلوا الصيد [المائدة/ ٩٥] والسّحت أعم من الربا، وهؤلاء قد وصفوا بأكل الربا. في قوله: وأخذهم الربا وقد نهوا عنه «٣» [النساء/ ١٦١] إلّا أنّ السّحت أعمّ من الربا نحو ما أخذوا فيه من كتمانهم «٤» ما أنزل عليه «٥» وتحريفهم إياه ونحو ذلك لأنّه يشمل الربا وغيره. [المائدة: ٤٥] واختلفوا «٦» في الرفع والنصب من قوله تعالى «٧»:

стр. 1140

أن النفس بالنفس إلى قوله: والجروح قصاص [المائدة/ ٤٥]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: أن النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن والسن بالسن [المائدة/ ٤٥] ينصبون ذلك كله، ويرفعون: والجروح قصاص [المائدة/ ٤٥]. كان نافع وعاصم وحمزة ينصبون ذلك كله. وروي عن «١» الواقدي عن نافع: والجروح رفعا. وقرأ الكسائي: أن النفس بالنفس نصبا، ورفع ما بعد ذلك كله «٢». [قال أبو علي]: «٣» حجّة من نصب العين بالعين وما بعده: أنّه عطف ذلك على أنّ، فجعل الواو للاشراك في نصب أنّ، ولم يقطع الكلام مما قبله، كما فعل ذلك من رفع. فأما من رفع بعد النصب فقال: أن النفس بالنفس والعين بالعين فحجته أنه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الواو عاطفة جملة على جملة وليست للاشتراك في العامل كما كان كذلك «٤» في قول من نصب، ولكنها عطفت جملة على جملة، كما تعطف المفرد على المفرد.

стр. 1141

والوجه الثاني أنّه حمل الكلام على المعنى، لأنّه إذا قال: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [المائدة/ ٤٥] فمعنى الحديث: قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل العين بالعين على هذا كما أنه لما كان المعنى في قوله: يطاف عليهم بكأس من معين [الصافات/ ٤٥] يمنحون كأسا من معين، حمل حورا عينا على ذلك، كأنّه: يمنحون كأسا، ويمنحون حورا عينا، وكما أنّ معنى الحديث في قوله: فلم يجدا إلّا مناخ مطيّة «١» ...... أنّ هناك مناخ مطية، حمل قوله: وسمر ظماء

стр. 1142

على معنى الحديث، كأنّه قال: ثمّ مناخ «١» مطية وسمر ظماء وكذلك قوله: ومشجّج أمّا سواء قذاله ... فبدا وغيّر ساره المعزاء «٢» لما كان المعنى في: بادت وغيّر آيهنّ مع البلى «٣» * إلّا رواكد «٤» .. بها رواكد، حمل مشججا عليه، فكأنّه قال: هناك رواكد ومشجّج فعلى هذا يكون وجه الآية. ومثل هذا من «٤» الحمل على المعنى كثير في التنزيل وغيره. والوجه الثالث: أن يكون عطف قوله والعين «٦» على. الذكر

стр. 1143

المرفوع في الظرف الذي هو الخبر وإن لم يؤكد المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكّد في نحو إنه يراكم هو وقبيله [الأعراف/ ٢٧] ألا ترى أنه قد جاء: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام/ ١٤٨] فلم يؤكد بالمنفصل، كما أكّد في الآي الأخر. فإن قلت: فإن لا* في قوله: ولا آباؤنا عوضا من التأكيد، لأنّ الكلام قد طال بها «١»، كما طال في نحو: حضر القاضي اليوم امرأة؛ قيل: هذا إنّما يستقيم أن يكون عوضا إذا وقع قبل حرف العطف ليكون عوضا من الضمير المنفصل الذي كان يقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف لم يسدّ ذلك المسدّ. ألا ترى أنّك لو قلت: حضر امرأة اليوم «٢» القاضي، لم يغن طول الكلام في غير هذا «٣» الموضع الذي كان ينبغي أن يقع فيه التعويض. فأمّا قوله تعالى «٤»: والجروح قصاص فمن رفعه بقطعه «٥» عما قبله فإنه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في قول من رفع: والعين بالعين. ويجوز أن يستأنف: والجروح قصاص ليس على أنّه مما كتب عليهم في التوراة، ولكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة في ذلك، ويقوّي أنه من المكتوب عليهم في التوراة نصب من نصبه، فقال: والجروح قصاص.

стр. 1144

قال: وكلّهم ثقّل الأذن إلّا نافعا فإنّه خففها في كل القرآن «١». القول في ذلك أنّهما لغتان، كما أنّ السّحت والسّحت لغتان، وقد تقدّم القول في ذلك. قال أبو زيد: يقال «٢»: رجل أذن ويقن، وهما واحد، وهو الذي لا يسمع بشيء إلّا أيقن به، وقد ذكرنا ذلك «٣» في سورة التوبة أيضا «٤». [المائدة: ٤٧] واختلفوا في إسكان اللام والميم، وكسر اللام وفتح الميم [في قوله تعالى] «٥»: وليحكم أهل الإنجيل [المائدة/ ٤٧]. فقرأ حمزة وحده: وليحكم أهل الإنجيل بكسر اللام وفتح الميم. وقرأ الباقون بإسكان اللام وجزم الميم «٦». [قال أبو علي] «٧»: حجة حمزة في قراءته: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه [المائدة/ ٤٧] أنه جعل اللام متعلقة بقوله: وآتيناه الإنجيل [المائدة/ ٤٦] لأنّ إيتاءه «٨» الإنجيل

стр. 1145

إنزال ذلك عليه، فصار «١» بمنزلة قوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء/ ١٠٥] فكأنّ المعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم، كما قال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم فالحكمان جميعا حكمان لله «٢» تعالى «٣»، وإن كان أحدهما حكما بما أنزله الله، والآخر حكما بما أراه الله، فكلاهما حكم الله. وأمّا حجة من قرأ: وليحكم أهل الإنجيل فهي نحو قوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله فكما أمر ﵇ بالحكم بما أنزل الله كذلك أمروا هم بالحكم بما أنزل الله في الإنجيل. [المائدة: ٥٠] قال: وكلّهم قرأ أفحكم الجاهلية يبغون [المائدة/ ٥٠] بالياء إلّا ابن عامر فإنّه قرأ: تبغون بالتاء «٤». [قال أبو علي]: «٥» من قرأ بالياء فلأنّ قبله غيبة لقوله: وإن كثيرا من الناس لفاسقون [المائدة/ ٤٩]. والتاء على قوله «٦»: قل لهم: أفحكم الجاهلية تبغون والياء أكثر في القراءة، زعموا، وهي أوجه لمجرى «٧» الكلام على ظاهره،

стр. 1146

واستقامته عليه من غير تقدير إضمار، ونحو هذا الإضمار لا ينكر لكثرته وإن كان الأوّل أظهر. [المائدة: ٥٣] واختلفوا في إدخال الواو وإخراجها والرفع والنصب في قوله [جل وعز] «١»: ويقول الذين آمنوا [المائدة/ ٥٣]. فقرأ أبو عمرو وحده: ويقول الذين آمنوا* نصبا. وروى علي بن نصر عن أبي عمرو أنّه قرأ بالنصب والرفع: ويقول الذين آمنوا* نصبا ويقول الذين آمنوا رفعا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ويقول الذين آمنوا رفعا. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: يقول الذين آمنوا* بغير واو في أولها ورفع اللام، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة ومكة واللام من يقول مضمومة «٢». [قال أبو علي] «٣»: إن قلت: كيف قرأ أبو عمرو: ويقول الذين آمنوا* ولا يجوز عسى الله أن يقول الذين آمنوا. فالقول في ذلك أنّه يحتمل أمرين غير ما ذكرت، أحدهما: أن يحمله على المعنى لأنّه إذا قال: فعسى الله أن يأتي بالفتح [المائدة/ ٥٢] فكأنّه قد «٤» قال: عسى أن يأتي الله بالفتح، ويقول الذين آمنوا. كما أنّه إذا قال: فأصدق وأكن [المنافقون/ ١٠] فكأنّه قد «٤» قال: أصّدق

стр. 1147

وأكن، ألا ترى أنّه يستقيم أن يقع في موضع قوله: لولا «١» أخرتني إلى أجل قريب فأصدق: هلّا أخّرتني إلى أجل قريب أصّدّق، لأنّ هلّا للتحضيض، فكأنّه قال: أخّرتني إلى أجل قريب أصّدّق «٢»، كما تقول: أعطني أكرمك، فلما وقع قوله: فأصدق موضع قوله: أصّدّق حمل أكن على الجزم الذي كان يجوز في الفعل لو وقع موقع الفاء والفعل الذي بعده، كما أنّ قوله: أنّى سلكت فإنّني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد «٣» حمل أزدد فيه على الجزم الذي كان يكون في موضع الفعل الذي هو جزاء، فكذلك حمل: ويقول الذين آمنوا على ما كان يجوز وقوعه بعد عسى من أن، ألا ترى أنّ جواز كلّ واحد منهما ومساغه كجواز الآخر وقد جاء التنزيل بهما [قال ] «٤»: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [البقرة/ ٢١٦] وعسى الله أن يكف بأس الذين كفروا [النساء/ ٨٤] فلمّا كان مجازهما واحدا، صرت إذا ذكرت أحدهما فكأنّك ذكرت الآخر، فجاز الحمل عليه. ووجه آخر وهو أنّه إذا قال: فعسى الله أن يأتي بالفتح [المائدة/ ٥٢] جاز أن يبدل أن يأتي من اسم الله كما أبدلت

стр. 1148

أن من الضمير في قوله: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [الكهف/ ٦٣] وإذا أبدلت «١» منه حملت النصب في: ويقول* على ذلك، كأنّك قلت: عسى أن يأتي الله بالفتح، ويقول الذين آمنوا. فأمّا من رفع، فحجّته أن يجعل الواو لعطف جملة على جملة، ولا يجعلها عاطفة على مفرد، ويدلّ على قوة الرفع قول من حذف الواو فقال: يقول الذين آمنوا*. وأما إسقاط الواو وإثباتها من قوله: ويقول الذين آمنوا فالقول فيه «٢» إنّ حذفها في المساغ والحسن كإثباتها. فأمّا الحذف فلأنّ في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها، وذلك أن من وصف بقوله: يسارعون فيهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة إلى قوله: نادمين [المائدة/ ٥٢] هم الذين قال فيهم الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم [المائدة/ ٥٣] فلمّا صار في كلّ واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن عطفها بالواو وبغير الواو، كما أن قوله: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم [الكهف/ ٢٢] لمّا كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدّم، اكتفي بذلك عن الواو، لأنّها بالذكر وملابسة بعضها ببعض به ترتبط إحداهما بالأخرى كما ترتبط بحرف العطف، وعلى هذا قوله: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة/ ٣٩]

стр. 1149

ولو أدخلت «١» الواو فقيل: وهم فيها خالدون، كان حسنا، ويدلّك على حسن دخول الواو قوله: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم فحذف الواو من قوله: ويقول الذين آمنوا كحذفها في هذه الآي، وإلحاقها كإلحاقها في قوله: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [الكهف/ ٢٢] فقد تبين لك بمجيء التنزيل بالأمرين أنّ هذا الموضع أيضا مثل ما جاء التنزيل به في غير هذا الموضع. [المائدة: ٥٤] واختلفوا «٢» في إظهار الدال وإدغامها من قوله جلّ وعز: من يرتد منكم عن دينه [المائدة/ ٥٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بإدغام الدال الأولى في الآخرة. وقرأ نافع وابن عامر: من يرتدد منكم عن دينه بإظهار الدالين وجزم الآخرة «٣». حجة من أظهرهما ولم يدغم: أن الحرف المدغم لا يكون إلّا ساكنا، ولا يمكن الإدغام في الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لأنّ اللسان يرتفع عن المدغم فيه ارتفاعة واحدة، فإذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، فإذا لم يرتفع كذلك لم يمكن الإدغام فإذا كان كذلك لم يسغ الإدغام في الساكن «٤»، لأنّ

стр. 1150

المدغم إذا كان ساكنا، والمدغم فيه كذلك، التقى ساكنان، والتقاء الساكنين في الوصل في هذا النحو ليس من كلامهم، فأظهر الحرف الأوّل وحرّكه، وأسكن الحرف الثاني من المثلين، وهذه لغة أهل الحجاز فلم يلتق الساكنان. وحجة من أدغم أنّه لما أسكن الحرف الأول من المثلين ليدغمه في الثاني «١» وكان الثاني ساكنا، وقد أسكن الأوّل للإدغام حرّك المدغم فيه لالتقاء الساكنين على اختلاف في التحريك، وهذه لغة بني تميم. وإنّما حرّك بنو تميم ذلك لتشبيههم إياه بالمعرب، وذلك أنّ المعرب قد اتفقوا على إدغامه، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابها للمعرب في تعاور الحركات عليه كتعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموا كما أدغموا المعرب، وهذا من فعلهم يدل على صحّة ما ذهب إليه سيبويه من تشبيه حركة الإعراب بحركة البناء في التخفيف نحو: .. أشرب غير مستحقب «٢» ألا ترى أنّهم «٣» شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب في إدغامهم في الساكن المحرّك «٤» بغير حركة الإعراب، فكما شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، كذلك شبهوا حركة الإعراب بحركة البناء في نحو: أشرب غير مستحقب

стр. 1151

وليس ذلك بأبعد من تشبيههم أفكل بأذهب، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا «١» قال [جلّ وعزّ] «٢»: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى [النساء/ ١١٥] وقال: ومن يشاقق الله ورسوله [الأنفال/ ١٣]. [المائدة: ٥٧] واختلفوا «٣» في نصب الراء وخفضها من قوله تعالى «٤»: والكفار أولياء [المائدة/ ٥٧]. فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: والكفار نصبا «٥». وقرأ أبو عمرو والكسائي: والكفار* خفضا، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو والكفار بالنصب «٦». حجة من قرأ بالجر فقال: والكفار* أنه حمل الكلام على أقرب العاملين وقد تقدّم أن لغة التنزيل الحمل على أقرب العاملين، فحمل «٧» على عامل الجرّ من حيث كان أقرب إلى المجرور من عامل النصب، وحسن الحمل على الجر، لأنّ فرق الكفار الثلاث: المشرك، والمنافق، والكتابي الذي لم يسلم، قد كان منهم الهزء فساغ لذلك أن يكون الكفار ... مجرورا وتفسيرا

стр. 1152

للموصول، وموضحا له، فالدليل على استهزاء المشركين قوله: إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر [الحجر/ ٩٥ - ٩٦] والدليل على استهزاء المنافقين قوله: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن [البقرة/ ١٤]. وأمّا «١» الكتابي الذي لم يسلم فيدا، على وقوع ذلك منه قوله: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا «٢» من الذين أوتوا الكتاب [المائدة/ ٥٧] وكلّ من ذكرنا من المشركين والمنافقين ومن لم يسلم من أهل الكتاب يقع عليه اسم كافر ويدل على ذلك قوله: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين [البيّنة/ ١] وقال: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب [الحشر/ ١١] وقال: إن الذين آمنوا ثم كفروا [النساء/ ١٣٧]، فإذا وقع على المستهزئين اسم كافر حسن أن يكون قوله: والكفار* تفسيرا للاسم الموصول، كما كان قوله: من الذين أوتوا الكتاب تفسيرا له، ولو فسّر الموصول بالكفار لعمّ الجميع. ولكنّ الكفار كأنه أغلب على المشركين وأهل الكتاب، على من إذا عاهد دخل «٣» في ذمّة المسلمين وقبلت «٤» منه الجزية، على دينه أغلب فلذلك فصّل ذكرهما، ويدل على تقدم قوله: والكفار* قوله: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة/ ١٠٥] فكما

стр. 1153

أنّ الاتفاق فيما علمنا على الجرّ في قوله: ولا المشركين ولم يحمل على العامل الرافع، كذلك ينبغي أن يتقدم الجرّ في قوله: والكفار أولياء. وحجّة من نصب فقال: والكفار أولياء أنه عطف على العامل الناصب، فكأنّه قال: لا تتخذوا الكفار أولياء، وحجتهم في ذلك قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين [آل عمران/ ٢٨] فكما وقع النهي عن اتّخاذ الكفار أولياء في هذه الآية، كذلك يكون في الأخرى معطوفا على الاتخاذ. [المائدة: ٦٠] واختلفوا «١» في ضم الباء وفتحها من قوله تعالى «٢»: وعبد الطاغوت [المائدة/ ٦٠]. فقرأ حمزة وحده: وعبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت. وقرأ الباقون: وعبد الطاغوت منصوبا كلّه «٣». حجّة حمزة في قراءته عبد الطاغوت: أنه يحمله على ما عمل فيه جعل* فكأنه قال: «٤» وجعل منهم عبد الطاغوت. ومعنى جعل*: خلق كما قال: وجعل منها زوجها [الأعراف/ ١٨٩] وكما قال: وجعل الظلمات والنور [الأنعام/ ١] وليس عبد*

стр. 1154

لفظ جمع، ألا ترى أنّه ليس في أبنية الجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المنفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع؟ وفي التنزيل: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [النحل/ ١٨] [يريد: نعم الله] «١» فكذلك قوله: وعبد الطاغوت وجاء على فعل لأنّ هذا البناء تراد به الكثرة والمبالغة، وذلك نحو يقظ، وندس «٢»، وفي التنزيل: وتحسبهم أيقاظا [الكهف/ ١٨] فكأنّ «٣» تقديره أنّه قد ذهب في عبادة الطاغوت، والتذلّل له كلّ مذهب وتحقّق به، وجاء على هذا لأنّ عبدا في الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة، ألا ترى أنّ الأبرق والأبطح، وإن كانا استعملا استعمال الأسماء حتى كسّر هذا النحو تكسيرها عندهم في نحو قوله: بالعذب في رصف القلات مقيله ... قضّ الأباطح لا يزال ظليلا «٤» لم يزل عنهما «٥» حكم الصفة يدلك على ذلك تركهم

стр. 1155

صرفها «١» كتركهم صرف آخر «٢»، ولم يجعلوا ذلك كأفكل، وأيدع «٣»، فكذلك عبد، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة، لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على فعل نحو يقظ «٤». فأما من فتح فقال «٥»: وعبد الطاغوت فإنّه عطفه على مثال الماضي الذي في الصلة وهو قوله: لعنه الله [النساء/ ١١٨] وأفرد الضمير الذي «٦» في عبد، وإن كان المعنى فيه الكثرة «٧» لأنّ الكلام محمول على لفظ من دون معناه، وفاعله ضمير من كما أن فاعل الأمثلة المعطوف عليها ضمير من، فأفرد لحمل ذلك جميعا على اللفظ ولو حمل الكلّ على المعنى أو البعض على اللفظ والبعض على المعنى كان مستقيما. [المائدة: ٦٧] واختلفوا «٨» في التوحيد والجمع في قوله تعالى «٩»: فما بلغت رسالاته «١٠» [المائدة/ ٦٧].

стр. 1156

فقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: فما بلغت رسالته واحدة، وفي الأنعام: حيث يجعل رسالاته [الآية/ ١٢٤] جماعة، وفي الأعراف: برسالاتي [١٤٤] على الجمع أيضا. وقرأ ابن كثير: رسالته على التوحيد، وفي الأنعام: حيث يجعل رسالته وفي الأعراف: برسالتي على التوحيد ثلاثهنّ. وقرأ نافع: فما بلغت رسالاته جماعا، وقرأ في الأنعام: حيث يجعل رسالاته جماعة «١»، وقرأ: على الناس برسالتي واحدة. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: فما بلغت رسالاته وحيث يجعل رسالاته وعلى الناس برسالاتي جماعا ثلاثهنّ. وروى حفص عن عاصم: فما بلغت رسالته واحدة حيث يجعل رسالته واحدة أيضا وعلى الناس برسالاتي جماعا «٢». قال أبو علي: أرسل فعل يتعدّى إلى مفعولين: ويتعدّى إلى الثاني منهما بحرف الجر «٣» كقوله: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه [نوح/ ١] وأرسلناه إلى مائة ألف [الصافات/ ١٤٧] ويجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، من نحو: أعطيت، وكسوت،

стр. 1157

وليس من باب حسبت كقوله: ثم أرسلنا رسلنا تترا [المؤمنون/ ٤٤] وقوله: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا [الأحزاب/ ٤٥] وقال: فأرسل إلى هارون [الشعراء/ ١٣] فعدّى إلى الثاني، والأول مقدّر في المعنى، التقدير: أرسل رسولا إلى هارون، فأمّا قوله: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات [الحديد/ ٢٥] فالجار في موضع نصب على الحال، كما تقول: أرسلت زيدا بعدّته، وكذلك قوله: أرسله معنا غدا نرتع [يوسف/ ١٢] إن رفعت المضارع كان حالا، وإن جزمته كان جزاء. وقد يستعمل الإرسال على معنى التخلية بين المرسل وما يريد «١» وليس يراد به البعث قال الراجز: أرسل فيها مقرما غير قفر ... طبّا بإرسال المرابيع السؤر «٢» وقال آخر: أرسل فيها بازلا يقرّمه ... وهو بها ينحو طريقا يعلمه «٣»

стр. 1158

فهذا إنّما يريد خلّى بين الفحل وبين طروقته، ولم يمنعه منها وقال: فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغض الدّخال «١» المعنى: خلى بين هذه الإبل وبين شربها ولم يمنعها من ذلك، فمن هذا الباب قوله تعالى «٢»: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [مريم/ ٨٣] فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر «٣»: لعمري لقد جاءت رسالة مالك ... إلى جسد بين العوائد مختبل وأرسل فيها مالك يستحثّنا ... وأشفق من ريب المنون فما وأل

стр. 1159

فالرسالة هاهنا بمنزلة الإرسال، والمصدر في تقدير الإضافة إلى الفاعل والمفعول الأول، في التقدير «١» محذوف كما كان محذوفا في قوله: فأرسل إلى هارون [الشعراء/ ١٣] والتقدير: رسالة مالك إلى جسد، والجار والمجرور في موضع نصب لكونه مفعولا ثانيا، والمعنى: إلى ذي جسد، لأنّ الرسالة لم تأت الجسد دون سائر المرسل إليه. ومثل ذلك قوله: ........ وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٢» في وضعه العطاء في موضع الإعطاء. وقوله: وأرسل فيها مالك يستحثّنا «٣» ....... يجوز أن يكون المعنى: أرسل الرسالة يستحثنا، ودخول الجار كدخوله في قوله: لهم «٤» فيها [يس/ ٥٧]، ويستحثّنا حال من مالك. وإن شئت قلت: تستحثّنا، فجعلته حالا من الرسالة. وإن شئت ذكّرت، لأنّ الرسالة والإرسال بمعنى. والرسول جاء على ضربين أحدهما أن يراد به المرسل. والآخر [أن يراد به] «٥» الرسالة، فالأوّل كقولك: هذا رسول زيد،

стр. 1160

تريد «١» مرسله وقال [جلّ وعز] «٢»: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران/ ١٤٤] فهذا كأنه يراد به المرسل، يقوي ذلك قوله: إنك لمن المرسلين [يس/ ٣]. ومثل هذا في أنّه فعول: يراد به المفعول قوله «٣»: وما زلت خيرا منك مذ عضّ كارها ... بلحييك عاديّ الطريق ركوب المعنى أنّه طريق مركوب مسلوك، وقال «٤»: تضمّنها وهم ركوب كأنّه ... إذا ضمّ جنبيه المخارم رزدق وقالوا: الحلوبة والحلوب، والركوبة والركوب لما يحلب ويركب. فأمّا استعمالهم الرسول بمعنى الرسالة فكقول الشاعر: لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول «٥» أي: برسالة، فيجوز على هذا في قوله: إنا رسول ربك [طه/ ٤٧] أن يكون التقدير: إنّا ذوو رسالة ربك. فلم يثنّ رسول كما لا يثنّى المصدر. ويجوز أن يكون وضع الواحد موضع التثنية كما وضع موضع الجمع «٦» في قوله: وهم لكم عدو
следующие страницы →