← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ومشاكلا له، فكذلك إذا حمل ذلك على التسخير، كان أشبه، فإن قلت: فكيف جاء (مسخرات) بعد هذه الأشياء المنصوبة المحمولة على (سخر)؟ فإن ذلك لا يمتنع، لأنّ الحال تكون مؤكّدة ومجيء الحال مؤكّدة في التنزيل وفي غيره كثير، كقوله: وهو الحق مصدقا [البقرة/ ٩١]، و: أنا ابن دارة معروفا «١» و: كفى بالنأي من أسماء كافي «٢»

стр. 1857

ويقوي النصب قوله: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين [إبراهيم/ ٣٣]، فكما حملا هنا على التسخير كذلك في الأخرى، وكذلك النجوم قد حملت «١» على التسخير كذلك في وهو الذي جعل «٢» لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر [الأنعام/ ٩٧]. وكأنّ ابن عامر قطعه عن سخّر، لئلّا يجعل الحال مؤكّدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخّرات خبرا عنها. ويدل على جواز ذلك أنه إذا جاء: سخر لكم الشمس والقمر علم من هذا أنهما مسخران، فجاز الإخبار بالتسخير عنها لذلك. [النحل: ١٢] ووجه ما روي عن عاصم من الرفع في مسخّرات وحدها، أنّه لم يجعلها حالا مؤكّدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف، كأنّه لما قال: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم [النحل/ ١٢] قال بعد: هي مسخرات، فحذف المبتدأ، وأضمره لدلالة الخبر عليه، وهو إذا جعله خبر ابتداء محذوف فقد علم ذلك بما تقدّم، كما أنّه إذا جعل مسخرات حالا مؤكدة فقد علم ذلك بما تقدم، وهذا المعنى

стр. 1858

في الحال أسوغ منه في الخبر، لأنّ الخبر ينبغي أن يكون مفيدا، لم يجيء إلّا كذلك، ألا ترى أنّه حمل قوله على الحال، ولم يحمله على الخبر، والحال قد جاءت مؤكّدة. [النحل: ٢١، ٢٠، ١٩] اختلفوا في قوله : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون «١» والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا [النخل/ ٢٠ - ٢١]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين تدعون) كلّهن بالتاء. وقرأ عاصم: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون بالتاء، والذين يدعون بالياء. أخبرنا الخزاز عن هبيرة، عن حفص عن عاصم: أنّه قرأهن ثلاثتهن بالياء. وقال ابن اليتيم عن أبي حفص عمرو بن الصباح عن حفص عن عاصم مثل أبي بكر عن عاصم. وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: ذلك كلّه بالياء «٢» في الثلاثة «٣». هذا يكون كلّه على الخطاب، لأنّ ما بعده خطاب كقوله بعد: أفلا تذكرون. وقوله: وألقى في الأرض رواسي أن

стр. 1859

تميد بكم [النحل/ ١٥] وإلهكم إله واحد [النحل/ ٢٢]، فكلّ هذا خطاب، فإن قلت: إنّ فيه (والذين تدعون من دون الله) وهذا لا يكون خطابا للنبي ﵌، ولا للمسلمين، فإنّه يكون على إرادة: قل، كأنّه: قل لهم: (والذين تدعون من دون الله) فلا يمتنع الخطاب إذا كان على هذا الوجه، ولهذا قرأ عاصم: والذين يدعون بالياء، لما كان ذلك عنده إخبارا عن المشركين، ولم يجز أن يكون في الظاهر خطابا للمسلمين. فأما ما روي عن عاصم من أنه قرأ كلّه بالياء، فهذا على توجيه الخطاب إلى النبي ﵌، كأنه: قل لهم: والله يعلم ما يسرّون وما يعلنون، والذين يدعون. [النحل: ٢٧] اختلفوا في فتح النون وكسرها من قوله : تشاقون فيهم [٢٧]. فقرأ نافع وحده: (تشاقون فيهم) بكسر النون وتخفيفها. وقرأ الباقون: تشاقون فيهم بفتح النون «١». قد ذكرنا وجه قول نافع فيما تقدم «٢»، ومعنى (تشاقون): تكونون في جانب والمسلمون في جانب، ولا تكونون معهم يدا واحدة. ومن هذا قيل لمن خرج عن طاعة الإمام وعن جملة جماعة المسلمين: شقّ العصا، أي: صار في جانب عنهم، فلم يكن ملائما لهم، ولا مجتمعا معهم في كلمتهم «٣».

стр. 1860

[النحل: ٢٧] اختلفوا في الهمز من قوله : أين شركائي الذين [٢٧]، فقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر- إن شاء الله- وحمزة والكسائي: أين شركائي الذين بهمزة وفتح الياء. وقال البزيّ عن ابن كثير: (شركاي الذين) بغير همز وفتح الياء، مثل: هداي [البقرة/ ٣٨]. وروى القوّاس عن ابن كثير: شركائي الذين مهموزة «١». الوجه فيه الهمز: لأن شريكا وشركاء كخليط وخلطاء، وفي التنزيل: وإن كثيرا من الخلطاء [ص/ ٢٤]، ولا نعلم أحدا جمعه على غير فعلاء. ووجه القصر: أن هذا الضرب من الممدود قد قصر في الآحاد مرّة، ومدّ أخرى، قال «٢»: وأربد فارس الهيجا إذا ما ... تقعرت المشاجر بالفئام

стр. 1861

وقال آخر «١»: إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد فكذلك الجموع، وقد حذفت الهمزة إذا كانت لاما، قالوا في: سوائية: سواية «٢»، وإنّما السوائية مثل الكراهية. وذهب أبو الحسن في قولهم: أشياء، إلى أنه أفعلاء: أشيئاء، فحذفت والوجه المدّ في (شركاي). وأمّا قوله: أين شركائي فإنّ القديم سبحانه لم يثبت بهذا الكلام له شريكا، وإنما أضيف على حسب ما كانوا يقولونه وينسبونه، وكما أضيفت هذه الإضافة، فكذلك أضيف إليهم، فقال: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون [الأنعام/ ٢٢]، وفي أخرى: وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون [يونس/ ٢٨]، فإنّما أضيفوا هذه الإضافة على حسب ما كانوا يسمّونهم ويعتقدونه فيهم، ومثل ذلك قوله: ذق إنك أنت العزيز الكريم [الدخان/ ٤٩]، ومثله: يا أيها الساحر ادع لنا ربك [الزخرف/ ٤٩]، فهذا على حسب ما كانوا يقولون فيه، ويسمّونه به، وقد تقع الإضافة لبعض الملابسة دون التحقيق، كقول الشاعر «٣»:

стр. 1862

إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا فأضاف الإناء إليه لشربه منه، والإناء في الحقيقة لمن يسقي به، دون من يشرب منه، ومثل ذلك قول الهذليّ، أنشدناه علي بن سليمان: وكنت كعظم العاجمات اكتنفنه ... بأطرافها حتى استدقّ نُحولُها «١» فهذا كما تقول لمن يحمل خشبة ونحوها: خذ طرفك، وآخذ طرفي، فتنسب إليه الطرف الذي يليه، كما تنسب إلى نفسك الطرف الذي يليك، فعلى هذا تجري الإضافة في قوله: أين شركائي. [النحل: ٢٨، ٣٢] اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى: تتوفاهم الملائكة [٢٨ - ٣٢]. فقرأ حمزة وحده: (يتوفاهم الملائكة) بالياء والتاء وبالإمالة. وقرأ الباقون بتاءين في الموضعين. أبو عمارة عن حفص عن عاصم مثل حمزة، وروى

стр. 1863

هبيرة عن حفص عن عاصم، وابن اليتيم عن ابن عمر عن عاصم «١» مثل أبي بكر «٢». قول حمزة: (يتوفّاهم) بالياء، لأنّ الفعل متقدّم، والإمالة حسنة في هذا النحو من الفعل، وعلى هذا قرأ الأخرى بالياء أيضا. وأما تتوفاهم فلأنّ الفعل مسند إلى جماعة، والجماعة مؤنث، كما جاء: وإذ قالت الملائكة [آل عمران/ ٤٢، ٤٥] في غير موضع في التنزيل، وقرأ كثير من القراء: كالذي استهوته الشياطين [الأنعام/ ٧١] ولو كان استهواه كان حسنا أيضا. [النحل: ٣٣] اختلفوا في الياء والتاء من قوله: إلا أن تأتيهم الملائكة [٣٣]. فقرأ حمزة والكسائي: (إلا أن يأتيهم الملائكة) بالياء. وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر: تأتيهم بالتاء «٣». قد تقدم القول في هذا ونحوه. [النحل: ٣٧] اختلفوا في فتح الياء وضمّها من قوله: فإن الله لا يهدي من يضل [٣٧].

стр. 1864

فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: (لا يهدى) برفع الياء وفتح الدال. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: يهدي بفتح الياء وكسر الدال. ولم يختلفوا في يضل أنها مضمومة الياء مكسورة الضاد «١». الراجع إلى اسم (إنّ) هو الذّكر الذي في قوله: يضل في قراءة من قرأ: (يهدى)، ومن قرأ: يهدي: فمن جعل يهدي من: هديته: جاز أن يعود الذكر الفاعل الذي فيه إلى اسم إنّ، ومن جعل يهدي في معنى: يهتدي، وجعل: من يضل مرتفعا به، فالراجع إلى اسم إنّ الذكر الذي في يضل كما كان كذلك في قول من قال: (يهدى) فالراجع إلى الموصول الذي هو (من) الهاء المحذوفة من الصّلة تقديره: «يضلّه» والمعنى: إن من حكم بإضلاله له وتكذيبه، فلا يهدى. ومثل هذا في المعنى قوله: فمن يهديه من بعد الله، [الجاثية/ ٢٣]، تقديره: من بعد إضلال الله إيّاه والمفعول محذوف، أي: بعد حكمه بإضلاله. وقراءة عاصم وحمزة والكسائي: لا يهدي من يضل في المعنى كقوله: من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف/ ١٨٦]، وهذا كقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين [البقرة/ ٢٥٨]، وقوله: وما يضل به إلا الفاسقين [البقرة/ ٢٦] فموضع (من) نصب ب (يهدي) وقد قيل: إن

стр. 1865

(يهدي) في معنى يهتدي، بدلالة قوله: لا يهدي إلا أن يهدى [يونس/ ٣٥] فموضع (من) على هذا رفع، كما أنه لو قال: يهتدي كان كذلك. قال: ولم يختلفوا في يضل أنّه مضموم الياء، فهذا من قولك: ضلّ الرجل، وأضلّه الله. أي: حكم بإضلاله، كقولك: كفر زيد وأكفره الناس، أي: نسبوه إلى الكفر، وقالوا: إنه كافر، كما أن أسقيته قلت له: سقاك الله. قال «١»: وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه [النحل: ٤٠] اختلفوا في فتح النون وضمّها من قوله تعالى: (كن فيكون) [٤٠]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة: كن فيكون رفعا، وكذلك في كل القرآن. وقرأ ابن عامر والكسائي: (فيكون) نصبا، وفي سورة يس [٨٢] مثله فتح «٢». أمّا نصب الكسائي: (فيكون) هاهنا، وفي سورة يس فإنّه يحمله على أن، كأنّه: أن يقول .. فيكون، قال: وسمعت ذلك بالنصب مرارا ذكرها. فأمّا ابن عامر فإنّه قد نصب (فيكون) وإن لم يكن قبله

стр. 1866

أن نحو: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [البقرة/ ٦١٧ آل عمران/ ٤٧] فإن نصب هنا على هذا الحدّ، فقد مضى القول عليه قبل «١»، وإن نصبه من حيث نصبه الكسائي، فمستقيم. [النحل: ٤٨] اختلفوا في التاء والياء من قوله : أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء [النحل/ ٤٨]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء [وكذلك] أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده، في العنكبوت [١٩]، بالياء جميعا. واختلف عن عاصم، فروى يحيى بن آدم عن أبي بكر، وابن المنذر عن عاصم أيضا عن أبي بكر وابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم في العنكبوت بالتاء. وروى حسين الجعفيّ والكسائيّ والأعشى وعبد الجبار بن محمد، عن أبي بكر عن عاصم، وحفص عن عاصم في العنكبوت بالياء، ولم يختلف عن عاصم في النحل أنّها بالياء. وقرأ حمزة والكسائي: (أو لم تروا إلى ما لم خلق الله من شيء) بالتاء، أولم تروا كيف يبدئ الله بالتاء جميعا. [النحل: ٤٨] وكلّهم قرأ: يتفيأ ظلاله [٤٨] بالياء، غير أبي عمرو، فإنه قرأ: (تتفيأ) بالتاء «٢».

стр. 1867

[النحل: ٤٨] وقرأ حمزة وابن عامر: (ألم تروا إلى الطير) [٧٩] بالتاء، وقرأ الباقون: بالياء. قوله: أولم يروا. حجة الياء: أن ما قبله غيبة، وهو قوله: أن يخسف الله بهم أو يأتيهم العذاب ... أو يأخذهم [٤٥، ٤٦] أولم يروا [٤٨]، وكان النبي ﷺ ، وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقّنوه. ومن قرأ بالتاء: أراد جميع الناس، فوقع التّنبيه على الجمع بقوله: (أولم تروا). قال: كلّهم قرأ: يتفيأ بالياء، غير أبي عمرو، فإنّه قرأ بالتاء: التذكير والتأنيث- في فعل هذا الضرب من الجميع، إذا تقدّم- جميعا حسنان، وقد تقدّم في غير موضع. فأمّا يتفيّأ، فيتفعل من الفيء، يقال: فاء الظلّ يفيء فيئا، إذا رجع وعاد بعد ما كان ضياء الشمس نسخه، ومنه فيء المسلمين: لما يعود عليهم وقتا بعد وقت من خراج الأرضين المفتتحة والغنائم، فإذا عدّي قولهم: فاء، عدّي بزيادة الهمزة، أو تضعيف العين، فممّا عدّي بنقل الهمزة: ما أفاء الله على رسوله [الحشر/ ٧] وبالتضعيف: فاء الظلّ وفيّأه الله، فتفيّأ: مطاوع فيّأه، فالفيء: ما نسخه ضوء الشمس، والظلّ: ما كان قائما لم تنسخه الشمس، مما يدل على ذلك قوله: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا [الفرقان/ ٤٥]، فالشمس ينسخ ضياؤها هذا الظل، فإذا زال ضياء الشمس الناسخ للظلّ، فاء الظلّ، أي: رجع كما كان أوّلا، قال أبو زيد: ظهّر تظهيرا، وذلك قبل

стр. 1868

نصف النهار إلى أن تزيغ الشمس وزيغها: إذا فاء الفيء، انتهى كلام أبي زيد. قال أبو على: والضمير في قوله: ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا [الفرقان/ ٤٦]. يجوز أن يكون للظلّ، ويجوز أن يكون لضياء الشمس، لأنّ كل واحد منهما يقبض قبضا يسيرا على التدريج. وقال: أكلها دائم وظلها [الرعد/ ٣٥]، وقال: وظل ممدود [الواقعة/ ٣٠]، هما في الجنّة، فيكون ظلّا، ولا يكون فيئا، لأنّ ضياء الشمس لا ينسخه، على أن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي «١»: فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيوء الفردوس ذات الظّلال وهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء، مثل بيت وبيوت، ويدلّ على أن الظل ما لم تنسخه الشمس قول النابغة: ذات الظلال، فسمّى ما في الجنة ظلّا، ويدل عليه قول الآخر «٢»: فلا الظلّ من برد الضّحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشيّ تذوق فجعل الظلّ وقت الضحى، لأنّ الشمس لم تنسخه في

стр. 1869

ذلك الوقت، بدلالة ما تقدم حكايته، عن أبي زيد، وقال أبو عمر: أكثر ما تقول العرب: أفياء، وأنشد لعلقمة «١»: تتّبع أفياء الظّلال عشيّة ... على طرق كأنّهن سبوب قال أبو علي: فقول علقمة: أفياء الظلال، يجوز أن يكون جمع فيئا على أفياء، وأضافه إلى الظلال، على معنى أن الفيء يعود به الظل الذي كان نسخه ضوء الشمس، وأضافها إلى الظلّ كما يضاف المصدر إلى الفاعل، وأفياء يكون للعدد القليل مثل: أبيات وأعيان، وفيوء للكثير، كالبيوت والعيون، وقال: أرى المال أفياء الظّلال فتارة يئوب وأخرى يخبل المال خابله «٢» ومن هذا الباب قوله حتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات/ ٩] أي: ترجع عن بغيها إلى جملة أهل العدل، والفيء في الإيلاء مثل الرجعة في الطلاق، وهذه الآية في المعنى مثل قوله: ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاو كرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد/ ١٥]

стр. 1870

، وزعموا أن الحسن كان يقول: يا ابن آدم أما ظلك فيسجد لله، وأما أنت فتكفر بالله. وقال: (ظلاله) فأضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، لأن الذي يعود إليه الضمير واحد، يدلّ على الكثرة، وهو قوله: ما خلق الله [البقرة/ ٢٢٨] وهذا مثل قوله: لتستووا على ظهوره [الزخرف/ ١٣]، فأضاف الظهور وهو جمع إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد يراد به الكثرة، وهو قوله: ما تركبون [الزخرف/ ١٢]، ومثل ذلك إضافة بين إلى ضمير المفرد في قوله: يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما [النور/ ٤٣]، ولو أنّث لجاز من وجهين: أحدهما: على قياس نخل خاوية [الحاقة/ ٧] على قوله: وينشىء السحاب الثقال [الرعد/ ١٢]. وممّا ينسب إلى ثعلب أنه قال: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤية قال: كلّ ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظلّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ. وقال بعض أهل التأويل: الظلّ هو الشخص نفسه، ويدلّ عندي على ما قال: قول علقمة «١»:

стр. 1871

إذا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل ألا ترى أنّهم ينصبون الظلّ الذي هو فيء، وإنما ينصبون الأخبية فيصير لها فيء ويمكن أيضا أن يستدلّ بقوله: ... أفياء الظلال عشيّة أي: أفياء الشخوص، فيحمل على هذا دون ما تأوّلناه، وقال: ظلّ أخبية، ولم يقل: ظلال أخبية، كما تقول: شخوص أخبية، ولكنّه أفرد كما قال «١»: جلد الجواميس يريد: جلودها، فوضع الواحد موضع الجميع، ولا يكون ذلك على حذف المضاف، كأنه: ذا ظلّ أخبية، لأنّك حينئذ تضيف الشيء إلى نفسه، ألا ترى أن ذا ظل في قولك: ذا ظل، هو الظل، ويقوّي ذلك قول عمارة «٢»:

стр. 1872

كأنّهنّ الفتيات اللّعس ... كأنّ في أظلالهنّ الشّمس أي: في أشخاصهن، لأنّ شبه الشمس إنّما هو في أشخاصها، دون ما يفيء من أفيائها، ويزعم هذا المتأوّل أن المعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء له ظلّ من جبل وشجر وبناء يتفيّأ ظلاله، أي: يكون للأشخاص فيء عن اليمين والشمائل، إذا كانت الشمس عن يمين الشخص، كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله، كان الفيء عن يمينه! وقيل: أول النهار عن يمين القبلة، وآخره عن شمال القبلة. وقول الشاعر: أفياء الظلال عشيّة وقولهم: أظلّ القوم عليهم، فيهما دلالة أيضا على أن الظلّ نفس الشخص. وكلّهم قرأ: (إلا رجالا يوحى إليهم) [٤٣] بالياء، إلا عاصما في رواية حفص، فإنه قرأ: نوحي إليهم بالنون، وكسر الحاء «١». وجه الفعل المبني للمفعول قوله: وأوحي إلى نوح [هود/ ٣٦]، وو ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه [الأنبياء/ ٢٥].

стр. 1873

ووجه قراءة عاصم: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [النساء/ ١٦٣]. وأوحينا إلى أم موسى [يونس/ ٨٧]. [النحل: ٦٢] قال: قرأ نافع وحده: (وأنهم مفرطون) [٦٢] بكسر الراء خفيفة من أفرطت. وقرأ الباقون: مفرطون بفتح الراء، من أفرطوا فهم مفرطون «١». أبو عبيدة: مفرطون: معجلون، قال: وقالوا: متروكون منسيّون «٢»، وقال أبو زيد: فرط الرجل أصحابه، يفرطهم أحسن الفراطة، وهو رجل فارط. قال: والفارط: الذي يتقدم الواردة، فيصلح الدّلاء والأرسان، وقوله: مفرطون، يمكن أن يكون من هذا كأنه فرط هو، وأفرطه القوم، فكذلك: (مفرطون)، كأنهم أعجلوا إلى النار فهم فيها فرط للذي يدخلون بعدهم، ومن هذا قولهم في الدعاء للطفل، ومن جرى مجراه: «اجعله لنا فرطا» «٣» ومنه ما في الحديث من قوله: «أنا فرطكم على الحوض» «٤».

стр. 1874

فأما قول نافع فكأنه: من أفرط أي: صار ذا فرط: فهو مفرط مثل: أقطف وأجرب أي: هو ذو فرط إلى النار، وسبق إليها، فالقراءتان على هذا متقاربتا المعنى. قال أبو الحسن: قال أهل المدينة: مفرطون، أي أفرطوا في أعمالهم. [النحل: ٦٦] اختلفوا في فتح النون وضمّها من قوله تعالى: لعبرة نسقيكم [٦٦] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي نسقيكم بضم النون، وفي المؤمنين [٢١] مثله. وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: (نسقيكم) بفتح النون فيهما. حفص عن عاصم (نسقيكم) بضم النون، وفي المؤمنين مثلها «١». قال أبو علي: تقول: سقيته حتى روي، أسقيه، وعلى هذا قوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان/ ٢١]، وقال: والذي هو يطعمني ويسقن [الشعراء/ ٧٩] وقال: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [محمد/ ١٥]، وقال: شاربون شرب الهيم [الواقعة/ ٥٥] وقال «٢»: انحنا فسمناها النّطاف فشارب ... قليلا وآب صدّ عن كلّ مشرب

стр. 1875

وقوله: ويسقى من ماء صديد [إبراهيم/ ١٦] مثل يضرب، وليس مثل يكرم، يدل على ذلك قوله: وسقوا ماء حميما، وتقدير من ماء صديد من ماء ذي صديد فهذا خلاف قوله: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان/ ٢١]. فأما قوله: وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات/ ٢٧]، وقوله: فأسقيناكموه [الحجر/ ٢٢] فمعنى ذلك جعلناه سقيا لكم، كما تقول: أسقيته نهرا، أي جعلته شربا له، وقالوا: سقيته في معنى: أسقيته يدل على ذلك قوله «١»: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال فسقى قومي: ليس يريد به ما يروي عطاشهم، ولكن يريد: رزقهم سقيا لبلادهم، يخصبون منها- وبعيد أن يسأل لقومه ما يروي العطاش، ولغيرهم ما يخصبون منه، ويبيّن ذلك قول الشاعر «٢»: أخطا الربيع بلادهم فسقوا ... ومن أجلهم أحببت كلّ يمان فقوله: سقوا، دعا لهم بالسّقيا التي أخطأت بلادهم. وهذا- وإن كان الأكثر فيما يرفع العطش- سقى، وفي السقيا:

стр. 1876

أسقى، فإن من قرأ: نسقيكم يريد: إنّا جعلناه في كثرته، وإدامته كالسقيا، فهو كقولك: أسقيته نهرا. وأما من فتح النون، فإنه لما كان للشفة فتح النون، فجعله بمنزلة قوله: وسقاهم ربهم شرابا طهورا والذين ضمّوا النون جعلوا ذلك لدوامه «١» عليهم كالسقيا لهم. قال: كلهم قرأ: أفبنعمة الله يجحدون [٧١] بالياء، غير عاصم فإنه قرأ في رواية أبي بكر: (تجحدون) بالتاء. وروى حفص عن عاصم بالياء «٢». ومن قال: يجحدون بالياء، فلأنه يراد به غير المسلمين والمسلمون لا يخاطبون بجحدهم نعمة الله. ووجه التاء: قل لهم: أفبنعمة الله بهذه الأشياء التي تقدم اقتصاصها تجحدون، ويقوّي الياء قوله: وبنعمة الله هم يكفرون [النحل/ ٧٢]. [النحل: ٦٨] قال: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر (يعرشون) [٦٨] بضم الراء. وقرأ الباقون بكسر الراء، وروى حفص عن عاصم: يعرشون بكسر الراء «٣». هما لغتان: (يعرش ويعرش) ومثله: يحشر ويحشر، ويعكف

стр. 1877

ويعكف، ويفسق ويفسق، قال أبو عبيدة «١»: كلّ شيء مما عرش فهو عريش، وحكى الضم والكسر في يعرش. [النحل: ٨٠] اختلفوا في فتح العين وإسكانها من قوله : يوم ظعنكم [٨٠]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (ظعنكم) بفتح العين. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ظعنكم، ساكنة العين «٢». هما لغتان. ومثل ذلك: الشّمع والشّمع، والنّهر والنّهر، قال الأعشى: فقد أشرب الراح قد تعلمي ... ن يوم المقام ويوم الظّعن «٣» ولا يجوز أن يكون الظّعن مخففا عن الظّعن، كما أن عضدا وكتفا ونحو ذلك، مخفّف عن الكسر والضم، ألا ترى أن من قال: في عضد، وعضد لم يخفّف نحو: جمل ورسن كما أن الذي يقول: والليل إذا يسر [الفجر/ ٤] وذلك ما كنا نبغ [الكهف/ ٦٤] لا يقول إلا: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى [الليل/ ١، ٢] وحرف الحلق وغيره في ذلك سواء. [النحل: ٩٦] اختلفوا في قوله تعالى: (وليجزين الذين صبروا) [٩٦] في الياء والنون.

стр. 1878

فقرأ ابن كثير وعاصم: ولنجزين الذين صبروا بالنون. وقرأ نافع، وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: (وليجزينّ) بالياء. عليّ بن نصر عن أبي عمرو ولنجزين بالنون مثل عاصم ولم يختلفوا في قوله: ولنجزينهم أجرهم [النحل/ ٩٧] أنها بالنون «١». حجّة الياء: وما عند الله باق [النحل/ ٩٦] والنون في المعنى مثل الياء. [النحل: ١٠٣] اختلفوا في فتح الياء والحاء وضمها من قوله: يلحدون [١٠٣] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: يلحدون بضم الياء وكسر الحاء وقرأ حمزة والكسائي (يلحدون) بفتح الياء والحاء «١». حجة يلحدون بالضم قوله: ومن يرد فيه بإلحاد [الحج/ ٢٥] ويلحدون لغة. وينبغي أن يكون الضم أرجح من حيث كان لغة التنزيل. [النحل: ١٠٢] قال: قرأ ابن كثير: (روح القدس) [١٠٢] خفيفة ساكنة الدال. الباقون القدس متحركة الدال «٣».

стр. 1879

قال: التحريك أكثر. والإسكان تخفيف من التحريك، وقد تقدم ذكر هذا الحرف. [النحل: ١١٠] اختلفوا في فتح الفاء وضمها من قوله جل وعز: فتنوا [١١٠] فقرأ ابن عامر وحده: (فتنوا) بفتح الفاء والتاء. وقرأ الباقون: فتنوا بضم الفاء وكسر التاء. حجة من قال: فتنوا: أن الآية في المستضعفين المقيمين كانوا بمكة، وهم: صهيب وعمّار وبلال. فتنوا وحملوا على الارتداد عن دينهم فمنهم من أعطى للتقيّة. وروي أن عمّارا كان ممّن أظهر ذلك ثم هاجروا إلى المدينة، فالآية فيهم، والمعنى على فتنوا. فأمّا قول ابن عامر: (فتنوا): فيكون على أنه: فتن نفسه وكأنّ المعنى: من بعد ما فتن بعضهم نفسه بإظهار ما أظهر للتقية، وكأنه يحكي الحال التي كانوا عليها من إظهار ما أخذوا به من التقية، لأن الرحمة فيه لم تكن نزلت بعد، وهي قوله: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله: إلا المستضعفين [النساء/ ٩٧، ٩٨] وقوله: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [١٠٦]. [النحل: ١٢٧] اختلفوا في فتح الضاد وكسرها من قوله : في ضيق [١٢٧]. فقرأ ابن كثير: (في ضيق) كسرا، وكذلك روى أبو عبيد عن إسماعيل بن جعفر عن نافع، وخلف عن المسيبي عن نافع وهو غلط في روايتهما جميعا.

стр. 1880

وقرأ الباقون: في ضيق وكذلك في النمل [٧٠] من كسر هذه كسر تلك، ومن فتح هذه فتح تلك «١». وقال أبو عبيدة: في ضيق: تخفيف ضيّق، يقال: أمر ضيّق وضيق «٢». قال أبو الحسن: الضّيق والضّيق: لغتان في المصدر، وأما المثقلة فيكون فيها التخفيف، فيكون ضيق مثل ميت، وينبغي أن يحمل على أن ضيقا مصدر، لأنك إن حملته على أنه مخفف من ضيق، فقد أقمت الصفة مقام الموصوف من غير ضرورة، والمعنى: لا تك في ضيق. أي: لا يضق صدرك من مكرهم، كما قال: وضائق به صدرك [هود/ ١٢] وليس المراد: لا تكن في أمر ضيّق، فمن فتح ضيقا، كان في معنى من كسر، وهما لغتان كما قال أبو الحسن. [النحل: ١١٢] وكلّهم قرأ: لباس الجوع والخوف [١١٢] بخفضهما إلا ما روى علي بن نصر وعباس بن الفضل وداود الأزديّ وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو: (لباس الجوع والخوف) بفتح الفاء. وروى اليزيدي وغيره عن أبي عمرو لباس الجوع والخوف بكسر الفاء «١». قوله: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف المعنى فيه: مقاربة الجوع لهم ومسّه إياهم، كمخالطة الذائق ما يذوقه، أو اللابس لما يلبسه، واتصاله به فأوقع عليه الذوق كما قال:

стр. 1881

دونك ما جنيته فاحس وذق «١» وكذلك لباس الجوع هو مسّه لهم كمسّ الثوب للابسه قال الشاعر «٢»: وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما يريد أن العار والسّبّة لحقهم، واتصل بهم لغدرهم، فجعل ذلك لباسا لهم، وقال أوس بن حجر: وإن هزّ أقوام إلي وحدّدوا ... كسوتهم من برد برد متحم «٣» وقال آخر: إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنّت فصارت عليه لباسا «٤» فإنّما المعنى أن اتصالها به ومسها له، كمسّ الملبوس للابسه، ومن ثمّ جاء في التنزيل: هن لباس لكم وأنتم لباس

стр. 1882

لهن [البقرة/ ١٨٧] ولذلك سمى المرأة إزارا في قوله: ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري «١» فسمّى المرأة إزارا، كما جاء هن لباس لكم وأنتم لباس لهن فالجر على لباس الجوع ولباس الخوف، جعل مسّ كلّ واحد منهما لأصحابهما كمس الآخر لهم، وجعل للجوع لباسا كما جعله للخوف. ويقوّي الجر في الخوف أنّ في حرف أبيّ لباس الخوف والجوع فقد جعل للخوف لباسا، كما جعله للجوع. وأما ما روي من نصب الخوف عن أبي عمرو فإنه حمله على الإذاقة، والخوف لا يذاق في الحقيقة، فإذا لم يذق على الحقيقة كان حمله على اللباس أولى، لأن اللباس أقرب إليه من الإذاقة، فحمله على الأقرب أولى، وليكونا محمولين على عامل واحد، كما كان في قوله: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع [البقرة/ ١٥٥] الحمل على عامل واحد.

стр. 1883

ذكر اختلافهم في بني إسرائيل [الاسراء: ٢] اختلفوا في الياء والتاء من قوله : ألا تتخذوا من دوني وكيلا. فقرأ أبو عمرو وحده: (ألّا يتّخذوا) بالياء. وقرأ الباقون: ألا تتخذوا بالتاء «١». قال أبو علي: وجه قول من قرأ بالياء، أن المتقدم ذكرهم على لغة الغيبة فالمعنى: هديناهم أن لا يتخذوا من دوني وكيلا. ومن قرأ بالتاء فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة مثل قوله: الحمد لله ثم قال: إياك نعبد [الفاتحة/ ٥]، والضمير في تتخذوا وإن كان على لغة الخطاب فإنّما يعني به الغيب في المعنى، ومن زعم أنّ (أن لا يتّخذوا من دوني) على إضمار القول، كأنّه يراد به: قال: أن لا تتخذوا، لم يكن قوله هذا متّجها، وذلك أن القول لا يخلو من أن يقع بعد جملة تحكى، أو معنى جملة يعمل في لفظه القول، فالأول كقوله: قال زيد: عمرو منطلق، فموضع الجملة نصب

стр. 1884

بالقول، والآخر: يجوز أن يقول القائل: لا إله إلا الله، فتقول: قلت حقّا، أو يقول: الثلج حار، فتقول: قلت باطلا، فهذا معنى ما قاله، وليس نفس المقول، وقوله: (أن لا تتخذوا) خارج من هذين الوجهين، ألا ترى أن ألا تتخذوا ليس هو بمعنى القول، كما أن قولك حقّا، إذا سمعت كلمة الإخلاص: معنى القول، وليس قوله: (أن لا تتّخذوا) بجملة، فيكون كقولك: قال زيد: عمرو منطلق. ويجوز أن تكون (أن) بمعنى: أي التي بمعنى التفسير، وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب كما انصرف منها إلى الخطاب في قوله: وانطلق الملأ منهم أن امشوا [ص/ ٦] والأمر، وكذلك انصرف من الغيبة إلى النهي في قوله: (أن لا تتخذوا)، وكذلك قوله: أن اعبدوا الله ربي [المائدة/ ١١٧] في وقوع الأمر بعد الخطاب، ويجوز أن يضمر القول ويحمل تتخذوا على القول المضمر إذا جعلت (أن) زائدة، فيكون التقدير: وجعلناه هدى لبني إسرائيل، فقلنا: لا تتخذوا من دوني وكيلا. فيجوز إذن في قوله: (أن لا تتخذوا) ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون أن الناصبة للفعل، فيكون المعنى: وجعلناه هدى كراهة أن تتخذوا من دوني وكيلا، أو لأن لا يتخذوا من دوني وكيلا. والآخر: أن تكون بمعنى (أي)، لأنه بعد كلام ناه، فيكون التقدير: أي لا تتخذوا. والثالث: أن تكون (أن) زائدة وتضمر القول. فأمّا قوله: ذرية من حملنا، [الإسراء/ ٣] فيجوز أن يكون

стр. 1885

مفعول الاتخاذ، لأنه فعل يتعدى إلى مفعولين، كقوله: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء/ ١٢٥]. وقوله: اتخذوا أيمانهم جنة [المجادلة/ ١٦] فأفرد الوكيل وهو في معنى الجمع، لأن فعيلا يكون مفرد اللفظ والمعنى على الجمع، نحو قوله: وحسن أولئك رفيقا [النساء/ ٦٩]. فإذا حمل على هذا كان مفعولا ثانيا في قول من قرأ بالتاء، والياء. ويجوز أن يكون نداء وذلك على قول من قرأ بالتاء: ألا تتخذوا يا ذرية، ولا يسهل أن يكون نداء على قول من قرأ بالياء، لأن الياء للغيبة والنداء للخطاب، ولو رفع الذرية على البدل من الضمير في قوله: أن لا تتخذوا كان جائزا، وقد ذكر أنها قراءة. ولو رفع على البدل من الضمير المرفوع كان جائزا، ويكون التقدير: أن لا تتّخذ ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا، ولو جعله بدلا من قوله بنى إسرائيل جاز، وكان التقدير: وجعلناه هدى لذرية من حملنا مع نوح. [الاسراء: ٧] اختلفوا في قوله: ليسوءوا وجوهكم [٧]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ليسوءوا بالياء جماع، همزة بين واوين. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة: (ليسوء) على واحد بالياء. وقرأ الكسائي: (لنسوء) بالنون «١». قال أبو علي: قوله: لتفسدن في الأرض مرتين [الإسراء/ ٤] المعنى: فإذا جاء وعد الآخرة، أي: المرّة الآخرة من قوله: لتفسدن

стр. 1886

في الأرض مرتين بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، فحذف بعثناهم، لأن ذكره قد تقدم، ولأنه جواب إذا وشرطها تقتضيه، فحذف للدّلالة عليه. فأما ليسوءوا فقال أبو زيد: سؤته مساءة، ومسائية، وسواية. وقال: وجوهكم على أنّ الوجوه مفعول به لسؤت، وعدي إلى الوجوه لأن الوجوه قد يراد بها ذوو الوجوه، كقوله: كل شيء هالك إلا وجهه [القصص/ ٨٨] وقال: وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة [عبس/ ٣٨، ٣٩] وقال: وجوه يومئذ ناضرة [القيامة/ ٢٢] ووجوه يومئذ باسرة [القيامة/ ٢٤]. وقال النابغة: أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع «١». وكأنّ الوجوه إنما خصّت بذلك لأنها تدلّ على ما كان في ذوي الوجوه من الناس من حزن، ومسرّة، وبشارة، وكآبة. فأما ليسوءوا فالحجة له أنه أشبه بما قبله وما بعده، ألا ترى أن الذي يراد قبله: بعثناهم، وبعده: ليدخلوا المسجد، وهو بيت المقدس، والمبعوثون في الحقيقة هم الذين يسوءونهم بقتلهم إياهم وأسرهم لهم، فهو وفق المعنى. فأما وجه قول من قرأ: (ليسوء وجوهكم): بالياء، ففاعل ليسوء يجوز أن يكون أحد شيئين: أحدهما: أن يكون اسم الله لأن الذي تقدّم: بعثنا، ورددنا لكم وأمددناكم بأموال.

стр. 1887

والآخر: أن يكون البعث دل عليه: بعثنا المتقدم كقوله: لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم [آل عمران/ ١٨٠]، أي: البخل. ومن قرأ (لنسوء) بالنون كان في المعنى كقول من قدر أن الفاعل ما تقدم من اسم الله، وجاز أن تنسب المساءة إلى الله ، وإن كانت من الذين جاسوا خلال الديار في الحقيقة لأنهم فعلوا المساءة بقوة الله وتمكينه لهم، فجاز أن ينسب إليه كما: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال/ ١٧]. [الاسراء: ١٣] اختلفوا في قوله : كتابا يلقاه منشورا [١٣]. فقرأ ابن عامر وحده: (كتابا يلقاه) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف. وقرأ الباقون: يلقاه بفتح الياء وتسكين اللام وتخفيف القاف. حمزة والكسائي: يميلان القاف «١». من قرأ (يخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) فالمعنى: يخرج طائره له كتابا يلقاه منشورا، وهي قراءة الحسن ومجاهد فيما زعموا. فأما طائره فقيل فيه: حظّه، وقيل: عمله. وما قدّم من خير أو شرّ، فيكون المعنى على هذا، ويخرج عمله كتابا أي ذا كتاب ومعنى ذا كتاب: أنه مثبت في الكتاب الذي قيل فيه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف/ ٤٩] وقوله: أحصاه الله ونسوه [المجادلة/ ٦] وقال: هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت [يونس/ ٣٠] وقوله: هاؤم اقرؤوا كتابيه [الحاقة/ ١٩].

стр. 1888

وإنما قيل لعمله طائر، وطير في بعض القراءة على حسب تعارف العرب لذلك في نحو قولهم: جرى طائره بكذا. ومثل هذا في ياسين: قالوا طائركم معكم [١٩] وفي الأعراف: إنما طائرهم عند الله [١٣١]. وروينا عن أحمد بن يحيى عن أبي المنهال المهلبي قال: حدثنا أبو زيد الأنصاري: أن ما مرّ من طائر أو ظبى أو غيره فكلّ ذلك عندهم طائر، وأنشد أبو زيد لكثير في تصييرهم كل ما زجر طائرا، وإن كان ظبيا أو غيره من البهائم. فقال: فلست بناسيها ولست بتارك إذا عرض الأدم الجواري سؤالها قال: ثم أخبر في البيت الثاني أن الذي زجره طائر فقال: أأدرك من أم الحكيم غبطة ... بها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها «١» وأنشد لزهير في ذلك: فلمّا أن تفرق آل ليلى ... جرت بيني وبينهم ظباء جرت سنحا فقلت لها مروعا ... نوى مشمولة فمتى اللقاء «١» قال أبو زيد: فقولهم: سألت الطير، وقلت للطير: إنما هو:

стр. 1889

زجرتها، وقولهم: خبرتني الظباء والطير بكذا: إنما هو وقع زجري عليها على كذا وكذا من خير وشرّ، ويقوّى ما ذكره أبو زيد قول الكميت: ولا أنا ممّن يزجر الطير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب «١» وأنشد لحسان بن ثابت: ذريني وعلمي بالأمور وسيرتي ... فما طائري فيها عليك بأخيلا «٢» أي: رأيي ليس بمشئوم، وأنشد لكثير: أقول إذا ما الطير مرّت مخيلة ... لعلّك يوما فانتظر أن تنالها مخيلة: مكروهة. وهو من الأخيل. فأمّا قوله في عنقه [الإسراء/ ١٣] فمعناه والله أعلم: لزوم ذلك له وتعلّقه به، وهذا مثل قولهم: طوقتك كذا، وقلّدتك كذا، أي صرفته نحوك، وألزمته إياك. ومنه: قلده السلطان كذا، أي: صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق، قال الأعشى: قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا ال ... إفضال والشّعر حيث ما جعلا «٣»

стр. 1890

وقال أوس بن حجر: تجول وفي الأعناق منها خزاية ... أوابدها تهوي إلى كلّ موسم «١» وقال الهذليّ: فليست كعهد الدار يا أمّ خالد ... ولكن أحاطت بالرّقاب السلاسل «٢» وأنشد الأصمعيّ: إنّ لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد ومن قرأ: ونخرج له يوم القيامة كتابا، وهو قراءة الجمهور، فالكتاب ينتصب بأنه مفعول به كقوله: هاؤم اقرؤوا كتابيه [الحاقة/ ١٩] وقوله: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء/ ١٤]، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية/ ٢٩]. فأما قوله: يلقاه منشورا فيدلّ عليه قوله: وإذا الصحف نشرت [التكوير/ ١٠]. فأما من قرأ: (يلقاه) فهو من قولك: لقيت الكتاب، فإذا ضعفت قلت: لقانيه زيد، فيتعدى الفعل بتضعيف العين إلى مفعولين بعد ما كان يتعدّى بغير التضعيف إلى مفعول واحد. فإذا

стр. 1891

بني الفعل للمفعول به نقص مفعول من المفعولين، لأن أحدهما يقوم مقام الفاعل في إسناده فيبقى متعديا إلى مفعول واحد، وعلى هذا قوله: ويلقون فيها تحية وسلاما [الفرقان/ ٧٥] وفي البناء للفاعل: ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان/ ١١]. وإمالة حمزة والكسائي القاف حسنة وتركها حسن. [الاسراء: ١٦] قال: ولم يختلفوا في قوله: أمرنا مترفيها [١٦] أنها خفيفة الميم، إلا ما روى خارجة عن نافع: (آمرنا) ممدودة مثل: آمنا، حدّثني موسى بن إسحاق القاضي قال: حدثنا هارون بن حاتم، قال: حدّثنا أبو العباس ختن ليث قال: سمعت أبا عمرو يقرأ: (أمرنا مترفيها)، مشدّدة الميم. وروى نصر بن عليّ عن أبيه عن حماد بن سلمة، قال سمعت ابن كثير يقرأ: (آمرنا) ممدودا «١». قال أبو عبيدة: (أمّرنا) «٢» أي: أكثرنا، يقال: أمر بنو فلان، إذا كثروا، وأنشد للبيد: إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للقلّ والنّفد «٣» قال: وقال بعضهم أمرنا [مثل أخذنا وهي] في معنى: أكثرنا،

стр. 1892

قال: وزعم يونس أن أبا عمرو قال: لا يكون في هذا المعنى أمرنا، قال أبو عبيدة: وقد وجدنا تثبيتا لهذه اللغة: «سكّة مأبورة، ومهرة مأمورة» «١». أي: كثيرة الولد. قال: وقال قوم: أمرنا: من الأمر والنهي «٢». قال أبو علي: لا يخلو قوله: أمرنا فيمن خفّف العين، من أن يكون فعلنا من الأمر، أو من: أمر القوم، وأمرتهم، مثل شترت عينه، وشترتها، ورجع ورجعته، وسار وسرته. فمن لم ير أن يكون أمرنا من أمر القوم، إذا كثروا، كأبي عمرو، فإنّ يونس حكى ذلك عنه، فإنّه ينبغي أن يجعل أمرنا من الأمر الذي هو خلاف النهي، ويكون المعنى أمرناهم بالطاعة فعصوا، وفسقوا. ومن قال: (آمرنا مترفيها) فإنه يكون: أفعلنا، من أمر القوم، إذا كثروا، وآمرهم الله، أي: أكثرهم. وذلك إن ضاعف فقال: أمّرنا، ونظير ذلك قولهم: سارت الدابة وسيّرتها، وسرتها، وفي التنزيل: هو الذي يسيركم في البر والبحر [يونس/ ٢٢]. وقال لبيد: لسيّان حرب أو تبوءوا بخزية ... وقد يقبل الضّيم الذليل المسيّر «٣» وكما عدّي بتضعيف العين، كذلك يعدّى بالنقل بالهمز، فيكون آمرنا. وزعم الجرميّ أن آمرنا أكثر في اللغة، ومثل أمر وأمرته، سلك وسلكته، وفي التنزيل: كذلك سلكناه في قلوب المجرمين

стр. 1893

[الحجر/ ١٢] وما سلككم في سقر [المدثر/ ٤٢] وقال: حتّى إذا سلكوهم في قتائدة «١» ... ويقوّي حمل أمرنا على النقل من أمر، وإن لا يجعل من الأمر الذي هو خلاف النهي، لأن الأمر بالطاعة على هذا يكون مقصورا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه، من مترف وغيره، ويحمل أمرنا على أنه مثل: آمرنا. ونظير هذا كثر وأكثره الله وكثره، ولا يحمل أمرنا على المعنى: جعلناهم أمراء، لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّة أمراء، فإن قلت: يكون منهم الواحد بعد الواحد، فإنهم إذا كانوا كذلك لا يكثرون في حال، وإنما يهلك الله لكثرة المعاصي في الأرض، وعلى هذا جاء الأمر في التنزيل في قوله: يا عباد الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون [العنكبوت/ ٥٦] فأمرهم بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها المعاصي إلى ما كان بخلاف هذه الصفة. ومما جاء فيه أمر بمعنى الكثرة قول زهير: والإثم من شرّ ما يصال به ... والبرّ كالغيث نبته أمر «٢» فقوله: أمر: اسم الفاعل من أمر يأمر، وزعموا أن في حرف أبيّ (بعثنا فيها أكابر مجرميها) «٣» فهذا يقوي معنى الكثرة.

стр. 1894

[الاسراء: ٢٣] اختلفوا في فتح الفاء وكسرها من قوله: فلا تقل لهما أف والتنوين [٢٣]. فقرأ ابن كثير، وابن عامر (أفّ ولا) بفتح الفاء. وقرأ نافع: أف ولا بالتنوين، وكذلك في الأنبياء [٦٧] والأحقاف [١٧] حفص عن عاصم مثله. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي (أفّ) خفضا بغير تنوين «١». قول ابن كثير: (أفّ ولا) الفاء فيه مبني على الفتح، لأنه وإن كان في الأصل مصدرا في قولهم: أفة وتفة، يراد بها: نتنا وذفرا، قد سمّي الفعل به فبني، وهذا في البناء على الفتح كقولهم: «سرعان ذي إهالة» «٢» كما صار اسما لسرع، وكذلك أفّ، لما كان اسما لأتكره وأتفجّر ونحو ذلك، ومثل سرعان قولهم: وشكان ذلك، وأنشد أبو زيد: لو شكان لو غنيتم وشمتم ... بإخوانكم والعزّ لم يتجمّع «٣» ومثل ذلك قولهم: رويد، في أنه سمّي به الفعل فبني ولم يلحق

стр. 1895

التنوين، إلا أن هذا في الأمر والنهي، وأفّ في الخبر. وقال: رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم ... إلينا ولكن بغضهم متماين «١» وقول نافع: أف ولا فإنه في البناء على الكسر مع التنوين مثل (أفّ) في البناء على الفتح، إلا أنه بدخول التنوين دل على التنكير مثل إيه، وصه، ومثله قولهم: فداء لك، فبنوه على الكسر وإن كان في الأصل مصدرا، كما كان أفة في الأصل كذلك، ومن قال: أفّ، ولم ينون جعله معرفة فلم ينوّن، كما أن من قال: صه وغاق «٢» فلم ينوّن أراد به المعرفة، فإن قلت: ما موضع أفّ في هذه اللغات بعد القول، هل يكون موضعه نصبا كما ينتصب المفرد بعده، أو كما تكون الجمل؛ فالقول إن موضعه موضع الجمل، كما أنك لو قلت: رويد، لكان موضعه موضع الجمل، وكذلك لو قلت: فدا. قال أبو الحسن: وقول الذين قالوا: أفّ أكثر وأجود، ولو جاء أفّ لك، وأفّا لك، لاحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الذي صار اسما للفعل، لحقه التنوين لعلامة التنكير. والآخر: أن يكون نصبا معربا، وكذلك الضم، فإن لم يكن معه لك كان ضعيفا، ألا ترى أنك لا تقول: ويل حتى توصل به: لك، فيكون في موضع الخبر.
следующие страницы →