لا يكون إلا كذلك، لأن أحدا لا يقول: رأيت مسلماتا، قال سيبويه «١»: من حذف التنوين من نحو:
تخيّرها أخو عانات شهرا «٢».
لم يقل: حللت عانات فيفتح إنما يكسر التاء، وقد ردّوا هذا المحذوف مع التاء، كما ردّوه مع غير التاء في قولهم: غد وغدو، وقالوا سما، في قولهم اسم، فردّ اللام. حكاه أحمد بن يحيى.
[يوسف: ٧]
اختلفوا في التوحيد والجمع من قوله : آيات للسائلين [يوسف/ ٧].
فقرأ ابن كثير: آية للسائلين واحدة.
وقرأ الباقون: آيات للسائلين جماعة «٣».
وجه الإفراد أنه جعل شأنه كله آية، ويقوي ذلك قوله:
وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون/ ٥٠]، فأفرد وكلّ واحد منهم على انفراده يجوز أن يقال فيه. آية* فأفرد مع ذلك.
ومن جمع جعل كلّ حال من أحواله آية، وجمع على
стр. 1752
ذلك، على أن المفرد المذكور في الإيجاب يقع على الكثرة، كما يكون ذلك في غير الإيجاب. قال «١»:
فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم ... جزاء العطاس لا ينام من اتّأر
[يوسف: ٩، ٨]
قال. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي: مبين اقتلوا [يوسف/ ٩٨] بضم التنوين.
وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بكسر التنوين «٢».
وجه قول من ضمّ التنوين: أن تحريكه يلزم لالتقاء الساكنين وهما التنوين والقاف في اقتلوا فلما التقيا لزم تحريك الأول منهما، وحركه بالضم ليتبع الضمّة الضمّة، كما قالوا: مدّ، وكما قالوا: «ظلمات» فأتبعوا الضمة الضمة، وكذلك: أن اقتلوا [النساء/ ٦٦]. فإذا كانوا قد أبدلوا من غير الضمة لتتبع. ضمّة الإعراب في نحو: أجوؤك وأنبؤك، وهو منحدر من الجبل، مع أن ضمة الإعراب، ليست لازمة، ولم يعتدّ بها في نحو: هذه كتف، ثابتة، فأن يتبعوا الضمّة الثانية في عين: اقتلوا اللازمة أولى.
ومن قال: مبين اقتلوا، لم يتبع الضمّ. كما أن من قال: مدّ وظلمات، لم يتبع، وكسر الساكن على ما يجري عليه
стр. 1753
أمر تحريك الأول من الساكنين المنفصلين في الأمر الشائع.
[يوسف: ٥]
قال أحمد: كان الكسائيّ يميل قوله: رؤياي [١٠٠] ورؤياك [٥] والرؤيا* [٤٣] في كلّ القرآن. وروى أبو الحارث الليث بن خالد عن الكسائي أنه لم يمل هذا الحرف، لا تقصص رؤياك وحده، وأمال سائر القرآن. أبو عمر الدوري عن الكسائي الإمالة في ذلك كله، ولا يستثني.
وكان حمزة يفتح رؤياك والرؤيا*، في كل القرآن، وكذلك الباقون «١».
قال أبو علي: الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا، والبقيا، والشورى، إلا أنه لما صار اسما لهذا المتخيّل في المنام جرى مجرى الأسماء، كما أن درّا لما كثر في كلامهم في قولهم: لله درّك، جرى مجرى الأسماء، وخرج من حكم الإعمال، فلا يعمل واحد منهما إعمال المصادر.
وممّا يقوّي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم رؤى.
فصار بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسّر، والرؤيا على تحقيق الهمز، فإن خفّفت الرؤيا فقلبتها في اللفظ، ولم «٢» تدغم الواو في الياء وإن كانت قد تقدمتها ساكنة، كما تقلب نحو طيّ وليّ، لأن الواو في تقدير الهمزة، فهي لذلك غير لازمة، فإذا لم تلزم لم يقع الاعتداد فلم تدغم، كما لم تقلب
стр. 1754
الأولى من ووري عنهما [الأعراف/ ٢٠] لما كانت الثانية غير لازمة، ومن ثمّ جاز: ضو وشي في تخفيف ضوء وشيء، فبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، وجاز تحرّك حرف اللين، وتصحيحه مع انفتاح ما قبله، لأن الهمزة في تقدير الثبات، وقد كسر أولها قوم فقالوا: «ريّا» فهؤلاء قلبوا الواو قلبا على غير وجه التخفيف، ومن ثم كسروا الفاء، كما كسروه من قولهم: قرن ألوى، وقرون ليّ.
[يوسف: ١٠]
اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله في غيابة الجب [يوسف/ ١٠].
فقرأ نافع وحده: غيابات جماعة.
وقرأ الباقون: غيابة واحدة «١».
قال أبو عبيدة: كلّ شيء غيّب عنك فهو غيابة. قال منخّل بن سبيع [وفي أخرى سميع] «٢»:
فإن أنا يوما غيّبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
«٣» وقال ابن أحمر «٤»:
стр. 1755
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا
جمع غيابة.
قال: والجبّ: الركيّة التي لم تطو.
وجه قول من أفرد: أن الجبّ لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة، أو غيابات، فغيابة المفرد يجوز أن يعنى به الجمع، كما يعنى به الواحد، ووجه قول من جمع: أنه يجوز أن تكون له غيابة واحدة فجعل كلّ جزء منه غيابة، فجمع على ذلك، كقولهم: شابت مفارقه، وبعير ذو عثانين، ويجوز أن يكون للجب عدّة غيابات، فجمع لذلك، والدليل على جواز الجمع فيه قوله:
إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا فجعل له غيابات مع أن ذا الغيابة واحد، كذلك الجبّ المذكور في التنزيل، يجوز أن يكون له غيابات.
[يوسف: ١١]
قال: وكلّهم قرأ: لا تأمنا [يوسف/ ١١]، بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضمّ اتفاقا «١».
وجهه: أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعها السكون، فمن حيث أشمّوا الحرف الموقوف
стр. 1756
عليه إذا كان مرفوعا في الإدراج أشمّوا النون المدغمة في تأمنا وليس ذلك بصوت خارج إلى اللفظ، إنّما تهيئة العضو لإخراج ذلك الصوت به، ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المتهيّئ له، ويدلّك على أنه يجري مجرى الوقف أن الهمزة إذا كان قبلها ساكن حذفت حذفا، ولم تخفف بأن تجعل بين بين كما أنّها إذا ابتدئت لا تخفف، لأن التخفيف تقريب من الساكن، فكما لا يبتدأ بالساكن، كذلك لا يبتدأ بالمقرّب منه، ولو رام الحركة فيها لم يجز مع الإدغام، كما جاز الإشمام مع الإدغام لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها، ألا ترى أنهم قالوا: إن روم الحركة يفصل به بين المذكر والمؤنث، نحو:
رأيتك، ورأيتك، وإذا كان كذلك، فالحركة تفصل بين المدغم والمدغم فيه، فلا يجوز الإدغام مع الحركة، وإن كانت قد أضعفت، لأن اللسان لا يرتفع عن الحرفين ارتفاعة واحدة، كما لا يرتفع إذا فصل بينهما حرف لانفكاك الإدغام بالحركة إذا دخلت بين المثلين أو المتقاربين، كانفكاكه بالحرف إذا دخل بينهما، وتضعيف الصوت بالحركة لا يمنع أن تكون الحركة مع تضعيفها في الفصل، كما أنّ الفصل بالحرف الضعيف القليل الجرس يجري مجرى الفصل بالحرف الزائد الصوت، ألا ترى أن الفصل بالنون التي هي من الخياشيم كالفصل بالصاد في منع المثلين من الإدغام، فكذلك الحركة التي قد أضعفت الصوت بها تفصل كما تفصل الحركة أشبعت ومططت، فهذا وجه الإدغام، والإشارة بالضم إلى الحرف المدغم.
وقد يجوز في ذلك وجه آخر في العربية؛ وهو أن تبيّن
стр. 1757
ولا تدغم، ولكنك تخفي الحركة، وإخفاؤها هو أن لا تشبعها بالتمطيط، ولكنك تختلسها اختلاسا، وجاز الإدغام والبيان جميعا، لأن الحرفين ليسا يلزمان، فلمّا لم يلزما صار بمنزلة:
اقتتلوا* في جواز البيان فيه والإدغام جميعا، ومثل ذلك: نعما يعظكم به [النساء/ ٥٨]، فيمن أسكن العين، فالذي أسكن العين لم يدغم، كما يجوز أن يدغم من كسر العين،
والذي كسر العين لم يحرك الساكن من أجل الإدغام، لأن تحريك ما قبل الحرف المدغم لا يجوز في الإدغام، إذا كان المدغم منفصلا من المدغم فيه، ولكن: نعم* على لغة من حرك العين قبل الإدغام، ولو حرّكه وألقى حركة المدغم عليه لوجب أن يكون مفتوحا أو يجوز فيه التحريك بالفتح، لأن حركة المدغم الفتحة من حيث كان آخر المثال الماضي.
[يوسف: ١٢]
اختلفوا في قوله تعالى: نرتع ونلعب [يوسف/ ١٢].
فقرأ ابن كثير: نرتع ونلعب بفتح النون فيهما وكسر العين في نرتع من ارتعيت. وحدثني عبيد الله «١» بن علي قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا أبو بكر البكراوي عن إسماعيل المكي قال: سمعت ابن كثير يقرأ: نرتع ويلعب نرتع بالنون وكسر العين، ويلعب بالياء وجزم الباء.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر: نرتع ونلعب بالنون فيهما وتسكين الباء والعين.
стр. 1758
وقرأ نافع: يرتع ويلعب مثل ابن كثير في كسر العين وهي بياء، ويلعب بالياء وجزم الباء.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: يرتع ويلعب بالياء فيهما وجزم العين والباء «١».
قراءة ابن كثير: نرتع ويلعب بالياء «٢» أحسن، لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز الصّغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم على الصغير في اللعب ولا ذمّ، والدليل على صغر يوسف، قول إخوته: وإنا له لحافظون [يوسف/ ١٢]، ولو كان كبيرا لم يحتج إلى حفظهم، ويدلّ على ذلك أيضا قول يعقوب: وأخاف أن يأكله الذئب [يوسف/ ١٣]، ولو لم يكن صغيرا قاوم الذئب، وإنما يخاف الذئب على من لا دفاع فيه ولا ممانعة عنده من شيخ فان وصبيّ صغير، وعلى هذا قال «٣»:
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
стр. 1759
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا
وفي المثل: «بما لا أخشى الذئب» «١».
وأما اللعب فمما لا ينبغي أن ينسب إلى أهل النسك والصلاح، ألا ترى قوله: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين [الأنبياء/ ٥٥] فقوبل اللعب بالحق، فدلّ أنه خلافه، وقال:
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب [التوبة/ ٦٥]، وقال: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا [الأعراف/ ٥١].
فأما الارتعاء: فهو افتعال من رعيت مثل: شويت واشتويت، وكل واحد منهما متعدّ إلى مفعول به، قال الأعشى «٢»:
ترتعي السّفح فالكثيب فذاقا ... ر فروض القطا فذات الرّئال
وقال الآخر «٣»:
رعى بارض البهمى جميما وبسرة ... وصمعاء حتّى آنفته نصالها
стр. 1760
وقد يستقيم أن يقال: نرتع وترتع إبلهم فيما قال أبو عبيدة، ووجه ذلك أنه كان الأصل: ترتع إبلنا، ثم حذف المضاف، وأسند الفعل إلى المتكلمين فصار نرتع، وكذلك نرتعي على: ترتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون: نرتعي.
وقال أبو عبيدة «١»: نرتع: نلهو، وقد تكون هذه الكلمة على غير معنى اللهو، ولكن على معنى النّيل من الشيء، كقولهم: «القيد والرّتعة» «٢»، وكان هذا على النيل
والتناول مما يحتاج إليه الحيوان، وقد قال الأعشى «٣»:
صدر النهار تراعي ثيرة رتعا
стр. 1761
وعلى هذا قالوا: رأيت مرتع إبلك، لمرادها الذي ترعى فيه، فهذا لا يكون على اللهو، لأنه جمع ثور راتع أو رتوع.
وأما قراءة أبي عمرو وابن عامر: نرتع ونلعب فيكون:
نرتع على: ترتع إبلنا، أو على أنّنا ننال مما نحتاج إليه وتنال معنا.
فأمّا نلعب فحكي أنّ أبا عمرو قيل له: كيف يقولون:
نلعب وهم أنبياء؟! فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، فلو صحّت هذه الحكاية عن أبي عمرو، وصحّ عنده هذا التاريخ فذاك وإلا ... فقد قال الشاعر «١»:
جدّت جذاذ بلاعب وتقشّعت ... غمرات قالب لبسة حيران
فكأنّ اللاعب هنا الذي يشمّر في أمره فدخله بعض الهوينى، فهذا أسهل من الوجه الذي قوبل به الحق، وقد روي
عن النبي ﵌ أنه قال لجابر: «فهلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك» «٢»
فهذا كأنه يتشاغل بمباح وتنفيس وجمام من الجدّ وتعمّل لما يتقوّى به عمل النظر في العلم والعبادة، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا أكثر النظر في مسائل الفقه قال:
«أحمضوا»،
وروي: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن
стр. 1762
المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» «١»
وليس هذا اللعب كاللعب في قوله: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب [التوبة/ ٦٥].
فأما قراءة عاصم وحمزة والكسائيّ يرتع ويلعب جميعا بالياء، فإن كان يرتع من اللهو، كما فسّره أبو عبيدة، فلا يمتنع أن يخبر به عن يوسف لصغره، كما لا يمتنع أن ينسب إليه اللعب لذلك، فإن كان يرتع من النيل من الشيء، فذلك لا يمتنع عليه أيضا فوجهه بيّن، وهذا أبين من قول من قال:
ونلعب بالنون، لأنهم إنما سألوا إرساله ليتنفس بلعبه، ولم يسألوا إرساله ليلعبوا هم.
[يوسف: ١٤]
اختلفوا في همز الذئب وتركه. [١٣ - ١٤].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة: بالهمز.
وقرأ الكسائيّ وحده بغير همز.
حدثني عبيد الله عن نصر عن أبيه قال: سمعت أبا عمرو يقرأ: فأكله الذيب لا يهمز.
قال: وأهل الحجاز يهمزون.
وروى عباس بن الفضل عن أبي عمرو أنه لا يهمز.
وروى ورش عن نافع أنه لم يهمز، وقال ابن جمّاز:
стр. 1763
أبو جعفر، وشيبة ونافع: لا يهمزون الذيب. قال أبو بكر: وهذا وهم، إنما هو أبو جعفر وشيبة لا يهمزانه، ونافع يهمز. كذا قال إسماعيل بن جعفر عنهم، وروى المسيّبي وأبو بكر بن أبي أويس وقالون، وإسماعيل ويعقوب ابنا جعفر «١» بن أبي كثير عن نافع أنه همز. وأخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الحارثي البصري كريزان «٢» عن الأصمعي قال: سألت نافعا عن الذئب والبئر، فقال: إن كانت العرب تهمزها فاهمزها «٣».
قال أبو علي: الذئب مهموز في الأصل، وقالوا: تذاءبت الرّيح إذا جاءت من كلّ جهة، كأن المعنى أنها أتت كما يأتي الذئب. قال «٤»:
غدا كأنّ به جنّا تذاء به ... من كلّ أقطاره يخشى ويرتقب
أي: يأتيه من جميع جهاته فإذا خفّفت الهمزة منه قلبت ياء، وكذلك البير، ولو وقعت في ردف لقلبتها قلبا إلى الياء، كما تقلب ألف رال في قوله «٥»:
стр. 1764
كأنّ مكان الرّدف منه على رال وقد جمعوا فقالوا في العدد القليل: أذؤب، وقالوا: ذئب وذؤبان، كما قالوا زقّ وزقّان. قال «١»:
وأزور يمطو في بلاد بعيدة ... تعاوى به ذؤبانه
«٢» وثعالبه وقالوا: ذئاب، قال «٣»:
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغّى الناس مثنى وموحد
فإن خفّفت الهمزة أبدلت منها الياء فقلت: دياب.
[يوسف: ٣١]
قال: وروى عبد الله عن أبيه عن عامر عن خارجة عن نافع: وقالت اخرج بكسر التاء [يوسف/ ٣١]، ولم يروه غيره.
стр. 1765
الباقون عن نافع: وقالت اخرج بضم التاء «١».
وقد ذكرته «٢»
[يوسف: ١٩]
اختلفوا في فتح الياء وإثبات الألف وإسكانها، وإسقاط الألف من قوله : يا بشراي هذا غلام [يوسف/ ١٩].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: يا بشراي بفتح الياء وإثبات الألف «٣».
وروى ورش عن نافع: يا بشراي [يوسف/ ١٩] ومثواي [يوسف/ ٢٣] ومحياي [الأنعام/ ١٦٢] وعصاي [طه/ ١٨] بسكون الياء.
الباقون عن نافع: بتحريك الياء إلا محياي. ورأيت أصحاب ورش لا يعرفون هذا، ويروون عنه بفتح الياء في ذلك كلّه.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ: يا بشرى بألف بغير ياء.
وعاصم بفتح الراء وحمزة والكسائيّ يميلانها «٤».
من قال: يا بشراي هذا فأضاف إلى الياء التي للمتكلم كان للألف التي هي حرف الإعراب عنده موضعان من وجهين:
أحدهما: أن الألف في موضع نصب من حيث كان نداء
стр. 1766
مضاف، والآخر: أن تكون في موضع كسر من حيث كانت بمنزلة حرف الإعراب في: غلامي.
والدليل على استحقاقها لهذا الموضع قولهم: كسرت فيّ، فلولا أنّ حرف الإعراب الذي ولي ياء الإضافة في موضع كسر ما كسرت الفاء من فيّ، فلما كسرت كما كسرت في قولهم: بفيك، وكما فتحت من قولهم: رأيت فاك، لما كانت في موضع الفتحة في قولك: رأيت غلامك، وانضمت في قولك: هذا فوك، لاتباعه الضمّة المقدرة فيها، كالتي في قولك: هذا غلامك، كذلك كسرت في قولهم: كسرت فيّ، وهذا يدل على أنه ليس يعرب من مكانين: ألا ترى أنها تبعت حركة غير الإعراب في قولك: كسرت فيّ يا هذا، كما تبعت الإعراب في: رأيت فاك.
ومن قال: يا بشرى هذا غلام احتمل وجهين: أحدهما:
أن يكون في موضع ضمّ مثل: يا رجل لاختصاصه بالنداء، كاختصاص الرجل ونحوه من الأسماء الشائعة به. والآخر: أن يكون في موضع نصب، وذلك لأنك أشعت النداء ولم تخصصه، كما فعلت في الوجه الأول، فصار كقوله: يا حسرة على العباد [يس/ ٣٠]، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة بالنداء، والآخر: أن تنزّله من جملة كلّها مثلها في الشّياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنها لا تنصرف.
فأما قوله: لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/ ٢٢]، فإن حرف الإعراب فيه يحتمل أيضا وجهين: أحدهما: أن
стр. 1767
يكون في موضع فتحة لبناء الذي في: لا ريب، و: لا رجل، والآخر: أن يكون في موضع نصب.
فأما الوجه الذي يكون فيه في موضع فتحه للبناء، فأن تجعل قوله للمجرمين الخبر وتجعل يومئذ متعلقا باللام، وإن كان قوله: يومئذ متقدّما عليها. والوجه الذي يكون فيه في موضع نصب مثل: لا خيرا من زيد عندك هو أن تجعل يومئذ من صلة بشرى، فيصير لذلك اسما طويلا ينتصب لطوله في النفي، كما ينتصب المضاف، وكذلك في النداء، ولم يدخله التنوين، لأنه لم ينصرف، وامتناع دخول التنوين عليه لذلك ليس مما يمتنع أن تكون الألف في موضع فتح، وهو نصب، فأما من زعم أنّ بشرى اسم لرجل منادى فيحتاج إلى ثبات ذلك بخبر يسكن إليه، كما أنّ من قال في ولد يعقوب النبيّ ﵌: إنهم لم يكونوا أنبياء، حين أخبر عنهم باللعب، يحتاج إلى ذلك. ووجه نداء البشرى على الوجهين اللذين قدّمنا، والمعنى فيه: أن هذا الوقت من أوانك، ولو كنت ممّن تخاطب نحو: طبت الآن، ومثل ذلك: يا حسرة على العباد [يس/ ٣٠].
وأما فتح عاصم الراء في بشرى فحسن لمكان الراء، وهي تجري مجرى المستعلية، إذا كانت مفتوحة في منع الإمالة، وإمالة حمزة والكسائيّ إياها حسنة أيضا، لأن الراء في هذا النحو لا تمنع الإمالة، كما لا يمنع في طغى وصغى، وكما لم تمنع في قولهم: صار مكان كذا.
فأما قول نافع محياي ومماتي [الأنعام/ ١٦٢]،
стр. 1768
وجمعه بين الساكنين على غير حدّ دابّة وشابّة، فوجه ذلك أنّه يجوز أن يختص به الألف لزيادة المدّ الذي فيها على زيادة المدّ الذي في أختها، واختصت بهذا كما اختصت القوافي بالتأسيس، وكما اختصت في تخفيف الهمزة بعدها، نحو:
هباءة، وليس شيء من ذلك الياء والواو، وكذلك يجوز أن تختص لوقوع الساكن بعدها فيما قرأه نافع.
ويقوّي ذلك ما ذهب إليه يونس، في قولهم في الخفيفة:
اضربان، واضربنان، فجمع بين الساكنين على الحدّ الذي قرأ به نافع.
وحكى هشام: «التقت حلقتا البطان» «١». فهذه الأشياء مثل ما قرأ به نافع من قوله: محياي، والتحريك للياء بعد الألف أكثر، وعليه العامة من القراء والعرب والنحويين.
والدليل على ضعف ذلك من طريق القياس مع قلته في السماع أنهم قالوا: جأنّ، ودأبّة، وأنشد «٢»:
خاطمها زأمّها كي يركبا فكرهوا التقاء الساكنين، مع أنّ الثاني منهما مدغم يرتفع اللسان عنه، وعن المدغم فيه ارتفاعة واحدة فإذا كره كارهون هذا الكثير في الاستعمال،
فحكم ما قلّ في الاستعمال، ولم يكن على حدّ دابّة الرفض والاطّراح.
стр. 1769
وقد قرأ ناس من غير القرّاء السبعة هذا النحو بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء الإضافة، فقالوا: هدي وبشري*، والقول في ذلك أن ما يضاف إلى الياء يحرّك بالكسر إذا كان الحرف صحيحا نحو: غلامي وداري. فلمّا لم تحتمل الألف الكسرة؛ قرّبت الألف من الياء بقلبها إليها، كما كان الحرف يكون مكسورا والألف قريبة من الياء، فكذلك أبدل كلّ واحد منهما من الآخر في حاري وضاري. وقوله «١»:
لنضربن بسيفنا قفيكا فإن قلت: أتقول إن في قولك: هديّ حركة مقدّرة في الياء المنقلبة عن الألف، كما كانت في غلامي؟ فالقول: إن الياء لا ينبغي أن تقدر فيها الحركة التي قدّرت في غلامي، لأن انقلابها إلى الياء فيه دلالة على الكسرة، فلم يلزم أن تقدّر فيه الحركة، كما لم تقدّر الحركة له في الألف والياء في رجلان، ورجلين، ألا ترى أنّه قال في حرف التثنية غير محرّك ولا منوّن، فإنّما يريد غير مقدّرة فيه الحركة التي تقدّر في نحو: قال وباع، ولو قدّرت فيها الحركة للزم أن تقلب الياء من رجلين، ولا تثبت ياء. فإن قلت: هلّا قلت: إن الحركة في بشري مقدّرة، وإن كانت الياء قد أبدلت من الألف فيها، لأن القلب ليس يختص بهذا الموضع، ألا ترى أنهم يقولون أيضا في الوقف: أفعي وأعشي، وإذا لم يختص بهذا الموضع، لم يكن مثل
стр. 1770
التثنية! قيل: هذا يختصّ به الوقف، فلا يثبت في الوصل ويسقط، وإذا لم تثبت لم يقع الاعتداد بها، وكان في تقدير الألف. فإن قلت: إنه قد حكي أن منهم من يقول في الوصل والوقف:
أفعي، وأعشي؛ فالقول في ذلك: أنه يجوز أن يكون جعل الحرف في الوصل مثله في الوقف، كما يجري الوصل مجرى الوقف في أشياء. وكأنّهم أرادوا بذلك أن يكون الحرف أبين، على أنّي رأيت أبا إسحاق لا يرتضي هذه اللغة، ويقدح فيها من طريق القياس.
قال أبو الحسن: قرأ بعض أهل المدينة بالكسر للياء في الإضافة، قال: وذا رديء!.
قال أبو علي: لا وجه لذلك إلا أن يكون جاء به على قول من قال «١»:
هل لك يا تافيّ فحذف الياء التي تتبع الياء وهذا قليل في الاستعمال، ورديء في القياس، ألا ترى أن الياء للمتكلم، بمنزلة الكاف للمخاطب، فكما لا تلحق الكاف زيادة في الأمر الشائع،
стр. 1771
كذلك لا تلحق الياء زيادة الياء، ومن ألحق الكاف الزيادة فقال: أعطيتكاه؛ جعل الكاف بمنزلة الهاء التي للغائب في لحاق الزيادة له، وعلى هذا ألحق التاء التي للخطاب حرف المد وذلك في قوله «١»:
رميتيه فأصممت ... فما أخطأت الرّمية
عباس عن أبي عمرو أبي إبراهيم: لا يحرك الياء، الباقون بتحريك الياء، وروى اليزيدي عن أبي عمرو فتحها، لا فصل بين الإسكان والتحريك، بل يجريان مجرى واحدا، قال أبو الحسن: الياء تخفى بعد الهمزة، فكأنهم أرادوا إيضاحها فذا حجّتها.
[يوسف: ٢٣]
اختلفوا في قوله جلّ وعزّ «٢»: هيت لك [يوسف/ ٢٣].
فقرأ ابن كثير: هيت لك بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضم التاء.
وقرأ نافع وابن عامر: هيت* بكسر الهاء، وسكون الياء، ونصب التاء.
وروى هشام بن عامر بإسناده عن ابن عامر: هئت لك من تهيّأت لك بكسر الهاء وهمز الياء وضمّ التاء.
وكذلك حدّثني ابن بكر مولى بني سليم عن هشام. وقال
стр. 1772
الحلواني عن هشام: هئت لك مهموز بكسر الهاء وفتح التاء، وهو خطأ، ولم يذكره ابن ذكوان «١».
أبو عبيدة: هيت لك أي: هلمّ لك، قال رجل لعلي ابن أبي طالب ﵁ «٢»:
أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتيتا
أنّ العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا
«٣» أي: هلمّ إلينا.
وقال أبو الحسن: وقد كسر بعضهم التاء، وهي لغة في ذا المعنى، ورفعت في ذا المعنى.
قال: وقراءة أهل المدينة: هيت لك في ذا المعنى، الهاء مكسورة، والتاء مفتوحة، قال: وقال بعضهم: هئت لك مهموز، جعلها من تهيّأت لك، وهي حسنة، إلا أن المعنى الآخر أثبت، لأنها دعته، والمفتوحة في ذا المعنى أكثر اللغات.
стр. 1773
فأما قولهم: هيّت فلان بفلان: إذا دعاه، فينبغي أن يكون مأخوذا من قوله: هيت لك.
كما أن قولهم: أفف «١» مأخوذ من أفّ، وجعلوها بمنزلة الأصوات، لموافقتها لها في البناء، واشتقوا منها كما اشتقوا من الأصوات نحو: دعدع إذا قالوا: داع داع، ويجري هذا المجرى: سبّح ولبّى إذا قال: سبحان الله، ولبّيك. وأنشد بعض البغداديين «٢»:
قد رابني أنّ الكريّ أسكتا ... لو كان معنيا بنا لهيّتا
أسكت: صار ذا سكوت، مثل: أجرب وأقطف «٣».
قد تقدم من قول أبي الحسن الأخفش ما يعلم منه: أن في هيت، الذي يراد به اسم الفعل، ثلاث لغات: هيت لك، وهيت لك، وهيت لك إلا أن الهاء مكسورة وذلك قراءة نافع وابن عامر، ونسبه أبو الحسن إلى أهل المدينة ومثل هذه الكلمة في أن الآخر منها قد جازت فيه الحركات الثلاث لالتقاء
стр. 1774
الساكنين قولهم: كان من الأمر ذيت وذيت وذيت، ولو قرأ قارئ: هيت لك كان اسما للفعل، وفتح كما فتح الآخر من رويد، ألا ترى أنه اسم فعل، كما أن رويد اسم فعل، ولك على هذا للتبيين، بمنزلة لك في قولهم: هلمّ لك، ومثل تبيينهم إياه ب: لك، تبيينهم رويد بالكاف في رويدك، وتبيينهم ها، وهاء بقولهم: هاك، وهاءك، ولك في: هلمّ لك، يتعلق بهذا الاسم الذي سمّي الفعل به، ولا يجوز أن يتعلق بمضمر، لأنك لو علقته بمضمر لصار وصفا، وهذه الأسماء التي سمّيت بها الأفعال لا توصف، لأنها بمنزلة مثال الأمر، فكما لا يوصف مثال الأمر، كذلك لا توصف هذه الأسماء، وقول ابن كثير:
هيت لك بضم التاء لغة في ذا المعنى وحرّك الآخر بالضم، كما حرّك آخر ما ذكرته من ذيت، وحيث في أنه حرّك مرّة بالضم وأخرى بالفتح لالتقاء الساكنين. ومعنى هيت: هلمّ، وقد تقدم تفسيره بقول أبي عبيدة.
وقراءة ابن عامر فيما روى هشام عنه: هئت لك بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، وجهها أنه فعلت من الهيئة، والتاء في هئت ضمير الفاعل المسند إليه الفعل.
قال أبو زيد: هئت للأمر أهيء هيئة، وهيّأت، فهئت:
فعلت، وقال غير أبي زيد: رجل هيّئ صيّر شيّر، إذا كان حسن الهيئة والصورة، والشارة، ونظير ما حكاه أبو زيد من هئت وتهيأت قولهم: فئت وتفيّأت، وفي التنزيل يتفيأ ظلاله [النحل/ ٤٨]، وحتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات/ ٩]، فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم [البقرة/ ٢٢٦].
стр. 1775
ويجوز في قراءة من حذف الهمزة أن يقول: هيت لك بغير همز، والتاء ضمير الفاعل، أن يكون خفّف الهمزة كما تخفّف من: جئت، وشئت، وفئت، ومن الأسماء نحو: ذيب، وبير. فإن قلت: فلم لا يكون: هئت* في الآية من: هؤت بالرجل خيرا أهوء به هوءا؛ إذا أزننته به، حكاه أبو زيد، ويكون الفعل مبنيا للمفعول دون الفاعل مثل: سؤت زيدا، وسيء زيد، وسيئت، قيل: لا يشبه ذلك، لأن سياق الآية يدلّ على التهيؤ الذي هو استعداد، وليس المعنى على التّهمة والإزنان، ألا ترى أن المراودة وتغليق الأبواب إنما هو تهيّؤ وتعمّل لطلب الخلوة وما تلتمسه المرأة فيها! وأما ما رواه الحلواني عن هشام: هئت* مهموزا بفتح التاء وكسر الهاء، فهو أن يشبه أن يكون وهما من الراوي، لأن الخطاب يكون من المرأة ليوسف، وهو لم يتهيأ لها، يبيّن ذلك أن في السورة مواضع تدلّ على خلاف ذلك من قوله: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه [يوسف/ ٢٣]، وقوله: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه [يوسف/ ٣٠] وقوله: أنا راودته عن نفسه [يوسف/ ٣٢] وقوله: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب [يوسف/ ٣٢]، ولو كان على هذه الرواية لقالت له: هيت لي، فالوهم في هذه الرواية ظاهر.
[يوسف: ٢٤]
اختلفوا في كسر اللام وفتحها من قوله جلّ وعزّ:
المخلصين*، [٢٤].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: المخلصين ومخلصا* [مريم/ ٥١] بكسر اللام، وتابعهم نافع في قوله:
стр. 1776
إنه كان مخلصا في مريم بكسر اللام، وقرأ سائر القرآن المخلصين بفتح اللام، فأما ما فيه الدين [الأعراف/ ٢٩، والزمر/ ١١] أو ديني [الزمر/ ١٤]، فلم: يختلف فيه أنه بكسر اللام.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: المخلصين، ومخلصا في سائر القرآن بفتح اللام «١».
حجّة من كسر اللام من المخلصين* ومخلصا* قوله:
وأخلصوا دينهم لله [النساء/ ١٤٦]. فأما قراءة نافع في مريم: مخلصا بكسر اللام فعلى معنى أنه كان مخلصا دينه، أو مخلصا عبادته.
فأما ما فيه الدين كقوله: مخلصين له الدين [غافر/ ١٤] قل الله أعبد مخلصا له ديني [الزمر/ ١٤] فلأن الدين وديني مفعول به، وفي اسم الفاعل ذكر مرتفع بأنه فاعل. ومعنى: مخلصا له ديني: أي: أتوجه في عبادتي إليه، من غير مراءاة في ذلك، وكذلك مخلصين له الدين أي: لا يشركون في عبادته أحدا، كما قال: ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [الكهف/ ١١٠]، ولم يكونوا كمن قال: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر/ ٣]. وأقول في ذلك: أخلصت ديني لله، ولا يكون أخلصت ديني لله، كما لا يكون: أخلصوا دينهم لله، ويجوز في التي في الزّمر: وهو مخلصا له ديني أي: أخلصه أنا، ومخلصا له ديني أي: يخلص ديني له، يكون هو المخلص في المعنى، إلّا أنه بني الفعل للمفعول به، وهذا يجوز في العربية.
стр. 1777
وحجة من كسر اللام قوله: وأخلصوا دينهم لله، فإذا أخلصوا فهم مخلصون، كما أنهم إذا أخلصوا لهم كانوا مخلصين.
[يوسف: ٣١]
اختلفوا في قوله : حاشا لله [٣١].
فقرأ أبو عمرو وحده: حاشا لله بألف.
وقرأ الباقون: حاش لله بغير ألف.
حدّثني عبيد الله بن علي قال: حدّثنا نصر بن علي قال:
أخبرنا الأصمعيّ قال: سمعت نافعا يقرأ: حاشا لله فيها بألف ساكنة، كذا في الحديث «١».
أبو عبيدة: حاش لله وحاشا لله يطلقونها، وهي تبرئة واستثناء. وأنشد «٢»:
حاشا أبي ثوبان إنّ به ... ضنّا على الملحاة والشّتم
«٣» قال أبو علي: لا يخلو قولهم: حاش لله من أن يكون الحرف الجارّ، في الاستثناء، أو يكون فاعل من قولهم: حاشا يحاشي، فلا يجوز أن يكون الحرف الجارّ، لأن الحرف الجارّ
стр. 1778
لا يدخل على مثله، ولأنّ الحروف لا تحذف إذا لم يكن فيها تضعيف، فإذا لم يكن الجارّ ثبت أنه الذي على فاعل، وهو مأخوذ من الحشا الذي يعنى به: الناحية. قال الهذليّ «١»:
يقول الذي يمشي إلى الحرز أهله ... بأيّ الحشا صار الخليط المباين
فحاشا: فاعل من هذا، والمعنى أنه صار في حشا، أي:
في ناحية مما قرف فيه، أي: لم يقترفه، ولم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية، وإذا كان فعلا من هذا الذي ذكرنا، فلا بدّ له من فاعل، وفاعله يوسف، كأنّ المعنى: بعد من هذا الذي رمي به لله، أي: لخوفه ومراقبة أمره.
فأما حذف الألف فيه، فلأن الأفعال قد حذف منها نحو:
لم يك، ولا أدر، ولم أبل. وقد حذفوا الألف من الفعل في قولهم: أصاب الناس جهد، ولو تر ما أهل مكة، فإنما هو:
ترى؛ فحذفت الألف المنقلبة عن اللام، كما حذفت من حاشا من قوله: حاش لله.
ومن حجة الحذف: أنهم زعموا أنه في الخطّ محذوف، وقد قال رؤبة «٢»:
стр. 1779
وصّاني العجّاج فيما وصّني ومن ذلك قول الشاعر «١»:
ولا يتحشّى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منها فصيلها
فحاشا وحشّى بمنزلة: ضاعف وضعّف، وتحشّى مطاوع حشّ، وإن لم أسمع فيه حشّى، فهذا لم يستعمل ما هو مطاوع له، كما أنّ قولهم: انطلق كذلك، والمعنى: لا يصير الفحل من عقره في ناحية، أي: لا يمنعه ذلك من عقره للنحر وإطعام الضيف، وكذلك: لا يمنع المرباع فصيلها، أي: لا يمنع المرباع من عقره لها فصيلها إشفاقا عليه، ولكن يعقرها، كما يعقر الفحل.
وأما قول أبي عمرو: حاشا فإنه جاء به على التمام، والأصل، قال أبو الحسن: ولم أسمعها إلا أنها قد كثرت في القراءة، فكأنه تمّم لأنه رأى الحذف في هذا النحو قليلا، ويدلّ على جودة التمام: أنّ «ترى» وإن كانت قد حذفت في بعض المواضع، فإتمامها جيّد، فكذلك حاشا.
[يوسف: ٤٧]
اختلفوا في إسكان الهمزة وتحريكها وإسقاطها من قوله تعالى: دأبا [يوسف/ ٤٧].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحمزة،
стр. 1780
والكسائي: دأبا ساكنة الهمزة؛ إلا أنّ أبا عمرو كان إذا أدرج القراءة لم يهمزها.
وروى حفص عن عاصم: دأبا بفتح الهمزة. وروى أبو بكر [عنه] ساكنة الهمزة، وكذلك روى موسى الزابي عن عاصم بالفتح «١».
الأكثر في دأب* الإسكان، ولعلّ الفتح لغة فيكون كشمع وشمع، ونهر ونهر. وقصّ وقصص، وانتصاب دأبا لمّا قال: تزرعون [يوسف/ ٤٧] دلّ على تدأبون فانتصب دأبا بما دلّ عليه تزرعون وغير سيبويه يجيز أن يكون انتصابه ب تزرعون كأنه إذا قال: تزرعون وفيه علاج ودءوب؛ فقد قال: تدأبون، فانتصب دأبا به لا بالمضمر.
[يوسف: ٤٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله: وفيه يعصرون [يوسف/ ٤٩].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
يعصرون بالياء.
وقرأ حمزة والكسائي: تعصرون بالتاء «٢».
قوله: يعصرون يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون العصر الذي يراد به الضغط الذي يلحق ما فيه دهن أو ماء، نحو: الزيتون، والسّمسم والعنب والتمر ليخرج ذلك منه! وهذا
стр. 1781
يمكن أن يكون تأويل الآية عليه «١»، لأن من المتأولين من يحكي أنهم لم يعصروا أربع عشرة سنة زيتا ولا عنبا، فيكون المعنى: تعصرون للخصب الذي أتاكم، كما كنتم تعصرون أيام الخصب وقبل الجدب الذي دفعتم إليه، ويكون:
يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء إلى ما تقدّر النجاة به، قال ابن مقبل «٢»:
وصاحبي وهوه مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش
«٢» والعصر أي: يحول بينه وبين الملجأ الذي يقدّر به النجاة.
وقال آخر «٤»:
في ضريح عليه عبء ثقيل ... ولقد كان عصرة المنجود
стр. 1782
وقال أبو عبيدة: تعصرون: تنجون. وأنشد للبيد «١»:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقّافا بغير معصّر
قال: والعصر: المنجاة «٢»، قال عدي «٣»:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
فأما من قال: يعصرون بالياء «٤»، فإنه جعل الفاعلين الناس، لأن ذكرهم قد تقدّم هذا الفعل.
ومن قال: تعصرون، وجّه الخطاب إلى المستفتين الذين قالوا: أفتنا في كذا، وعلى هذا قالوا: إلا قليلا مما تحصنون [يوسف/ ٤٨]، إلا أن الناس أقرب إلى الفعل منهم ويجوز: أن يكون أريد المستفتون وغيرهم، إلا أنه حمل الكلام
стр. 1783
على المخاطبين. لأن الخطاب والغيبة، إذا اجتمعا غلّب الخطاب على الغيبة، كما يغلب التذكير على التأنيث.
[يوسف: ٥٦]
وقرأ ابن كثير وحده: يتبوأ منها حيث نشاء [يوسف/ ٥٦] بالنون.
وقرأ الباقون بالياء «١».
قال أبو علي: يتبوأ منها حيث يشاء من قال: حيث يشاء، فيشاء مسند إلى فعل الغائب، كما كان يتبوأ كذلك.
ويقوي ذلك: وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر/ ٧٤]. وكما أن قوله: حيث نشاء وفق فعل المتبوءين فكذلك قوله: حيث يشاء وفق لقوله: يتبوأ في إسناده إلى الغيبة.
وأما قراءة ابن كثير حيث نشاء فإنه على أحد وجهين:
إما يكون أسند المشيئة إليه، وهي ليوسف في المعنى، لأن مشيئته لما كانت بقوّته وإقداره عليها جاز أن ينسب إلى الله سبحانه، وإن كان في المعنى ليوسف، كما قال: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال/ ١٧]، فأضيف الرمي إلى الله سبحانه لما كان بقوته، وإن كان الرمي للنبي ﵌.
والآخر: أن يكون الموضع المتبوّأ مواضع نسك وقرب، أو مواضع يقام فيها الحقّ من أمر بمعروف أو نهي عن منكر،
стр. 1784
فالتبوّؤ في نحو هذه الأماكن والمكث فيها قرب إلى الله سبحانه، فهو يشاؤه ويريده.
ويقوي النون أن الفعل المعطوف عليه كذلك، وهو:
نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين [يوسف/ ٥٦]، فأما اللام في قوله: مكنا ليوسف [يوسف/ ٢١]، وفي قوله: إنا مكنا له في الأرض [الكهف/ ٨٤] فيجوز أن يكون على حدّ التي في قوله: ردف لكم [النمل/ ٧٢] وللرؤيا تعبرون [يوسف/ ٤٣]، يدلّ على ذلك قوله: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه [الأحقاف/ ٢٦]، وقوله: مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم [الأنعام/ ٦]. وتكون اللام في قوله: ما لم نمكن لكم على هذا أيضا.
وقوله: يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكّنّاه متبوّئا حيث يشاء، فأما قوله: حيث يشاء فيحتمل موضعه أمرين، أحدهما: أن يكون في موضع نصب بأنه ظرف، والآخر: أن يكون في موضع بأنه مفعول به، ويدل على جواز هذا الوجه قول الشمّاخ «١»:
وحلّأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النّواحز
[يوسف: ٦٢]
اختلفوا في النون والتاء من قوله : وقال لفتيانه [يوسف/ ٦٢].
стр. 1785
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: لفتيته بالتاء.
واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه مثل أبي عمرو، وروى حفص عنه لفتيانه مثل حمزة بالنون.
وقرأ حمزة والكسائي: لفتيانه بالنون.
الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان في الكثير، فمثل فتى وفتية، أخ وإخوة، وولد وولدة، ونار ونيرة، وقاع وقيعة، ومثل الفتيان: برق وبرقان، وخرب وخربان وجار وجيران وتاج وتيجان. وقد جاء فعله في العدد القليل، فيما زادت عدّته على ثلاثة أحرف: نحو: صبيّ وصبية، وغلام وغلمة، وعلي وعلية.
فوجه البناء الذي للعدد القليل: أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكفون من الكثير.
ووجه الجمع الكثير: أنه يجوز أن يقال ذلك للكثير، ويتولى الفعل منهم القليل. ويقوّي البناء الكثير قوله: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم [يوسف/ ٦٢]، فكما أن الرحال للعدد الكثير، لأن جمع القليل: أرحل: فكذلك المتولّون ذلك يكونون كثرة.
وقال أبو الحسن: كلام العرب: قل لفتيانك، وما فعل فتيانك؟ وإن كانوا في أدنى العدد، إلا أن يقولوا: ثلاثة
стр. 1786
وأربعة، فإن قلت: هلّا كان فتية، أولى لقوله: إذ أوى الفتية إلى الكهف [الكهف/ ١٠]، ولقوله: فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه [يوسف/ ٧٦]، والأوعية للعدد القليل؟ قيل: لا دلالة على ما ذكرت من واحد من الأمرين، فأما قوله: الفتية في أصحاب الكهف، فزعموا أنهم كانوا أقل من عشرة، وأما قوله: فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، فإنه وإن كان أفعلة لأدنى العدد، فإنه في هذا الباب يجوز أن يعنى به العدد الكثير، ألا ترى أنه لا يستعمل في هذا الباب البناء الذي لأكثر العدد، وهو فعل، فإذا رفضوا ذلك فيه، ولم
يستعملوه، جاز أن يعنى به العدد الكثير، ألا ترى أن قولهم: رداء وكساء، ورشاء، وعباء، لا يقال في تكسيره إلّا: أعبية وأردية، وأرشية، وأكسية، ولم يجيء شيء منه على فعل، لأنه لو جاء على ذلك لم يخل من أن تخفف العين كما خفّف في رسل، ورسل، أو تثقّل كما ثقلت العين في رسل، فإن خففت العين في ذلك، لم يجز، لأن العين إذا خفّفت في هذا النحو كان في حكم التثقيل بدلالة قولهم: لقضو الرجل، ورضي، وغزي، فكما أن التخفيف في حكم التثقيل لتقريرهم حروف اللين على ما هي عليه، والحركة ثابتة غير محذوفة، كذلك في فعل، لو خفّف فقيل: رشي، كان في حكم التثقيل، ولم يثقل لما كان يلزم من القلب والإعلال، وقد يقوم البناء الذي للقليل مقام البناء الذي للكثير، وكذلك الكثير يقوم مقام القليل حيث لا قلب ولا إعلال، وذلك نحو: أرجل، وأقدام وأرسان، وفي الكثير قولهم: ثلاثة شسوع؛ فإذا فعل ذلك فيما لا إعلال فيه،
стр. 1787
فأن يرفض فيما يؤدي إلى ما ذكرنا من الإعلال والقلب أولى.
فأما قولهم: ثن في جمع ثنيّ، فمن الشاذّ الذي لم يعدّ إلى غيره، ورفض فيما عداه.
[يوسف: ٦٣]
اختلفوا في الياء والنون من قوله : نكتل [يوسف/ ٦٣].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر.
نكتل بالنون.
وقرأ حمزة والكسائي: يكتل بالياء «١».
يدلّ على النون قوله: ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير [يوسف/ ٦٥]، ألا ترى أنهم إنما يميرون أهلهم مما يكتالونه، فيكون نكتل مثل نمير، وأيضا فإذا قالوا: نكتل، جاز أن يكون أخوهم داخلا معهم، وإذا قالوا: يكتل بالياء لم يدخلوا هم في هذه الجملة، وزعموا أن في قراءة عبد الله:
نكتل بالنون، وكان بالنون لقولهم: منع منّا الكيل لغيبة أخينا، فأرسله نكتل ما منعناه، لغيبته.
ووجه الياء كأنه يكتل هو حمله، كما نكتال نحن أحمالنا.
[يوسف: ٨٠]
قال أحمد: روى خلف والهيثم عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: فلما استأيسوا منه [يوسف/ ٨٠] بغير همز.
стр. 1788
ومحمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير مثله.
وقرأ الباقون: استيأسوا منه الهمزة بين السين والياء، وكذلك قرأت على قنبل عن ابن كثير: استيأسوا مثل حمزة ولا تيأسوا [يوسف/ ٨٧].
وكلّهم قرأ في آخرها: استيأس الرسل [١١٠] إلا ما ذكرت عن ابن كثير «١».
قولهم: يئس واستيأس مثل: عجب واستعجب، وسخر واستسخر، وفي التنزيل: وإذا رأوا آية يستسخرون [الصافات/ ١٤]، وقال أوس «٢»:
ومستعجب ممّا يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومن قال: استأيس الرسل قلب العين إلى موضع الفاء فصارت استعفل «٣»، ولفظه استأيس، ثم خفّف الهمزة وأبدلها ألفا لسكونها، وانفتاح ما قبلها فصار مثل راس وفاس، فإن قلت:
فلم لا يكون استيأس فأبدل من الياء الألف وإن كانت ساكنة كما قلب قوم نحو: يا تعد، ويا تزر، وياتيس؟ قيل: لو كان كذلك لكان: فلمّا استاأسوا، فكانت الهمزة التي هي عين مخففة، فإن خفّفها كانت بين بين كالتي في هاأة. والرواية عن ابن كثير: استأيسوا بالياء والهمزة لا تقلب ياء في هذا النحو
стр. 1789
في التخفيف القياسيّ. وقد قلب هذا الحرف في غير هذا الموضع قالوا: أيس يأيس، وهذا مقلوب من يئس ييأس، وهو الأصل. يدلّك على ذلك، أن المصدر لا نعلمه جاء إلّا على تقديم الياء نحو قوله «١»:
من يأسة اليائس أو حدادا ونحو ما أنشده أبو زيد «٢»:
بلا عزف تسلو ولكن يآسة ... وأشفى لمطلول العلاقة لو يسلو
فأما قولهم: الإياس وتسميتهم الرجل إياسا فليس مصدر أيس، ولو كان كذلك لكان من باب جبذ وجذب في أنّ كلّ واحد منهما أصل على حدة، وليس أحدهما مقلوبا عن
صاحبه، ولكن إياسا مصدر أسته أؤوسه أوسا: إذا أعطيته، والإياس مثل القياس والقياد، وإنّما سمّي الرجل بإياس «٣» وأوس كما سمّي بعطاء وعطيّة، ومن ذلك قول النابغة الجعدي «٤»:
وكان الإله هو المستآسا
стр. 1790
إنما هو مستفعل من العطاء، أي: يسأل أن يعطي، ومن فسره من أهل اللغة على غير هذا، فإنما هو تفسير على المعنى دون ما عليه اللفظ، فأمّا الأسو فهو من قولك: أسوت الجرح أأسوه أسوا، والفاعل آس كما ترى، والمفعول: مأسوّ وأسيّ.
وقول الحطيئة «١»:
... الأطبّة والإساء الإساء: فعال، مثل صاحب وصحاب، وآم وإمام، ومنه: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان/ ٧٤] في قول أبي الحسن، وقالوا: أسيّ فعيل مثل أسير، ومن ثم جمع على أساوى مثل أسارى. قال «٢»: