← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

بني الفعل للمفعول به نقص مفعول من المفعولين، لأن أحدهما يقوم مقام الفاعل في إسناده فيبقى متعديا إلى مفعول واحد، وعلى هذا قوله: ويلقون فيها تحية وسلاما [الفرقان/ ٧٥] وفي البناء للفاعل: ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان/ ١١]. وإمالة حمزة والكسائي القاف حسنة وتركها حسن. [الاسراء: ١٦] قال: ولم يختلفوا في قوله: أمرنا مترفيها [١٦] أنها خفيفة الميم، إلا ما روى خارجة عن نافع: (آمرنا) ممدودة مثل: آمنا، حدّثني موسى بن إسحاق القاضي قال: حدثنا هارون بن حاتم، قال: حدّثنا أبو العباس ختن ليث قال: سمعت أبا عمرو يقرأ: (أمرنا مترفيها)، مشدّدة الميم. وروى نصر بن عليّ عن أبيه عن حماد بن سلمة، قال سمعت ابن كثير يقرأ: (آمرنا) ممدودا «١». قال أبو عبيدة: (أمّرنا) «٢» أي: أكثرنا، يقال: أمر بنو فلان، إذا كثروا، وأنشد للبيد: إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للقلّ والنّفد «٣» قال: وقال بعضهم أمرنا [مثل أخذنا وهي] في معنى: أكثرنا،

стр. 1892

قال: وزعم يونس أن أبا عمرو قال: لا يكون في هذا المعنى أمرنا، قال أبو عبيدة: وقد وجدنا تثبيتا لهذه اللغة: «سكّة مأبورة، ومهرة مأمورة» «١». أي: كثيرة الولد. قال: وقال قوم: أمرنا: من الأمر والنهي «٢». قال أبو علي: لا يخلو قوله: أمرنا فيمن خفّف العين، من أن يكون فعلنا من الأمر، أو من: أمر القوم، وأمرتهم، مثل شترت عينه، وشترتها، ورجع ورجعته، وسار وسرته. فمن لم ير أن يكون أمرنا من أمر القوم، إذا كثروا، كأبي عمرو، فإنّ يونس حكى ذلك عنه، فإنّه ينبغي أن يجعل أمرنا من الأمر الذي هو خلاف النهي، ويكون المعنى أمرناهم بالطاعة فعصوا، وفسقوا. ومن قال: (آمرنا مترفيها) فإنه يكون: أفعلنا، من أمر القوم، إذا كثروا، وآمرهم الله، أي: أكثرهم. وذلك إن ضاعف فقال: أمّرنا، ونظير ذلك قولهم: سارت الدابة وسيّرتها، وسرتها، وفي التنزيل: هو الذي يسيركم في البر والبحر [يونس/ ٢٢]. وقال لبيد: لسيّان حرب أو تبوءوا بخزية ... وقد يقبل الضّيم الذليل المسيّر «٣» وكما عدّي بتضعيف العين، كذلك يعدّى بالنقل بالهمز، فيكون آمرنا. وزعم الجرميّ أن آمرنا أكثر في اللغة، ومثل أمر وأمرته، سلك وسلكته، وفي التنزيل: كذلك سلكناه في قلوب المجرمين

стр. 1893

[الحجر/ ١٢] وما سلككم في سقر [المدثر/ ٤٢] وقال: حتّى إذا سلكوهم في قتائدة «١» ... ويقوّي حمل أمرنا على النقل من أمر، وإن لا يجعل من الأمر الذي هو خلاف النهي، لأن الأمر بالطاعة على هذا يكون مقصورا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه، من مترف وغيره، ويحمل أمرنا على أنه مثل: آمرنا. ونظير هذا كثر وأكثره الله وكثره، ولا يحمل أمرنا على المعنى: جعلناهم أمراء، لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّة أمراء، فإن قلت: يكون منهم الواحد بعد الواحد، فإنهم إذا كانوا كذلك لا يكثرون في حال، وإنما يهلك الله لكثرة المعاصي في الأرض، وعلى هذا جاء الأمر في التنزيل في قوله: يا عباد الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون [العنكبوت/ ٥٦] فأمرهم بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها المعاصي إلى ما كان بخلاف هذه الصفة. ومما جاء فيه أمر بمعنى الكثرة قول زهير: والإثم من شرّ ما يصال به ... والبرّ كالغيث نبته أمر «٢» فقوله: أمر: اسم الفاعل من أمر يأمر، وزعموا أن في حرف أبيّ (بعثنا فيها أكابر مجرميها) «٣» فهذا يقوي معنى الكثرة.

стр. 1894

[الاسراء: ٢٣] اختلفوا في فتح الفاء وكسرها من قوله: فلا تقل لهما أف والتنوين [٢٣]. فقرأ ابن كثير، وابن عامر (أفّ ولا) بفتح الفاء. وقرأ نافع: أف ولا بالتنوين، وكذلك في الأنبياء [٦٧] والأحقاف [١٧] حفص عن عاصم مثله. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي (أفّ) خفضا بغير تنوين «١». قول ابن كثير: (أفّ ولا) الفاء فيه مبني على الفتح، لأنه وإن كان في الأصل مصدرا في قولهم: أفة وتفة، يراد بها: نتنا وذفرا، قد سمّي الفعل به فبني، وهذا في البناء على الفتح كقولهم: «سرعان ذي إهالة» «٢» كما صار اسما لسرع، وكذلك أفّ، لما كان اسما لأتكره وأتفجّر ونحو ذلك، ومثل سرعان قولهم: وشكان ذلك، وأنشد أبو زيد: لو شكان لو غنيتم وشمتم ... بإخوانكم والعزّ لم يتجمّع «٣» ومثل ذلك قولهم: رويد، في أنه سمّي به الفعل فبني ولم يلحق

стр. 1895

التنوين، إلا أن هذا في الأمر والنهي، وأفّ في الخبر. وقال: رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم ... إلينا ولكن بغضهم متماين «١» وقول نافع: أف ولا فإنه في البناء على الكسر مع التنوين مثل (أفّ) في البناء على الفتح، إلا أنه بدخول التنوين دل على التنكير مثل إيه، وصه، ومثله قولهم: فداء لك، فبنوه على الكسر وإن كان في الأصل مصدرا، كما كان أفة في الأصل كذلك، ومن قال: أفّ، ولم ينون جعله معرفة فلم ينوّن، كما أن من قال: صه وغاق «٢» فلم ينوّن أراد به المعرفة، فإن قلت: ما موضع أفّ في هذه اللغات بعد القول، هل يكون موضعه نصبا كما ينتصب المفرد بعده، أو كما تكون الجمل؛ فالقول إن موضعه موضع الجمل، كما أنك لو قلت: رويد، لكان موضعه موضع الجمل، وكذلك لو قلت: فدا. قال أبو الحسن: وقول الذين قالوا: أفّ أكثر وأجود، ولو جاء أفّ لك، وأفّا لك، لاحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الذي صار اسما للفعل، لحقه التنوين لعلامة التنكير. والآخر: أن يكون نصبا معربا، وكذلك الضم، فإن لم يكن معه لك كان ضعيفا، ألا ترى أنك لا تقول: ويل حتى توصل به: لك، فيكون في موضع الخبر.

стр. 1896

[الاسراء: ٢٣] اختلفوا في التوحيد والتثنية من قوله : إما يبلغن عندك [الإسراء/ ٢٣]. فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر: (إمّا يبلغن عندك) على واحد. وقرأ حمزة والكسائي: (يبلغان) «١». قال أبو علي: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما) مرتفع بالفعل وقوله: أو كلاهما معطوف عليه. والذكر الذي عاد من قوله (أحدهما) يغني عن إثبات علامة الضمير في (يبلغان) فلا وجه لمن قال: إن الوجه ثبات الألف لتقديم ذكر الوالدين. ووجه ذلك أنه على الشيء الذي يذكر على وجه التوكيد، ولو لم يذكر لم يقع بترك ذكره إخلال نحو قوله: أموات غير أحياء [النحل/ ٢١] وقوله: غير أحياء توكيد، لأن قوله أموات قد دلّ عليه. [الاسراء: ٣١] اختلفوا في قوله جل وعز: خطئا كبيرا [٣١]. فقرأ ابن كثير: (خطاءا كبيرا)، مكسورة الخاء، ممدودة مهموزة وقرأ ابن عامر: (خطأ) بنصب الخاء. والطاء وبالهمز من غير مدّ. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: خطأ مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموز مقصور. وروى عبيد عن شبل عن ابن كثير خطأ مثل أبي عمرو «٢». قول ابن كثير: (خطاءا كبيرا)، يجوز أن يكون مصدر خاطأ،

стр. 1897

وإن لم يسمع خاطأ، ولكن قد جاء ما يدل عليه. وذلك أن أبا عبيدة أنشد: تخاطأت النّبل أحشاءه «١» وأنشد محمد بن السّري في وصف كمأة: وأشعث قد ناولته أحرش القرى أربّت عليه المدجنات الهواضب «٢» تخاطأه القعّاص حتى وجدته وخرطومه «٣» في منقع الماء راسب فتخاطأت يدلّ على خاطأ لأن تفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فعل. وقول ابن عامر: (خطأ) فإن الخطأ ما لم يتعمّد، وما كان المأثم فيه موضوعا عن فاعله، وقد قالوا: أخطأ في معنى خطئ، كما أن خطئ في معنى أخطأ، وقال: عبادك يخطئون وأنت ربّ ... كريم لا تليق بك الذموم «٤» ففحوى الكلام أنهم خاطئون، وفي التنزيل: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة/ ٢٨٦] فالمؤاخذة عن المخطئ موضوع، فهذا

стр. 1898

يدلّ على أن أخطأنا في معنى خطئنا، وكما جاء أخطأ في معنى خطئ، كذلك جاء خطئ في معنى أخطأ في قوله: يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا «١» وفي قول الآخر: والناس يحلون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد «٢» أي: أخطئوه. فكذلك قول ابن عامر: خطأ في معنى خطئا جاء الخطأ في معنى الخطء، كما جاء خطئ في معنى الخطأ. ووجه قول من قرأ: خطأ بيّن، يقال: خطئ يخطأ خطئا: إذا تعمد الشيء، حكاه الأصمعى، والفاعل منه خاطئ، وقد جاء الوعيد فيه في قوله : لا يأكله إلا الخاطئون [الحاقة/ ٣٧] ويجوز في قول ابن عامر أن يكون الخطأ لغة في الخطء. مثل: المثل والمثل، والشّبه والشّبه، والبدل والبدل. وقال أبو الحسن: هذا خطاء من رأيك. فيمكن أن يكون خطاء لغة فيه أيضا. [الاسراء: ٣٣] اختلفوا في الياء والتاء من قوله: (فلا تسرف في القتل) [٣٣]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم: فلا يسرف بالياء جزما.

стр. 1899

وقرأ حمزة وابن عامر والكسائي بالتاء جزما «١». قوله: فلا يسرف في القتل: فاعل يسرف يجوز أن يكون أحد شيئين: أحدهما: أن يكون القاتل الأول فيكون التقدير: فلا يسرف القاتل في القتل، وجاز أن يضمر، وإن لم يجر له ذكر، لأن الحال يدل عليه. فإن قلت: أمر بأن لا يسرف في القتل، والإسراف: مجاوزة الاقتصاد، بدلالة قوله: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان/ ٦٧] أي: كان قصدا بين السرف وأن يقتر، ولا يكون في القتل قصد بين شيئين كما كان ذلك في الإنفاق، قيل: لا يمتنع أن يكون فيه الإسراف كما جاء في أموال اليتامى: ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا [النساء/ ٦] ولم يجز أن يأكل منه على الاقتصاد ولا على غيره. لقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [النساء/ ١٠] وقال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [الإسراء/ ٣٤] فحظر كل مال اليتيم حظرا عاما على جميع الوجوه، فكذلك لا يمتنع أن يقال للقاتل الأول: لا تسرف في القتل، لأنه يكون لقتله مسرفا، ويدلّ على جواز وقوع الإسراف عليه قوله: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر/ ٥٣] والقاتل يدخل في هذا في قوله: إنه كان منصورا، لقوله: ومن قتل مظلوما تقديره: فلا يسرف القاتل المبتدئ في القتل، لأنّ من قتل مظلوما كان منصورا كأن يقتصّ له وليّه أو السلطان إن لم يكن له وليّ

стр. 1900

غيره، ليكون هذا ردعا للقاتل عن القتل. كما أن قوله: ولكم في القصاص حياة [البقرة/ ١٧٩] كذلك، فالوليّ إذا اقتصّ فإنما يقتصّ للمقتول، ومنه انتقل إلى الوليّ بدلالة أن المقتول لو أنّه أبرأ من السبب المؤدّى إلى القتل لم يكن للولي أن يقتص، ولو صالح الوليّ من العمد على مال، كان للمقتول أن يؤدّي منه ديته «١»، ولا يمتنع أن يقال في المقتول: منصور، لأنّه قد جاء: ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا [الأنبياء/ ٧٧]. والآخر: أن يكون في (يسرف) ضمير الولي فلا يسرف الولي في القتل، وإسرافه فيه: أن يقتل غير من قتل، أو يقتل أكثر من قاتل وليه، وكان مشركوا العرب يفعلون ذلك، والتقدير: فلا يسرف الوليّ في القتل، إن الولي كان منصورا بقتل قاتل وليّه، والاقتصاص من القاتل. ومن قرأ: (فلا تسرف) بالتاء، احتمل أيضا وجهين: أحدهما: أن يكون المبتدئ القاتل ظلما، فقيل له: لا تسرف أيها الإنسان فتقتل ظلما من ليس لك قتله، إن من قتل ظلما كان منصورا بأخذ القصاص له. والآخر: أن يكون الخطاب للوليّ فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الوليّ، فتعدّى قاتل وليّك إلى من لم يقتله، إن المقتول ظلما كان منصورا، وكلّ واحد من المقتول ظلما. ومن وليّ المقتول قد تقدّم ذكره في قوله: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [الإسراء/ ٣٣].

стр. 1901

[الاسراء: ٣٥] اختلفوا في ضم القاف وكسرها من قوله : بالقسطاس [الإسراء/ ٣٥]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: (بالقسطاس) بضم القاف. وفي الشعراء [١٨٢] مثله. حفص عن عاصم بالقسطاس كسرا. وقرأ حمزة والكسائي بكسر القاف فيهما جميعا «١». قال: القسطاس والقسطاس لغتان، ومثله القرطاس والقرطاس. قال أبو الحسن: الضمّ في القسطاس أكثر. وهذا كقوله: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان [الرحمن/ ٩]، وكقوله: الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون [المطففين/ ٢، ٣] وكقوله: ولا تنقصوا المكيال والميزان [هود/ ٨٤] والوعيد في البخس في المكيال والميزان إنما يلحق من نقص أو بخس ما يتقارب بين الكيلين والوزنين، فأمّا ما لا يتقارب من الزيادة والنقصان بينهما فهو إن شاء الله موضوع، لأن ذلك لا يخلو الناس منه، فليس عليهم إلا الاجتهاد في الإيفاء. وكذلك جاء في الأنعام لما ذكرهما لا نكلف نفسا إلا وسعها [الأنعام/ ١٥٢] إنما عليه الاجتهاد في تحرّيه الإيفاء وقصده له، وأما ما لا يضبط فموضوع عنه، لأنه لم يكلّف في ذلك إلا الوسع. [الاسراء: ٣١] اختلفوا في الإضافة والتنوين من قوله: كان سيئه عند ربك [الإسراء/ ٣٨].

стр. 1902

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (سيّئة) غير مضاف مؤنثا. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: سيئه مضافا مذكّرا «١». زعموا أن الحسن قرأ: كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [الإسراء/ ٣٨] وقال: قد ذكر أمورا قبل منها حسن ومنها سيّئ، فقال: كل ذلك كان سيئه لأن فيما ذكر الحسن والسّيّئ من المذكور المكروه، ويقوّي ذلك قوله: مكروها التذكير فيه، ولو كان (سيّئه) غير مضاف لزم أن يكون مكروهة، فإن قيل: إن التأنيث غير حقيقي، ولا يمتنع أن يذكّر، قيل: تذكير هذا لا يحسن، وإن لم يكن حقيقيا لأن المؤنث قد تقدّم ذكره، ألا ترى أن قوله: ولا أرض أبقل إبقالها «٢» مستقيم عندهم ولو قال: أبقل أرض، لم يستقبح، فليس ما تقدّم ذكره مما أريت بمنزلة ما لم يتقدّم ذكره، لأن المتقدم الذكر ينبغي أن يكون الراجع وفقه، كما يكون وفقه في التثنية والجمع، فإذا لم يتقدّم له ذكر لم يلزم أن يراعى هذا الذي روعي في المتقدم ذكره. وجه من قال: (كل ذلك كان سيئه) أنه يشبه أن يكون لما رأى الكلام انقطع عند قوله ذلك خير وأحسن تأويلا [الإسراء/ ٣٥] وكان الذي بعد من قوله: ولا تقف ما ليس لك به علم [٣٦] أمرا حسنا فيه. كما كان بعد قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [٢٣] إلى

стр. 1903

قوله: ولن تبلغ الجبال طولا [٣٧] منه حسن ومنه سيّئ، قال: (كل ذلك كان سيئة)، فأفرد ولم يضف. فإن قلت: فكيف ذكر المؤنث في قوله: مكروها فإنه يجوز أن لا يجعله صفة لسيئة، فيلزم أن يكون له فيه ذكر، ولكن يجعله بدلا، ولا يلزم أن يكون في البدل ذكر المبدل منه كما وجب ذلك في الصفة ويجوز أن يكون قوله: مكروها حالا من الذكر الذي في قوله: عند ربك على أن يجعل عند ربك مكروها صفة للنكرة سيئة. والسيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما مأخوذ بها، وحسنة مثاب عليها، كقوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها [الأنعام/ ١٦٠] وتكون الحسنة والسيئة لما يستثقل في الطباع أو يستخفّ نحو قوله: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف/ ١٣١] وكقوله: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا [الأعراف/ ٩٥] فهذا على الخصب والجدب، وكذلك الفساد قد يكون فسادا معاقبا عليه كقوله: ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين [القصص/ ٧٧] ويكون على ذلك: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [الروم/ ٤١] فهذا على الجدب، والبحر: الريف «١» قال: حسبت فيه تاجرا بصريّا ... نشر من ملائه البحريّا «٢»

стр. 1904

وكذلك السوء كقوله: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين [النحل/ ٢٧] وقوله: تخرج بيضاء من غير سوء [طه/ ٢٢] ومن الجدب والخصب قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فقوله: فمن نفسك اي: عقوبة معجلة، كما أنّ قوله: بما كسبت أيدي الناس كذلك. [الاسراء: ٤١] اختلفوا في تشديد الذال وتخفيفها من قوله جل وعز: ليذكروا [الإسراء/ ٤١]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ليذكروا مشدّدا، وكذلك في الفرقان [٥٠]. وقرأ حمزة والكسائي (ليذكروا) وكذلك في الفرقان بالتخفيف «١». ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا أي: صرّفنا القول فيه كما قال: ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون [القصص/ ٥١] فهذا حجة من قال: ليذكروا، فالتّذكر هنا أشبه من الذكر، لأنه كأنه يراد به التدبّر، وليس التذكّر الذي بعد نسيان، ولكن كما قال: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب [ص/ ٢٩]، فإنّما المعنى: ليتدبروه بعقولهم، وليس المراد ليتذكروه بعد نسيانهم. ووجه التخفيف أن التخفيف قد جاء في هذا المعنى، قال: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه [البقرة/ ٦٣] فهذا ليس على: لا تنسوا، ولكن تدبروه يقوي ذلك: خذوا ما آتيناكم بقوة [البقرة/ ٩٣]

стр. 1905

ففي هذا بعث على البصر فيه والتدبر له، والأوّل لهذا المعنى ألزم به وأخصّ. فأمّا قوله: واذكروه كما هداكم [البقرة/ ١٩٨] فيراد به الذكر باللسان، لأن ضروب الذكر من التلبية وغيرها مندوب إليها، وكذلك قوله: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [البقرة/ ٢٠٠] وكذلك ما في القرآن من قوله: ولقد صرفناه بينهم ليذكروا [الفرقان/ ٥٠] أي: ليدبروا نعمة الله عليهم في سقياهم ويشكروه عليها، فأبى أكثر الناس إلا كفورا [الفرقان/ ٥٠]. فقوله: فأبى أكثر الناس إلا كفورا قريب من قوله: وما يزيدهم إلا نفورا [الإسراء/ ٤١] أي: ما يزيدهم تصريفنا الآيات لهم وتكريرها إلا نفورا منهم عنها. فهذا على أنهم ازدادوا كفورا عند تفصيل الآي لهم، لا لأن تصريف الآي نفّرهم، ومثل هذا قوله: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة/ ١٢٥] وكقوله في الأصنام: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم/ ٣٦] وإنما ضلّوا هم بعبادتها لا أنها هي فعلت بهم شيئا من ذلك، ويدلّ على أنّ التذكر قد لا يكون عن النسيان قوله: تذكّر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل «١» [الاسراء: ٤٢، ٤٣، ٤٤] اختلفوا في الياء والتاء من قوله: آلهة كما يقولون ... عما يقولون ... يسبح [الإسراء/ ٤٢، ٤٣، ٤٤].

стр. 1906

فقرأ ابن كثير: آلهة كما يقولون بالياء: عما يقولون (يسبح له)، ثلاثتهنّ بالياء. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: (كما تقولون) بالتاء هذه وحدها، عما يقولون (يسبح) بالياء في هذين الموضعين. وقرأ أبو عمرو: (آلهة كما تقولون) بالتاء عما يقولون بالياء، تسبح بالتاء. وروى حفص عن عاصم آلهة كما يقولون بالياء، سبحانه وتعالى عما يقولون كلاهما بالياء، تسبح بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي: (آلهة كما تقولون) تسبح كلّهن بالتاء «١». من قرأ بالياء عما يقولون فالمعنى: عما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه فهو مثل قوله: (قل للذين كفروا سيغلبون) [آل عمران/ ١٢] لأنهم غيب. فأما من قرأ: سبحانه وتعالى عما يقولون، فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعطف على يقولون كما عطف قوله: (يحشرون إلى جهنّم) على (سيغلبون). والآخر: أن يكون نزّه نفسه سبحانه عن دعواهم، فقال: سبحانه وتعالى عما يقولون وقراءة نافع وعاصم وابن عامر: (كما تقولون) على ما تقدم. وقوله: عما يقولون على أنه نزّه نفسه عن قولهم، ويجوز أن تحمله على القول، كأنه: قل أنت: سبحانه وتعالى عما يقولون. فأما قوله: كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا وذلك

стр. 1907

أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، فقيل لهم: إن الذين عبدتموهم وجعلتموهم آلهة معه يبتغون أن يتخذوا إلى ذي العرش سبيلا بعبادتهم له وتقرّبهم إليه لها، ومثل ذلك قوله: إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [الدهر/ ٢٩] فهذا قول، وقال قوم من أهل التأويل: إنّ قوله: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا اتخذت سبيلا إلى مضادّته وممانعته، وزعموا أن ذلك بمنزلة قوله: وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله [المؤمنون/ ٩١] وتعالى عما يقولون مما يدعونه ويفترونه من اتخاذ الولد، ومن أن يكون معه آلهة. فأما قوله: تسبح له السموات السبع [الإسراء/ ٤٤] فكل واحد من الياء والتاء حسن وقد تقدم ذكر ذلك في مواضع، وزعموا أن في حرف عبد الله: (سبحت له السموات) فهذا يقوّي التأنيث هنا. [الاسراء: ٤٩] اختلفوا في قوله : أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون [الإسراء/ ٤٩]. فقرأ ابن كثير (أيذا) يهمز، ثم يأتي بياء ساكنة من غير مدّ: أيذا، (أينّا) مثله، وكذلك في كلّ القرآن. وكذلك روى أحمد بن صالح عن ورش وقالون عن نافع، غير أن نافعا كان لا يستفهم في أئنا، كان يجعل الثاني خبرا في كلّ القرآن. وكذلك مذهب الكسائي غير أنه يهمز الأولى همزتين، وقد بيّنت قراءتهما، وما كانا يقولان في سورة النمل [٦٧] والعنكبوت [٢٨] في قوله: أئنا لمخرجون. وفي قوله: (أئنّكم لتأتون الفاحشة)، وشرحته في سورة الرّعد [٥].

стр. 1908

وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا. وكان ابن عامر يقرأ: (إذا كنّا) بغير استفهام بهمزة واحدة. (أئنّا) بهمزتين، كان يمد بين الهمزتين مدّة، أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن بكر عن هشام بن عمار. وقرأ أبو عمرو: (آئذا) (آئنا) ممدودتين مهموزتين «١». قول ابن كثير (أيذا) هو في الأصل أإذا وخفف الهمزة الثانية، وقياسها إذا خفّفت أن تجعل بين بين، بين الياء والهمزة، فقلبها ياء قلبا وأسكنها ولم يخفّفها تخفيفا قياسيا، ولكن على ما حكاه سيبويه من أن بعضهم قال: بئس وبيس، وشبه ابن كثير المنفصل بالمتصل، وعلى هذا ما جاء في الشعر في قولهم: يومئذ ويومئذ «٢» ومن ألحق همزة الاستفهام (إنا) ومن لم يلحق، فموضع إذا عنده تصير بما دلّ عليه قوله: (إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون) [الواقعة/ ٤٧، ٤٨] لمبعوثون، لا يكون إلا كذلك، وقد تقدم تفسير هذا فيما تقدم. [الاسراء: ٥٥] قال: قرأ حمزة وحده: داود زبورا [الإسراء/ ٥٥] مضمومة الزاي. وقرأ الباقون زبورا بفتح الزاي «٣». يحتمل ضم الزاي أمرين: إما أن يكون جمع الزبور، فحذف الزيادة ثم جمع، ونظير ذلك قولهم في جمع ظريف ظروف. وإمّا أن يكون سمّى ما أتى به داود، ﵇، زبرا كما

стр. 1909

سمّى القرآن كتابا، فسمّي الكتابان باسم المصدر، لأن زبرت بمنزلة كتبت، ثم جمع كأنه جعل أنحاء، ثم جعل كلّ نحو زبرا، ثم جمعه زبورا كما جمع الكتاب على كتب حيث صارت التسمية مثل عماد وعمد. [الاسراء: ٦٢] قال: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (لئن أخرتني لأحتنكن) [الإسراء/ ٦٢] بياء في الوصل، ابن كثير يقف بياء. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف «١». إثبات الياء حسن لأنه بفاصلة، فيحسن الحذف كما يحسن من القافية، نحو قوله: فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين «٢» وأما وقف ابن كثير بالياء فلأنه ليس بفاصلة، وأما من قرأ بغير ياء في وصل ولا وقف فلأنه أشبه ياء قاض من حيث كانت ياء قبلها كسرة، ويوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه [هود/ ١٠٥]، فحذفوها كما حذفت في هذا النحو من الأسماء والأفعال. [الاسراء: ٦٤] قال: قرأ عاصم في رواية حفص: بخيلك ورجلك [٦٤] مكسورة الجيم. أبو بكر عن عاصم ساكنة الجيم، وكذلك قرأ الباقون (ورجلك) ساكنة الجيم «٣».

стр. 1910

قال أبو علي: من أسكن فقال: (ورجلك) جعله جمع راجل، وقالوا: راجل ورجل، كما قالوا: تاجر وتجر، وراكب وركب، وصاحب وصحب، وقالوا: راجل ورجال، كما قالوا: صاحب وصاحب، وراع ورعاء، وفي التنزيل: فرجالا أو ركبانا [البقرة/ ٢٣٩] وقال: يأتوك رجالا وعلى كل ضامر [الحج/ ٢٧] وقالوا: رجلى ورجال. فأما ما روى عن عاصم في قوله: ورجلك، فقال أبو زيد: يقال: رجل رجل للراجل، ويقال: جاءنا حافيا رجلا، وأنشد أبو زيد «١»: أما أقاتل عن ديني على فرس ... ولا كذا رجلا إلّا بأصحاب كأنه قال: أما أقاتل فارسا وراجلا، ورجل على ما حكاه أبو زيد صفة ومثله: ندس «٢»، وحذر وأخر ونحوها، قد قالوا فيها: فعل وفعل، وكذلك جاء رجل كما جاء ندس. ويجوز أن يكون فيمن أسكن الجيم أن يكون قوله: (ورجلك)، فعل الذي هو مخفّف من فعل أو فعل، مثل عضد وكتف، ويكون المضاف واحدا يعنى به الكثرة.

стр. 1911

ومن أهل التأويل من يقول: إن قوله: (بخيلك ورجلك) يجوز أن يكون مثلا، كما تقول للرجل المجد في الأمر: جئت بخيلك ورجلك، وقد قيل: إن كل راكب في معصية الله فهو من خيل إبليس، وكلّ راجل في معصية الله فهو من رجالة إبليس، وفي التنزيل: وجنود إبليس أجمعون [الشعراء/ ٩٥] والجند يعم الفارس والراجل، فيجوز أن يكون الخيل والرّجل مثل من ذكر من جنوده. [الاسراء: ٦٨، ٦٩] اختلفوا في الياء والنون من قوله : (أن نخسف بكم، أو نرسل عليكم ... أن نعيدكم ... فنرسل عليكم ... فنغرقكم) [الإسراء/ ٦٨، ٦٩]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون ذلك كلّه. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ذلك كلّه بالياء «١». من قرأ بالياء: فلأنه قد تقدم: ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم [٦٧] أفأمنتم أن يخسف بكم. وأما من قرأ بالنون، فلأن هذا النحو قد يقطع بعضه من بعض وهو سهل، لأن المعنى واحد، ألا ترى أنه قد جاء: وجعلناه هدى لبني إسرائيل، ألا تتخذوا من دوني وكيلا [الإسراء/ ٢، ٣] فكما انتقل من الجميع إلى الإفراد لا تفاق المعنى، كذلك يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحد، وكلّ حسن، والخسف بهم نحو الخسف بمن كان قبلهم من الكفار، نحو قوم لوط وقوم فرعون.

стр. 1912

[الاسراء: ٧٢] اختلفوا في فتح الميم وكسرها من قوله جل وعز: أعمى، و (أعمى) [الإسراء/ ٧٢]. فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر، أعمى فهو في الآخرة أعمى مفتوحتي الميم. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: (أعمى فهو في الآخرة أعمى) بكسر الميم فيهما جميعا. حفص عن عاصم: لا يكسرهما. وقرأ أبو عمرو (في هذه أعمى) بكسر الميم فهو في الآخرة أعمى بفتحها. «١» قال أبو علي: من قرأ أعمى بالفتحة غير ممالة كان قوله حسنا، لأن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الفتحة. ومن أمال الجميع فحسن، لأنه ينحو بالألف نحو الياء ليعلم أنها تنقلب إلى الياء، وإن كانت فاصلة أو مشبهة للفاصلة. والإمالة فيها حسنة لأن الفاصلة موضع وقف، والألف تخفى في الوقف، فإذا أمالها نحا بها نحو الياء ليكون أظهر لها وأبين. ومما يقوّي ذلك أنّ من العرب من يقلب هذه الألفات في الوقف ياءات ليكون أبين لها، فيقول: أفعي، وحبلى، ومنهم من يقول: أفعو، وهم كأنّهم أحرص على البيان من الأولين من حيث كانت الواو أظهر من الياء، والياء أخفى منها من حيث كانت أقرب إلى الألف من الواو إليها. وأما قراءة أبي عمرو: (أعمى فهو في الآخرة أعمى) فأمال الألف من الكلمة الأولى، ولم يملها في الثانية، فلأنه يجوز أن لا يجعل أعمى في الكلمة الثانية عبارة عن العوارف الجارحة، ولكن

стр. 1913

جعله أفعل من كذا، مثل: أبلد من فلان، فجاز أن يقول فيه: أفعل من كذا وإن لم يجز أن يقال ذلك في المصاب ببصره، وإذا جعله كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة لأن آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة في الأواخر لما تقدم. وقد حذف من أفعل الذي هو للتفضيل الجارّ والمجرور وهما مرادان في المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله: فإنه يعلم السر وأخفى [طه/ ٧] المعنى: أخفى من السر، وكذلك قولهم: عام أول، أي: أول من عامك، وكذلك قوله: فهو في الآخرة أعمى أي: أعمى منه في الدنيا، ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طرق الثواب ويؤكّد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: وأضل سبيلا، وكما أن هذا لا يكون إلّا على أفعل، كذلك المعطوف عليه، ومعنى أضلّ سبيلا في الآخرة: أن ضلاله في الدنيا قد كان ممكنا من الخروج منه، وضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه، ويجوز أن يكون قوله: أعمى، فيمن تأوله أفعل من كذا على هذا التأويل أيضا. [الاسراء: ٧٦] اختلفوا في كسر الخاء وإثبات الألف في قوله : (خلفك) [الإسراء/ ٧٦]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: (لا يلبثون خلفك). حفص عن عاصم: خلافك. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي خلافك «١». زعم أبو الحسن أنّ خلافك في معنى خلفك، وأنّ يونس روى

стр. 1914

ذلك عن عيسى وأن معناه: بعدك. فمن قرأ (خلفك) وخلافك فهو في تقدير القراءتين جميعا على حذف المضاف، كأنّه: لا يلبثون بعد خروجك. وكان حذف المضاف في الآية وفي قول ذي الرّمة: له واحف والصّلب حتى تقطّعت ... خلاف الثّريّا من أريك مآربه «١» المعنى: خلاف طلوع الثريا، وحسن حذف المضاف لأنه إحدى الجهات التي تضاف إلى الأسماء التي هي أعيان وليست أحداثا. وقد أضافوا هذه الظروف كما يضاف إلى أسماء الأعيان، وكأنّهم لم يستحبّوا إضافتها إلى خلاف ما جرى عليه كلامهم في إضافتها، كما أنّها لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على نصبها إذا وقعت في غير موضع النصب كقوله: وإنا منا الصالحون ومنادون ذلك [الجن/ ١١] وقوله: يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة/ ٣] فكما تركوها على النصب هنا، كذلك أضافوها إلى الأسماء الأعيان، وكان كذلك من جعل قوله: خلاف رسول الله [التوبة/ ٨١] اسما للجهة على حذف المضاف، كأنه: خلاف خروج رسول الله، ومن جعله مصدرا جعله مضافا إلى المفعول به، وعلى أيّ الأمرين حمل في سورة التوبة كان قوله: بمقعدهم. المقعد فيه مصدر في معنى القعود، ولا يكون اسما للمكان، لأن أسماء الأماكن لا يتعلّق بها شيء. ومعنى قوله: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض قال أبو

стр. 1915

عبيدة: ليخرجوك منها. [الإسراء/ ٧٦] فأمّا الأرض فهو بلده، وحيث يستوطنه، وكذلك قوله: أو ينفوا من الأرض [المائدة/ ٣٣]، إنما هو من حيث كانوا يتصرّفون فيه لمعاشهم ومصالحهم، ولا يجوز أن يعنى به جميع الأرض، لأنه لا سبيل إلى إخراجه من جميعها، وكذلك قوله: فلن أبرح الأرض [يوسف/ ٨٠] إنما يريد به الأرض التي كان قصدها للامتياز منها، فربّما أطلقت اللفظة، والمراد بها المكان المخصوص، وربما خصّص في اللفظ: يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره [الشعراء/ ٣٥] إنما يعني به بلادهم ومواطنهم. ولو أخرجوك من أرضك، لم يلبثوا بعدك إلا قليلا حتى يستأصلوا، وهذه الآية كقوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك [الأنفال/ ٣٠] فلو أخرجوك لاستأصلناهم كسنّتنا في إخراج الرسل قبلك إذا أخرجوا من ديارهم، ومن ظهرانيهم. وقد أخرج النبي ﵌ من مكة قال: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم [محمد/ ١٣] فحكم فيهم بالقتل، ولم يؤخذوا بالاستئصال لما سبق من القول بأنه لا تهلك هذه الأمة بالاستئصال. وكذلك جاء وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [الإسراء/ ٥٩]. [الاسراء: ٨٣] اختلفوا في قوله (ونأى بجانبه) [الإسراء/ ٨٣]. فقرأ ابن كثير ونافع: (ونأى بجانبه) في وزن نعى حيث وقع بفتح النون والهمزة. وقرأ ابن عامر وحده: (وناء بجانبه) مثل باع «١». وقرأ حمزة

стр. 1916

والكسائي: (وناي) في رواية خلف عن سليم بإمالة النون وكسر «١» الهمزة، كذلك حدثني أبو الزعراء «٢» عن أبي عمر عن سليم عن حمزة. واختلف عن عاصم فروى أبو بكر أنه كسر هذه التي في سورة بني إسرائيل «٣» وفتح الهمزة في السجدة «٤» [٥١]. وروى حفص عن عاصم أنه فتحهما جميعا. وأما أبو عمرو فروى عنه اليزيدي: (ونأى) مفتوحة الهمزة هاهنا وفي السجدة. وقال عبد الوارث مثله هاهنا. وقال في السجدة: بهمزة بعدها ياء، ونأى في وزن نعى «٥». وقال عباس: ونأي مكسورة مهموزة في وزن نعى: أعرض، أي: ولى عرضه، أي: ناحيته، كأنه لم يقبل على الدعاء والابتهال على حسب ما يقبل في حال البلوى والمحنة، ونأى بجانبه قال أبو عبيدة: تباعد. ابن كثير ونافع: (ونأى) لم يميلا واحدة من الفتحتين، وترك

стр. 1917

الإمالة كثير سائغ، وهو قول أهل الحجاز. ابن عامر: ناء مثل ناع، وهذا على القلب، وتقديره فلع، ومثل هذا في القلب قولهم راء، ورأى قال: وكلّ خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد «١» حمزة والكسائي: نأي بإمالة الفتحتين، ووجه ذلك أنه أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة من الياء التي في النأي، فأراد أن ينحو نحوها، وأمال فتحة النون لإمالة الفتحة فتحة الهمزة، وقد قالوا: رأيت عمادا، فأمالوا الألف لإمالة الألف، وكذلك أمالا الفتحة لإمالة الفتحة، لأنهم قد يجرون الحركة مجرى الحرف في أشياء. ووجه رواية خلّاد عن سليم (ونأي) بفتح النون وكسر الهمزة أنه لم يمل الفتحة الأولى لإمالة الفتحة الثانية، كما لم يميلوا الألف لإمالة الألف في رأيت عمادا. قال: واختلف عن عاصم، فروى أبو بكر أنه كسر هذه التي في بني إسرائيل، وفتح الهمزة في السجدة، إن كان يريد بهذه التي في بني إسرائيل كسر النون من غير أن يميل الفتحة التي في الهمزة فوجهها أن مضارع نأى ينأى على يفعل، فإذا كان المضارع على يفعل أشبه الماضي ما كان على فعل والعين همزة فكسرها كما كسر شهد، كما أن من قال: أبي يأبى كان على هذا، وهذا كقول من قال: رأى «٢» القمر

стр. 1918

[الأنعام/ ٧٧] وإن كان يريد بقوله كسر هذه أنه أمال الفتحة، فهو مثل قول حمزة. قال: وروى حفص عن عاصم أنه فتحهما جميعا، فهذا مثل قول ابن كثير ونافع قال: وأما أبو عمرو فروى عنه اليزيدي (نأى) مفتوحة الهمزة هاهنا وفي السجدة. قال: وقال عبد الوارث مثله هاهنا. قال: وقال في السجدة بهمزة بعدها ياء، (ونأى) في وزن نعا، وقال عباس مثل ذلك. قال أبو علي: قد مضى القول في ذلك كله. [الاسراء: ٩٠] اختلفوا في ضم التاء والتشديد وفتحها والتخفيف من قوله: حتى تفجر لنا [الإسراء/ ٩٠]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (حتى تفجّر لنا) بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي حتى تفجر بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف «١». وجه قول من ثقل: أنهم أرادوا كثرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحدا فلتكرر الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول: ضرب زيد إذا أكثر الضرب، فيكثر الفعل، وإن كان فاعله واحدا. ووجه قول الكوفيين: تفجر، فلأن الينبوع واحد فلا يكون كقوله: (فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا) [الإسراء/ ٩١] لأن فجّرت الأنهار، مثل: غلّقت الأبواب، فلذلك اتفق الجميع على التثقيل في (تفجر). وتفجر يصلح للقليل والكثير، وتضعيف العين إنما يكون

стр. 1919

للتكثير، وممّا يقوّي تفجر قوله: فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا [البقرة/ ٦٠] وانفجر مطاوع فجرته. [الاسراء: ٩٢] اختلفوا في فتح السين وإسكانها من قوله: كسفا [الإسراء/ ٩٢]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (كسفا) [ساكنة] في كلّ القرآن إلا في الروم [٤٨] فإنهم قرءوا كسفا متحركة. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: علينا كسفا متحركة هاهنا وفي الروم كسفا متحركة السين أيضا وسائر القرآن (كسفا) في الشعراء [١٨٧] وفي سبأ [٩] والطور [٤٤]. وروى حفص عن عاصم أنه يقرأ كسفا في كل القرآن إلّا في والطور، فإنه قرأ وإن يروا كسفا. السين ساكنة هذه وحدها خفيفة. وقرأ ابن عامر غير ذلك كلّه: قرأ في بني إسرائيل بفتح السين، وفي سائر القرآن (كسفا) ساكنة السين «١». قال أبو زيد: قالوا كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعا، والكسف: القطع، الواحدة قطعة، وكسفه، وقال أبو عبيدة: كسفا: قطعا. ومن جعله جمع كسفة قال: كسفا، مثل قطعة وقطع «٢». قال أبو علي: إذا كان المصدر: الكسف، فالكسف الشيء المقطوع، كالطّحن، والطّحن، والسّقي والسّقي ونحوه. ويجوز أن يكون الكسف جمع كسفة، مثل سدرة وسدر، فإذا كان كذلك جاز أن يكون قول ابن كثير ومن اتبعه: (أو تسقط السّماء كما زعمت علينا كسفا)

стр. 1920

أي: ذات قطع، وذلك أنّه أسقط فعل لا يتعدى إلّا إلى مفعول واحد، فإذا كان كذلك وجب أن ينتصب كسفا على الحال، والحال ذو الحال في المعنى، فإذا كان كذلك وجب أن يكون الكسف هو السماء، فيصير المعنى: أو تسقط السماء علينا مقطعة أو قطعا، وإنما قرءوا في الروم في قوله: الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا متحركة السين، لأن السحاب يكون قطعا، وإنّما يتضامّ عن تفرّق، فأمّا قوله: من خلاله [النور/ ٤٣] فالذّكر يرجع إلى السحاب، وأما قراءة نافع وعاصم في رواية أبي بكر: (علينا كسفا) هاهنا، وفي الروم فقد مضى ما جاء من ذلك في الروم، وفي بني إسرائيل كذلك، لأن المعنى: تسقط السماء علينا كسفا، أي: قطعا، وكسف في جمع كسفة مثل: سدرة وسدر، وكسف على هذا يجوز أن يكون مثل: سدرة وسدر، ودرّة ودرر. وإذا لم يكن المعنى في بني إسرائيل: تسقط السماء علينا قطعة، وإنما المعنى تسقطها قطعا، كان التقدير ذات كسف. فأما ما في الشعراء من قوله: فأسقط علينا كسفا فتقديره: قطعا، وهذا يقوي قراءة نافع وعاصم في إحدى الروايتين كسفا في بني إسرائيل. وفي الشعراء يتبين في اللفظ أيضا على أنه يراد به القطع وهو قوله: من السماء فكأنه دلّ على بعض السماء، وعلى قطع منها. وأما ما في سبأ من قوله: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء فكما أن المعنى في قوله: إن نشأ نخسف بهم الأرض التي يتقلبون فيها ويتصرّفون في بلادهم ومساكنهم، وكذلك نسقط عليهم من السماء ما أظلّهم منها دون سائر السماء فهو واحد. وأمّا ما في

стр. 1921

الطور من قوله: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا فقد أبان قوله: (ساقطا) والتذكير فيه أنه مفرد ليس بجمع، وإن كان جمعا فهو على حدّ شعيرة وشعير. وما رواه حفص عن عاصم أنه قرأ كسفا في كلّ القرآن إلا في الطور، فقد ذكرنا وجه الجميع فيه، فيما مرّ وخصّ هذا الذي في الطور لوصفه بالواحد المذكر. وأما قراءة ابن عامر ما في بني إسرائيل كسفا بفتح السين فإن المعنى: أو تسقط السماء قطعا، وقرأ ما عدا التي في بني إسرائيل كسفا، فوجه ذلك: أن الذي في الطور قد مضى وجهه، وفي الشعراء كأنه قال: أسقط علينا قطعة من السماء، فاقترحوا إسقاط قطعة منها، ولم يقترحوا إسقاط جميعها، وكذلك في سبأ: أو تسقط عليهم كسفا من السماء أي: قطعة منها مظلّة لأرضهم دون سائرها، وأما قوله: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا [الروم/ ٤٨] أي: يجعل ما يلتئم ويجتمع من السحاب قطعة قطعة، فتمطر، فكأنه اعتبر ما يؤول إليه حال السحاب من الالتئام والاجتماع، كما اعتبر من قرأه كسفا حاله قبل، وكلتا القراءتين مذهب. [الاسراء: ٩٣] اختلفوا في قوله جل وعز: قل سبحان ربي [الإسراء/ ٩٣] في ضم القاف وإسقاط الألف. فقرأ ابن كثير وابن عامر: (قال سبحان ربي)، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والشام. وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو، وحمزة والكسائي: قل سبحان ربي بغير ألف «١».

стр. 1922

وجه من قرأ: (قال سبحان ربي) أنّ الرسول، ﵇، قال عند اقتراحهم هذه الأشياء التي ليس في طاقة البشر أن يفعله، ويأتي به سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا، كقوله: إنما أنا بشر مثلكم [الكهف/ ١١٠] وهذه الأشياء ليس في قوى البشر أن يأتوا بها، وإنما يظهرها الله، جلّ وعز، في أزمان الأنبياء علما لتصديقهم وليفصلهم بها من المتنبّئين. (وقل) على الأمر له بأن يقول ذلك. ويقوّي ذلك قوله: قل إنما أنا بشر مثلكم ونحو ذلك مما يجيء على لفظ الأمر دون الخبر. [الاسراء: ١٢٢] اختلفوا في ضم التاء وفتحها من قوله : (لقد علمت ما). فقرأ الكسائي وحده: (لقد علمت) بضم التاء. وقرأ الباقون: لقد علمت «١» [الإسراء/ ١٠٢]. حجة من فتح قال: لقد علمت أن فرعون ومن كان تبعه قد علموا صحة أمر موسى بدلالة قوله: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك [الأعراف/ ١٣٤] وقوله: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل/ ١٣، ١٤] وقوله: وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون [الزخرف/ ٤٩]. ومن قال: (لقد علمت) فضمّ التاء ... «٢»؟ فإن قلت: كيف

стр. 1923

يصح الاحتجاج عليه بعلمه، وعلمه لا يكون حجّة على فرعون، إنّما يكون علم فرعون ما علمه من صحة أمر موسى حجة عليه، فالقول أنه لما قيل له: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، [الشعراء/ ٢٧]، كان ذلك قدحا في علمه. لأن المجنون لا يعلم، فكأنه نفى ذلك، فقال: لقد علمت صحّة ما أتيت به علما صحيحا كعلم العقلاء، فصار الحجّة عليه من هذا الوجه، وزعموا أنّ هذه القراءة رويت عن عليّ بن أبي طالب، ﵁.

стр. 1924

ذكر اختلافهم في سورة الكهف [الكهف: ٢] قرأ عاصم في رواية أبي بكر (من لدنه) [الكهف/ ٢] بفتح اللام وإشمام الدّال الضّمّة «١»، وكسر النون والهاء، ولم يقرأ بذلك غيره، ووصل الهاء بياء في الوصل. وقرأ الباقون من لدنه بفتح اللام وضمّ الدال وتسكين النون وضمّ الهاء من غير بلوغ واو، حفص عن عاصم مثلهم «٢». في لدن ثلاث لغات «٣»: لدن مثل سبع، وتخفّف الدال، فإذا خفّفت كان على ضربين: أحدهما أن تحذف الضمّة من الدال، وتنقل إلى اللام فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة والمحذوفة منها.

стр. 1925

ويلحق الكلمة حذف النون، فإن حذفت أمكن أن يقدّر حذف النون منها، وقد أسكنت، وأن يقدّر الحذف منها غير مسكّن الأوسط، فإذا قدّر حذفها وقد أسكنت وردّ فيها النون بعد الحذف، جاز أن تحرّك بالفتح فيقال: لدن. قال سيبويه: شبّهوه بالخفيفة مع الفعل ففتحوها كفتحهم لام الفعل مع الخفيفة. وقال أبو زيد «١»: جئت فلانا لدن غدوة، ففتحوا الدال، ويجوز أن تحرّك بالكسر في نحو (من لدنك)، و (لدنه) لأن من الساكنين ما إذا التقيا ما يحرّك أحدهما بالكسر كما يحرّك بالفتح، وربما تعاقب الأمران على الكلمة الواحدة، فأما حذف النون في قوله: من لدشولا «٢» ... فينبغي أن يكون أجري في الحذف، ولم يلتق مع ساكن آخر مجراه في حذفهم لها لالتقاء الساكنين، وذلك أنه في قولهم: من لد الصلاة، حذفت لالتقاء الساكنين من حيث كثر، كما حذفت من الأسماء الأعلام نحو: زيد بن فلان. واستجازوا حذفها كما استجازوه في نحو: ولك اسقني «٣» ...

стр. 1926

وكما حذفوها من عمرو العلى ونحو ذلك، والدليل على أنه حذف كما كان حذف لالتقاء الساكنين أنه لا يخلو من أن يكون الحذف على ما كان عليه لالتقاء الساكنين، أو على حدّ الحذف في دد، وددن، فلا يجوز أن يكون على حدّ دد، وددن لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسكن للبناء كما أنك لما حذفت النون من المعرب الذي هو لام في ددن أجريت على العين ما كان يجري على اللام من الإعراب، وكذلك لد لو كان الحذف فيه على حدّ الحذف في ددن لوجب أن تسكن الدّال من لد بعد حذف النون، ألا ترى أنهم قالوا: لهي أبوك «١»، فبنوا الاسم لما تضمّن معنى لام المعرفة، وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم لمّا حذفوا الياء التي في موضع اللام قالوا: له أبوك، فبنوه على السكون، فكذلك الحذف في لدن لو كان على حدّ الحذف في لهي، والنون في ددن لوجب أن تسكن الدال في لد ولا تحرك، فبقاؤها على الحركة دلالة على أن حذفها ليس على حدّ الحذف في ددن، ولهي أبوك، ولكن حذفت كما كانت حذفت لالتقاء الساكنين لأن الحذف لالتقاء الساكنين كأنه في تقديره الثبات، كما أن

стр. 1927

التحريك لهما في تقدير السكون، فالذي قال: «من لد شولا ... » «١» إنما استعمل المحذوف لالتقاء الساكنين بالدلالة التي ذكرنا، وأنشد أبو زيد: لد غدوة حتّى أغاث شريدهم ... جوّ العشارة فالعيون فزنقب «٢» فالدّال متحرّكة بالضم فمن قال: لدن غدوة، على ما حكاه أبو زيد وسيبويه شبّهها بالخفيفة مع الفعل كما شبّهها مع التنوين في قوله: لدن غدوة، وإنّما شبّهوه بالزيادة في الموضعين جميعا أعني: لدن، لدن، لأنه لم يكن حقّها أن تحذف النون منها لمشابهتها الحروف وهذا الحذف إنما يكون في الأسماء المتمكنة فلما أشبهت الحروف لم يلزم الحذف فيها فاستنكروه وجعلوا النون بمنزلة الزائد في لدن، وفي لدن غدوة، وكذلك قد يستقيم أن تقول في الذي قال «لد شولا» أنه تركها على الضمة لأنه قدر أن تلك زائدة، وأنشد عن خالد «٣» بن كلثوم: من عن لدن قرّعت نفس الصّلاة إلى ... أن ولّت الشمس في علّي وفي نهل وقد أضيفت فيه إلى الفعل، ويمكن أن تكون إضافتها إلى الفعل

стр. 1928

كإضافة حيث إليه لأنها في الإيهام مثلها في الإبهام، وكإضافة ذي إلى تسلم. وريث إلى الفعل في مواضع، ويمكن أن يكون المعنى: لدن أن قرّعت، فحذف أن، ويقوي ذلك ثباتها في قول الأعشى: أراني لدن أن غاب أهلي كأنما ... يراني فيكم طالب الضيم أرنبا «١» وقد جاءت أيضا مضافة إلى الفعل في قول بعض عبد القيس: وإنّ لكيزا لم تكن ربّ عكّة ... لدن صرّحت حجّاجهم فتفرّقوا «٢» وجاء مضافا إلى الفعل في غير هذه المواضع. فأما ما روي عن عاصم من قراءته: (من لدنه) [الكهف/ ٢] فالكسرة ليست فيه بجرّ إنما هي كسرة لالتقاء الساكنين وذاك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبع، والنون ساكنة، فلما التقيا كسرت الثاني منهما. فإن قلت: فكيف حركت الأول من الساكنين فيمن قال: لدن، وحرك في قراءة عاصم الثاني منهما، قيل: حرّك الأولان لدن لأنه نزّل أن النون ليست من نفس الكلمة، كما نزّل في لدن غدوة كذلك، وليس يخرج الكلمة هذا التنزيل فيها من أن تكون النون من أصلها، بدلالة ردّها في المضمر نحو: من لدنك، ومن لدنه ومن لدنّي، ولدني، حكاه أبو زيد، والساكنان، إذا التقيا في كلمة حرّك الثاني منهما، فكذلك حرك الثاني في لدنه، وليس يخرج ما عرّض من

стр. 1929

شبه النّون بالزيادة عن أن يكون من نفس الكلمة، وأن يراعي فيها الأصل، ألا ترى أن نحو الترامي والتعادي روعي فيه التفاعل فصرف كما صرف، ولم يجعل بمنزلة جواري وحضاجر «١»، وكذلك قولهم: المريض عدته، روعي فيه التعدي الذي في الفعل في الأصل، وكذلك هذه النون جعلت في التحريك لالتقاء الساكنين بمنزلة قوله: انطلق، و: لم يلده «٢» ... لمّا أسكن اللامان من الكلمتين حرّك الآخر منهما لالتقاء الساكنين، فكذلك في قوله: من لدنه، حرك الثاني من الساكنين لما أسكن الحرف الذي قبل النون. وأما إشمام الضم الدال في قراءة عاصم في قوله: (من لدنه) فليعلم أن الأصل كان في الكلمة الضمّة، ومثل ذلك قولهم: أنت تغزين، وقولهم: قيل، أشمّت الكسرة فيها الضمّة، لتدلّ أن الأصل فيها التحريك بالضم وإن كان إشمام عاصم ليس في حركة خرجت إلى اللفظ، وإنّما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت مثل الحركة في تغزين لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما، ولكن يجتمعان في أن أصل الحرف التحريك بالضم وإن اختلفا في أنّ الحركة في تغزين قد خرجت إلى اللفظ، ولم تخرج في قوله: (من

стр. 1930

لدنه) وأمّا وصله الهاء بياء في الوصل فحسن، ألا ترى أنك لو قلت: بابه وبعبده، فلم توصل الهاء بياء لم يحسن، ولكان ذلك مما يجوز في الشعر كقوله: له زجل كأنّه صوت حاد «١» وأما قراءة الباقين من لدنه فعلى أصل الكلمة، والنون في موضع جرّ وضم الهاء من غير بلوغ ياء حسن، لسكون ما قبل الهاء، فلو بلغوا به الياء لم يجز لأن هذا ليس من المواضع التي تلحق هاء الضمير فيه الياء لأنه لا ياء قبلها، ولا كسرة ولكن لو بلغوا بها الواو فقال: (من لدنهو)، لم يكن يحسن الضم بلا واو، لأن الهاء خفية فإذا سكن ما قبلها وما بعدها أشبه التقاء الساكنين، ولو كان ما قبل الهاء حرف لين كان أقبح، وأما الجار في قوله: من لدنه فيحتمل ضربين، أحدهما: أن يكون متعلقا بشديد، والآخر: أن يكون صفة للنكرة وفيها ذكر الموصوف. [الكهف: ١٦] اختلفوا في [فتح الميم و] كسر الفاء وكسر الميم وفتح الفاء من قوله: (مرفقا) [الكهف/ ١٦]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء. وقرأ نافع وابن عامر: (مرفقا) بفتح الميم وكسر الفاء. الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (مرفقا) بفتح الميم [وكسر الفاء مثلهما] «٢».
следующие страницы →