← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: أمن أسس بنيانه على. ومن بنى الفعل للمفعول به لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه هو له، وكان القول الأول أرجح لما قلنا. [التوبة: ١٠٩] اختلفوا في التثقيل والتخفيف من قوله [جل وعز] «١»: جرف هار [التوبة/ ١٠٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: شفا جرف مثقل. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف مثقل. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف ساكنة الراء. وروى حفص عن عاصم جرف مثقّل مثل أبي عمرو «٢». قال أبو عبيدة: الشّفاء هو: الشّفير. والجرف: ما تجرّف من السيول من الأودية «٣». قال أبو علي: الجرف: بضم العين الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل وقال: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل [يس/ ٥٥] وقال البعيث «٤»:

стр. 1577

غداة لقينا من لؤيّ بن غالب ... هجان الثنايا واللقاء على شغل ومثله: الطنب والطنب، والعنق والعنق، وكلا الوجهين حسن. وقال أبو عبيدة: على شفا جرف هار مثقّل، قال: لأن ما يبنى على التقوى فهو أثبت أساسا من بناء يبنى على شفاء جرف. والقول في ذلك أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البناءين «١»، ويجوز أن يكون بين البانيين «٢»، فإذا عادلت بين البانيين، كان المعنى: المؤسس بنيانه متّقيا خير أم المؤسّس بنيانه غير متّق؟ لأن قوله: على شفا جرف يدلّ على أن بانيه غير متّق لله ولا خاش له، ويجوز أن يقدّر حذف المضاف كأنّه أبناء من أسّس بنيانه متّقيا خير أم بناء من أسّس بنيانه على شفا جرف؟ والبنيان: مصدر وقع «٣» على المبني مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق، وضرب الأمير: إذا أردت به المضروب، وكذلك نسج اليمن. يدلّك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد

стр. 1578

به اسم الحدث، أو اسم العين «١»، فلا يجوز أن يكون الحدث، لأنه إنّما يؤسس المبني الذي هو عين. ويبين ذلك أيضا قوله على شفا «٢» جرف والحدث لا يعلو شفا جرف «٣». والجار في «٤» قوله: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسّس بنيانه متّقيا خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار؟. والمعنى: أمّن أسّس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبا على بنائه؟ وفاعل انهار: البنيان، أي: انهار البنيان بالباني في نار جهنم، لأنه معصية، وفعل لما كرهه الله سبحانه «٥» من الضرار، والكفر، والتفريق بين المؤمنين، وعلى شفا جرف: حال كما كان قوله جلّ وعز: على تقوى من الله حالا. اختلفوا في الإمالة والفتح من قوله جل وعز: هار فانهار [التوبة/ ١٠٩]. فقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية هبيرة عن حفص وحمزة: هار بفتح الهاء.

стр. 1579

الأعشى عن أبي بكر (هار) «١» مفخّمة. وأمال الهاء نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر، والكسائي، بالإمالة «٢» وليس عندي عن ابن عامر في هذا شيء. وقال غير أحمد بن موسى: قراءة ابن عامر مفخّمة «٣». قال أبو علي: أما حجّة من لم يمل؛ فإنّ كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات، وترك الإمالة هو الأصل. والإمالة في هار حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين، وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة، وكذلك «٤» لو أملتها في الوقف كان أحسن من إمالتك نحو: هذا ماش وداع، لأنّك لم تلفظ «٥» هنا بكسرة، وفي الراء كأنك قد لفظت بها لما فيها من التكرير بحرف مكسور إذا وقفت عليها. وقد يجوز أن تميل نحو: هذا ماش في الوقف، وإن «٦» زالت الكسرة التي لها كنت تميل الألف كما جاز أن تميل الفتحة من «٧» نحو القتلى الحر [البقرة/ ١٧٨] مع ذهاب ما

стр. 1580

أملت الفتحة من أجله وهو الألف من «١» القتلى. ومثل هذا قولهم: صعقيّ، تركت «٢» الفاء التي كان كسرها لكسرة العين مع زوال كسرتها. وأما الهمزة من هار فمنقلبة عن الواو لأنّهم قد قالوا تهور البناء: إذا تساقط وتداعى، وفي الحديث: «حتى تهوّر الليل» «٣» فهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالبناء. ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان: أحدهما: أن تعلّ بالحذف كما أعلّت بالقلب، فيقال: هار وشاك السلاح. ويجوز في قولهم: يوم راح، أن يكون فاعلا على الحذف وفعلا على غير الحذف. والآخر: أن يعلّ بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير: فالع. ويجوز في قولهم: ضربت على شزن فهنّ شواعي «٤»

стр. 1581

أن تكون فوالع من الشيء الشائع، ويكون المعنى: إنها متفرقة، ويكون فواعل من قولهم: غارة شعواء، وكذلك يجوز في قوله «١»: خفضوا أسنّتهم فكل ناعي «٢» ضربان: أحدهما: أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان في «٣» قوله: .. والأسل النيّاعا «٤» أي: العطاش إلى دماء من يغزون.

стр. 1582

ويجوز أن يكون ناع من قولك: نعى ينعي، أي «١» يقول: يا لثارات فلان. ويجوز في هار التي في الآية أن يكون على قول من حذف. ويجوز أن تكون في «٢» قول من قلب. فأما جوازه على الحذف؛ فلأن هذه الهمزة قد حذفت من «٣» نحو هذه الكلم. وجوازه على القلب أن يكون مثل: قاض، وداع، وقد سقطت اللام لالتقاء الساكنين. وقال أبو الحسن: يقال: هرت تهار، مثل: خفت تخاف، قال: وجعله بعضهم من الياء، وبعضهم من الواو، فقال: يتهير، فإنه كان التجويز في عين يتهور أنه ياء من أجل قولهم: يتهير، فإنه يمكن أن يكون: يتهيّر، مثل: يتحيّر، فلا دلالة حينئذ في ذلك «٤» على كونها من الياء، ولعله سمع شيئا غير هذا يعلم به أنه من الياء، فإن لم يسمع شيئا غير هذا، فإنه يجوز أن يقول: إنّ يتهيّر: يتفعّل مثل «٥» يتبيع، لأن باب التفعّل أكثر من باب التفعيل، فيحمل على الأكثر فيجوز على هذا فيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر «٦»:

стр. 1583

خليليّ لا يبقى على الدهر فادر ... بتيهورة بين الطّخاف العصائب يجوز «١» أن يكون تيهورة: تفعولة، مثل: تعضوضة، إلا أنه قلبه ولو كان من الواو لكان توهورة .. ويجوز أن يكون تيهورة في الأصل فيعولا «٢»، مثل: سيهوب، وعيثوم «٣»، إلا أنه قلبت الواو التي هي عين إلى موضع «٤» الفاء، ثم أبدل منها «٥» التاء، كما أبدل في قولهم: تقوى وتقيّة، ونحو ذلك، فيكون على هذا: عيفولة. ويدلك على أن الكلمة من هذا الباب قول العجاج «٦»:

стр. 1584

إلى أراط ونقا تيهور فإنّما وصفه بالانهيار، كما وصفه الآخر به في قوله «١»: كمثل هيل النّقا طاف الوليد به ... ينهار حينا وينهاه الثّرى حينا والانهيار، والانهيال، يتقاربان في المعنى كما يتقاربان «٢» في اللفظ، ومثل ذلك في المعنى قول العجاج في صفة رمل: شدّد منه وهو معطي الإسهال ... ضرب السّواري متنه بالتّهتال «٣»

стр. 1585

[التوبة: ١١٠] اختلفوا في فتح «١» التاء وضمّها من قوله جلّ وعزّ إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة/ ١١٠] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي تقطع* بضم التاء. وقرأ ابن عامر وحمزة: إلا أن تقطع بفتح التاء. واختلف عن عاصم، فروى أبو بكر عنه مثل أبي عمرو، وروى حفص عنه «١» مثل حمزة تقطع* بفتح التاء «٣». قال أبو علي: قوله: لا يزال بنيانهم الذي بنوا [التوبة/ ١١٠] البنيان: مصدر واقع على المبني، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفا تقديره: لا يزال بناء المبني الذي بنوا ريبة، أي: شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم، وثباتا على النفاق إلا أن تقطع قلوبهم بالموت والبلاء، لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون عن النفاق. فأما قراءة «٤» من قرأ: إلا أن تقطع فلأنه يريد: حتى تبلى وتقطّع بالبلى «٥»، أي: لا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدا، ولا يندمون على الخطيئة التي كانت منهم في بناء المسجد.

стр. 1586

فأما قراءة «١» من قرأ: تقطع* فهو في المعنى مثل الأول؛ إلّا أن الفعل أضيف إلى المقطّع المبلي للقلوب بالموت في المعنى. وفي الوجه الأول أسند إلى القلوب لمّا كانت هي البالية، وهذا مثل: مات زيد ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند فيه الفعل إلى من حدث فيه، وإن لم يكن له، وتقطع* نسب الفعل فيه إلى المقطّع المبلي، وإن لم يذكر في اللفظ؛ فأسند الفعل الذي هو لغير القلوب في الحقيقة إلى القلوب. وزعموا أنّ في حرف أبيّ: حتى الممات وهذا يدلّ أنهم يموتون على نفاقهم، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوا من الإيمان وأخذوا من الكفر. [التوبة: ١١١] اختلفوا في قوله [جلّ وعزّ] «٢»: فيقتلون ويقتلون [التوبة/ ١١١]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: فيقتلون ويقتلون فاعل ومفعول. وقرأ حمزة والكسائي فيقتلون ويقتلون مفعول وفاعل «٣». قال أبو علي: من قال: فيقتلون ويقتلون فقدّم الفعل المسند إلى الفاعل على الفعل المسند إلى المفعول، فلأنهم يقتلون أولا في سبيل الله، ويقتلون، ولا يقتلون إذا قتلوا. ومن قدّم الفعل المسند إلى المفعول به [على المسند

стр. 1587

إلى الفاعل] «١»، جاز أن يكون في المعنى مثل الذي تقدم لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم؛ فإن لم يقدّر به «٢» التقديم كان المعنى في قوله: فيقتلون بعد قوله: فيقتلون: يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أنّ قوله سبحانه «٣»: فما ومهنوا لما أصابهم في سبيل الله [آل عمران/ ١٤٦]: ما وهن من بقي منهم «٤» لقتل من قتل من الرّبّيّين. [التوبة: ١٢٦] قال أحمد: قرأ حمزة وحده: أولا ترون [التوبة/ ١٢٦] بالتاء، وقرأ الباقون يرون بالياء «٥». قال أبو علي: أولا ترون: تنبيه، قال سيبويه عن الخليل: في قوله تعالى «٦»: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة [الحج/ ٦٣] المعنى: انتبه أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا وكذا، وليس قوله: فتصبح جوابا بالفاء «٧». ووجه قراءة حمزة: أن المؤمنين نبّهوا على إعراض المنافقين عن النظر، والتدبّر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروه، وذلك أنهم يمتحنون بالأمراض، والأسباب التي لا يؤمن معها

стр. 1588

الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم، ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، ولا يقدمون عملا صالحا يقدمون عليه إذا ماتوا؛ فنبّه المسلمون على قلّة اعتبارهم واتعاظهم. ومن قال: أولا يرون كان هذا التقريع بالإعراض عما يجب ألا يعرضوا عنه من التوبة والإقلاع عمّا هم عليه من النفاق لاحقا لهم من غير أن يصرف التنبيه إلى المسلمين في الخطاب، لأنّ المسلمين قد عرفوا ذلك من أمرهم، وكان الأولى أن يلحق التنبيه فعل من يراد تنبيهه وتقريعه بتركه ما ينبغي أن يأخذ به. ومن قال: يرون وترون* جميعا «١» احتمل أن يكون من رؤية العين، وأن تكون المتعدّية إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سدّ أنّ «٢»، مسدّهما، وأن يكون من رؤية العين أولى، لأنهم يستبطئون في مشاهدة ذلك، والإعراض عنه على ترك الاعتبار به وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المضرب عما يشاهد ويحس «٣». ولو قرأ قارئ: أولا يرون فبنى الفعل للمفعول به، كان أن* في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا، وتقول: أريت

стр. 1589

عمرا كذا، فتعدّيه «١» إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد، كالدرهم في قولك: أعطي زيد درهما. ولا يكون يرون* هنا التي «٢» في قولك: أرى زيدا «٣» منطلقا، لأن المعنى ليس على: يظنون أنهم يفتنون في كل عام، إنّما المعنى على أنهم يشاهدون ذلك فيعلمونه علم مشاهدة، وليس المعنى أنهم يظنّون الفتنة في كل عام، لأن ظنّ الفتنة ليس بموضع اعتبار، وإنما قرّعوا على ترك الاعتبار بالمشاهد «٤»، وأنهم مع ذلك لا يتوبون ولا هم يتذكرون، فيعتبروا به، وينتهوا عما يلزمهم الانتهاء عنه والإقلاع «٥» فبهذا كان يكون وجه من ضمّ الياء في «٦» ترونه، ولا أدري أقرأ به أم لم يقرأ. [التوبة: ١١٧] اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جل وعز] «٧»: كاد تزيغ [التوبة/ ١١٧]. فقرأ حمزة وحفص عن عاصم: كاد يزيغ بالياء. وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر: بالتاء «٨» «٩».

стр. 1590

قال أبو علي: يجوز أن يكون فاعل كاد أحد ثلاثة أشياء: أحدها: أن يضمر فيه القصة أو الحديث، وتكون تزيغ الخبر. فإن قلت: إن أصل إضمار القصة أو الحديث إنما هو في الابتداء، نحو هو الله أحد ونحو قوله [سبحانه] «١» فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء/ ٩٧]، ثم تدخل على الاسم المبتدأ الذي هو ضمير الحديث أو القصة العوامل التي تدخل على المبتدأ، وليس كاد من العوامل التي تدخل على المبتدأ «٢». قيل: جاز ذلك فيها للزوم الخبر لها، فأشبهت العوامل الداخلة على المبتدأ «٣» للزوم الخبر لها. فإن قلت: فهل يجوز أن يضمر في عسى ضمير القصة أو الحديث، لأن عسى أيضا يلزمها الخبر كما يلزم كاد. قيل: لا يجوز ذلك لأن عسى يكون فاعله المفرد في كثير من الأمر فلا «٤» يلزمه الخبر كقوله «٥»: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [البقرة/ ٢١٦] فإذا كان فاعله المفرد في كثير من الأمر لم يحتمل الضمير الذي احتمله كاد، كما لم يحتمله سائر الأفعال التي

стр. 1591

تسند إلى فاعليها مما لا يدخل على المبتدأ. فأما ما يجيء في الشعر من كاد أن يفعل وعسى يفعل، فليس به اعتداد لأن هذه الأشياء التي تجيء في الضرورة غير مأخوذ بها في حال السعة، ألا ترى أنهم قالوا: إوزّ، ومودّ، فجعلوا الأصل الإدغام ولم يقدّروا نقل الحركة فيها إلى ما قبلها، وإنما وقعت في أول أحوالها مدغمة، فدلّك هذا أنّ الإظهار في هذا النحو في الشعر لا اعتداد به، وكلّ ما أشبهه فهو على هذا الحكم، وإضمار القصة أو الحديث فيها قول سيبويه. والوجه الثاني في «١» فاعل كاد أن يضمّنه ذكرا مما تقدّم لمّا كان النبي ﵌ «٢» والمهاجرون والأنصار قبيلا واحدا وفريقا جاز أن يضمر في كاد ما دل عليه مما تقدم «٣» ذكره من القبيل، والحزب، والفريق، ونحو ذلك من الأسماء المفردة الدالة على الجمع، وقال: منهم، فحمله على المعنى كقوله [سبحانه] «٤»: من آمن بالله واليوم الآخر ثم قال: فلا خوف عليهم [المائدة/ ٦٩] فكذلك فاعل كاد على هذا الوجه. والثالث في «٥» فاعل كاد: أن يكون فاعلها القلوب، كأنه: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ولكنه قدم تزيغ

стр. 1592

كما يقدم خبر كان في قوله «١» تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين [الروم/ ١٤٧]، وجاز تقديمه، وإن كان فيه ذكر من القلوب، ولم يمتنع من حيث يمتنع الإضمار قبل الذكر، لما كان النية به التأخير، كما لم يمتنع: ضرب غلامه زيد، لمّا كان التقدير به التأخير، ألا ترى أن حكم الخبر أن يكون بعد الاسم، كما أن حكم المفعول به أن يكون بعد الفاعل؟ فأما من قرأ يزيغ بالياء فيجوز أن يكون ذهب إلى أنّ في كاد ضمير الحديث، فإذا اشتغل كاد بهذا الضمير ارتفع القلوب بيزيغ؛ فذكر، وإن كان فاعله مؤنثا لتقدم الفعل. ومن قرأ بالتاء تزيغ جاز أن يكون ذهب إلى أنّ القلوب مرتفعة بكاد، فلا يكون تزيغ فعلا مقدما كما كان عند الآخرين كذلك، فإذا لم يكن مقدّما قبح التذكير لتقدّم ذكر الفاعل كما قبح:

стр. 1593

ولا أرض أبقل إبقالها «١» ولم يقبح: أبقل أرض، ويجوز أن يكون الفعل المسند إلى القصة والحديث «٢» يؤنث، إذا كان في الجملة التي يفسرها مؤنث، كقوله [جلّ وعز] «٣»: فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء/ ٩٧] وقوله: فإنها لا تعمى الأبصار [الحج/ ٤٦] ألا ترى أن هي من «٤» قوله: فإذا هي شاخصة ضمير القصة، كما أن قوله [سبحانه] «٥»: هو الله في قوله: هو الله أحد [الإخلاص/ ٦] مذكر وجاز تأنيث هي* التي هي ضمير القصة لذكر الأبصار المؤنثة في الجملة التي هي التفسير، وكذلك أنّثت في قوله: فإنها لا تعمى الأبصار وكذلك يؤنّث الضمير الذي في كاد لذكر المؤنث في الجملة المفسّرة فتقول: كادت وتدغم التاء التي هي علامة التأنيث في: تاء تزيغ وتزيغ على هذا للقلوب، وهي مرتفعة به. ويجوز إلحاق التاء في كاد من وجه آخر، وهو أن ترفع

стр. 1594

قلوب فريق بكاد، فيلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسندا إلى مؤنث كقوله سبحانه «١»: قالت الأعراب [الحجرات/ ١٤] وتكون على هذا في تزيغ ضمير القلوب لأن النية بتزيغ التأخير. [التوبة: ١٠٧] اختلفوا في إدخال الواو وإخراجها من قوله [جلّ وعزّ] «٢»: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [التوبة/ ١٠٧]. فقرأ نافع وابن عامر: الذين اتخذوا مسجدا بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون: والذين اتخذوا «٣» وكذلك هي في مصاحفهم «٤». قال أبو علي: وجه قول من ألحق الواو: أنه معطوف على ما قبله من نحو «٥» قوله: ومنهم من عاهد الله [التوبة/ ٧٥] ومنهم من يلمزك في الصدقات [التوبة/ ٥٨] ومنهم الذين يؤذون النبي [التوبة/ ٦١] وآخرون مرجون «٦»

стр. 1595

لأمر الله [التوبة/ ١٠٦] أي: منهم آخرون، ومنهم الّذين اتّخذوا مسجدا ضرارا وكفرا. ومن لم يلحق الواو لم يجز أن يكون الذين بدلا من قوله: وآخرون مرجون كما تبدل المعرفة من النّكرة، لأنّ المرجئين لأمر الله هم غير الذين اتخذوا المسجد ضرارا وكفرا «١»، ألا ترى أن متخذي المسجد قد أخبر عنهم أنّهم لا يؤمنون، ولا تثلج قلوبهم بالإيمان في قوله: لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة/ ١١٠] وإذا وقع الخبر بتاتا على أنهم لا يؤمنون حتى «٢» الممات، والمرجون لأمر الله، قد جوّز عليهم الإيمان، علمت أنهم ليسوا إياهم، فإذا لم يكونوا هم، لم يجز أن يبدلوا منهم. ولكن من لم يلحق الواو جاز قوله على «٣» أمرين: على أن يضمر: ومنهم الذين اتخذوا، كما أضمرت المبتدأ مع الحرف الداخل عليه في قولهم: لاها الله ذا «٤»، والمعنى: للأمر ذا، وكما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله سبحانه «٥»:

стр. 1596

فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم [آل عمران/ ١٠٦] أي «١»: فيقال لهم: أكفرتم، وكذلك حذف الخبر مع الحرف «٢» اللاحق له في قول من قرأ: الذين اتخذوا بغير واو، ويجوز أن يكون أضمر الخبر بعد، كما أضمر بعد في قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام [الحج/ ٢٥] إلى قوله: والبادي [الحج/ ٤٥] والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو: يعذّبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ، وحسن الحذف في الموضعين جميعا لطول الكلام بالمبتدإ وصلته. [التوبة: ١٢٣] قال أحمد: حدثني أحمد بن علي الخزّاز قال: حدثني محمد بن يحيى القطعيّ قال: حدثنا سعيد ابن أوس عن المفضل عن عاصم: أنه قرأ: غلظة [التوبة/ ١٢٣] بفتح الغين. وقرأ الباقون: غلظة بكسر الغين «٣». قال أبو علي قوله «٤»: وليجدوا فيكم غلظة في المعنى مثل قوله سبحانه «٥»: جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التوبة/ ٧٣] [وقوله: والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم] «٦» [الفتح/ ٢٩] وقوله: أذلة على المؤمنين أعزة على

стр. 1597

الكافرين [المائدة/ ٥٤] أي: لا ينقادون لهم ولا يخفضون لهم جناحا وأذلة على المؤمنين، أي: يذلون لهم ذل الخضوع، فيتركون «١» الترفع عليهم؛ فهذا «٢» قريب من قوله: رحماء بينهم، ولم يرد بقوله: أذلة على المؤمنين ذلّ الهوان، ولكن الذلّ الذي يقتضيه الدين من إلانة الجانب له، وتسوّيه به. قال أبو الحسن: غلظة: قراءة الناس بالكسر، وهي العربية، وبها نقرأ «٣». قال: ولا أعلم غلظة إلا لغة، وقال غيره: هي لغة.

стр. 1598

بسم الله «١» الرّحمن الرّحيم [ذكر اختلافهم في] «٢» سورة يونس [يونس: ١] اختلفوا في إمالة الراء وتفخيمها. فقرأ ابن كثير: الر [١] مفتوحة الراء. وقال حفص عن عاصم: الراء خفيفة تام «٣» لا تمدّ الراء في كلّ القرآن غير مكسورة. وقال هبيرة عن حفص عن عاصم: الراء مكسورة. وقال «٤» نافع في رواية المسيبي: الراء مفتوحة وليست بممدودة. وقال أحمد بن صالح عن ورش وقالون: لا تفخّم الراء. وقال ابن جمّاز عن نافع: بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر: الر «٥» الراء على الهجاء مكسورة

стр. 1599

أبو بكر عن عاصم في رواية خلف عن يحيى بن آدم: الراء مكسورة مثل أبي عمرو «١». قال أبو علي: من قال: [الر فلم يمل فتحة الرّاء، فلأن الكثير «٢» من العرب لا يميل ما يجوز فيه الإمالة عند غيرهم. وحسّن ترك الإمالة هنا، أنّ معه حرفا يمنع الإمالة كما يمنعها المستعلي. فأما من أمال فقال: رايا. فلأنها أسماء لما يلفظ به من الأصوات المتقطعة في مخارج الحروف، كما أن غاق اسم للصوت الذي يصوّته الغراب، وكما أن طيخ اسم للصوت الذي يفعله الضاحك، فجازت الإمالة فيها من حيث كانت أسماء، ولم تكن كالحروف التي تمتنع فيها الإمالة نحو: ما، ولا، وما أشبههما من الحروف. فإن قلت: فهلّا امتنعت الإمالة في را، لشبه الراء بالمستعلي في منعها الإمالة؟ فالقول: إنه لم تمتنع الإمالة فيها لما أريد من تبيين أنه اسم، كما أنه «٣» لم تمتنع الإمالة من «٤» خاف وطاب وصار مع المستعلي، لما أريد من طلب الكسرة في خفت وطبت وصرت، وكذلك جازت الإمالة في را* لما قصد بها من إعلام أنه اسم ليس بحرف. فإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: ما ولا.

стр. 1600

فالقول: إن هذه الأسماء لم يمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين، لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها، أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك، لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين، أحدهما حرف لين، ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة، فجاء على حرفين، أحدهما حرف لين، لمّا أمن لحاق التنوين له، لاتصال علامة التأنيث به، وكذلك قولك: رأيت رجلا ذا مال، لاتصال المضاف إليه به، وكذلك قولهم: كسرت فازيد، ومثل شاة في كونها على حرفين: أحدهما حرف لين، لما دخلت عليه علامة التأنيث «١» قولهم في الباءة: باه كأنه أراد الباءة، فأبدل من الهمزة الألف، كما أبدل «٢» في قوله «٣»: لا هناك المرتع فاجمعت ألفان، فحذف إحداهما «٤» لالتقاء الساكنين، فبقي الاسم على حرفين: أحدهما حرف لين، أنشدنا محمد بن السريّ عن أبي محمد اليزيدي: فيا شرّ ملك ملك قيس بن عاصم* على أنّ قيسا لم يطأ باه محرم ومثل باه في القياس ما رواه محمد بن السري عن أحمد ابن يحيى عن سلمة قال: سمعت الفرّاء يحكي عن الكسائي أنه

стр. 1601

سمع [من يقول] «١»: اسقني شربة ما يا هذا، يريد: شربة ماء، فقصر، وأخرجه على لفظ من التي للاستفهام، هذا إذا مضى، فإذا «٢» وقف قال: شربة ما. والقول «٣» فيه: كالقول في باه إلا أن باها «٤» أحسن من ما، لتكثّرها «٥» بعلامة التأنيث، وليس هذا كذلك، ووجهه أنه جعل الهمزة التي قلبت على غير القياس في حكم المخففة على القياس، وحذف إحدى الألفين لالتقاء الساكنين، فلحق التنوين الباقية، وحذفت كما حذفت من نحو: رحا وعصا. وقد قيل في قولهم: م الله، إنه «٦» محذوف من: أيمن الله «٧»، وليس هذا بالكثير، ولا مما ينبغي أن يقاس عليه. ومن ذلك: اللا في معنى: اللائي، هو على حرفين: أحدهما حرف لين، لأن التنوين لا يلحقه، من «٨» حيث لم يلحق ذا، لا من حيث كانت فيه الألف واللام، وينشد البغداديون في ذلك «٩»:

стр. 1602

فدومي على العهد الّذي كان بيننا ... أم أنت من اللّا ما لهنّ عهود ومن ذلك قولهم: أيش تقول؟ حكاه أبو الحسن والفرّاء. والقول فيه: أنّه كان أي «١» شيء؟، فخففت الهمزة، وألقيت كسرتها على الياء، وكثر الكلام بها، فكرهت حركة الياء بالكسرة، كما كرهت في قاضين، وغازين ونحوه، فأسكنت والتقت مع التنوين، وكل واحد منهما ساكن، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فإذا وقفت عليها قلت: أيش فأسكنت. ومن قال: برجلي، فأبدل من التنوين الياء، قال: أيشي. فهذه الأسماء ما لم يلحق بها التنوين، لم يمتنع أن تكون على حرفين، أحدهما حرف لين، وإنّما لم يلحقها التنوين، ولم تعرب كما لم تعرب، ولم ينوّن ما كان منها زائدا على حرفين نحو: لام الف عين جيم، فكما أنّ هذه الحروف على الوقف، ولا تنوّن، كذلك ما كان منها نحو: را، يا، تا، ثا. كما أن أسماء العدد كذلك، فإن أخبر عن شيء منها «٢» فتمكّن لذلك، وأعرب «٣»، ولحقه التنوين؛ زيد على ما كان على حرفين أحدهما حرف لين، حرف مثل ما هو فيه، حتى يصير بالمزيد على ثلاثة أحرف، ومدّ إن كان الآخر الياء «٤»، فقيل:

стр. 1603

باء، وياء «١»، وراء، كما تقول: ثلاثة أكثر من اثنين، فعلى هذا مجرى هذه الحروف. فإن قلت: فهل يستدلّ «٢» بجواز الإمالة في را، ويا، ونحوهما على أن الألف منقلبة عن الياء، كما تقول في ذا: إن الألف فيه منقلبة عن الياء. فالقول: إن الاستدلال بجواز الإمالة في را ونحوها، أن الألف فيه منقلبة عن الياء: لا يصح «٣»، لأنّه إنما أميل عندهم لما قدمنا من ذكره «٤»، فليس بمنزلة قولهم: ذا، لأنّ را ونحوها أسماء للأصوات، والأصوات لا تشتق كما لا تشتق الحروف، فأما قولهم: ذا، فليس من الأصوات ولكنه من الأسماء المظهرة، ألا ترى أنه قد وصف، ووصف به، وحقّر في نحو: مررت بذا الرجل، وبزيد ذا. وحقّروه فقالوا: ذيّا، من حيث كان اسما على الوصف الذي ذكرنا «٥»، فصار بمنزلة سائر المظهرة، وساغ الاستدلال على حروفها، كما ساغ في غيره من الأسماء، فلذلك قال أبو الحسن: إن قولهم ذا من مضاعف الياء، وذلك أن سيبويه حكى فيه الإمالة، فإذا جازت فيه الإمالة «٦» حمل على انقلاب الألف فيه عن الياء في الأمر

стр. 1604

الأكثر، فإذا ثبت أن ألفه ياء، لم يجز أن تكون اللام واوا، لأنه ليس مثل حيوت «١»، وإذا لم يجز أن يكون واوا؛ ثبت «٢» أنه ياء، وأنه من باب حييت، وعييت. فإن قلت: إنه قال فيه: إذا سمّى به رجلا: ذاء «٣»، كما تقول في لا: لاء، وفي لو: لوّ، ولو كان كما ذكرت «٤»، لوجب أن يكون: ذيا، كما قالوا: حيا وحييان، أو ذيّ، قيل: الذي قاله عن الخليل ويونس إذا سمّي به رجل «٥»: ذاء، قياس، وذلك أن هذا الاسم قد ضارع با ويا وتا، ألا ترى أنه غير معرب، كما أن هذه الأسماء التي أريدت بها الأصوات غير معربة، فلمّا ساوتها في البناء جعلها «٦» بمنزلتها إذا أعربها. وممّا يدلّك على مشابهتها لها أن الألف ليست في موضع حركة، فيلزمها الانقلاب، كما أنها في را* ونحوها ليست في موضع حركة، فإذا كان كذلك كانت الألف في ذا بمنزلتها في هذه الأسماء التي هي نحو را، با، تا، والأول الذي قدمناه، وقلنا: إنه من باب حييت وعييت، قد قاله أبو الحسن. ومن حيث قال الخليل في ذا: إنك إذا سميت به قلت: ذاء، قال في ذو، من قولهم: هذا رجل ذو مال، إذا سميت به

стр. 1605

رجلا، قلت: ذو، وقياس قول يونس عندي في ذو إذا سمّي «١» به رجل أن يكون بمنزلة قول الخليل، إلّا أنه حكى ذو عن الخليل، ولم يحكه عن يونس. ولم نعلمهم نوّنوا من هذه الكلم شيئا، كما نوّنوا غاق، وكما نوّنوا صه، لأنهم ليس ينوّنون جميع هذه الأصوات، وإن كانوا قد نوّنوا بعضها، ألا ترى أنّا لا نعلمهم نوّنوا «طخ» الذي يحكى به الضحك، ولا «قبّ» الذي يحكي به وقع السيف، وإن كانوا قد نوّنوا «غاق» وغيره من الأصوات، وكذلك هذه الحروف التي هي: را، يا، تا. ولا يقاس هذا، وإنّما يحكى منه ما سمع، فلا ينوّن ما لم ينوّن، كما لا يترك تنوين ما نوّن، وإنّما كان كذلك، لأن ما لم ينوّن جعل بمنزلة العلم معرفة، وليس يضعون هذه الأسماء التي للأعلام، وجارية مجراها على كل شيء، ألا ترى أنهم قالوا للبحر: خضارة «٢»؟ ولم نعلمهم خصّوا البرّ باسم على هذا النحو، وقالوا: غدوة، فجعلوه بمنزلة طلحة، ولم يفعلوا ذلك في الطّهر، وقالوا: لقيته فينة، فجعلوه كالعلم، ولم يفعلوا ذلك ببرهة، وقالوا للغراب: ابن دأية، ولم يفعلوا ذلك بالرخم. وقالوا في ضرب من الحيات: ابن قترة، ولم يفعلوا ذلك في كل «٣» الأحناش، وكذلك هذا الباب.

стр. 1606

ومن ثمّ عاب الأصمعيّ على ذي الرمّة قوله «١»: وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم وزعم «٢» أن المسموع فيه التنوين، وكأنّ ذا الرّمّة أجرى ذلك مجرى غاق وغاق وصه وصه، فأجراه مجرى بعض ما يشبهه من غير أن يكون سمع فيه ما قاله. [يونس: ٢] اختلفوا في إثبات الألف وإسقاطها من قوله جلّ وعزّ: لسحر مبين [يونس/ ٢]. فقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: لساحر مبين بألف، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر لسحر* بغير ألف «٣». قال أبو علي: يدلّ على قول من قال: سحر* قوله: فلما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون [الزخرف/ ٣٠]. ويدلّ على ساحر قوله تعالى «٤»: وقال الكافرون هذا ساحر كذاب [ص/ ٤]. والقول في الوجهين

стр. 1607

جميعا «١» قد تقدم «٢» ومن قال: ساحر أراد الرجل «٣»، ومن قال: سحر* أراد: الذي أوحي سحر، أي: الذي تقولون أنتم فيه: إنه أوحي: سحر، وليس كما تقولون: إنه وحي. [يونس: ٥] اختلفوا في الياء والنون من قوله جلّ وعزّ «٤»: يفصل الآيات [يونس/ ٥]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: يفصل الآيات بالياء. وروى محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير بالنون. حدّثني مضر بن محمد عن البزّيّ بإسناده عن ابن كثير بالنون. وحدّثني الحسن بن مخلد عن البزّيّ بالياء. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: نفصل* بالنون «٥». قال أبو علي: من قال: يفصل فلأنّه قد تقدم ذكر الله تعالى «٦»، فأضمر الاسم في الفعل. ومن قال: نفصل بالنون؛ فهذا المعنى يريد، ويقوّيه: تلك آيات الله نتلوها [البقرة/ ٢٥٢، آل عمران/ ١٠٨، الجاثية/ ٦] وقد تقدم

стр. 1608

أوحينا فيكون نفصل* محمولا على أوحينا «١» إلا أن الياء أولى، لأنّ الاسم الذي يعود إليه أقرب إليه من أوحينا «٢». [يونس: ١١] اختلفوا في فتح القاف وضمّها من قوله جل وعزّ «٣»: لقضي إليهم أجلهم [يونس/ ١١]. فقرأ ابن عامر وحده: لقضى إليهم بفتح القاف، أجلهم* نصبا. وقرأ الباقون: لقضي إليهم بضمّ القاف، أجلهم رفعا «٤» «٥». قال أبو علي: اللام في قوله سبحانه: لقضي جواب لو* من «٦» قوله: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي [يونس/ ١١]، فالمعنى والله أعلم: ولو يعجّل الله للناس دعاء الشرّ، أي ما يدعون به من الشرّ على أنفسهم في حال ضجر وبطر استعجالهم إياه «٧» بدعاء الخير، فأضيف المصدر إلى المفعول «٨»، وحذف الفاعل [كقوله

стр. 1609

من دعاء الخير [فصلت/ ٤٩] في حذف ضمير الفاعل] «١» والتقدير: ولو يعجّل الله للناس الشرّ استعجالا مثل استعجالهم بالخير، لقضي إليهم أجلهم. قال أبو عبيدة: لقضي إليهم أجلهم: لفرغ من أجلهم، وأنشد لأبي ذؤيب «٢»: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع «٣» ومثل ما أنشده «٤» أبو عبيدة من قوله: قضاهما داود، قول الآخر «٥»: قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتّق

стр. 1610

فالتقدير «١» في قوله: لقضي إليهم أجلهم أي: لفرغ من أجلهم ومدّتهم المضروبة للحياة، وإذا انتهت مدّتهم المضروبة للحياة، هلكوا. وهذا قريب من قوله تعالى «٢»: ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، وكان الإنسان عجولا [الإسراء/ ١١]. وقالوا للميّت: مقضّ، كأنّه قضى «٣» إذا مات، وقضّى: فعّل، التقدير فيه: استوفى أجله، وفرغ منه؛ قال ذو الرّمّة «٤»: إذا الشخص فيها هزّه الآل أغمضت ... عليه كإغماض المقضّي هجولها المعنى «٥»: أغمضت هجول هذه البلاد على الشخص الذي فيها، فلم ير لغرقه في الآل، كإغماض المقضّي، وهو الميّت، لعينه «٦»، وهذا في المعنى كقوله «٧»: ترى قورها يغرقن في الآل مرّة ... وآونة يخرجن من غامر ضحل

стр. 1611

فأما قوله سبحانه «١»: لقضي إليهم أجلهم [يونس/ ١١] وما يتعلّق به هذا الجارّ، فإنه لمّا كان معنى قضى: فرغ، وكان قولهم: فرغ، قد يتعدّى بهذا الحرف في قوله «٢»: ألان فقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين صرت لهم عذابا وفي التنزيل: سنفرغ لكم أيها الثقلان [الرحمن/ ٣١] أمكن «٣» أن يكون الفعل يتعدى «٤» باللام كما تعدى بإلى، كما أن أوحى في قوله: وأوحينا إليه [يوسف/ ١٥] قد تعدى بإلى «٥»، واللام في قوله: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة/ ٥]، فلمّا كان معنى قضي فرغ، وفرغ تعلّق بها إلى، كذلك تعلّق بقضى «٦». ووجه قراءة ابن عامر: لقضى إليهم أجلهم على إسناد الفعل إلى الفاعل؛ فلأن الذكر قد تقدم في قوله ولو يعجل

стр. 1612

الله للناس الشر [يونس/ ١٠]. فقال: لقضى* على هذا، ومن حجّته في ذلك قوله سبحانه «١»: ثم قضى أجلا، وأجل مسمى عنده [الأنعام/ ٢]، فهذا الأجل الذي في هذه الآية هو الأجل المضروب للمحيا، كما أن الأجل في قوله: لقضى إليهم أجلهم كذلك «٢». فكما أسند الفعل بالأجل «٣» المضروب للحياة إلى الفاعل في قوله: ثم قضى أجلا عند الجميع؛ كذلك أسنده ابن عامر في قوله: لقضى إليهم أجلهم إلى الفاعل، ولم يسنده إلى الفعل المبنيّ للمفعول، ويدلّ على أنّ الأجل في قوله ثم قضى أجلا أجل المحيا، وأن قوله «٤»: وأجل مسمى عنده أجل البعث، يبين ذلك قوله: ثم أنتم تمترون [الأنعام/ ٢]، أي: أنتم أيها المشركون تشكّون في البعث، فلا تصدّقون به، وقوله: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده [الأنعام/ ٢] في المعنى كقوله: فأحياكم ثم يميتكم [الحج/ ٦٦]. ومن قرأ لقضي فبنى الفعل للمفعول به «٥»، فلأنّه في المعنى كقول «٦» من بنى الفعل للفاعل.

стр. 1613

[يونس: ٥] قال: وقرأ ابن كثير وحده «١»: ضئاء والقمر نورا [يونس/ ٥] بهمزتين في كلّ القرآن، الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قرأت على قنبل، وهو غلط. وقرأ الباقون بهمزة واحدة في كلّ القرآن. وكان أصحاب البزّي، وابن فليح ينكرون هذا، ويقرءون مثل قراءة الناس ضياء. وأخبرني الخزاعيّ عن عبد الوهاب بن فليح عن أصحابه عن ابن كثير: ضياء بهمزة بعد الألف في كلّ القرآن، ولا يعرفون الأخرى «٢». قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط، وسياط وحوض، وحياض، أو مصدر ضاء يضوء ضياء، كقولك: عاذ عياذا، وقام قياما وعاد عيادة «٣» وعلى أيّ الوجهين حملته، فالمضاف محذوف. المعنى: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور. أو يكون: جعلا «٤» النور والضياء لكثرة ذلك منهما. فأمّا الهمزة في موضع العين من ضياء، فيكون على القلب، كأنه قدّم اللام التي هي همزة إلى موضع العين،

стр. 1614

وأخّرت «١» العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة، انقلبت همزة، كما انقلبت في: شقاء وغلاء. وهذا إذا قدّرته جمعا كان أسوغ، ألا ترى أنهم قالوا: قوس وقسيّ، فصحّحوا الواحد، وقلبوا في الجميع. وإذا قدّرته مصدرا كان أبعد، لأن المصدر يجري على فعله في الصحّة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال، فإذا لم يكن في الفعل لم ينبغ أن يكون في المصدر أيضا، ألا ترى أنّهم قالوا «٢»: لاوذ لواذا، وبايع بياعا، فصحّحوهما في المصدر لصحتهما في الفعل، وقالوا: قام قياما؛ فأعلّوه ونحوه لاعتلاله في الفعل. [يونس: ١٦] اختلفوا في فتح الراء وكسرها من قوله جل وعز «٣»: ولا أدراكم به [يونس/ ١٦]. فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ونافع ولا أدراكم به بفتح الراء، والألف. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «٤» وحمزة والكسائي: ولا أدريكم به بكسر الراء وبألف «٥». قال أبو علي قوله «٦»: ولا أدراكم به حكى سيبويه:

стр. 1615

دريته، ودريت به، قال: والأكثر في الاستعمال بالباء، ويبيّن ما قاله من ذلك قوله سبحانه «١»: ولا أدراكم به، ولو جاء «٢» على اللغة الأخرى لكان: ولا أدراكموه، وقالوا: الدّرية، فجاء على فعلة، كما قالوا: الشّعرة، والدّرية، والفطنة، وهي مصادر يراد بها ضروب من العلم. وجاء هذا البناء في غير هذا النحو كقولهم: الردّة قال: قليل ردّتي إلا أمامي «٣» فأمّا الدراية فكالهداية والدّلالة، وكأن الدراية التأنّي والتعمّل لعلم الشيء، وعلى هذا المعنى ما تصرّف «٤»، ومن هذه الكلمة أنشد أبو زيد: فإنّ غزالك الذي كنت تدّري ... إذا شئت ليث خادر بين أشبل «٥» قال أبو زيد: تدّري: تختل «٦»، ومنه الدّريّة في قول أكثر الناس في الحجل الذي يستتر به الصائد من الوحش، كأنه يختل به، فيأتي الوحش من حيث لا تعلم. وقالوا: داريت الرجل: إذا لا ينته وختلته.
следующие страницы →