← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

كان محذوفا منه، إذ كان الكلام لا يصحّ إلّا به، كما ذهب إليه في قوله: ........... ونار توقّد بالليل نارا «١» إلى أنّ كلّا في تقدير الملفوظ به من حيث لو لم تقدره كذلك لم يستقم عنده، فكذلك قياس الآية على قوله. وأمّا قراءة من قرأ: هل يستطيع ربك فليس على أنّهم شكّوا في قدرة القديم سبحانه على ذلك، لأنّهم كانوا مؤمنين عارفين، ولكن كأنّهم قالوا: نحن نعلم قدرته على ذلك فليفعله بمسألتك إياه، ليكون علما «٢» لك ودلالة على صدقك، وكأنّهم سألوه ذلك ليعرفوا صدقه وصحّة أمره من حيث لا يعترض عليهم منه إشكال ولا تنازعهم فيه شبهة، لأنّ علم الضرورة لا تعرض فيه الشبه التي تعرض في علوم الاستدلال، فأرادوا علم أمره من هذا الوجه فمن ثم قالوا: وتطمئن قلوبنا [المائدة/ ١١٣] كما قال إبراهيم ﵇: بلى ولكن ليطمئن قلبى [البقرة/ ٢٦٠] بأن أعلم ذلك، من حيث لا يكون لشبهة ولا إشكال عليّ طريق. وليس قول عيسى ﵇ لهم: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين

стр. 1192

[المائدة/ ١١٢] إنكارا لسؤالهم، ولكن قال لهم هذا، كما جاء: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته [آل عمران/ ١٠٢] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة [المائدة/ ٣٥] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس [الحشر/ ١٨] ونحو هذا من الآي. وأمّا إدغام الكسائي اللام في التاء فحسن، ألا ترى أنّ أبا عمرو قد أدغمها في التاء، فيما حكى عنه سيبويه «١» من قوله: هثوب الكفار [المطففين/ ٣٦] والتاء أقرب إليها من الثاء والإدغام في المتقاربين «٢»، إنّما يحسن بحسب قرب الحرف من الحرف، وإذا جاز إدغامها في الشين مع أنها أبعد منها من حروف طرف اللسان والثنايا لأنّها تتصل بمخارج هذه الحروف فأن يجوز في الثاء ونحوها من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا أجدر، وأنشد سيبويه: تقول إذا استهلكت مالا للذّة ... فكيهة هشّيء بكفّيك لائق «٣»

стр. 1193

قال سيبويه: وقد قرئ: بتؤثرون الحياة الدنيا [الأعلى/ ١٦]) وأنشد: فذر ذا ولكن هتّعين متيّما ... على ضوء برق آخر الليل ناصب «١» قال أحمد بن موسى: قرأ نافع وحده: طائرا بألف مع الهمز. وقرأ الباقون طيرا بغير ألف «٢». [المائدة/ ١١٠]. حكى أبو الحسن الأخفش: «٣» طائرة، وطوائر، ونظير «٤» ما حكاه من ذلك قولهم: ضائنة، وضوائن «٥». فأما الطير فواحده طائر. مثل ضائن وضان، وراكب وركب، والطائر كالصفة الغالبة، وقد قالوا: أطيار، فهذا مثل صاحب وأصحاب، وشاهد وأشهاد، وشبّهوا فيعلا بفاعل، فقالوا: ميّت وأموات، ويمكن أن يكون أطيار جمع طير، جعله مثل بيت وأبيات، وجمعوه على العدد القليل كما قالوا: جمالان ولقاحان، وإذا «٦» جاز أن يثنّى، جاز العدد القليل أيضا فيه، وكما جمع على أفعال كذلك جمع على

стр. 1194

العدد الكثير، فقالوا: طيور فيما حكاه أبو الحسن. ولو قال قائل: إنّ الطائر قد يكون جمعا مثل الجامل، والباقر. والسامر، فيكون على هذا معنى القراءتين واحدا، لكان قياسا. ويقوي ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم: طائرة، فيكون [على هذا] «١» من باب شعيرة وشعير. فأما قوله: أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير [آل عمران/ ٤٩] وفي هذه: فتنفخ فيها [المائدة/ ١١٠] وفي آل عمران: فأنفخ فيه فالقول في ذلك أنّ الضمير الذي في قوله فيها لا يخلو من أن يعود إلى ما تقدم له ذكر في الكلام، أو إلى ما وقعت عليه دلالة من اللفظ، فمما تقدم ذكره: الطين، والهيئة، والطير، فلا يجوز أن يعود إلى الطين لتأنيث الضمير [الراجع إليه] «٢» وتذكير ما يعود الضمير إليه، ولو كان الذكر مذكرا لم يسهل أن يعود إليه، ألا ترى أنّ النفخ إنّما يكون في طين مخصوص، وهو ما كان منه مهيّأ للنفخ «٣»، والطين المتقدم ذكره عامّ، فلا يكون العائد على حسب ما يعود إليه. فإن قلت: يعود الذكر من فيها* إلى الهيئة. فإنّ النفخ لا يكون في الهيئة إنّما يكون في المهيّأ، ذي «٤» الهيئة، إلّا أن تجعل الهيئة التي هي

стр. 1195

المصدر في «١» موضع المهيّأ، كما يقع الخلق موضع المخلوق. وإذا ذكّر فقال: أنفخ فيه جاز أن يكون الضمير عائدا على ذي الهيئة، كما قال: وإذا حضر القسمة أولوا القربى ... فارزقوهم منه «٢» إذ «٣» جعلت القسمة المقسوم. ويجوز أن يعود إلى الطير لأنّها مؤنّثة «٤»، قال: أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات [الملك/ ١٩]. ويجوز أن يعود الذكر إذا ذكّر على ما وقعت عليه الدّلالة «٥» في اللفظ، وهو أنّ يخلق يدلّ على الخلق، كما أنّ يبخلون يدل على البخل، فيجوز في قوله: فأنفخ «٦» فيه أي: في الخلق، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق. ويجوز أن يعود الذكر حيث ذكر إلى ما دلّ عليه الكاف من معنى المثل، أو إلى الكاف نفسه فيمن يجوّز أن يكون اسما في غير الشعر، وتكون الكاف في موضع نصب على أنّه صفة للمصدر المراد، تقديره: وإذ تخلق خلقا من طين «٧» كهيئة الطير، فتنفخ في الخلق الذي يراد به المخلوق. ويجوز في قراءة نافع: فيكون طائرا، أن يكون الذكر المؤنث يرجع إلى الطائر على قوله: أعجاز نخل خاوية

стр. 1196

[الحاقة/ ٧] والموضع الذي ذكّر فيه يكون على قوله: أعجاز نخل منقعر [القمر/ ٢٠] والشجر الأخضر [يس/ ٨٠] ويكون أيضا على من جعله «١» جمعا: كالسامر، والجامل، والباقر، فأما قول الشاعر: هم أنشبوا زرق القنا في نحورهم ... وبيضا تقيض البيض من حيث طائره «٢» فإن الدماغ يسمى الفرخ، فيما روى لنا محمد بن السريّ، وتقيض: تكسر. وقد قال غيره: الدماغ يقال له الفرخ، فوضع الطائر موضع الفرخ، لأنّه في المعنى طائر وحرّف الاسم عمّا كان عليه لما احتاج إليه من إقامة القافية، كما حرّف لإقامة الوزن في نحو ما أنشدناه علي بن سليمان: بني ربّ الجواد فلا تفيلوا ... فما أنتم فنعذركم لفيل «٣» أراد ربيعة الفرس، فوضع الجواد موضعه، وأنشدنا علي بن سليمان:

стр. 1197

كأنّ نزو فراخ الهام بينهم ... نزو القلات زهاها قال قالينا «١» فأراد بفراخ الهام الدماغ. فقوله: فراخ الهام ليس «٢» يضيف الشيء إلى نفسه، ولكن الهام جمع هامة، فتشمل «٣» الدماغ وغيره، فصار بمنزلة نصل السيف، لأنّ السيف يقع على النصل وغيره [وعلى نفسه] «٤» فأضاف الطائر إلى البيض في قوله: «من حيث طائره» لالتباسه به كما قال: وليلبسوا عليهم دينهم [الأنعام/ ١٣٧] يريد الدين الذي شرع لهم، فأضافه إليهم لالتباسهم به من حيث شرع لهم ودعوا إليه، وإن لم يتدينوا به. وقوله: هم أنشبوا زرق القنا «٥» على حذف المضاف التقدير: هم أنشبوا زرق أسنة القنا، لأنّ الذي يوصف بالزرقة السنان دون الرماح، ألا ترى أنّ الرماح

стр. 1198

توصف بالسّمرة في نحو «١» قوله: وأسمر خطيّا كأنّ كعوبه «٢» ووصفت الأسنة بالزرقة في نحو قوله: وزرق كستهنّ الأسنّة هبوة ... أرقّ من الماء الزّلال كليلها «٣» الأسنّة: واحدها سنان، وهي المسانّ، فإذا كان الكليل أرقّ من الماء الزّلال، فكيف الحادّ، وما لم يكلّ، وإن شئت جعلت الزرق الأسنّة على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنّه: هم أنشبوا أسنّة القنا. فأمّا قول الكميت: وليس التفحّش من شأنهم ... ولا طيرة الغضب المغضب فقوله: طيرة الغضب، يحتمل ضربين: أحدهما مصدر طار الغضب يطير طيرة، وقد قالوا: طار طير فلان إذا غضب وخفّ، وأنشد بعض أصحاب الأصمعي: فلمّا أتاني ما يقول تطايرت ... عصافير رأسي وانتشيت من الخمر

стр. 1199

ويجوز في قوله: طيرة الغضب أن يكون سمّى الطائر الذي استعمل في الغضب باسم المصدر. قال [أحمد بن موسى] «١»: قرأ نافع وعاصم وابن عامر منزلها [المائدة/ ١١٥] مشدّدة. وقرأ الباقون: خفيفة «٢». وجه التخفيف أنّه قال: أنزل علينا مائدة فقال: إني منزلها فيكون الجواب كالسؤال. ومن قال: منزلها فلأنّ نزّل وأنزل، قد استعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر، قال: نزل عليك الكتاب بالحق [آل عمران/ ٣] وقال: وأنزل الفرقان [آل عمران/ ٤] وقال تعالى «٣»: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان/ ١] وقال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف/ ١] فقد صار كل واحد من هاتين اللفظتين يستعمل موضع الأخرى. [المائدة: ١١٩] اختلفوا في نصب الميم ورفعها من قوله تعالى «٤»: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة/ ١١٩]. فقرأ نافع وحده: هذا يوم ينفع بنصب الميم. وقرأ الباقون هذا يوم برفع الميم «٥».

стр. 1200

من رفع يوما جعله خبر المبتدأ الذي هو هذا* وأضاف يوما إلى ينفع، والجملة التي من المبتدأ وخبره في موضع نصب بأنّه مفعول القول، كما تقول: قال زيد: عمرو أخوك. ومن قرأ «١»: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم احتمل أمرين: أحدهما أن يكون مفعول قال*، تقديره: قال الله هذا القصص، أو هذا الكلام: يوم ينفع الصادقين صدقهم، فيوم ظرف للقول، وهذا إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم [المائدة/ ١١٦]، وجاء على لفظ المضي وإن كان المراد به الآتي: كما قال: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة [الأعراف/ ٥٠] ونحو ذلك، وليس ما بعد قال* حكاية في هذا الوجه، كما كان إياها في الوجه الآخر. ويجوز أن يكون المعنى على الحكاية تقديره: قال الله هذا يوم ينفع. أي: هذا الذي اقتصصنا يقع، أو يحدث يوم ينفع الصادقين، فيوم خبر المبتدأ الذي هو هذا لأنّه إشارة إلى حدث، وظروف الزمان تكون أخبارا عن الأحداث، والجملة في موضع نصب بأنّها في موضع مفعول. قال: ولا يجوز أن تكون في موضع رفع وقد فتح لإضافته إلى الفعل، لأنّ المضاف إليه معرب، وإنّما يكتسي البناء من المضاف إليه، إذا كان المضاف إليه مبنيا، والمضاف مبهما، كما يكون ذلك في هذا الضرب من الأسماء إذا أضيف إلى ما كان مبنيا، نحو: ومن خزي يومئذ [هود/ ٦٦] ومن عذاب يومئذ [المعارج/ ١١]. وصار في المضاف البناء للإضافة إلى المبني كما صار فيه الاستفهام للإضافة إلى المستفهم به نحو: غلام من

стр. 1201

أنت؟ وكما صار فيه الجزاء في نحو: غلام من تضرب أضرب وليس المضارع في هذا كالماضي في نحو قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا «١» لأنّ الماضي مبني والمضارع معرب، فإذا كان معربا، لم يكن شيء يحدث من أجله في المضاف البناء، ولا يلزم أن تقدّر في الفعل هنا عائدا إلى شيء، لأنّ الفعل قد أضيف إليه وليس بصفة، ولا يلزم أن يكون في المضاف ذكر من المضاف إليه «٢»، فليس قوله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم فيمن رفع أو نصب كقوله: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا [البقرة/ ٤٨] لأنّ الفعل هنا «٣» صفة للنكرة، فلا بدّ من ذكر عائد منه إلى الموصوف، ولو نوّن اليوم هنا لكان ينفع صفة له، ولما لم ينوّن كان مضافا إليه، والإضافة إلى الفعل نفسه في الحقيقة لا إلى مصدره، ولو كانت الإضافة إلى المصدر لم يبن المضاف لبناء المضاف إليه في نحو: على حين عاتبت المشيب على الصبا «٤» [تمّت سورة المائدة والحمد لله وحده] «٥»

стр. 1202

بسم الله «١» سورة الأنعام [الانعام: ١٦] اختلفوا في ضمّ الياء وفتحها من قوله تعالى «٢»: من يصرف عنه يومئذ [الأنعام/ ١٦]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر يصرف عنه مضمومة الياء مفتوحة الراء. وقرأ حمزة والكسائي: يصرف عنه مفتوحة الياء مكسورة الراء «٣». واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه من يصرف مثل حمزة وروى حفص: يصرف عنه مثل أبي عمرو. فاعل يصرف الضمير العائد إلى ربي* من قوله: إني أخاف إن عصيت ربي [الأنعام/ ١٥]، وينبغي أن يكون حذف الضمير العائد إلى

стр. 1203

العذاب، والمعنى: من يصرفه عنه، وكذلك هو في قراءة أبيّ فيما زعموا، وليس حذف هذا الضمير بالسهل، وليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة، لأنّ من* جزاء، ولا يكون صلة على أنّ الضمير إنّما يحذف من الصلة إذا عاد إلى الموصول نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان/ ٤١]. وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل/ ٥٩] أي: بعثه واصطفاهم. ولا يعود الضمير المحذوف هنا «١» إلى موصول ولا إلى من* التي للجزاء إنّما يرجع إلى العذاب في قوله: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم [الأنعام/ ١٥] وليس هذا بمنزلة قوله: والحافظين فروجهم والحافظات [الأحزاب/ ٣٥]، لأنّ هذا فعل واحد قد تكرّر، وعدّي الأول منهما إلى المفعول، فعلم بتعدية الأول، أنّ الثاني بمنزلته. وأمّا قراءة من قرأ يصرف فالمسند إليه: الفعل المبني للمفعول، ضمير العذاب المتقدّم ذكره، وليس هذا كقول من قال: يصرف بفتح الياء، لأنّ ضمير المنصوب هنا محذوف، وفي قول من قرأ: يصرف مضمر ليس بمحذوف، والذكر العائد إلى المبتدأ الذي هو من في القراءتين جميعا الضمير الذي في عنه. ومما يقوي ذلك قوله: ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم [هود/ ٨]. ألا ترى أنّ الفعل مبني للمفعول به وفيه ضمير العذاب؟ وممّا يحسّن قراءة من قرأ: يصرف، بفتح الياء، أنّ ما

стр. 1204

بعده من قوله: فقد رحمه فعل مسند إلى ضمير اسم الله تعالى «١»، فقد اتّفق الفعلان في الإسناد إلى هذا الضمير فيمن قرأ يصرف «٢» بفتح الياء. ومما يقوي قراءة من قرأ: من يصرف «٣» بفتح الياء، أنّ الهاء المحذوفة من يصرفه لما كانت في حيز الجزاء، وكان ما في حيز الجزاء في أنّه لا يتسلّط على ما تقدّمه، بمنزلة ما في الصلة، في أنّه لا يجوز تسلّطه على الموصول، حسن حذف الهاء منه، كما حسن حذفها من الصلة. [الانعام: ٢٣] واختلفوا «٤» في الياء والتاء والرفع والنصب من قوله [جلّ وعزّ]: «٥» ثم لم تكن فتنتهم [الأنعام/ ٢٣]. فقرأ ابن كثير في رواية قنبل عن القواس، وعبيد بن عقيل عن شبل عن ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم ثم لم تكن بالتاء فتنتهم رفعا. وروى خلف وغيره عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: ثم لم تكن بالتاء فتنتهم نصبا.

стр. 1205

وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تكن بالتاء فتنتهم نصبا «١». وقرأ حمزة والكسائي ثم لم يكن بالياء فتنتهم نصبا «٢». [قال أبو علي] «٣» من قرأ: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا [الأنعام/ ٢٣] تكن بالتاء ورفع الفتنة، كان ذلك حسنا لإثباته علامة التأنيث في الفعل المسند إليه الفتنة، والفتنة مؤنثة بلحاقها علامة التأنيث «٤» وأن قالوا على هذه القراءة: في موضع نصب، والتقدير: لم تكن فتنتهم إلّا قولهم. فأمّا ما روي عن ابن كثير من «٥» قراءته: ثم لم تكن بالتاء فتنتهم نصبا، فقد أنّث، أن قالوا لمّا كان الفتنة في المعنى، وفي التنزيل: فله عشر أمثالها [الأنعام/ ١٦٠] فأنّث الأمثال، وواحدها مثل، حيث كانت الأمثال في المعنى الحسنات، وقد كثر مجيء هذا في الشعر والرواية الأولى أوجه من حيث كان الكلام محمولا فيها على اللفظ. ومثل هذا قراءة نافع، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر. ومما جاء على هذا في الشعر قوله:

стр. 1206

.. وكانت عادة ... منه إذا هي عرّدت إقدامها «١» فأنّث الإقدام لما كان العادة في المعنى، وهذا البيت، وهذه الآية إذا قرئت على القياس «٢» أقرب من قول الشاعر: هم أهل بطحاوي قريش كليهما ... هم صلبها ليس الوشائظ كالصلب «٣» لأنّ بطحاوي مكة مؤنث، والمذكر: الأبطح، فهو لفظ غير لفظ المؤنّث، والفتنة هي: القول. وقد جاء في الكلام: ما جاءت حاجتك، فأنّث ضمير (ما) حيث كان الحاجة في المعنى: وألزم التأنيث ونصبت «٤» الحاجة. ومثل

стр. 1207

ذلك قولهم: من كانت أمّك، فأنّث ضمير من حيث كان الأمّ «١» ومثله: ومن تقنت منكن [الأحزاب/ ٣١]. وممّا يقوّي [نصب فتنتهم] «٢» أنّ قوله: أن قالوا: أن يكون الاسم دون الخبر أولى، لأنّ أن* إذا وصلت لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر «٣». فكما أنّ المضمر إذا كان مع المظهر كان أن يكون الاسم أحسن، كذلك أن* إذا كانت مع اسم غيرها، كانت أن تكون الاسم أولى. [الانعام: ٢٢] قال: وقرأ عاصم في رواية حفص ويوم نحشرهم [الأنعام/ ٢٢] بالنون حرفين هاهنا، وفي يونس قبل الثلاثين «٤» أيضا: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا [يونس/ ٢٨] وباقي القرآن بالياء. وروى أبو بكر عن عاصم ذلك كلّه بالنون. وقرأ الباقون بالنون إلّا أنّهم اختلفوا في سورة الفرقان، ويأتي في موضعه [إن شاء الله] «٥». حجّة من قرأ بالنون قوله: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [الكهف/ ٤٧] وقوله: ويوم نحشرهم [الأنعام/ ٢٢]، والياء في المعنى كالنون.

стр. 1208

[الانعام: ٢٣] اختلفوا في الخفض والنصب من قوله تعالى «١»: والله ربنا [الأنعام/ ٢٣]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر بالكسر فيهما. وقرأ حمزة والكسائي: والله ربنا بالنصب «٢». من قرأ والله ربنا: جعل الاسم المضاف وصفا للمفرد، ومثل ذلك: رأيت زيدا صاحبنا، وبكرا جاركم. وقوله: ما كنا مشركين [الأنعام/ ٢٣] جواب القسم. ومن قال: والله ربنا، فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم عليه بالنداء، والفصل به لا يمتنع، وقد فصل بالمنادى بين الفعل ومفعوله [كما فعل ذلك] «٣» في نحو قوله: إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك [يونس/ ٨٨] والمعنى آتيتهم زينة «٤» وأموالا ليضلوا فلا يؤمنوا «٥»، وفصل به في أشدّ من ذلك، وهو الفصل بين الصلة والموصول قال:

стр. 1209

فلأحشأنّك مشقصا* أوسا أويس من الهبالة «١» وهذا لكثرة النداء في الكلام ومثل ذلك في الفصل قوله: ذاك الّذي وأبيك تعرف مالك ... والحقّ يدفع ترّهات الباطل «٢» [الانعام: ٢٧] اختلفوا في الرفع والنصب من قوله [جلّ وعزّ]: «٣» ولا نكذب بآيات ربنا ونكون [الأنعام/ ٢٧]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: ولا نكذب ونكون* جميعا بالرفع. وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص: ولا نكذب ونكون بنصبهما هذه رواية ابن ذكوان عن أصحابه عن «٤» أيوب بن تميم عن ابن عامر. وقال هشام ابن عمار عن أصحابه عن ابن عامر: ولا نكذب مرفوعة، ونكون نصبا «٥».

стр. 1210

[قال أبو علي] «١»: [فأمّا] «٢» من قرأ بالرفع جاز في قراءته وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفا على نرد فيكون قوله: ولا نكذب ونكون* «٢» داخلا في التمني دخول نرد فيه، فعلى هذا: قد تمنّى الردّ، وأن لا نكذّب، والكون من المؤمنين. ويحتمل الرفع وجها آخر: وهو أن تقطعه من الأول، فيكون التقدير على هذا: يا ليتنا «٤» نردّ ونحن لا نكذب بآيات ربّنا، ونكون. قال سيبويه: وهو على قولك: فإنّا لا نكذب، كما تقول: دعني ولا أعود، أي: فإنّي ممن لا يعود، فإنّما يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه أن لا يعود ترك أو لم يترك، ولم يرد أن يسأل: أن يجمع له الترك وأن لا يعود «٥». وهذا الوجه الثاني ينبغي أن يكون أبو عمرو ذهب إليه في قراءته جميع ذلك بالرفع، فالأوّل الذي هو [عطف على] «٦» الردّ داخل في التمني، وقوله: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون* على نحو: دعني ولا أعود، يخبرون على البتات أن لا يكذّبوا ويكونوا من المؤمنين، لأنّ أبا عمرو روي عنه أنّه استدلّ على خروجه من التمني بقوله: وإنهم لكاذبون [الأنعام/ ٢٨] فقال: قوله: وإنهم لكاذبون يدلّ على أنّهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم

стр. 1211

يتمنوه، لأنّ التمني لا يقع فيه الكذب، إنّما يكون الكذب في الخبر دون التمني. وأهل النظر يذهبون إلى أنّ الكذب لا يجوز وقوعه في الآخرة، فإذا لم يجز ذلك فيها كان تأويل قوله: وإنهم لكاذبون. على تقدير: إنّهم لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل، وإنكارهم البعث، ويكون قوله: وإنهم لكاذبون حكاية للحال التي كانوا عليها في الدنيا، كما أنّ قوله: وكلبهم باسط ذراعيه [الكهف/ ١٨] حكاية للحال الماضية، وكما أنّ قوله: وإن ربك ليحكم بينهم [النحل/ ١٢٤] حكاية للحال الآتية. ولو جاز الكذب في الآخرة لكان ذلك حجة للرفع على الوجه الذي ذكرنا. وحجّة من نصب فقال: يا ليتنا نرد ولا نكذب ونكون [الأنعام/ ٣٧] أنّه أدخل ذلك في التمني، لأنّ التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والأمر والنهي والعرض في انتصاب ما بعد ذلك كلّه من الأفعال إذا دخلت عليها الفاء على تقدير ذكر مصدر الفعل الأول، كأنّه في التمثيل: يا ليتنا يكون لنا ردّ وانتفاء للتكذيب «١»، وكون من المؤمنين. ومن رفع نرد ولا نكذب ونصب ونكون [فإنّ الفعل الثاني من الفعلين المرفوعين] «٢» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون داخلا في التمني فيكون في

стр. 1212

المعنى كالنصب. والوجه الآخر أنّه يخبر على البتات أن لا يكذّب ردّ أو لم يردّ. ومن نصب ولا نكذب ونكون جعلهما جميعا داخلين في المعنى في التمني كما أنّ من رفع ذلك، وعطفه على التمني كان كذلك. [الانعام: ٣٢] اختلفوا في الياء والتاء من قوله «١»: تتقون أفلا تعقلون [الأنعام/ ٣٢] في خمسة مواضع في الأنعام والأعراف [١٦٩] ويوسف [١٠٩]، ويس «٢» [٦٨]، والقصص [٦٠]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء في أربعة مواضع وفي القصص بالتاء. وقرأ نافع ذلك كلّه بالتاء. وقرأ عاصم في رواية حفص ذلك بالتاء إلّا قوله في يس: في الخلق أفلا يعقلون [الآية/ ٦٨] بالياء. وروى أبو بكر بن عياش: ذلك كلّه بالياء إلّا قوله في يوسف أفلا تعقلون فإنّه قرأه بالتاء وفي القصص أيضا: بالتاء. وقرأ ابن عامر واحدا بالياء، وسائر ذلك بالتاء، وهو قوله في يس: ننكسه في الخلق أفلا يعقلون وكلّهم قرأ في القصص بالتاء إلّا أبا عمرو فإنّه يقرأ بالتاء والياء «٣».

стр. 1213

[قال أبو علي] «١» العقل والحجا والنّهى كلم مختلفة الألفاظ متقاربة المعاني، قال الأصمعي: بالدّهناء خبراء، فالدهناء يقال لها: معقلة، قال: [أبو علي] «٢» ونراها سمّيت معقلة لأنّها تمسك الماء، كما يمسك الدواء البطن، فالعقل: الإمساك، عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن. والحج أيضا: احتباس وتمكّث، قال: فهنّ يعكفن به إذا حجا «٣» روى محمد بن السري، وأنشد الأصمعي: حيث تحجّى مطرق بالفالق «٤» تحجّى: أقام، فكأنّ الحجا مصدر كالشبع. ومن هذا الباب، الحجيّا: للّغز، لتمكّث الّذي يلقى عليه حتى يستخرجها. قال أبو زيد: حج حجيّاك «٥» فالحجيّا جاءت «٦» مصغّرة كالثّريّا، والحديّا، ويشبه أن يكون ما حكاه أبو زيد من قولهم: حج

стр. 1214

حجيّاك، على القلب، تقديره: فع، وحذف اللام المقلوبة إلى موضع العين. وهذا يدلّ على أنّ الكلمة لامها واو. وكذلك النهى لا يخلو من أن يكون مصدرا كالهدى، أو جمعا كالظلم، وقوله تعالى «١»: لأولي النهى [طه/ ١٢٨] يقوّي أنّه جمع لإضافة الجمع إليه، وإن كان المصدر يجوز أن يكون مفردا في موضع الجمع «٢» وهو في المعنى ثبات وحبس. ومنه النهي والنهي والتنهية: للمكان «٣» الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لتسفّله، ويمنعه ارتفاع ما حوله من أن يسيح ويذهب على وجه الأرض. ووجه «٤» القراءة بالياء في قوله: وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا يعقلون أنه قد تقدّم ذكر الغيبة وهو قوله: للذين يتقون والمعنى: أفلا يعقل الذين يتّقون أنّ الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار [فيعملوا لما ينالون] «٥» به الدرجة الرفيعة [والنعم الدائمة] «٦» فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك. وفي الأعراف: وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا يعقلون [الآية/ ١٦٩] [أفلا

стр. 1215

يعقل] «١» هؤلاء الذين ارتكبوا المحارم في أخذ عرض هذا الأدنى، وأخذ مثله مع أنّهم «٢» أخذ الميثاق عليهم في كتابهم، ومعرفتهم له بدرسهم ما في كتابهم أن لا يقولوا على الله إلّا الحقّ، فلا «٣» يستحلوا ما حرّم عليهم من تناول أموال غيرهم المحظورة عليهم، وفي يوسف: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون [الآية/ ١٠٩]، محمول على الغيبة التي «٤» قبله في قوله: أفلم يسيروا في الأرض أي «٥»: أفلا يعقلون أنّ من تقدّمك من الرسل كانوا رجالا، ولم يكونوا ملائكة، فلا يقترحوا إنزال الملائكة في قولهم: وقالوا لولا أنزل عليه ملك [الأنعام/ ٨] وقولهم «٦»: لولا أنزل علينا الملائكة [الفرقان/ ٢١] وليعتبروا «٧» بما فيه عاقبة من كان قبلهم فيما نزل من ضروب العذاب «٨». ووجه القراءة في القصص بالتاء، أن قبله خطابا، وهو قوله تعالى «٩»: وما «١٠» أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون [القصص/ ٦٠] [أي أفلا

стр. 1216

تعقلون] «١» فتعملوا بما تستحقون به المنزلة في التي هي خير وأبقى، ولا تركنوا إلى العاجلة التي تفنى «٢» ولا تبقى. وقراءة نافع ذلك كلّه بالتاء، أنّه «٣» يصلح أن يوجّه الخطاب في ذلك كلّه «٤» إلى الذين خوطبوا بذلك، ويجوز أن يراد الغيب والمخاطبون، فيغلّب الخطاب، وهكذا وجه «٥» رواية حفص عن عاصم في قراءته ذلك كلّه بالتاء، وقراءته في يس* «٦» بالياء أفلا يعقلون [الآية/ ٦٨]. وجهه أن يحمله على أنّ فاعل يعقلون من تقدّم ذكره من الغيب في قوله: ومن نعمره ننكسه في الخلق [يس/ ٦٨] أفلا يعقل من نعمره أنّه يصير إلى حالة لا يقدر فيها. أن يعمل ما يعمله قبل الضعف للسن، فيقدّم قبل ذلك من القرب والأعمال الصالحة ما يرفع له، ويدّخر، ويجازى «٧» عليه الجزاء الأوفى.؟. ورواية أبي بكر بن عياش ذلك كلّه بالياء، إلّا قوله في يوسف أفلا تعقلون [الآية/ ١٠٩] أي: أفلا تعقلون أيها

стр. 1217

المخاطبون أن ذلك خير؟ أو على: قل لهم: أفلا تعقلون؟ وفي القصص أيضا بالتاء، فهذا لأنّ قبله خطابا، وقد تقدّم ذكر ذلك. وقراءة ابن عامر من ذلك واحدا بالياء، وسائر ذلك بالتاء، فوجه التاء قد ذكر. وأما وجه الياء في قوله: أفلا يعقلون فللغيبة التي قبل، وهو «١» قوله: ومن نعمره ننكسه في الخلق [يس/ ٦٨]، وجاء يعقلون على معنى من، لأنّ معناها الكثرة، وجاء في قوله: نعمره وننكسه على لفظ من*، ولو جاء على معناها لكان حسنا أيضا، ومثل ذلك في المعنى قوله «٢»: ومنكم من يرد إلى أرذل العمر [النحل/ ٧٠]، وقوله: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين [التين/ ٥]. وقراءة أبي عمرو في القصص بالياء والتاء وتخييره في ذلك، فوجه التاء أبين للخطاب الذي قبله، وهو قوله: وما أوتيتم .. أفلا تعقلون والياء على قوله: أفلا يعقل المميّزون ذلك؟ أراد: أفلا يعقل المخاطبون بذلك أنّ هذا هكذا. قال: وكلهم قرأ وللدار الآخرة [الأنعام/ ٣٢] بلامين ورفع الآخرة غير ابن عامر فإنّه قرأ: ولدار الآخرة بلام واحدة وخفض الآخرة «٣». الحجة لقراءتهم قوله: وإن الدار الآخرة لهي الحيوان

стр. 1218

[العنكبوت/ ٦٤]، وقوله: تلك الدار الآخرة [القصص/ ٨٣]، فالآخرة صفة للدار، وإذا كانت صفة لها «١» وجب أن يجرى عليها في الإعراب، ولا يضاف إليها. والدّليل على كونها صفة للدّار قوله: وللآخرة خير لك من الأولى [الضحى/ ٤] فقد علمت بإقامتها مقامها أنّها هي، وليس غيرها، فيستقيم أن يضاف إليها. ووجه قول ابن عامر أنّه لم يجعل الآخرة صفة للدار، ولكنّه أضاف الآخرة إلى الدار، فلا تكون الآخرة على هذا صفة للدار، لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنّه جعلها صفة للساعة، فكأنّه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة، كما وصف اليوم بالآخر في قوله: وارجوا اليوم الآخر [العنكبوت/ ٣٦] وحسن إضافة الدار إلى الآخرة ولم يقبح من حيث استقبحت «٢» إقامة الصفة مقام الموصوف لأنّ الآخرة صارت كالأبطح «٣» والأبرق «٤»، ألا ترى أنّه قد جاء: وللآخرة خير لك من الأولى؟ فاستعملت استعمال الأسماء، ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء «٥»، ومثل الآخرة في أنّها استعملت استعمال الأسماء قولهم: الدنيا لمّا استعملت استعمال الأسماء حسن أن لا تلحق لام

стр. 1219

التعريف في نحو قوله «١»: في سعي دنيا طال ما قد مدّت «٢» [الانعام: ٣٣] اختلفوا في التخفيف والتشديد من قوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك [الأنعام/ ٣٣]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم وابن عامر: فإنهم لا يكذبونك مشدّدة. وقرأ نافع والكسائيّ يكذبونك خفيفة «٣». يجوز أن يكون المعنى في من ثقّل فقال: يكذبونك: قلت له: كذبت، مثل: زنّيته وفسّقته، نسبته إلى الزّنا والفسق «٤»، وفعّلت في هذا المعنى قد جاء في غير شيء نحو: خطّأته أي «٥»، نسبته إلى الخطأ، وسقّيته، ورعّيته، قلت له: سقاك الله، ورعاك الله، وقد جاء في هذا المعنى «أفعلته» قالوا: أسقيته، قلت له: سقاك الله، قال «٦»: وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدا، وإن

стр. 1220

اختلف اللفظان، إلّا أنّ: فعّلت إذا أراد أن ينسبه إلى أمر أكثر من أفعلت. ويؤكّد أن القراءتين بمعنى، أنّهم قالوا: قلّلت وكثّرت، وأقللت وأكثرت بمعنى، حكاه سيبويه «١». ومعنى لا يكذبونك: لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما أخبرت به ممّا جاء في كتبهم. ويجوز لا يكذبونك لا يصادفونك كاذبا، كما تقول: أحمدته، إذا أصبته محمودا، لأنّهم يعرفونك بالصّدق والأمانة، ولذلك سمي الأمين قال أبو طالب «٢»: إنّ ابن آمنة الأمين محمّدا ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام/ ٣٣] أي يجحدون بألسنتهم ما يعلمونه يقينا لعنادهم، وما يؤثرونه من ترك الانقياد للحقّ، وقد قال في صفة قوم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل/ ١٤]، ويدلّ على أنّ يكذبونك في قول من خفّف [ينسبونك إلى الكذب] «٣» قول الشاعر «٤». فطائفة قد أكفرتني بحبّكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب

стр. 1221

أي: قد نسبتني إلى الكفر. قال أحمد بن يحيى: كان الكسائيّ يحكي عن العرب: أكذبت الرجل، إذا أخبرت أنّه «١» جاء بكذب، وكذّبته: إذا أخبرت أنّه كذّاب، فقوله: أكذبته: إذا أخبرت أنّه جاء بكذب كقولهم: أكفرته، إذا نسبوه إلى الكفر، وكذّبته: أخبرت أنّه كذاب، مثل: فسّقته، إذا أخبرت أنّه فاسق. قرأ نافع وحده: قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون [الأنعام/ ٣٣] بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ الباقون ليحزنك بفتح الياء وضمّ الزاي «٢». يقال: حزن يحزن حزنا وحزنا، قال: ولا تحزن عليهم [النمل/ ٧٠]، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة/ ٦٢]. قال سيبويه: قالوا: حزن الرجل وحزنته، قال: وزعم الخليل أنّك حيث قلت حزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا، كما أنّك حيث قلت: أدخلته، أردت جعلته داخلا، ولكنّك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا، كما قلت: كحلته «٣»، جعلت فيه كحلا. ودهنته، جعلت فيه دهنا، ولم ترد بفعلته هاهنا. تغيير قوله: حزن، ولو أردت ذلك لقلت: أحزنته. ومثل ذلك شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر

стр. 1222

الرجل، قلت: أشترت، كما تقول: فزع وأفزعته. انتهى كلام سيبويه «١». فعل وفعلته جاء في حروف، واستعمال «٢» حزنته أكثر من أحزنته، فإلى كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء. وقال: إني ليحزنني أن تذهبوا به [يوسف/ ١٣] وحجّة نافع: أنّه أراد تغيير حزن فنقله بالهمز. وقال الخليل: إذا أردت تغيير حزن قلت: أحزنته، فدلّ هذا من قوله على أنّ أحزنته مستعمل. وإن كان حزنته أكثر في الاستعمال. ويقوّي قوله: أنّ أبا زيد حكى في كتاب «خبأة»: أحزنني الأمر إحزانا وهو يحزنني، ضمّوا الياء. وقال سيبويه «٣»: قال بعض العرب: أفتنت الرجل، وأحزنته، وأرجعته، وأعورت عينه، أرادوا: جعلته حزينا وفاتنا، فغيّروا ذلك «٤» كما فعلوا ذلك بالباب الأوّل. [الانعام: ٤٠، ٤٦] واختلفوا «٥» في الهمز وتركه، وإثبات الألف من غير همز من قوله تعالى: أرأيتم [الأنعام/ ٤٦] وأ رأيتكم [الأنعام/ ٤٠]، وأ رأيت [الكهف/ ٦٣]. فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة:

стр. 1223

أرأيتم وأرأيتكم وأرأيت بألف «١» في كلّ القرآن بالهمز. وقرأ نافع: أرايتم، وأ رايتكم، وأ رايت بألف في كل القرآن من غير همز على مقدار ذوق الهمز. وقرأ الكسائيّ: أريتم، وأريتكم، وأريت، وأريتك «١» بغير همز ولا ألف «٣». [قال أبو علي] «٣» من قال: أرأيتم «٥» وأرأيتكم فهمز، وحقّق الهمز «٦» فوجه قوله بيّن، لأنّه فعلت من الرؤية، فالهمزة عين الفعل. وقوله: قرأ نافع بألف في كل القرآن من غير همز على مقدار ذوق الهمز، يريد: أن نافعا كان يجعل الهمزة بين بين، وقياسها إذا خفّفت أن تجعل بين بين، أي «٧» بين الهمزة والألف، فهذا التخفيف على قياس التحقيق. وأمّا قول الكسائي أريتم، وأريت فإنّه حذف الهمزة حذفا على غير التخفيف، ألا ترى أنّ التخفيف القياسيّ فيها أن تجعل بين بين، كما قرأ نافع؟ وهذا حذف للتخفيف، كما قالوا: ويلمّه، وكما أنشده أحمد بن يحيى «٨»:

стр. 1224

إن لم أقاتل فالبسوني برقعا وكقول «١» أبي الأسود «٢»: يا با المغيرة ربّ أمر معضل ولو كان ذلك كلّه على التخفيف القياسي، لكانت بين بين، ولم تحذف، وقد زعموا أنّ عيسى كذلك كان يقرؤها على الحذف. وممّا يقوّي ذلك من استعمالهم قول الشاعر: فمن «٣» را مثل معدان بن ليلى ... إذا ما النسع طال على المطيّة «٤» فهذا على أنّه قلب الهمزة ألفا كما قلبها في قوله «٥»: لا هناك المرتع فاجتمعت مع المنقلبة عن اللّام، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فهذا يقوّي قول عيسى والكسائي. وممّا جاء على ذلك قول الراجز «٦»:

стр. 1225

أريت إن جئت به أملودا ... مرجّلا ويلبس البرودا فأمّا القول في: أرأيتك زيدا ما فعل، وفتح التاء في جميع الأحوال، فالقول في ذلك أنّ الكاف في أرأيتك لا يخلو من أن يكون للخطاب مجردا، ومعنى الاسم مخلوع منه «١»، [أو يكون دالا عليه مع دلالته] «٢» على الخطاب فالدّليل على أنّه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنّه لو «٣» كان اسما لوجب «٤» أن يكون

стр. 1226

الاسم الذي «١» بعده في نحو قوله: أرأيتك هذا الذي كرمت علي [الإسراء/ ٦٢] وقولهم: أرأيتك زيدا ما صنع؟ لو كان الكاف اسما ولم يكن حرفا للخطاب لوجب أن يكون الاسم الذي بعده الكاف الكاف «٢» في المعنى، ألا ترى أنّ أرأيت «٣»: يتعدّى إلى مفعولين يكون الأوّل منهما هو الثاني في المعنى وفي كون المفعول الذي بعده ليس الكاف، وإنّما هو غيره دلالة على أنّه ليس باسم، وإذا لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أنّ الكاف في «ذلك- وهنالك- وأبصرك زيدا» للخطاب، وكما أنّ التاء في أنت، كذلك، فإذا ثبت أنّه للخطاب معرّى من معنى الاسميّة «٤» ثبت أنّ التاء لا يجوز أن يكون فيه معنى «٥» الخطاب، ألا ترى أنّه لا ينبغي أن تلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا تلحقها علامتان للتأنيث، ولا علامتان للاستفهام فلما لم يجز «٦» ذلك، أفردت التاء في جميع الأحوال، لمّا كان الفعل لا بدّ له من فاعل، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد، لأنّ ما يلحق الكاف من «٧» معنى الخطاب يبيّن الفاعلين، فيخصّص التأنيث من التذكير، والتثنية من الجمع، ولو لحقت

стр. 1227

علامة التأنيث والجمع التاء، لاجتمعت «١» علامتان للخطاب مما «٢» يلحق التاء وما يلحق الكاف، فلمّا كان ذلك يؤدّي إلى ما لا نظير له، رفض، وأجري على ما عليه سائر كلامهم من هذا النحو. وكلّهم قرأ: به، انظر [الأنعام/ ٤٦] «٣» بكسر الهاء إلّا أنّ ابن المسيبي روى عن أبيه عن نافع به انظر برفع «٤» الهاء، وكذلك أبو قرّة عن نافع أيضا، ولم يروه عن نافع غيرهما «٥». من قال: به انظر حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو: بهي عيب، لالتقاء الساكنين: وهما «٦» الياء والفاء من انظر. ومن قال: به انظر فهو على قول من قال: فخسفنا بهو وبدار هو [القصص/ ٨١] فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف الياء من «٧» بهي لذلك فصار به انظر، وممّا يحسّن هذا الوجه أنّ الضّمّة فيه مثل الضمة في أن اقتلوا [النساء/ ٦٦] أو انقص [المزمل/ ٣] ونحو ذلك. فأمّا قوله: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم، وختم على قلوبكم [الأنعام/ ٤٦] ثمّ قال: يأتيكم به [الأنعام/ ٤٦] فقال أبو الحسن: هو على السمع أو على ما أخذ منكم.

стр. 1228

[الانعام: ٥٤] اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله [جلّ وعزّ]: «١» إنه من عمل ... فإنه غفور رحيم [الأنعام/ ٥٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ: إنه من عمل فإنه غفور رحيم مكسورة «٢» الألف فيهما. وقرأ عاصم وابن عامر أنه من عمل فإنه بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع الرحمة أنه [الأنعام/ ٥٤] بفتح الألف فإنه غفور رحيم كسرا «٣». من كسر فقال: الرحمة إنه من عمل منكم جعله تفسيرا للرّحمة، كما أنّ قوله: لهم مغفرة وأجر عظيم [المائدة/ ٩] تفسير للوعد. فأمّا كسر إنّ من «٤» قوله: فإنه غفور رحيم فلأنّ ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثمّ حمل «٥» قوله: ومن عاد فينتقم الله منه [المائدة/ ٩٥] على إرادة المبتدأ بعد الفاء، وحذفه. وأمّا من فتح أنّ في قوله: أنه فإنّه جعل أن* الأولى بدلا من الرّحمة، كأنّه: كتب ربّكم على نفسه أنّه من عمل منكم.

стр. 1229

وأمّا فتحها بعد الفاء من قوله: «١» فأنه غفور رحيم [الأنعام/ ٥٤]، فعلى أنّه أضمر له خبرا تقديره: فله أنّه غفور رحيم، أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أنّ خبره، كأنّه، فأمره أنّه غفور رحيم. وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قول من فتح: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم [التوبة/ ٦٣] تقديره: فله أنّ له نار جهنّم، إلّا أنّ إضماره هنا «٢» أحسن لأنّ ذكره قد جرى في صلة أن ... ، وإن شئت قدّرت، فأمره أنّ له نار جهنّم، فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر. ومثل البدل في هذا قوله: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم [الأنفال/ ٧] المعنى: وإذ يعدكم الله كون إحدى الطائفتين، مثل قوله: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [الكهف/ ٦٣]. ومن ذهب في هذه الآية إلى أنّ أنّ «٣» التي بعد الفاء تكرير من الأولى لم يستقم قوله وذلك أنّ من ... لا تخلو من أن تكون للجزاء الجازم الذي اللفظ عليه، أو تكون موصولة، ولا «٤» يجوز أن يقدّر التكرير مع الموصولة، ولو كانت موصولة لبقي المبتدأ بلا خبر. ولا يجوز ذلك في الجزاء الجازم، لأنّ الشرط يبقى بلا جزاء، فإذا لم يجز ذلك، ثبت أنّه على ما ذكرنا، على أنّ ثبات الفاء في قوله: فأن له، يمنع من أن يكون بدلا، ألا ترى أنّه لا يكون بين البدل

стр. 1230

والمبدل منه الفاء العاطفة، ولا التي للجزاء؟ فإن قلت: إنّها زائدة، بقي الشرط بلا جزاء، فلا يجوز إذا تقدير زيادتها هنا «١»، وإن جاءت زائدة في غير هذا الموضع. وأمّا قراءة نافع كتب أنه ... فإنه! فالقول فيها أنّه أبدل من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء. قال سيبويه «٢»: بلغنا أنّ الأعرج قرأ: أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ... فإنه غفور رحيم [الأنعام/ ٥٤] قال: ونظيره البيت الذي أنشدتك «٣» يعني بالبيت الذي أنشده «٤»: قول ابن مقبل «٥». وعلمي بأسدام المياه فلم تزل ... قلائص تخدى في طريق طلائح وأنّي إذا ملّت ركابي مناخها ... فإنّي على حظّي من الأمر جامح يريد أنّ قوله: وأني إذا ملّت ركابي محمول على ما قبله،
следующие страницы →