فأما قوله سبحانه «١»: لقضي إليهم أجلهم [يونس/ ١١] وما يتعلّق به هذا الجارّ، فإنه لمّا كان معنى قضى: فرغ، وكان قولهم: فرغ، قد يتعدّى بهذا الحرف في قوله «٢»:
ألان فقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين صرت لهم عذابا
وفي التنزيل: سنفرغ لكم أيها الثقلان [الرحمن/ ٣١] أمكن «٣» أن يكون الفعل يتعدى «٤» باللام كما تعدى بإلى، كما أن أوحى في قوله: وأوحينا إليه [يوسف/ ١٥] قد تعدى بإلى «٥»، واللام في قوله: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة/ ٥]، فلمّا كان معنى قضي فرغ، وفرغ تعلّق بها إلى، كذلك تعلّق بقضى «٦».
ووجه قراءة ابن عامر: لقضى إليهم أجلهم على إسناد الفعل إلى الفاعل؛ فلأن الذكر قد تقدم في قوله ولو يعجل
стр. 1612
الله للناس الشر [يونس/ ١٠]. فقال: لقضى* على هذا، ومن حجّته في ذلك قوله سبحانه «١»: ثم قضى أجلا، وأجل مسمى عنده [الأنعام/ ٢]، فهذا الأجل الذي في هذه الآية هو الأجل المضروب للمحيا، كما أن الأجل في قوله: لقضى إليهم أجلهم كذلك «٢».
فكما أسند الفعل بالأجل «٣» المضروب للحياة إلى الفاعل في قوله: ثم قضى أجلا عند الجميع؛ كذلك أسنده ابن عامر في قوله: لقضى إليهم أجلهم إلى الفاعل، ولم يسنده إلى الفعل المبنيّ للمفعول، ويدلّ على أنّ الأجل في قوله ثم قضى أجلا أجل المحيا، وأن قوله «٤»: وأجل مسمى عنده أجل البعث، يبين ذلك قوله: ثم أنتم تمترون [الأنعام/ ٢]، أي: أنتم أيها المشركون تشكّون في البعث، فلا تصدّقون به، وقوله: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده [الأنعام/ ٢] في المعنى كقوله: فأحياكم ثم يميتكم [الحج/ ٦٦].
ومن قرأ لقضي فبنى الفعل للمفعول به «٥»، فلأنّه في المعنى كقول «٦» من بنى الفعل للفاعل.
стр. 1613
[يونس: ٥]
قال: وقرأ ابن كثير وحده «١»: ضئاء والقمر نورا [يونس/ ٥] بهمزتين في كلّ القرآن، الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قرأت على قنبل، وهو غلط.
وقرأ الباقون بهمزة واحدة في كلّ القرآن.
وكان أصحاب البزّي، وابن فليح ينكرون هذا، ويقرءون مثل قراءة الناس ضياء.
وأخبرني الخزاعيّ عن عبد الوهاب بن فليح عن أصحابه عن ابن كثير: ضياء بهمزة بعد الألف في كلّ القرآن، ولا يعرفون الأخرى «٢».
قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط، وسياط وحوض، وحياض، أو مصدر ضاء يضوء ضياء، كقولك: عاذ عياذا، وقام قياما وعاد عيادة «٣» وعلى أيّ الوجهين حملته، فالمضاف محذوف.
المعنى: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور.
أو يكون: جعلا «٤» النور والضياء لكثرة ذلك منهما.
فأمّا الهمزة في موضع العين من ضياء، فيكون على القلب، كأنه قدّم اللام التي هي همزة إلى موضع العين،
стр. 1614
وأخّرت «١» العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة، انقلبت همزة، كما انقلبت في: شقاء وغلاء. وهذا إذا قدّرته جمعا كان أسوغ، ألا ترى أنهم قالوا:
قوس وقسيّ، فصحّحوا الواحد، وقلبوا في الجميع.
وإذا قدّرته مصدرا كان أبعد، لأن المصدر يجري على فعله في الصحّة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال، فإذا لم يكن في الفعل لم ينبغ أن يكون في المصدر أيضا، ألا
ترى أنّهم قالوا «٢»: لاوذ لواذا، وبايع بياعا، فصحّحوهما في المصدر لصحتهما في الفعل، وقالوا: قام قياما؛ فأعلّوه ونحوه لاعتلاله في الفعل.
[يونس: ١٦]
اختلفوا في فتح الراء وكسرها من قوله جل وعز «٣»:
ولا أدراكم به [يونس/ ١٦].
فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ونافع ولا أدراكم به بفتح الراء، والألف.
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «٤» وحمزة والكسائي: ولا أدريكم به بكسر الراء وبألف «٥».
قال أبو علي قوله «٦»: ولا أدراكم به حكى سيبويه:
стр. 1615
دريته، ودريت به، قال: والأكثر في الاستعمال بالباء، ويبيّن ما قاله من ذلك قوله سبحانه «١»: ولا أدراكم به، ولو جاء «٢» على اللغة الأخرى لكان: ولا أدراكموه، وقالوا: الدّرية، فجاء على فعلة، كما قالوا: الشّعرة، والدّرية، والفطنة، وهي مصادر يراد بها ضروب من العلم.
وجاء هذا البناء في غير هذا النحو كقولهم: الردّة قال:
قليل ردّتي إلا أمامي «٣» فأمّا الدراية فكالهداية والدّلالة، وكأن الدراية التأنّي والتعمّل لعلم الشيء، وعلى هذا المعنى ما تصرّف «٤»، ومن هذه الكلمة أنشد أبو زيد:
فإنّ غزالك الذي كنت تدّري ... إذا شئت ليث خادر بين أشبل
«٥» قال أبو زيد: تدّري: تختل «٦»، ومنه الدّريّة في قول أكثر الناس في الحجل الذي يستتر به الصائد من الوحش، كأنه يختل به، فيأتي الوحش من حيث لا تعلم.
وقالوا: داريت الرجل: إذا لا ينته وختلته.
стр. 1616
وإذا كان هذا الحرف على هذا، فالداري في وصف القديم لا يسوغ، فأما قول الراجز «١»:
لا همّ لا أدري وأنت الداري فلا يكون حجة في جواز ذلك لأمرين: أحدهما: أنه لما تقدم لا أدري، استجاز أن يذكر الداري بعد ما «٢» تقدم لا أدري، كما جاء: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه [البقرة/ ١٩٤] ونحو ذلك، ولو لم يتقدم ذكر الاعتداء، لم يحسن في الابتداء الأمر بالاعتداء، وكذلك إن تسخروا منا، فإنا نسخر منكم [هود/ ٣٨]، وقوله سبحانه «٣»: إنما نحن مستهزئون، الله يستهزىء بهم [البقرة/ ١٤].
والأمر الآخر: أن العرب «٤» ربّما ذكروا أشياء لا مساغ لجوازها كقوله «٥»:
لا همّ إن كنت الذي بعهدي ... ولم تغيّرك الأمور بعدي
وقول الآخر «٦»:
لو خافك الله عليه حرّمه
стр. 1617
فأمّا الهمز «١» في أدراكم على ما يروى عن الحسن، فلا وجه له لأن الدّرء الدفع، على ما جاء في قوله سبحانه «٢»:
فادرؤوا عن أنفسكم الموت [آل عمران/ ١٦٨]، وقوله:
فادارأتم فيها [البقرة/ ٧٢]، وما
روي من قوله ﵌: «ادرءوا الحدود بالشّبهات «٣»».
وقولهم لما طعن «٤» من الجبل فاندفع عن سائر الصفيحة: درء ودروء «٥»، وقال:
وترمي دروء دونه بالأجادل «٦» فأما ما حكي من الهمز في الدّريئة للجمل الذي يختل به الوحش، فمن همز جعله من صفة يليق وصفه بها، وقال «٧»:
إنه يدفع به نحو الوحش، ولا يستقيم هذا المعنى في الآية.
стр. 1618
فأمّا إمالة الفتحة من الراء في أدراكم به وإمالة الألف عنها، فلأن الألف تنقلب إلى الياء في أدريته، وهما مدريان، وأمّا من لم يمل؛ فلأنّ هذه الألفات كثير من العرب لا يميلونها، وهو الأصل، وعليه ناس كثير من العرب الفصحاء.
[يونس: ١٨]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله سبحانه «١»: عما يشركون [يونس/ ١٨] في خمسة مواضع:
فقرأ ابن كثير ونافع هاهنا بالياء، وحرفين في النحل [الآية/ ١ - ٣] وحرفا في سورة «٢» الروم، [الآية/ ٤٠]، وحرفا في النمل بالتاء، خير أما تشركون [٥٩].
وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر خمسة «٣» الأحرف بالياء، كذا في كتابي عن أحمد بن يوسف التغلبيّ عن ابن ذكوان عن ابن عامر: خمسة «٣» الأحرف بالياء، ورأيت في كتاب موسى بن موسى عن ابن ذكوان بإسناده في سورة النمل بالتاء، وكذلك حدثني أحمد بن محمد بن بكر عن هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر: خمسة «٣» الأحرف بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي: خمسة الأحرف بالتاء.
ولم يختلفوا في غير هذه الخمسة «٦».
قال أبو علي: من قرأ في يونس: وتعالى عما تشركون
стр. 1619
بالتاء، فلقوله: قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما تشركون.
ومن قرأ بالياء احتمل وجهين:
أحدهما على: قل، كأنه قيل له «١»: قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون.
والوجه الآخر: على أنه «٢» يكون هو سبحانه نزّه نفسه عما افتروه فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون.
ومن قرأ في النّحل: سبحانه وتعالى عما تشركون [الآية/ ١]، فعلى أن النبي ﵌، أمر بأن يخاطبهم بذلك كأنّه:
قل لهم: تعالى عمّا تشركون.
ومن قرأ هذا بالياء، فعلى أنه نزّه نفسه فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون، وفي النمل: من قرأ آلله خير أم ما تشركون [٥٩] فهو على «٣»: قل لهم: آلله خير أم ما تشركون؟ فهذا بالتاء لأنهم مخاطبون. ومن قرأ بالياء لم يصرف الخطاب إليهم، فقيل: آلله خير أم ما يشركون على وجه التبكيت والتقريع لهم، كما قالوا. السعادة أحبّ إليك أم الشقاء!؟ وعلى هذا النحو يحمل هذا الضرب.
[يونس: ٢٢]
اختلفوا في قوله [ ] «٤»: هو الذي يسيركم في
стр. 1620
البر والبحر [يونس/ ٢٢]، فقرأ ابن عامر وحده: هو الذي ينشركم بالنون والشين، من النّشر.
وقرأ الباقون: يسيركم بضم الياء وفتح السين من السّير «١».
قال أبو علي: قالوا: سار الدابّة، وسرته. قال «٢»:
فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها وقالوا أيضا: سيّرته .. قال لبيد «٣» لسيّان «٤» حرب أو تبوءوا «٥»
بخزية ... وقد يقبل الضّيم الذّليل المسيّر
فهذا يدل على قراءة من قرأ: يسيركم. ويقوي هذا الوجه قوله : فامشوا في مناكبها [الملك/ ١٥]، وانتشروا في الأرض [الجمعة/ ١٠] قل سيروا في الأرض [الأنعام/ ١١ النمل/ ٦٩ العنكبوت/ ٢٠ الروم/ ٤٢].
стр. 1621
وحجة ابن عامر: أنّ ينشركم في المعنى مثل قوله:
وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [النساء/ ١]، ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة [الشورى/ ٢٩]، فالبثّ تفريق ونشر في المعنى.
[يونس: ٢٣]
قال: كلّهم قرأ: إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا [يونس/ ٢٣] رفعا إلّا ما رواه حفص «١» عن عاصم فإنّه روى عنه متاع الحياة الدنيا نصبا، حدّثني عبيد الله بن علي عن [نصر بن علي] «٢» عن أبيه عن هارون عن ابن كثير متاع نصبا «٣».
قال أبو علي: قوله على أنفسكم يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون متعلّقا بالمصدر لأن فعله متعدّ «٤» بهذا الحرف، يدلّك على ذلك قوله سبحانه «٥»: بغى بعضنا على بعض [ص/ ٢٢] وثم بغي عليه لينصرنه الله [الحج/ ٦٠]، فإذا جعلت الجارّ من صلة المصدر كان الخبر:
متاع الحياة الدنيا*، والمعنى: بغي بعضكم على بعض متاع الحياة «٦» الدنيا، وليس مما يقرّب إلى الله، وإنما تأتونه لحبّكم العاجلة، وإيثارها على ما يقرّب إلى الله من الطاعات.
стр. 1622
ويجوز أن تجعل على* متعلقا بمحذوف، ولا تجعله من صلة المصدر؛ فإذا جعلته كذلك كان خبرا للمصدر، وفيه ذكر يعود إلى المصدر، كما أنك إذا قلت: الصلاة في المسجد، كان كذلك، والمعنى: أن المصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعول المصدر محذوف، المعنى: إنّما بغي بعضكم على بعض عائد على أنفسكم، ف «على» هذا متعلّق بمحذوف دون المصدر المبتدأ، وهذا في المعنى كقوله: ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله [فاطر/ ٤٣]، من نكث فإنما ينكث على نفسه [الفتح/ ١٠]، وفي قوله سبحانه «١» ثم بغي عليه لينصرنه الله [الحج/ ٦٠] إبانة عن هذا المعنى، ألا ترى أن المبغيّ عليه إذا نصره الله لم ينفذ فيه بغي الباغي عليه ولا كيده، فإذا لم ينفذ ذلك فيه صار كالعائد على الباغي.
فإذا «٢» رفعت متاع الحياة الدنيا* على هذا التأويل، كان خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت:
ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا.
ومن نصب متاع الحياة الدنيا احتمل النصب فيه وجهين: أحدهما: أن تجعل على* من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ محذوفا، وحسن حذفه لطول الكلام، ولأن بغيكم* يدلّ على تبغون، فيحسن الحذف لذلك، وهذا الخبر المقدّر، لو أظهرته
стр. 1623
لكان يكون مذموم أو مكروه أو منهيّ عنه، أو نحو «١» ذلك.
والآخر: أن تجعل على* من قوله: على أنفسكم خبر المبتدأ، فإذا جعلته على هذا احتمل نصب متاع وجهين:
أحدهما: تمتّعون متاعا، فيدلّ انتصاب المصدر عليه.
والآخر: أن تضمر تبغون، وما يجري «٢» مجرى ذكره قد تقدم، كأنه لو أظهره، لكان: تبغون متاع الحياة الدنيا، فيكون مفعولا له. ومثل هذا قوله تعالى «٣»: إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون [الشعراء/ ٧٢] تقديره: مقتكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، ألا ترى أن قوله: إذ تدعون لا يجوز أن يتعلّق بالمصدر للفصل بين الصلة والموصول، فكذلك لا يجوز أن أن يتعلّق المنصوب بالمصدر في قوله: إنما بغيكم على أنفسكم متاع وقد جعلت على* خبرا لقوله: إنما بغيكم على أنفسكم لفصلك بين الصّلة والموصول.
[يونس: ٢٧]
اختلفوا في فتح الطاء وإسكانها من قوله [جل وعز] «٤»:
قطعا من الليل [يونس/ ٢٧].
فقرأ ابن كثير والكسائيّ: قطعا ساكنة الطاء، وقرأ الباقون: قطعا مفتوحة الطاء «٥».
стр. 1624
قال «١» أبو عبيدة: قطعا من الليل مظلما جماعة قطعة «٢» من الليل، وهو بعض الليل، وأتيته بقطع: أي بساعة من الليل، وقطع وأقطاع «٣».
قال أبو علي: القطع: الجزء من الليل الذي فيه ظلمة يدلّ على ذلك قوله تعالى «٤»: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل [الصافات/ ١٣٨]، فقوله: وبالليل خلاف الإصباح الذي هو الوضح، فقوله «٥»: وبالليل يراد به الظلمة، والمعنيان في اللفظتين يتقاربان، وإن اختلفا، وذلك أن المراد وصف وجوههم بالسواد، كقوله سبحانه «٦»: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة [الزمر/ ٦٠]. وقيل في قوله: يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام [الرحمن/ ٤١]: إنه سواد الوجوه، وزرقة الأعين في قوله: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا [طه/ ١٠٢]، فإذا أغشيت وجوههم قطعا من اللّيل اسودّت وجوههم منه، كما أنها إذا أغشيت قطعا- التي هي جمع قطعة- اسودّت منها.
فأما قوله سبحانه «٧»: مظلما إذا أجريته على قطع
стр. 1625
فيحتمل نصبه وجهين: أحدهما: أن يكون صفة للقطع، وهو أحسن، لأنه على قياس قوله: وهذا كتاب أنزلناه مبارك [الأنعام/ ٩٢ - ١٥٥] وصف الكتاب بالمفرد بعد ما وصف بالجملة «١»، وأجري على النّكرة. ويجوز أن تجعله حالا من الذّكر الذي في الظّرف في قوله: من الليل، ولكن يكون مظلما صفة للقطع، ولا يكون حالا من الذكر الذي في الظرف.
ومن قرأ: قطعا لم يكن مظلما صفة للقطع، ولا حالا من الذكر الذي في قوله: من الليل، ولكن يكون حالا من الليل، والعامل في الحال ما يتعلق به من الليل وهو الفعل المختزل.
ومثل ذلك في إرادة الوصف بالسواد قوله «٢»:
ألا طرقت ليلى بنيّان بعد ما ... طلى الليل بيدا، فاستوت، وإكاما
أي: اسودّت لظلمة الليل، وقال الآخر «٣»:
стр. 1626
ودوّيّة مثل السّماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد
أي: سوّدتها الظلمة.
[يونس: ٣٠]
اختلفوا في التاء والباء من قوله [جلّ وعزّ] «١»: هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت [يونس/ ٣٠].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
تبلو بالباء.
وقرأ حمزة والكسائي: تتلو بالتاء «٢».
قال أبو علي: أمّا من قال: تبلو فمعناه: تختبر من قوله سبحانه «٣»: وبلوناهم بالحسنات والسيئات [الأعراف/ ١٦٨] أي: اختبرناهم، ومنه قولهم: البلاء ثم الثناء. أي:
الاختبار للمثني عليه، ينبغي أن يكون قبل الثناء، ليكون الثناء عن علم بما يوجبه. ومعنى اختبارها ما أسلفت: أنّه إن قدّم خيرا أو شرا جوزي عليه، كما قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة/ ٧ - ٨]، وقوله «٤»: من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها [فصلت/ ٤٦] ونحوها من الآية التي تدلّ على هذا المعنى.
ومن قال: تتلو فإنّه يكون من التلاوة التي هي القراءة،
стр. 1627
ودليله قوله: أولئك يقرؤون كتابهم [الإسراء/ ٧١]، وقوله:
إقرأ كتابك [الإسراء/ ١٤]، وقوله: ورسلنا لديهم يكتبون [الزخرف/ ٨٠]، وقوله: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف/ ٤٩]، فإنّما يتلون ذكر ما كانوا قدّموه من صالح أعمالهم وسيّئها مما أحصاه الله ونسوه، فيكون: تتلو: تتبع. من قولهم: تلا بعد الفريضة: إذا أتبعها النفل.
قال «١»:
على ظهر عاديّ كأنّ أرومه ... رجال يتلوّن الصّلاة قيام
فيكون المعنى في «٢»: تتلو كل نفس: تتبع كلّ نفس ما أسلفت من حسنة وسيّئة، فمن أحسن جوزي بالحسنات، ومن أساء جوزي به، فيكون على هذا في المعنى كمن قرأ:
تبلو بالباء.
[يونس: ٣٣]
اختلفوا في قوله سبحانه «٣»: [حقت كلمة ربك [يونس/ ٣٣] في الجمع والتوحيد.
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائيّ:
стр. 1628
حقت كلمة ربك واحدة وفي آخر السورة [٩٦] كذلك.
وقرأ نافع وابن عامر: الحرفين كلمات* جماعة «١».
قال أبو علي: من قرأ: كلمة ربك على الإفراد احتمل وجهين: يجوز أن يكون جعل ما أوعد به الفاسقون كلمة، وإن كانت في الحقيقة كلما، لأنّهم قد يسمّون القصيدة والخطبة كلمة، وكذلك سمّي ما توعّد به الفاسقون من نحو قوله سبحانه «٢»: وأما الذين فسقوا فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم [الحج/ ٢٢] كلمة، كما أنّ قوله:
وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [الأعراف/ ١٣٧] يعني به «٣»: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض إلى قوله: يحذرون [القصص/ ٥] كلمة.
ويجوز أن يكون كلمة ربك التي يراد به «٤» الجنس، وقد أوقعت على بعض الجنس، كما أوقع الجنس على بعضه في قوله سبحانه «٥»: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل [الصافات/ ١٣٨]، وقول «٦» بعض الهذليين «٧»:
стр. 1629
ببطن شريان يعوي عنده الذيب فأما من جمع فقال: كلمات ربك على الذين فسقوا فإنه جعل الكلم التي توعّدوا بها كلّ كلمة منها «١» كلمة، ثم جمع فقال: كلمات، وكلاهما وجه. فأما قوله سبحانه «٢» وكلمة الله هي العليا [التوبة/ ٤٠]، فيجوز أن يعنى بها نحو قوله: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة/ ٢١]، كما فسّر قوله:
وألزمهم كلمة التقوى [الفتح/ ٢٦] أنه: لا إله إلا الله، أخبرنا يوسف بن يعقوب بإسناد ذكره عن مجاهد [بهذا التأويل] «٣».
[يونس: ٣٥]
اختلفوا في قوله سبحانه «٤»: أم من لا يهدي [يونس/ ٣٥].
فقرأ ابن كثير وابن عامر: يهدي* مفتوحة الياء والهاء، مشدّدة الدال.
وقرأ نافع وأبو عمرو: يهدي* بإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يشمّ الهاء شيئا من الفتح،
стр. 1630
وروى ورش عن نافع: يهدي* بفتح الهاء مثل ابن كثير.
وقرأ حمزة والكسائي: يهدي* ساكنة الهاء خفيفة الدال.
وقرأ عاصم في رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم: يهدي* مكسورة الياء والهاء، مشدّدة الدال.
وروى حفص عن عاصم والكسائي عن أبي بكر عنه، وحسين عن أبي بكر عنه «١»: يهدي* بفتح الياء وكسر الهاء «٢».
قال أبو علي: من قرأ: لا يهدي* فقد نسبهم إلى غاية الذهاب عن الحقّ والزّيغ عنه في معادلتهم الآلهة بالقديم سبحانه، ألا ترى أن المعنى: أفمن يهدي غيره إلى طريق التوحيد والحقّ أحقّ أن يتّبع، أم من لا يهتدي هو، إلّا أن يهدى؟ والمعنى: أفمن يهدي غيره، فحذف المفعول الثابت في نحو قوله: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [البقرة/ ٢١٣].
فإن قلت: إن هذه التي اتخذوها لا تهتدي، وإن هديت، لأنّها موات من حجارة وأوثان ونحو ذلك.
قيل: إنّه كذلك، ولكنّ الكلام نزّل على أنّها إن هديت اهتدت، وإن لم تكن في الحقيقة كذلك، لأنهم لما اتخذوها آلهة عبّر عنها كما يعبّر عن الذي تجب له العبادة، ألا ترى أنه من قال: ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا
стр. 1631
يستطيعون [النحل/ ٧٣]، وكما قال: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم [الأعراف/ ١٩٤].
وإنّما هي موات، ألا ترى أنّه قال: فادعوهم فليستجيبوا لكم ألهم أرجل يمشون بها .. [الأعراف/ ١٩٤ - ١٩٥].
وكذلك قوله: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم [فاطر/ ١٤] فأجري عليها «١» اللفظ بحسب «٢»
ما أجري على من يعلم فإلا ... على هذا بمنزلة
حتى، كأنه قال «٣»: أم من لا يهتدي حتّى يهدى، أي «٤»: أم من لا يعلم حتى يعلّم، ومن لا يستدلّ على شيء حتى يدلّ عليه، وإن كان لو دلّ أو أعلم لم يعلم ولم يستدلّ.
وقراءة حمزة والكسائي: أم من لا يهدي فإن المعنى فيه: أم من لا يهدي غيره، لكن «٥» يهدى، أي: لا يعلم شيئا ولا يعرفه، لكن «٥» يهدى، أي: لا هداية له، ولو هدي أيضا لم
يهتد، إلا أن اللفظ جرى عليه، كما ذكرناه فيما تقدم.
فأمّا يهدّي ويهدّي ويهدي وتهدي، فمعانيها كلها: يفتعل، وإن اختلفت ألفاظها، فالجميع أدغموا التاء في الدال لمقاربتها لها. ألا ترى أن التاء والدال والطاء من حيّز واحد. واختلفوا
стр. 1632
في تحريك الهاء، فمن قال: يهدي* ألقى حركة الحرف المدغم وهي الفتحة على الهاء، كما ألقاها على ما قبل المدغم في: معدّ وممدّ، وفي عدّ وفرّ وعضّ، ألا ترى أن الفاءات متحركة بحركة العينات، وكذلك يهدي*، لأنها في كلمة كما أن ممدّ ونحوه في كلمة، فمن «١» قال: يهدي فحرّك الهاء بالكسر، فلأن الكلمة عنده أشبهت «٢» المنفصلة، نحو: ضربّ بكر، فإذا أشبهت «٣» المنفصلة، بدلالة الإظهار في نحو: اقتتلوا، لم تلق الحركة على ما قبل المدغم، كما أن المنفصل من نحو: قرم مالك «٤»، واسم موسى، لا يلقى على الساكن منه حركة المدغم، فلمّا لم يجز إلقاء الحركة على الساكن ترك الهاء «٥» على سكونها، فالتقت مع الحرف المدغم وهما ساكنان فحرّك الأول من الساكنين بالكسر لالتقاء الساكنين.
فإن قلت: فقد قالوا: عبشمس، فألقوا حركة المدغم في المنفصل على الأول منهما، وأجري المنفصل مجرى المتصل.
فذلك إنّما جاء في هذا الحرف وحده، ولم يعلم «٦» غيره، وشذّ ذلك، لأن الأعلام قد جاء فيها، وجاز ما لم يجز
стр. 1633
في غيرها، ولم يجيء، ألا ترى أن فيها «١» مثل: موهب، ومورق وتهلل وحيوة، فكذلك «٢» جاء هذا في عبشمس.
ويدلّك على أن إلقاء الحركة ليس بأصل في هذا الباب تحريكهم الساكن فيه بالضم، وإتباعهم الحرف الساكن «٣» ما قبله من الحركة، وذلك ما حكاه عن الخليل وهارون أنّ ناسا من العرب يقولون: مردفين «٤» [الأنعام/ ٩]، ولست تجد هذا في ممدّ ونحوه.
فأمّا من قال: يهدي* بسكون الهاء، فقد قلنا في الجواز في جمع الساكنين في هذا النحو فيما تقدم «٥»، ويقوّيه ما أنشده من قوله «٦»:
ومسحيّ مرّ عقاب كاسر وأمّا من أشمّ في هذا ولم يسكن، فالإشمام في حكم التحريك.
стр. 1634
وأمّا من قال: يهدي بكسر الياء، فإنه يفتعل وأتبع الياء ما بعدها من الكسر.
فإن قلت: إنّ الياء التي للمضارعة لا تكسر، ألا ترى أن من قال: تعلم، لم يقل: يعلم.
قيل: لم تكسر الياء في يهدّي من حيث كسرت النون من نعلم والتاء في تعلم «١»، ولا كما كسرت حروف المضارعة فيما لحقت أوله همزة الوصل، ولا ما كان ينبغي أن تلحقه همزة الوصل نحو: تتغافل، ولكن لمعنى آخر، كما لم تكسر الياء في ييجل من حيث كسرت التاء في تعلم، ولو كسرت في ييجل من حيث كسرت النون في نعلم، لم تكسر في ييجل لأن من يقول نعلم: لا يقول: يعلم، ولكن كسرت الياء من «٢» ييجل، لتنقلب الواو ياء، فكذلك كسرت في قوله: يهدي للإتباع، لا من حيث كسر: أنت تهتدي، وأنت تعلم، كما كسرت في ييجل لتنقلب الواو إلى الياء.
وقد كسروا الياء في ييبا، فقالوا: أنت تيبا وهو ييبا، فحرّكوا «٣» بالكسر، والحركة في أنت تيبا، والكسرة فيه من حيث كسر أنت تعلم، وذلك أنّ المضارع لمّا كان على وزن يفعل نزّل الماضي كأنّه على فعل، فقالوا: أنت تيبا، كما قالوا:
стр. 1635
أنت تعلم وكما «١» قالوا: هما يشأيان بالياء، وهو من الشأو «٢»، لمّا كان المضارع على يفعل، نزّل الماضي كأنّه على فعل، وإذا كان على فعل لزم انقلاب الواو التي هي لام إلى الياء، فجاء المضارع بالياء في يشأيان على هذا التنزيل، كما جاء تيبا، على أن الماضي منه على فعل، وكسرت الياء في ييبا كما كسرت الحروف الأخر التي للمضارعة على وجه الشذوذ، وإن «٣» لم يكسروا الياء في غير هذا الحرف، ففي هذا بعض الإيناس بقول من قال: يهدي فكسر الياء، وإن كانت جهتا إيجاب الكسر فيهما مختلفتين.
[يونس: ٥١]
قال: كلّهم قرأ: فليفرحوا، هو خير مما يجمعون [يونس/ ٥٨] بالياء، غير ابن عامر فإنّه قرأ: خير مما تجمعون بالتاء.
ولم يذكر عنه في: فليفرحوا شيء، هذه رواية ابن ذكوان وهشام جميعا «٤».
وقال غير أحمد بن موسى: قراءة ابن عامر: فبذلك فليفرحوا بالياء «٥» هو خير مما تجمعون بالتاء.
قال أبو علي: قوله سبحانه «٦»: قل بفضل الله وبرحمته
стр. 1636
[يونس/ ٥٨] الجار فيه متعلق بمضمر «١» استغني عن ذكره، لدلالة ما تقدّم من قوله سبحانه «٢»: قد جاءتكم موعظة عليه «٣» كما أنّ قوله: آلآن وقد عصيت [يونس/ ٩١] يتعلّق الظرف فيه بمضمر، يدلّ عليه ما تقدّم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: .. آلآن وقد كنتم به تستعجلون [يونس/ ٥١]، فأمّا قوله فبذلك فليفرحوا فإن الجارّ في قوله: فبذلك يتعلق بقوله: فليفرحوا «٤» لأنّ هذا الفعل يصل به، قال: وفرحوا بها [آل عمران/ ١٢٠] وقال:
فرحت بما قد كان من سيّديكما «٥» فأما الفاء في قوله: فليفرحوا فزيادة يدل على ذلك أن المعنى: ما فرحوا بذلك، ومثل الآية في زيادة الفاء قول الشاعر «٦»:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي فالفاء في فاجزعي، زيادة، كما كانت التي في قوله:
فليفرحوا كذلك، ولا تكون إلا وبها الزيادة، لأنّ الظرف إنما
стр. 1637
يتعلّق باجزعي، والجار في فليفرحوا فيما قبل الفاء [فكذلك يتعلّق بما قبل الفاء] «١».
وقرءوا: فليفرحوا لأنّهم جعلوه أمرا للغائب، واللام إنّما تدخل على فعل الغائب، لأنّ المواجه «٢» استغني فيه عن اللام بقولهم: افعل، فصار شبيها بالماضي من «٣» يدع الذي استغني عنه بترك.
ولو قلت، فلتفرحوا «٤» فألحقت التاء لكنت مستعملا لما هو كالمرفوض، وإن كان الأصل، فلا ترجّح القراءة بالتاء، فإنّ «٥» ذلك هو الأصل، لما قد ترى كثيرا من الأصول المرفوضة.
فأما قراءة «٦» من قرأ من سواهم «٧»: فلتفرحوا فلأنه اعتبر الخطاب الذي قبل، وهو قوله سبحانه «٨»: قد جاءتكم موعظة ... فلتفرحوا [يونس/ ٥٧ - ٥٨]، وزعموا أنها في حرف أبيّ: فافرحوا.
стр. 1638
قال أبو الحسن: وزعموا أنها لغة، قال: وهي «١» قليلة، يعني نحو: لتضرب، وأنت تخاطب.
فأما «٢» قراءة ابن عامر: هو خير مما تجمعون بالتاء، فعلى أنّه عنى المخاطبين، والغيب جميعا، إلا أنّك غلّبت المخاطب على الغيبة، كما غلّبت التذكير على التأنيث، فكأنه أراد به المؤمنين وغيرهم.
ومن قرأ بالياء كان المعنى: فافرحوا بذلك أيّها المؤمنون، أي: افرحوا بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاكموه من الموعظة، وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه، خير مما يجمعه غيركم من أعراض الدنيا، ممّن فقد هذه الخلال التي حزتموها.
فإن قلت: فكيف جاء الأمر للمؤمنين بالفرح وقد ذمّ ذلك في غير موضع من التنزيل؟ من ذلك قوله سبحانه «٣»: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [القصص/ ٧٦] وقال: إنه لفرح فخور [هود/ ١٠]، قيل: إن عامّة ما جاء مقترنا بالذمّ من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيّدت لم يكن ذمّا، كقوله سبحانه «٤»: ... يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران/ ١٧٠]، وقد قيّدت في الآية بقوله فبذلك.
стр. 1639
فإن قلت: فقد جاء قوله تعالى «١»: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله [التوبة/ ٨١] وهو مقيّد، وهو مع التقييد موضع ذمّ. فإن التقييد لا يمتنع أن يجيء في الذمّ، لأنّه يبيّنه كما يبيّن ما كان غير ذمّ، فأما الذي «٢» يختصّ بالذمّ فهو أن يجيء على الإطلاق.
فأما قوله سبحانه «٣»: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم [غافر/ ٨٣]، وقوله سبحانه «٤»: ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله [الروم/ ٤]، فالفرح بنصر الله المؤمنين محمود كما كان القعود عن رسول الله [﵌ مذموم] «٥»، فالتقييد في الموضعين «٦» تبيين وتخصيص.
[يونس: ٦١]
اختلفوا في فتح الراء وضمّها من قوله جلّ وعزّ «٧»: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر [يونس/ ٦١].
فقرأ حمزة وحده: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر* بضمّ الراء فيهما، وقرأ الباقون «٨»: ولا أصغر، ولا أكبر بفتح الراء فيهما «٩».
стр. 1640
قال أبو علي: من فتح الراء في: ولا أصغر، ولا أكبر [من أكبر وأصغر] «١» فلأنّ أفعل في الموضعين، في موضع جرّ لأنّه صفة للمجرور الذي هو قوله: من مثقال ذرة [يونس/ ٦١]، وإنّما فتح لأنّ أفعل إذا اتصل به منك كان صفة، وإذا كان صفة لم ينصرف في النكرة.
ومن رفع فقال: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر* حمله على موضع الموصوف، وذلك «٢» أن الموصوف الذي هو من مثقال ذرة الجار والمجرور فيه في موضع رفع، كما كانا في موضعه في قوله: كفى بالله شهيدا [الفتح/ ٢٨] وقوله «٣»:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت «٤» ...
فحمل الصفة على الموضع، وممّا يجوز أن يكون محمولا على الموضع قوله: ما لكم من إله غيره [الأعراف/ ٥٩]. يجوز أن يكون صفة بمنزلة مثل، ويجوز أن يكون استثناء كما تقول: ما لكم من إله إلا الله.
وممّا جاء من الحمل على الموضع قوله سبحانه «٥»:
стр. 1641
فأصدق وأكن من الصالحين [المنافقون/ ١٠]، وقوله:
ويذرهم في طغيانهم يعمهون [الأعراف/ ١٨٦].
وقال «١»:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقد يجوز أن يعطف قوله: ولا أصغر من ذلك* على ذرة* فيكون التقدير: ما «٢» يعزب عن ربّك مثقال ذرة ولا مثقال أصغر، فإذا حمل على هذا لم يجز فيه إلا الجرّ، لأنه لا موضع للذّرّة غير لفظها، كما كان لقوله: من مثقال ذرة موضع غير لفظه، ولا يجوز على قراءة حمزة أن يكون معطوفا على ذرة*، كما جاز في قول الباقين، لأنّه إذا عطف على ذرة* وجب أن يكون أصغر* مجرورا، وإنما فتح لأنّه لا ينصرف، وكذلك يكون على قول من عطفه على الجار الذي هو من*.
[يونس: ٧١]
قال: وروى نصر بن علي عن الأصمعيّ قال: سمعت نافعا يقرأ: فاجمعوا أمركم [٧١]، مفتوحة الميم من
стр. 1642
جمع «١». وروى غير الأصمعي عن نافع مثل سائر «٢» القرّاء.
وكلّهم قرأ: فأجمعوا أمركم بالهمز وكسر الميم من:
أجمعت «٣».
قال أبو علي: ما رواه الأصمعي عن نافع من قراءته:
فاجمعوا أمركم من جمعت، فالأكثر «٤» في الأمر أن يقال:
أجمعت، كما قال: وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم [يوسف/ ١٠٢]. وقال «٥»:
هل أغدون يوما وأمري مجمع «٦» وقال «٧»:
أجمعوا أمرهم بليل فلمّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
فيمكن أن يكون أراد: فاجمعوا ذوي الأمر منكم. أي:
رؤساءكم ووجوهكم، كما قال سبحانه «٨»: وإلى أولي الأمر منهم [النساء/ ٨٣]، فحذف المضاف، وجرى على المضاف
стр. 1643
إليه، ما كان يجري على «١» المضاف، لو ثبت، ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي كانوا «٢» يكيدونه به، فيكون بمنزلة قوله: فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا [طه/ ٦٤]، على أنّ أبا الحسن زعم أنّ وصل الألف في فاجمعوا أمركم وشركاءكم، أكثر في كلام العرب، قال: وإنما يقطعونها إذا قالوا: أجمعوا على كذا وكذا، قال: والقراءة بالقطع عربيّة. ومن قرأ «٣»: اجمعوا، من: جمعت، حمل الشركاء على هذا الفعل الظاهر، لأنّك جمعت الشركاء، وجمعت القوم، وعلى هذا جاء: ذلك يوم مجموع له الناس [هود/ ١٠٣].
ومن قال: فأجمعوا أمركم على أفعل، أضمر للشركاء فعلا آخر كأنّه: فأجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم، فدلّ المنصوب على الناصب، كقول الشاعر «٤»:
علفتها تبنا وماء باردا ... حتّى شتت همّالة عيناها
وكقول الآخر «٥»:
شرّاب ألبان وتمر وأقط
стр. 1644
وكقوله «١»:
متقلّدا سيفا ورمحا لمّا لم يجز أن يحمل الرمح على التقليد، أضمر له فعلا كما أضمر لنصب الشركاء لمّا لم يجز الحمل على: أجمعوا.
وزعموا أنّ في حرف أبيّ: وادعوا شركاءكم فحمل الكلام على الذي يراد به الانتصار، كقوله: وادعوا من استطعتم من دون الله [هود/ ١٣] وادعوا شهداءكم من دون الله [البقرة/ ٢٣].
ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على أنه مفعول معه، أي: أجمعوا أمركم مع شركائكم، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطّيالسة. ويدلّك على جوازه أن
الشركاء فاعله في المعنى، كما أن الطيالسة كذلك، ومن ثمّ قرأ الحسن فيما زعموا فاجمعوا أمركم وشركاؤكم.
وزعم أبو الحسن أن قوما يقيسون هذا الباب، ويجعلونه مستمرّا، وأن قوما يقصرونه على ما سمع، والقول الأوّل عندي أقيس.
[يونس: ٨١]
اختلفوا في مدّ الألف وترك المدّ من قوله سبحانه «٢»:
السحر [٨١].
стр. 1645
فقرأ أبو عمرو وحده: آلسحر ممدودة الألف.
وكلّهم قرأها بغير مدّ، على لفظ الخبر «١».
قال أبو علي: قول أبي عمرو: ما جئتم به آلسحر، ما*: ترتفع فيه بالابتداء، وجئتم به في موضع الخبر، والكلام استفهام يدلك على ذلك استقلال الكلام بقوله: جئتم به، ولو كانت موصولة احتاجت إلى جزء آخر.
فأمّا وجه «٢» الاستفهام مع علم موسى أنه سحر، فإنه على وجه التقرير، كما قال: أأنت قلت للناس [المائدة/ ١١] وهذا كثير، ولا يلتبس بالشرط وإن كان الشرط لا صلة له، لأنه لا جزاء هاهنا «٣»، والشرط يلزمه الجزاء، ومن قال: زيدا مررت به، كان ما* في «٤» قوله: ما جئتم به في موضع نصب بمضمر يفسّره جئتم به «٥»، وعلى هذا قوله:
ورهبانية ابتدعوها [الحديد/ ٢٧] فمن «٦» قال: آلسحر؟، فألحق حرف الاستفهام، كان السحر بدلا من ما* المبتدأ، ولزم إن يلحق السحر الاستفهام ليساوي المبدل منه، في أنّه استفهام، ألا ترى أنه ليس في قولك: السحر استفهام،
стр. 1646
وعلى هذا قالوا: كم مالك: أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت العشرون بدلا من كم، وألحقت أم، لأنك في قولك: كم درهما مالك؟ مدّع أنّ له مالا كما أنك في قولك: أعشرون أم ثلاثون، مالك؟ مدع أنه أحد الشيئين، ولا يلزم أن تضمر للسّحر خبرا على هذا لأنك إذا أبدلت من المبتدأ، صار في موضعه، وصار ما كان خبرا لما أبدلت منه في موضع خبر المبتدأ «١»، فأما قول الشاعر «٢»:
وكأنه لهق السّراة كأنّه* ما حاجبيه معيّن بسواد «٣» فإنه أبدل الحاجبين من الضمير «٤» على حدّ قولك:
ضربت زيدا رأسه، فإن قلت: أبدل من الأول، وقدّر الخبر عن الأول، لأن المبدل منه قد لا يكون في نيّة الإسقاط «٥» بدلالة إجازتهم: الذي مررت به زيد أبو عبد الله، ولو كان البدل في تقدير الإسقاط، وما لا يعتد به، لم يجز هذا الكلام فهو قول،
стр. 1647
وإن قلت: حمل الكلام على المعنى، فلما كان حاجباه بعضه حمل الكلام عليه كأنه قال: كأنّه بعضه معيّن بسواد، فأفرد لذلك؛ فهو قول. وزعموا أن إلحاق الهمز «١» في السحر قراءة مجاهد وأصحابه.
ومن قال: ما جئتم به السحر كان ما* في قوله:
ما جئتم «٢» موصولا، وجئتم به الصلة والهاء المجرورة عائدة على الموصول، وخبر المبتدأ الذي هو الموصول السحر، ومما يقوي هذا الوجه ما زعموا أنه في حرف عبد الله: ما جئتم به سحر «٣».
[يونس: ٨٩]
قال: وقرأ ابن عامر وحده: ولا تتبعان [يونس/ ٨٩] ساكنة التاء مخفّفة، مشدّدة النّون، وفي رواية الحلواني عن هشام بن عمّار: بالنون والتشديد، قال: وأحسب ابن ذكوان عنى بروايته خفيفة يعني التاء من تبع، قال: وإن كان كذلك فقد اتّفق هو وهشام في النون، وخالفه هشام في التاء «٤»،
стр. 1648
وقال غير أحمد بن موسى: رواية الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر: تتبعان خفيفة التاء والنون.
قال أبو علي: من قرأ: ولا تتبعان فالنون فيها النون الشديدة، وهي إذا دخلت على يفعل فتح لدخولها، وبني الفعل معها على الفتح نحو: لتفعلنّ، ويحذف التي تثبت في نحو:
يفعلان، في الرفع مع النون الشديدة، كحذف الضمة في ليفعلن وإنما كسرت الشديدة بعد ألف التثنية في نحو: ولا تتبعان لوقوعها بعد ألف التثنية، فأشبهت التي تلحق الألف في رجلان، ويفعلان لمّا كانت زائدة مثلها، وداخلة لمعنى كدخولها، فإن قلت: إن قبلها نونا، وليست التي للتثنية، كذلك فإن النون لما كانت ساكنة وجمعت إلى السكون الخفاء، لم يعتدّ بها فصارت المكسورة كأنها وليت الألف، ومثله في أنّه لم يعتدّ فيه بالحاجز لسكونه قولهم: هو ابن عمّي دنيا «١»، وهو من الدّنوّ، وفتية، وهي من الواو فيما زعم سيبويه، ومنه قولهم في جمع عليّ، وصبيّ: علية وصبية وقالوا: عليان، وقد لا يعتدّون بالحاجز لخفائه، وإن كان متحرّكا، كما أجمعوا فيما زعم سيبويه على ردّها لخفاء الهاء وكما كرهوا- كثير منهم-: وضع عصاهو قبل، وخذوهو يا قوم، لأن الحرف لمّا كان خفيّا كان كأنّه التقى ساكنان، فإذا جاء ذلك في المتحرك فالساكن أولى.
فأمّا من قرأ: ولا تتبعان بتخفيف النون، فإنّه يمكن أن يكون خفّف الثقيلة للتضعيف، كما حذفوا: ربّ، وإنّ ونحوهما
стр. 1649
من المضاعف، إلا أنه حذف الأول من المثلين، كما أبدلوا الأول من المثلين في نحو قيراط ودينار «١»، ولزم ذلك في هذا الموضع، لأن الحذف لو لحق الثانية للزم التقاء ساكنين على غير ما يستعمل في الأمر العام الشائع. ألا ترى أن اجتماع الساكنين على هذا الحد غير مأخوذ به عند العامّة، وإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى: الأمر، كقوله: يتربصن بأنفسهن [البقرة/ ٢٢٨]، ولا تضار والدة بولدها [البقرة/ ٢٣٣]، أي لا ينبغي ذلك، وإن شئت جعلته حالا من: استقيما، وتقديره: استقيما غير متبعين، ويدلّ على ذلك قول الشاعر «٢»:
ولا أسقي ولا يسقي شريبي ... ويرويه إذا أوردت مائي
وقول الآخر «٣»:
стр. 1650
أصاح الذي لو أنّ ما بي من الهوى ... به لم أرعه لا يعزّي وينظره
وكقول الفرزدق «١»:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلّت
[يونس: ٩٠]
اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله: آمنت أنه [يونس/ ٩٠].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: أنه بفتح الألف.
وقرأ حمزة والكسائيّ: آمنت إنه بكسر الألف «٢».
قال أبو علي: من قال: آمنت أنّه فلأنّ هذا الفعل يصل بحرف الجر، في نحو يؤمنون بالغيب [البقرة/ ٣]، ويؤمنون بالجبت [النساء/ ٥١]، فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى أنّ، فصار في موضع نصب أو خفض على الخلاف في ذلك.
ومن قال: آمنت إنه حمله على القول المضمر، كأنه.
آمنت فقلت: إنه. وإضمار القول في هذا النحو كثير، ولإضمار القول من المزية هنا، أن قلت: إنه لا إله إلا الله في المعنى