علامة المضمر المجرور والمنصوب في نحو: منّي وعنّي، وقطني، وضربني، فأدغم الأولى الساكنة في التي تزاد مع الضمير، فصار لدني، وهذا هو القياس، والذي عليه الاستعمال.
وقرأ نافع (من لدني)، بضم الدال مع تخفيف النون. وجه ذلك: أنه على ما قدّم ذكره إلا في حذفه النون التي تلحق علامة الضمير، وإنما حذفها كما حذفت من قدني وقدي، قال:
قدني من نصر الخبيبين قدي «١».
ولا تكون النون المحذوفة الثالثة من لدن لأنها تردّ مع إضافتها إلى الضمير في نحو: من لدنه ويبشر [الكهف/ ٢]، ومن لدنّا ولدنّي، فكما لا تحذف من علامة الضمير، وإن حذفت من: «لد شول» «٢» و «لد غدوة» «٣» فإنها تردّ مع الضمير إلى الأصل، كما ردّوا:
فلا بك ما أسال ولا أغاما «٤» ونحو ذلك. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لدني) يشمّ الدال شيئا من الضم في رواية خلف، قال أبو علي: وجه ذلك أن لدن مثل سبع، وعضد، فكما تحذف الضمة من نحو سبع، كذلك حذفت من لدن، فصار لدن، فأما إشمامها الضم فليعلم أن الدال كانت تتحرك بالضم، كما أن من قال: تغزين، وقيل، فأشمّ الحرفين الضمة، أراد أن يعلم أنها في الأصل مضمومة.
стр. 1962
قال أحمد: وقال غيره عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم:
يسكن الدال مع فتح اللام. قال أبو علي: هذا هو الوجه الذي تقدّم، إلا أنه لم يشمّ الدال الضمة، وإنما لم يشمّها، كما أن كثيرا منهم لا يشمّون الضمة نحو: قيل.
قال: وروى أبو عبيدة عن الكسائي عن أبي بكر عن عاصم:
(من لدني) بضم اللام، ويسكن الدال، قال أحمد: وهو غلط. قال أبو علي: يشبه أن يكون التغليط من أبي بكر أحمد في وجه الرواية، فأما من جهة اللغة ومقاييسها فهو صحيح، ألا ترى أنّ مثل سبع وعضد إذا خفف فتخفيفه على ضربين، أحدهما: أن تحذف الضمة وتبقى فتحة الفاء على حالها، فيقال: عضد. والآخر: أن تلقى الحركة التي هي الضمّة على الفاء، وتحذف الفتحة فيقال: عضد، فكذلك لدن، ومثل ذلك: كبد وكبد وكبد، فهذه أوجه هذه الرواية في القياس. والنون التي تتبع علامة الضمير تحذف إذا سكنت الدال، لأن الدال قد سكنت بإلقاء الحركة منها، والنون من لدن ساكنة، فتحذف النون، لأن إدغام الأولى فيها لا يصلح لسكون ما قبلها من الدال فيصير لدني أو لدني «١»، فيحذف لالتقاء الساكنين، أحدهما الدال المسكنة، والآخر نون لدن، فإن أدغمت ولم تحذف لزمك أن تحرّك الدال لئلا يلتقي ساكنان، فيصير في الامتناع للإدغام بمنزلة امتناعه في: قرم مالك، في تحريك الساكن في المنفصل، وهذا ممتنع، فلما لم يسغ ذلك حذف لالتقاء الساكنين إذ قد حذفت لالتقائهما في نحو: لد الصلاة ولد الحائط.
стр. 1963
[الكهف: ٧٧]
اختلفوا في قوله: (لتخذت) [الكهف/ ٧٧].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لتخذت) بكسر الخاء، وكان أبو عمرو يدغم الدال، وابن كثير يظهرها.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: (لاتخذت).
وكلّهم أدغم إلا ما روى حفص عن عاصم فإنه لم يدغم مثل ابن كثير «١».
قال أبو زيد: اتّخذنا مالا فنحن نتّخذه اتّخاذا، وتخذت أتخذ تخذا. وحكى سيبويه: استخذ فلان أرضا «٢»، يتأوّله على أمرين:
أحدهما: أنه أراد اتّخذ فأبدل «٣» السين من التاء الأولى، والآخر: أنه استفعل، فحذف التاء التي هي فاء، من تخذت.
قال أبو علي: قوله: (لتخذت) بكسر الخاء: فعلت، وأنشدوا:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأُفحوص القطاة المطرّق
«٤» وقال: وكان أبو عمرو يدغم الدال، ووجه الإدغام أن هذه الحروف متقاربة، فيدغم بعضها في بعض كما يدغم سائر المتقاربة، والطاء والدال، والتاء والذال والثاء والظاء، أدغم بعضها في بعض للمقاربة، فأما الصاد والسين والزاي فتدغم بعضها في بعض، وتدغم فيها الحروف الستة ولا يدغمن في الستة لما يختل في إدغامها في
стр. 1964
مقاربها من الصّفير، فالذال أدغمها أبو عمرو في التاء، وإن كانت مجهورة والتاء مهموسة لأن ما بينهما من الجهر والهمس لا يمنع من الإدغام لقلة ذلك.
فأما تبيين ابن كثير: (لتخذت) وتركه الإدغام، فلأن لكل حرف من الذال والتاء حيزا غير حيّز الآخر، فالذال من حيّز الظاء والثاء، فلم يدغم لاختلاف الحيّزين واختلاف الحرفين في الجهر والهمس.
وحكى سيبويه أنهم قالوا: أخذت، فبيّنوا.
[الكهف: ٨١]
اختلفوا في التخفيف والتشديد من قوله جل وعزّ: أن يبدلهما [الكهف/ ٨١].
فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: أن يبدلهما [الكهف/ ٨١] (وليبدلنهم) [النور/ ٥٥] وأن يبدله أزواجا خيرا منكن [التحريم/ ٥] وأن يبدلنا خيرا منها [ن/ ٣٢] خفافا جمع.
وقرأ نافع وأبو عمرو في الكهف والتحريم ونون والنور مشدّدا كلّه.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي في الكهف والتحريم ونون مخففا، وفي النور: وليبدلنهم مشدّدة. وروى حفص عن عاصم أنّه خفف في الكهف والتحريم ونون، وشدّد في النور «١».
قال: بدّل وأبدل يتقاربان في المعنى، كما أن نزّل وأنزل كذلك، إلا أن بدّل ينبغي أن يكون أرجح لما جاء في التنزيل من قوله:
لا تبديل لكلمات الله [يونس/ ٦٤] ولم يجيء منه الإبدال كما جاء
стр. 1965
التبديل في مواضع من القرآن، وقد جاء: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج [النساء/ ٢٠] فهذا يكون بمعنى الإبدال كما أن قوله:
فلم يستجبه عند ذاك مجيب «١» بمعنى: فلم يجبه، فكما جاءت يستجبه بمنزلة يجبه، كذلك الاستبدال يمكن أن يكون بمعنى الإبدال، فأما من قال: إن بدّل غير أبدل، لأن قولك: تبدل، هو أن تذهب بالشيء وتجيء بغيره، كقوله:
عزل الأمير للأمير المبدل «٢» وقد يقال: يبدّل في الشيء، وقد يكون قائما وغير قائم، كقوله:
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا [النور/ ٥٥] فالخوف ليس بقائم في حال الأمن، ومن قال: وإذا بدلنا آية مكان آية [النحل/ ١٠١] فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة كقوله: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر [البقرة/ ٢٣٤] والذين يتوفون منهم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج [البقرة/ ٢٤٠]. وربما رفع المبدل من التلاوة. وقال: وبدلناهم بجنتيهم جنتين [سبأ/ ١٦] فالجنتان قائمتان، وقال: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [البقرة/ ٥٩] فالقولان جميعا قائمان، فليس ينفصل بدّل من أبدل في هذا النحو بشيء.
[الكهف: ٨١]
اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله : رحما [٨١].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي: (رحما) ساكنة الحاء.
стр. 1966
وقرأ ابن عامر: رحما مثقلة الحاء، وروي عن أبي عمرو:
(رُحما ورُحُما). عباس عن أبي عمرو أنه قال: أيتهما شئت فاقرأ.
قال: وأنا أقرأ بالضم (رحما). علي بن نصر، عن أبي عمرو:
وأقرب رحما و (رحما) بتسكين الحاء وتحريكها «١».
أبو عبيدة «٢»: الرّحم والرّحم، وهو الرحمة، وأنشد العجاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا «٣» وأنشد غيره لرؤبة:
يا منزل الرّحم على إدريس ... ومنزل اللعن على إبليس
«٤» قال أبو عبيدة: وأقرب رحما: عطفا.
[الكهف: ٩٢، ٨٩، ٨٥]
اختلفوا في تشديد التاء وتخفيفها من قوله: فأتبع سببا [الكهف/ ٨٥] (ثم اتبع سببا) [الكهف/ ٨٩، ٩٢].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (فاتبع سببا) (ثم اتّبع سببا) (ثم اتّبع سببا) مشددات التاء، وقرءوا: فأتبعوهم مشرقين [الشعراء/ ٦٠] مهموزا، وكذلك: فأتبعه الشيطان [الأعراف/ ١٧٥] وكذلك: فأتبعه شهاب ثاقب [الصافات/ ١٠] فأتبعه شهاب مبين [الحجر/ ١٨]. وقرءوا واتبع الذين ظلموا [هود/ ١١٦] مشدّدة
стр. 1967
التاء. وروى حسين عن أبي عمرو: (وأتبع الذين ظلموا) رواه هارون عن حسين عنه.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي فأتبع سببا ثم أتبع سببا ثم أتبع سببا فأتبعه شهاب، فأتبعوهم مشرقين، فأتبعه الشيطان مقطوع. واتبع الذين ظلموا موصولة «١».
أبو زيد: رأيت القوم فأتبعتهم اتباعا: إذا سبقوا فأسرعت نحوهم، ومروا علي فاتّبعتهم اتّباعا: إذا ذهبت معهم ولم يستتبعوك وتبعتهم أتبعهم تبعا مثل ذلك.
قال أبو علي: تبع فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، يدلّ على ذلك قوله: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة [القصص/ ٤٢] وفي أخرى: وأتبعوا في هذه لعنة [هود/ ٦٠] لمّا بني الفعل للمفعول قام أحد المفعولين مقام الفاعل.
فأما اتّبعوا فافتعلوا، فتعدى إلى مفعول واحد، كما تعدى فعلوا إليه، مثل: شويته واشتويته، وحفرته واحتفرته، وجرحته واجترحته، وفي التنزيل: اجترحوا السيئات [الجاثية/ ٢١] وفيه ويعلم ما جرحتم بالنهار [الأنعام/ ٦٠] وكذلك: فديته وافتديته، وهذا كثير. وأما قوله:
فأتبعوهم مشرقين [الشعراء/ ٦٠] فتقديره: فأتبعوهم جنودهم، فحذف أحد المفعولين كما حذف في قوله: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف/ ٢] ومن قوله: لا يكادون يفقهون قولا [الكهف/ ٩٣] والمعنى: لا يفقهون أحدا قولا، ولينذر الناس بأسا شديدا، وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [الأنعام/ ٥١] أي: عذابه أو
стр. 1968
حسابه، وقال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [آل عمران/ ١٧٥] أي: يخوفهم بأوليائه، يدلّك على ذلك: فلا تخافوهم وخافون [آل عمران/ ١٧٥]. فقوله: فأتبع سببا إنما هو افتعل الذي هو للمطاوعة، فتعدى إلى مفعول واحد، كقوله: واتبعوا ما تتلوا الشياطين [البقرة/ ١٠٢] واتبعك الأرذلون [الشعراء/ ١١١].
فأمّا قراءتهم: فأتبعوهم مشرقين [الشعراء/ ٦٠] فالمعنى:
أتبعوهم جنودهم مشرقين، وقوله: فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا [يونس/ ٩٠] تقديره: أتبعهم فرعون طلبه إيّاهم وتتّبعه لهم، وكذلك فأتبعه شهاب مبين. المعنى: أتبعه شهاب مبين الإحراق، والمنع من استراق السمع. وقوله: واتبع الذين ظلموا [هود/ ١١٦] فمطاوع تبع، تعدّى إلى مفعول واحد، ومثله: واتبعك الأرذلون [الشعراء/ ١١١]. وأما ما رواه حسين عن أبي عمرو: (واتّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) فإن أتبع يتعدى إلى مفعولين من حيث كان منقولا من تبعه، فأقيم أحدهما مقام الفاعل، وانتصب الآخر كما انتصب الدرهم في: أعطي زيد درهما، والمعنى: وأتبع الذين ظلموا عقاب ما أترفوا فيه، وجزاء ما أترفوا فيه.
وقرأه عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: (فأتبع سببا) تقديره:
فأتبع سببا سببا، أو أتبع أمره سببا، أو أتبع ما هو عليه سببا، وقد فسّرت الآي التي ذكرها بعد فيما تقدّم. وقال بعض المتأوّلين في قوله:
وآتيناه من كل شيء سببا [الكهف/ ٨٤] المعنى: وآتيناه من كلّ شيء بالخلق إليه حاجة سببا، أي: علما ومعونة له على ما مكّناه فيه، وأتبع سببا، يراد به: اتجه في كلّ وجه وجهناه له وأمرنا به للسبب الذي
стр. 1969
ينال به صلاح ما مكن منه. وقال أبو عبيدة: اتّبع سببا: طريقا وأثرا «١».
[الكهف: ٨٦]
اختلفوا في قوله تعالى: في عين حمئة [الكهف/ ٨٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: حمئة [الكهف/ ٨٦] وكذلك عاصم في رواية حفص: حمئة «٢».
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي (حامية) «٣».
أبو عبيدة: في عين حميئة: ذات حمأة «٤». قال الحسن:
﵀ من قرأ: حمئة فهي فعلة، ومن قرأ: (حامية) فهي فاعلة من حميت تحمى فهي حامية. حدّثنا الكندي قال: حدثنا المؤمّل قال: حدثنا إسماعيل عن ابن أبي رجاء عن الحسن في قوله: (في عين حامية) قال: حارّة، ويجوز فيمن قرأ: (حامية) أن يكون فاعلة من الحمأة، فخفّف الهمزة على قياس قول أبي الحسن، فقلبها ياء محضة، وإن خفّف الهمزة من فاعل على قول الخليل كانت بين بين.
قال سيبويه: وهو قول العرب والخليل. وروي عن ابن عباس قال:
كنت عند معاوية فقرأ: (في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلا حمئة فقال: لعبد الله بن عمرو بن العاص كيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين، قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن، فأرسل معاوية إلى كعب: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: أما
стр. 1970
العربية، فأنتم أعلم بها، وأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين، وكان جمهور الناس على (حامية) «١».
[الكهف: ٨٨]
اختلفوا في الإضافة والتنوين من قوله : جزاء الحسنى [الكهف/ ٨٨].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر (جزاء الحسنى) «٢» رفع مضافة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: جزاء الحسنى منون منصوب «٣».
قال أبو علي: من قرأ: (جزاء الحسنى)، كان المعنى: له جزاء الخلال الحسنى، لأن الإيمان والعمل الصالح خلال، فالتقدير:
المؤمن له جزاء الخلال الحسنة التي أتاها وعملها.
ومن قال: فله جزاء الحسنى فالمعنى: له الحسنى جزاء، أي: له الخلال الحسنى جزاء، فالجزاء مصدر واقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيّة، قال أبو الحسن: وهذا لا تكاد العرب تكلم به مقدّما إلا في الشعر.
[الكهف: ٩٤، ٩٣]
اختلفوا في ضمّ السين وفتحها من قوله جل وعزّ: (بين السدين) [الكهف/ ٩٣].
فقرأ ابن كثير: بين السدين بفتح السين، وبينهم «٤» سدا
стр. 1971
[الكهف/ ٩٤] بفتح السين أيضا، وقرأ في يس: (سدّا) و (سدّا) [٩] «١»، وأبو عمرو مثله. حفص عن عاصم بفتح ذلك كلّه.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر بضم السين في ذلك كلّه، وكذلك ابن عامر.
وقرأ حمزة والكسائي بضم (بين السّدين) وحدها، ويفتحان:
وبينهم سدا ومن بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا «٢».
أبو عبيدة: كلّ شيء وجدته العرب من فعل الله من الجبال والشعاب فهو سدّ، وما بناه الآدميون فهو سدّ «٣»، وقال غيره: هما لغتان بمعنى واحد، كالضّعف والضّعف، والفَقر والفُقر.
قال أبو علي: ويجوز أن يكون السّد المصدر من سددته سدا، والسّد: المسدود في الأشياء التي يفصل فيها بين المصادر والأسماء نحو السِّقي والسُّقي، والطِّحن والطُّحن والشِّرب والشُّرب والقبض والقبض، فإذا كان ذلك كذلك، فالأشبه (بين السّدين) لأنه المسدود.
ويجوز فيمن فتح السّدين أن يجعله اسما للمسدود، نحو: نسج اليمن، وضرب الأمير تريد بهما: منسوجه ومضروبه، فأما ما في يس من قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا) [يس/ ٩]، فمن ضم كان المعنى جعلنا بينهم مثل السّد والحاجز المانع من الرؤية، ومن فتح جعل السّد المسدود، قال أبو الحسن المفتوحة أكثر اللغتين.
стр. 1972
[الكهف: ٩٣]
اختلفوا في فتح الياء وضمها من قوله تعالى: يفقهون قولا [الكهف/ ٩٣].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: (يفقهون قولا) بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي: يفقهون قولا بضم الياء، وكسر القاف «١».
لا يكادون يفقهون قولا أي: يعلمونه ولا يستنبطون من فحواه شيئا. ومن قال: (لا يكادون يفقهون) فإنّ فقهت فعل يتعدّى إلى مفعول واحد، تقول: فقهت السّنّة، فإذا نقلته بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، فالمعنى فيمن ضم: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين كما حذف من قوله: لينذر بأسا شديدا [الكهف/ ٢] وكما حذف من قوله: فأتبعوهم مشرقين «٢» [الشعراء/ ٦٠]. وهذا النحو غير ضيّق.
[الكهف: ٩٤]
اختلفوا في همز يأجوج ومأجوج [الكهف/ ٩٤].
فقرأ عاصم وحده: يأجوج ومأجوج مهموز هاهنا، وفي سورة الأنبياء «٣» [٩٦] أيضا. وقرأ الباقون بغير همز «٤».
اعلم أنك إن جعلت (يأجوج) عربيّا فيمن همز فهو يفعول مثل يربوع، وهو من أجّ من قولك: هبّ له بأجّة «٥»، وليس من يأجج الذي
стр. 1973
حكاه سيبويه «١»، لأن الياء في يأجج فاء فالكلمة من ياء وهمزة وجيم وأظهر الجيم في يأجج لأنها للإلحاق كما أظهرت الدال في مهدد لذلك، ولو كان في العربية فعلول لأمكن أن يكون يأجوج فيمن همز فعلول من يأجوج، ومن لم يهمز فقال: يأجوج، أمكن أن يكون خفف الهمزة، فقلبها ألفا مثل رأس، فهو على قوله أيضا يفعول، فإن كانت الألف في يأجوج فيمن لم يهمز ليس على التخفيف، فإنه فاعول من ي ج ج، فإن جعلت الكلمة من هذا الأصل كانت الهمزة فيها كمن قال: سأق، ونحو ذلك مما جاء مهموزا ولم ينبغ أن يهمز، ويكون الامتناع من صرفه على هذا للتأنيث والتعريف، كأنه اسم للقبيلة كمجوس.
وأما (مأجوج) فيمن همز فمفعول من أجّ كما أن يأجوج يفعول منه، فالكلمتان على هذا من أصل واحد في الاشتقاق. ومن لم يهمز ماجوج كان ماجوج عنده فاعول من مجّ، كما كان يأجوج من يجّ، فالكلمتان على هذا من أصلين وليسا من أصل واحد، كما كانتا كذلك فيمن همزهما، ويكون ترك الصرف فيه أيضا للتأنيث والتعريف، وإن جعلتهما من العجمي فهذه التمثيلات لا تصح فيهما، وامتنعا من الصرف للعجمة والتعريف، وإنما تمثل هذه التمثيلات في العجمية ليعلم أنها لو كانت عربيّة لكانت على ما يذكرا.
[الكهف: ٩٣]
اختلفوا في قوله جل وعز «٢»: خرجا [الكهف/ ٩٤] فخراج ربك [المؤمنون/ ٧٢].
стр. 1974
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم: خرجا، وفي المؤمنين: خرجا بغير ألف. فخراج الأخير بألف.
وقرأ ابن عامر: خرجا بغير ألف، وفي المؤمنين خرجا بغير ألف، (فخرج ربّك) بغير ألف في الثلاثة.
وقرأ حمزة والكسائي ثلاثتهن بألف «١».
قال أبو علي: هل نجعل لك خرجا: أي: هل نجعل لك عطيّة نخرجها إليك من أموالنا، وكذلك قوله: أم تسألهم خرجا، أي: مالا يخرجونه إليك، فأما المضروب على الأرض فالخراج، وقد يجوز في غير ضرائب الأرض الخراج بدلالة قول العجاج:
يوم خراج يخرج الشمرّجا «٢».
فهذا ليس على الضرائب التي ألزمت الأرضين المفتتحة كأرض السواد، لأن ذلك لا يكاد يضاف إلى وقت من يوم وغيره، وإنما هو شيء مؤبد لا يتغير عما عليه من اللزوم للأرضين، ويدلّ على أن الخراج العطيّة منهم له، قوله في جوابه لهم: ما مكني فيه ربي خير [الكهف/ ٩٥] كأن المعنى: ما مكنني فيه من الاتساع في الدنيا خيرٌ من خرجكم الذي بذلتموه لي، فأعينوني بقوّة دون الخراج الذي بذلتموه.
[الكهف: ٩٥، ٩٦]
قال: كلّهم قرأ: ردما، آتوني [الكهف/ ٩٥، ٩٦] ممدودا غير عاصم فيما حدّثني به إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي عن أبيه عن
стр. 1975
يحيى عن أبي بكر عن عاصم: (ردما ائتوني) بكسر النوين «١».
وحدّثني موسى بن إسحاق عن أبي هشام عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم (ردما. ءاتوني) بكسر النوين على معنى جيئوني. وحدّثني.
موسى بن إسحاق عن هارون عن حسين عن أبي بكر عن عاصم:
(ردما ءاتوني) مثله، على جيئوني.
وروى حفص عن عاصم: ردما آتوني مثل أبي عمرو «٢».
حجة من قرأ ردما ءاتوني أن (ائتوني) أشبه بقوله: فأعينوني بقوة [الكهف/ ٩٥] لأنه كلّفهم المعونة على عمل السد، ولم يقبل الخراج الذي بذلوه. فقوله: (ءاتوني) الذي معناه: جيئوني، إنما هو معونة على ما كلّفهم من قوله: فأعينوني بقوة.
وأما آتوني فمعناه: أعطوني، وأعطوني يجوز أن يكون على المشاركة، ويجوز أن يكون على الاتهاب.
أخبرنا أبو الحسن عبد الله بن الحسين، أن ابن سماعة روى عنه محمد في رجل كان عنده ثوب لرجل، فقال له: أعطني هذا الثوب، فقال: قد أعطيتك، قال: هو صدقة، فإن لم يكن الثوب عنده ولكن عند ربّ الثوب فقال له: أعطني هذا الثوب، فقال: قد أعطيتك قال:
هو عارية.
وقولهم: آتوني مثل أعطوني في المعنى، وقد احتمل أعطوني الوجهين، وكذلك يحتملها آتوني. وائتوني لا يحتمل إلا جيئوني،
стр. 1976
فائتوني المقصورة هاهنا أحسن لاختصاصه بالمعونة فقط دون أن يكون سؤال عين، والعطيّة قد تكون هبة، قال:
ومنّا الذي أعطى الرسول عطيّة ... أسارى تميم والعيون دوامع
«١» فالعطية تجري مجرى الهبة لهم والإنعام عليهم في فك الأسير، وقد يكون بمعنى المناولة.
ووجه قول من قرأ: آتونى أنه لم يرد بآتوني: العطيّة والهبة، ولكن تكليف المناولة بالأنفس، كما كان قراءة من قرأ: (ائتونى) لا يصرف إلى استدعاء تمليك عين بهبة ولا بغيرها، وأمّا انتصاب (زبر الحديد) فإنك تقول: أتيتك بدرهم، وقال:
أتيت بعبد الله في القد موثقا ... فهلا سعيدا ذا الخيانة والغدر
«٢» فيصل الفعل إلى المفعول الثاني بحرف الجر، ثم يجوز أن يحذف الحرف اتساعا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني على حدّ:
أمرتك الخير «٣» .. ونحوه.
قال: قرأ ابن كثير وحد: (ما مكنني) [الكهف/ ٩٥] بنونين، وكذلك هي في مصاحف أهل مكّة.
стр. 1977
وقرأ الباقون ما مكني مدغم «١».
قال أبو زيد: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة. قال أبو علي: مكن فعل غير متعد كشرف وعظم، فإذا ضعّفت العين عديته بذلك كقولك: شرّفته وعظمته، فقول ابن كثير: مكنني يكون منقولا من مكن، وكذلك قول الباقين، فأما إظهار المثلين في مكّنني فلأن الثاني منهما غير لازم، لأنك قد تقول: مكّنك ومكّنه فلا تلزم النون، فلما لم تلزم لم يعتد بها، كما أن التاء في اقتتلوا كذلك، ومن أدغم لم ينزله منزلة ما لا يلزم، فأدغم، كما أن من قرأ: قتّلوا في:
اقتتلوا كذلك.
[الكهف: ٩٦]
اختلفوا في قوله: بين الصدفين [الكهف/ ٩٦].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (الصدفين) بضم الصاد والدال.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي: الصدفين بفتح الصاد والدال.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (الصدفين) بضم الصاد وتسكين الدال. وروى حفص عن عاصم: الصدفين بفتحتين «٢».
هذه لغات في الكلمة فاشية زعموا. وقال أبو عبيدة: الصدفان:
جانبا الجبل «٣».
[الكهف: ٩٦]
اختلفوا في قوله تعالى: آتوني أفرغ عليه [الكهف/ ٩٦] فقرأ
стр. 1978
ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي قال آتوني أفرغ ممدودا، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة (قال ائتوني) قصرا.
وروى خلف عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم أنه قال:
آتوني ممدودة. حفص عن عاصم قال: آتوني ممدودة «١».
قال أبو على: أما قراءة من قرأ (ائتوني أفرغ عليه قطرا) فمعناه:
جيئوني به، واللفظ على إيصال الفعل إلى المفعول الثاني بالحرف، كما كان قوله: (ائتوني زبر الحديد) كذلك، إلا أنه أعمل الفعل الثاني، ولو أعمل الأول لكان: (ائتوني أفرغه عليه قطرا)، إلا أن تقدير الفعل أن يصل إلى المفعول الثاني، بلا حرف كما كان كذلك في قوله: (ائتوني زبر الحديد)، وجميع ما مرّ بنا في التنزيل من هذا النحو إنما هو على إعمال الثاني كما يختاره سيبويه، فمنه قوله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء/ ١٧٦] ومنه قوله: هاؤم اقرؤوا كتابيه [الحاقة/ ١٩].
ووجه من قال: آتوني أفرغ عليه قطرا أن المعنى: ناولوني قطرا أفرغه عليه، إلا أنه أعمل الثاني من الفعلين كما أعمل الثاني في قصر ائتوني.
[الكهف: ٩٦]
قال: كلّهم قرأ فما اسطاعوا [الكهف/ ٩٦] بتخفيف الطاء غير حمزة فإنه قرأ (فما استطاعوا) يريد: فما استطاعوا، ثم يدغم التاء في الطاء، قال: وهذا غير جائز لأنه قد جمع بين السين وهي ساكنة والتاء المدغمة وهي ساكنة «٢».
стр. 1979
قالوا: طاع يطوع، فلم يتعدّ الفعل منه، فإذا أريد تعديته ألحقت الهمزة فقالوا: أطعت زيدا، قال: وأطيعوا الله ورسوله [الأنفال/ ١] وقالوا أيضا: اسطاع يسطيع في معنى أطاع يطيع، وقولهم: أسطاع أفعل، وإنما ألحقت السين البناء لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو لم يسطع، ومثل السين في ذلك الهاء في قول من قال: أهراق يهريق. فالهاء في أنها عوض مثل السين في اسطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أنّ ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض. وقالوا أيضا: استطاع يستطيع، وفي التنزيل: هل يستطيع ربك [المائدة/ ١١٢] فهذا استفعل، وكأن استفعل في ذلك جاء في معنى أفعل، كما أنّ استجاب في معنى أجاب في نحو:
فلم يستجبه عند ذاك مجيب «١» وحذفوا من الكلمة التاء المزيدة مع السين فقالوا: اسطاع يسطيع، وفي التنزيل: فما استطاعوا أن يظهروه وهو قراءة الجمهور، لما اجتمعت المتقاربة أحبّوا التخفيف بالإدغام كما أحبّوا ذلك في الأمثال، فلمّا لم يسغ التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في موضع عدل عنه إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم:
علماء بنو فلان، يريدون: على الماء، ولم يسغ إدغام الأولى في الثانية وإن كانت تتحرك بحركة الهمزة في نحو قولهم: الحمر، حذفوا الأول من المثلين لما كان الإدغام يؤدي إلى تحريك ما تكره الحركة فيه فأما تحريكه بحركة الهمزة فهي في هذا التحريك في نية السكون
стр. 1980
يدلّك على ذلك تقدير همزة الوصل مع تحرّك اللام، فقالوا: علماء بنو فلان، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام، وهذا أولى من قولهم، اسطاع، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع من الحركات كما تحركت اللام، فهذا استفعل بمنزلة أفعل وأجروا المتقاربين في هذا مجرى المثلين، فقالوا: بلعنبر، لما كانت النون مقاربة اللام، وكانت تدغم فيها في نحو: من لك، أريد إدغامها في هذا الموضع أيضا، فلما لم يسغ ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين، ولغة أخرى خامسة في الكلمة، وهي أن بعضهم قال في:
يسطيع: يستيع، فهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنه أبدل من الطاء التي هي فاءٌ التاء ليقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال من التاء في نحو: ازدان ليوافق ما قبله في الجهر، والآخر: أن يكون حذف الطاء لما لم يستقم إدغام ما قبلها في المتقارب منها، كما حذف المثل والمتقارب من: علماء بنو فلان، وبلعنبر، ويكون هذا في أنه حذف من الكلمة الأصل للتخفيف، بمنزلة قولهم: تقيت، ألا ترى أنه في الأصل: اتّقى، فحذف الفاء التي هي في الأصل واو، فلما حذفها سقطت همزة الوصل المجتلبة لسكون الفاء فبقي تقيت على فعلت، فإن قلت: فلم لا يكون على أنه أبدل من الفاء التي هي واو التاء، كما أبدل من تيقور وتولج «١» ونحو ذلك، ولا يكون على ما ذكرت من حذفه الفاء من افتعلت، فالدليل
стр. 1981
على أن الحذف من افتعلت وليس على حد ما ذكرت قولهم في المضارع: يتقي ولو كان على الحد الآخر لسكن ما بعد حرف المضارعة وأنشدنا:
يتقي به نفيان كلّ عشيّة «١» ومثل تقديره الفاء التي هي طاء من يستيع، تقدير حذف التاء من قولهم: استخد فلان ما لا، يجوز أن يكون: استتخد، فحذف الفاء لاجتماع حروف متماثلة، فحذفت التاء التي هي فاء، كما حذفت الفاء في يستيع، وإنما هو يستطيع، ويجوز أن يكون: استخذ اتخذ، فأبدل السين من التاء لاجتماعهما في الهمس ومقاربة المخرج، وأبدلت السين من التاء، كما أبدلت التاء من السين في قولهم: طست. قال العجاج:
أأن رأيت هامتي كالطّست «٢» والأصل السين، يدل على ذلك أن أبا عثمان أنشد:
لو عرضت لأيبليّ قسّ
أشعث في هيكله مندسّ ... حنّ إليها كحنين الطسّ
«٢» فأمّا قول حمزة: فما اسطاعوا أن يظهروه فإنما هو على إدغام التاء في الطاء ولم يلق حركتها على السين فيحرك ما لا يتحرك، ولكن
стр. 1982
أدغم مع أنّ الساكن الذي قبل المدغم ليس حرف مدّ، وقد قرأت القراء غير حرف من هذا النحو، وقد قدّمنا ذكر وجه هذا النحو، ومما يؤكّد ذلك أن سيبويه أنشد:
كأنّه بعد كلال الزاجر ... ومسحي مرّ عقاب كاسر
«١» والحذف في: ما استطاعوا، والإثبات في ما استطاعوا، كلّ واحد منهما أحسن من الإدغام على هذا الوجه.
[الكهف: ٩٨]
اختلفوا في قوله : (دكا) [الكهف/ ٩٨]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (دكّا) منون غير مهموز ولا ممدود.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: دكاء ممدود مهموز بلا تنوين.
وهبيرة عن حفص (دكّا) منون غير ممدود، وقال غير هبيرة عن حفص عن عاصم: ممدود «٢».
قال أبو علي: من قال: (جعله دكّا) احتمل أمرين: أحدهما:
أنه لمّا قال: جعله وكان بمنزلة خلق وعمل، فكأنه قد قال: دكّه دكّا، فحمله على الفعل الذي دلّ عليه قوله: جعله، والوجه الآخر: أن يكون جعله ذا دك، فحذف المضاف، ويمكن أن يكون حالا في هذا الوجه.
ومن قال: جعله دكاء فعلى حذف المضاف، كأنه جعله مثل دكّاء، قالوا: ناقة دكّاء، أي: لا سنام لها، ولا بدّ من تقدير الحذف،
стр. 1983
لأن الجبل مذكّر فلا يوصف بدكاء، لأنه من المؤنث وجعل مثل خلق، ويمكن أن يكون حالا.
[الكهف: ١٠٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى: أن تنفد كلمات ربي [الكهف/ ١٠٩].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم «١»: قبل أن تنفد كلمات بالتاء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: (ينفد) بالياء «٢».
قال أبو علي: التأنيث أحسن، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، والتذكير حسن أيضا لأن التأنيث ليس بحقيقي وقد تقدم ذكر ذلك في غير موضع.
стр. 1984
ذكر اختلافهم في سورة مريم
[مريم: ١، ٢]
اختلفوا في كهيعص. ذكر [١، ٢].
فقرأ ابن كثير كهيعص بفتح الهاء والياء، وتبيين الدال التي في هجاء صاد.
وقرأ أبو عمرو كهيعص. ذكر بكسر الهاء وفتح الياء ويدغم الدال في الذال. نافع يلفظ بالهاء والياء بين الكسر والفتح، ولا يدغم الدال التي في هجاء صاد في الذال من ذكر هذا قول محمد بن إسحاق عن أبيه. وقال ابن سعدان عن إسحاق المدني عن نافع بفتح الهاء والياء ويدغم، وقال إسماعيل بين الكسر والفتح. وقال أحمد بن صالح عن ورش، وقالون عن نافع: الهاء بين الكسر والفتح، ونون العين غير مبيّنة، ودال صاد «١» غير مبيّنة وهو معها «٢» ذال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكسر «٣» الهاء والياء والكسائي لا يبين الدال وعاصم يبيّنها.
стр. 1985
وقرأ حمزة وابن عامر كهيعص. ذكر بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان، وكلّهم يخفي نون (عين).
وروى ابن اليتيم عن أبي حفص عن عاصم أنه كان يبين الهاء ولا يرفعها ولا يكسر الياء. أبو عمارة عن حفص عن عاصم يفخم «١».
القول في إمالة هذه الحروف أن إمالتها لا تمتنع، لأنها ليست بحروف معنى وإنما هي أسماء لهذه الأصوات، قال سيبويه: قالوا:
با، تا، لأنها أسماء ما يتهجى به «٢»، فلما كانت أسماء غير حروف جازت فيها الإمالة كما جازت في الأسماء. ويدلّك على أنها أسماء أنها إذا أخبرت عنها أعربتها، وإن
كنت لا تعربها قبل ذلك، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، فكذلك هذه الحروف، وإذا كانت أسماء ساغت الإمالة فيها، فأما من لم يمل فعلى قول أهل الحجاز.
قال: كلّهم يخفي نون عين. حفص عن عاصم يبيّن النون، قال أبو عثمان: بيان النون مع حروف الفم لحن، إلا أن هذه الحروف تجري على الوقف عليها والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان وأن لا تخفى، وقول عاصم هو القياس فيها وما لا مذهب عنه، وكذلك أسماء العدد حكمها على الوقف على أنها منفصلة مما بعدها. ومما يبيّن أنها على الوقف أنهم قالوا: ثلاثة اربعة، فألقوا حركة الهمزة على الهاء لسكونها ولم يقلبوها تاء، وإن كانت موصولة لما كانت النية بها الوقف، فكذلك النون ينبغي أن تبيّن لأنها في نيّة الوقف والانفصال
стр. 1986
ممّا بعدها. ولمن لم يبيّن أن يستدلّ بتركهم قطع الهمزة من قوله:
(الميم الله) [آل عمران/ ١ - ٢] ألا ترى أن الهمزة لم تقطع، وإن كان ما هي منه في تقدير الانفصال ممّا قبله، فكما لم تقطع الهمزة في الم الله وفي قولهم: واحد اثنان، كذلك لم تبيّن النون لأنها جعلت في حكم الاتصال، كما كانت الهمزة فيما ذكرنا كذلك. قال أبو الحسن:
التبيين: يعني تبيين النون، أجود في العربية لأن حروف الهجاء والعدد منفصل بعضها من بعض، قال: وعامة القراء على خلاف التبيين.
[مريم: ٥]
اختلفوا في قوله: من ورائي [مريم/ ٥].
فقرأ ابن كثير فيما قرأت على قنبل- من ورائي مهموزة ممدودة مفتوحة الياء.
وحدثوني عن خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: (من وراي) مثل: عصاي [طه/ ١٨] وهداي [طه/ ١٢٣] بغير همز ونصب الياء.
وكلّهم همز ومدّ وأسكن الياء، غير ابن كثير «١».
قال أبو عبيدة «٢» وغيره: من ورائي: من قدامي، وكذلك قال:
في قوله: وكان وراءهم ملك [الكهف/ ٧٩] أي: بين أيديهم وأنشد لسوار بن المضرّب:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
«٣»
стр. 1987
أي: أمامي، وهكذا حكى عنه التوزي، قال: وقال: وراء الرجل: خلفه ووراؤه: قدّامه: قال: وكان وراءهم ملك أي:
أمامهم. وكذلك قوله : ومن ورائه عذاب غليظ [إبراهيم/ ١٧]، أي: أمامه، قال التوزي: وأنشدنا أبو عبيدة:
أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرنّ يداك دوني
«١» وراء بني رياح، أي: قدام بني رياح. وأنشد:
أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
«٢» وقال غيره أيضا: وراء: يكون بمعنى خلف، وبمعنى قدّام، قال: وفي القرآن في معنى خلف وبعد قوله: ومن وراء إسحاق يعقوب [هود/ ٧١]. وروي عن ابن عباس: وكان وراءهم ملك أي: أمامهم «٣»، ونحو ذلك قال يعقوب مثل غيره.
وقد حكى متقدّمو أهل اللغة وقوع الاسم على الشيء وعلى ضدّه، وصنّفوا فيه الكتب كقطرب، والتوّزيّ ويعقوب وغيرهم، وربما أنكر ذلك منكرون بتعسف وتأويلات غير سهلة، وليس ينكر أحد أن
стр. 1988
اللفظة الواحدة تقع على الشيء وعلى خلافه، وكذلك لا ينبغي أن ينكر وقوعه على الشيء وعلى ضدّه، لأن الضدّ ضرب من الخلاف، فإن زعموا أن ذلك يلبس فهو في الخلاف أيضا يلبس.
والقصر الذي روي عن ابن كثير لم أعلم أحدا من أهل اللغة حكاه ولعلّه لغة، وقد جاء في الشعر من قصر الممدود شيء كثير وقياسه قياس ردّ الشيء إلى أصله، واللام من هذه الكلمة همزة وليس من باب الوراء، ولا من قول الشاعر:
كظهر اللأى لو يبتغي ريّة بها «١» لأنهم قالوا في تحقيرها: وريئة، مثل: وديعة، حكى ذلك أبو عثمان وغيره، ولو كان من باب الوري والتواري لكان تحقيره وريّة، ومن نادر ما جاء في هذه الكلمة دخول الهاء في تحقيرها مع أنها على أربعة أحرف، وكذلك دخلت في: قديديمة، وتحقير قدّام، قال:
قديديمة التجريب والحلم إنّني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب
«٢» وقال:
يوم قديديمة الجوزاء مسموم «٣»
стр. 1989
والقول في ذلك أنّ ما كان على أربعة أحرف لا تدخله تاء التأنيث في التحقير كما يدخل عامة ما كان على ثلاثة أحرف، وكأنّ الحرف الأصل قام مقام الزائد، كما قام مقامه في قولهم لم يغز، ولم يخش ولم يرم، ألا ترى أن هذه اللامات حذفت كما تحذف الحركات للجزم، وأما دخولها على قديديمة، ووريّئة، فمن الأشياء التي تشذّ فتردّ إلى الأصل المرفوض نحو: استحوذ والقصوى والقود ورجل لدوغ، وطعام قضض، حكاه أبو زيد.
فأما قوله: وإني خفت الموالي من ورائي فإن الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل:
خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي وملامة الناس، وكذلك وإني خفت الموالي من ورائي أي: خفت تضييع بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى على تضييعهم الدين ونبذهم إياه واطّراحهم له، فسأل ربّه وليّا يرث نبوّته وعلمه لئلا يضيع الدين. ويقوّي ذلك ما روي عن الحسن أنه قال: يرثني [مريم/ ٦]: يرث نبوّتي، وهذا بيّن لأنه لا يخلو من أن يكون أراد: يرث مالي أو علمي ونبوّتي. وفيما أثر
عن رسول الله ﵌ من أنه قال: «نحن- معاشر الأنبياء- لا نورث ما تركناه صدقة»
«١».
دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليّه ليس المال، فإذا بطل هذا ثبت الوجه الآخر.
стр. 1990
وقريب من هذا الوجه: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين [الأنبياء/ ٨٩] على أنه لا يجوز على نبيّ الله أن يقول: أخاف أن يرثني بنو عمي وعصبتي على ما فرضته لهم، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ربّه ما شاهدهم عليه من تبديلهم الدين واطّراحهم له وتوثّبهم على الأنبياء وقتلهم إيّاهم. وروي عن عثمان بن عفان، ﵁:
وإني خفت الموالي من ورائي وكأن المعنى: أنهم قلّوا وقلّ من كان منهم يقوم بالدين، فسأل وليّا يقوم به، وقد قال الشاعر:
إذا أنا لم أومن عليك فلم يكن ... كلامك إلّا من وراء وراء
«١» فيجوّز فيه أهل النظر في العربية غير وجه، منها: إلا من وراء وراء، بضمها كما ضممت قبل، وبعد، وتحت، ودون، وتجعل الثاني بدلا من الأول، قال أبو الحسن: أنشدناه يونس وبيتا آخر قبله، قال:
وزعم أنه شعر مرفوع: وإلا من وراء وراء، يريد به: ورائي، فحذف ياء الإضافة، وتدلّ الكسرة عليها. فيكون: من وراء وراء، وتكون الثانية بدلا من الأولى، أو تكريرا،
ويكون: من وراء وراء، على أن تجعل وراء معرفة فلا تصرفها للتأنيث والتعريف، وتكون الثانية تكريرا، وروى ابن حبيب عن أبي توبة: إلا من وراء وراء، أضاف وراء إلى وراء فجره للإضافة، وبنى وراء المضاف إليها على الضمّ مثل: تحت ودون، ويجوز: إلا من وراء وراء، تضيف وراء الأول إلى الثاني، وقد جعلته لا ينصرف للتأنيث والتعريف وراء الأول التقدير فيه الإفراد كما يقدر في سائر ما يضاف ذلك.
стр. 1991
[مريم: ٦]
اختلفوا في الرفع والجزم من قوله : يرثني ويرث [مريم/ ٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: يرثني ويرث برفعهما.
وقرأ أبو عمرو والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما «١».
وجه الرفع: أنه سأل وليّا وارثا علمه ونبوّته، وليس المعنى على الجزاء. أي: إن وهبته ورث، وذلك أنه ليس كلّ ولي يرث، فإذا لم يكن كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصحّ أن تقول: إن وهبته ورث، لأنه قد يهب وليّا لا يرث، وكون وليّا فاصلة لا يدلّ على أن يرثني ليس بصفة، ألا ترى أن الفاصلة قد يكون ما بعدها متصلا بها، فلا توجب الفاصلة قطع ما بعدها عنها.
ووجه الجزم: أنه أوقع الوليّ الذي هو اسم عام موضع الخاصّ فأراد بالوليّ وليّا وارثا، كما وضع العام موضع الخاص في غير هذا كقوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم [آل عمران/ ١٧٣] وإنما يراد بكلّ واحد من قوله الناس رجل مفرد، وقد يقول الرجل: جاءني أهل الدنيا، وإنما أتاه بعضهم إذا قصد التكثير.
وتقول: سير عليه الدهر والأبد، فوضع العامّ في كلّ ذا موضع الخاصّ، فكذلك قوله: وليا لفظة عامّة تقع على الوارث وغير الوارث، فأوقعه على الوارث دون غيره، فعلى هذا يصحّ معنى الجزاء.
[مريم: ٨]
اختلفوا في قوله جل وعز: عتيا [مريم/ ٨] و (جثيا) [٦٨] وبكيا [٥٨] و (صليا) [٧٠] في كسر أوائلها وضمها.
стр. 1992
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: بضم أوائل هذه الحروف.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائل هذه الحروف كلّها. حفص عن عاصم بكسر أوائل هذه الحروف كلّها إلا بكيا فإنه يضمّ أوله «١».
أبو عبيدة: كلّ مبالغ في شرّ أو كفر فقد عتا عتيّا «٢»، ومثلها عسى.
اعلم أن ما كان على فُعُول كان على ضربين، أحدهما: أن يكون جمعا، والآخر: أن يكون مصدرا، وقد جاءت أحرف في غير المصادر وهي قليلة.
فالجمع إذا كان على فُعُول من المعتل اللام جاء على ضربين، أحدهما: أن تكون اللام واوا، والآخر: أن تكون ياء، فما كان اللام منه واوا من هذه الجموع قلب إلى الياء، وذلك نحو: حقو وحقيّ، ودلو ودليّ وعصا وعصيّ وصفا وصفيّ، فاللام إذا كانت واوا لزمها القلب على الاطراد إلى الياء، ثم قلبت واو فعول إلى الياء لإدغامها في الياء، وكسرت عين الفعل كما كسرت في مرميّ ونحوه، وقد جاءت حروف من ذلك قليلة على الأصل، فمن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم: إنكم لتنظرون في نحوّ كثيرة «٣».
стр. 1993
وحكى غيره في جمع نحو الذي يعنى به السحاب: نحوّ، وفي حَمَا: حُمُوُّ، وأنشد:
وأصبحت من أدنى حُمُوّتها حما «١» فما كان كذلك فإنّ كسر الفاء فيه مطّرد، وذلك نحو دليّ وحقيّ وعصبيّ. وجاز ذلك فيها لأنها غيّرت تغييرين، وهما: أن الواو التي هي لام قلبت، والواو التي كانت قبلها قلبت أيضا، فلما غيّرت تغييرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء، كما أن باب: حنيفة، وجديلة، في الإضافة لما غير تغييرين قوي على حذف الياء في قولهم: جدليّ، وحنفيّ، وفرضيّ وقد تركوا أحرفا من ذلك على الأصل فلم تغير فقالوا في السليقة، سليقي، وفي عميرة كلب: عميري. وفي الخريبة خريبيّ، والمستمر هو الأول، فأما ما كان لامه ياء من هذا النحو نحو ثديّ وحليّ ولحيّ فقد كسروا الفاء منه أيضا فقالوا: ثديّ وحليّ وإن لم يغيروا التغييرين اللذين
ذكرنا في باب حقيّ وعصيّ وذلك لأنهم أجروا الياء هاهنا مجرى الواو، كما أجروها مجراها في اتّسر واتّبس، إذا أردت: افتعل من اليُسر واليُبس، فاستمر الكسر في فاء ما كان من الياء كما استمر في باب الواو الذي غير تغييرين لإجرائهم الياء مجرى الواو، لأنهم قد غيّروا أيضا في باب النصب لتغيير واحد، فقالوا:
قرشي وهذلي، فحذفوا الياء لمّا ألحقوا ياءي الإضافة.
وأما ما كان من ذلك مصدرا فما كان من الواو فالقياس فيه أن
стр. 1994
يصحح نحو: العتو والقلو، لأن واوه لم يلزمها الانقلاب كما لزمها الانقلاب في الجمع، ولكن لما كانوا قد قلبوا الواو من هذا النحو وإن كان مفردا نحو: معديّ ومرميّ، وقلب ما كان قبل الآخر بحرف كما قلب الآخر نحو صيّم، وما كان على وزنه، وغيّر تغييرين كما غيروا في الجمع، قلبوا ذلك أيضا في نحو عتيّ، وزعموا أن في حرف عبد الله: (ظلما وعليا) [النمل/ ١٤] في علوّ ولم يكن شبه هذا الضرب للجمع حيث وافقه في البناء، وغير تغييرين بدون شبه أحمد بأشرب، فأجري المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه.
فأما ما كان من هذه المصادر من الياء، فليس يستمر الكسر في فائه، كما استمر في الجمع، وفي المصادر التي من الواو، ألا ترى أن المضيّ في نحو: فما استطاعوا مضيا [يس/ ٦٧] ليس أحد يروي فيه الكسر فيما علمناه، وحكى أبو عمر عن أبي زيد: أوى إليه إويا، ومما يؤكّد الكسر في هذا النحو أنهم قالوا: قسيّ وألزموها كسر الفاء، ولم نعلم أحدا يسكن إلى روايته حكى فيه غير الكسر، وذلك أنه قلبت الواو إلى موضع اللام، فلما وقعت موقعها قلبت كما تقلب الواو إذا كانت لاما، وكسرت الفاء وألزمت الكسر فأن لم نسمع فيها غيره دلالة على تمكّن الكسر في هذا الباب.
قال أبو الحسن: أكثر القراء يضمون أوّل هذا، يعني: (عتيّا).
قال: وكذلك: الجثّي، والبكي، والصليّ، قال: وزعم يونس أنها لغة تميم، وغيرهم يكسر. قال أبو الحسن: وسمعناه من العرب مكسورا سوى بني تميم في المصدر والجمع.
[مريم: ٩]
اختلفوا في قوله جل وعز: خلقتك و (خلقناك) [مريم/ ٩].
стр. 1995
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: خلقتك بالتاء من غير ألف.
وقرأ حمزة والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف «١».
حجة من قال: وقد خلقتك من قبل أن قبله: قال ربك هو علي هين وقد خلقتك. وحجة من قال: (وقد خلقناك) أنه قد جاء لفظ الجمع بعد لفظ الإفراد، قال: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء/ ١] وجاء بعد: وآتينا موسى الكتاب [الإسراء/ ٢] وقال:
ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون [الحجر/ ٢٦] ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه [ق/ ١٦] ولقد خلقناكم ثم صورناكم [الأعراف/ ١١]، ونحو ذلك.
[مريم: ١٩]
اختلفوا في قوله : (ليهب) [مريم/ ١٩].
فقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: لأهب بالهمز. وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش والحلواني عن قالون:
(ليهب لك) بغير همز. وفي رواية غير ورش عن نافع: لأهب لك بالهمز «٢».
حجة من قال: لأهب لك، فأسند الفعل إلى المتكلم، والهبة لله سبحانه، ومنه أن الرسول والوكيل قد يسندون هذا النحو إلى أنفسهم، فإن كان الفعل للموكل والمرسل للعلم بأنه في المعنى للمرسل، وأن الرسول والوكيل مترجم عنه، ومن قال: (ليهب لك) فهو على تصحيح اللغة على المعنى، ففي قوله: (ليهب لك) ضمير من
стр. 1996
قوله ربك، وهو سبحانه الواهب. وزعموا أن في حرف أبي وابن مسعود: (وليهب لك)، ولو خفّفت الهمزة من لأهب لكان في قول أبي الحسن: (ليهب) فتقلبها ياء محضة، وفي قول الخليل لأهب تجعلها بين الياء والهمزة.
[مريم: ٢٣]
اختلفوا في كسر النون وفتحها من قوله : نسيا منسيا [مريم/ ٢٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي:
(نسيا) بكسر النون.
وقرأ حمزة بفتح النون.
واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه: (نسيا) كسرا، وروى حفص عن عاصم نسيا فتحا مثل حمزة «١».
وقال أبو الحسن: النسي: هو الشيء الحقير ينسى نحو النعل والسوط، وقال غيره: النّسي ما أغفل من شيء حقير، وقال بعضهم:
ما إذا ذكر لم يطلب، وقالوا: الكسر أعلى اللغتين. وقال الشنفرى:
كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أُمّها وإن تحدّثك تبلت
«٢»
[مريم: ٢٤]
اختلفوا في فتح الميم والتاء وكسرها من قوله جل وعز: من تحتها [مريم/ ٢٤].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر:
(من تحتها) بفتح الميم والتاء.
стр. 1997
وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم والتاء «١».
قال أبو علي: من تحتها لأنه إنما هو جبريل ﵇، أو عيسى، وقال بعض أهل التأويل: لا يكون إلا عيسى، ولا يكون جبريل لأنه لو كان جبريل لناداها من فوقها. وقد يجوز أن يكون جبريل، وليس قوله من تحتها يراد به الجهة المحاذية للتمكن من تحته، ولكن المعنى: فناداها من دونها، ويدلّ على ذلك قوله: قد جعل ربك تحتك سريا [مريم/ ٢٤] فلم يكن الجدول محاذيا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا، أي: دوننا في الموضع، قال ذلك أبو الحسن، فمن تحتها، أبين لأن المنادي أحد هذين، وأن يكون المنادي عيسى أشبه وأشدّ إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام، لما يوجد به طعن عليها، لأن ذلك يثقل على طباع البشر، ألا ترى قوله للنبي ﷺ : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون [الأنعام/ ٣٣] وقوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [الحجر/ ٩٧] وإذا قال: من تحتها، كان عاما، فلم يبلغ في إزالة وحشتها وهمّها ما يبلغه نداء عيسى ﵇.
ووجه من قرأ: (من تحتها): أنه وضع اللفظة العامة موضع اللفظ الخاص، فقال: (من تحتها) وهو يريد عيسى صلى الله عليه كما تقول: رأيت من عندك، وأنت تعني واحدا بعينه.
[مريم: ٢٥]
اختلفوا في قوله تعالى: تساقط عليك [مريم/ ٢٥].
стр. 1998
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: (تساقط) بالتاء «١» مشددة السين.
وقرأ حمزة: (تساقط) بالتاء «١» مخففة السين.
واختلف عن عاصم فروى عنه أبو بكر: (تسّاقط) مثل أبي عمرو وروى عنه حفص تساقط بضم التاء، وكسر القاف مخفّفة السين «٣».
قال أبو علي: هذه الوجوه كلّها متفقة في المعنى إلا ما رواه حفص عن عاصم، ألا ترى أن قول حمزة: (تسّاقط) إنما هو تتساقط، فحذف التاء التي أدغمها غيره، وكلّهم جعل فاعل الفعل الذي هو (تسّاقط) أو تساقط في رواية حفص: النخلة، ويجوز بأن يكون فاعل تساقط أو تساقط هو: جذع النخلة، إلا أنه لما حذف المضاف أسند الفعل إلى النخلة في اللفظ، ويجوز في قراءة عاصم: تساقط هزُّهُ النخلة فيحذف، أو: تساقط النخلة، فأمّا تعديتهم تساقط وهو تفاعل، فإن يتفاعل مطاوع فاعل، كما أن تفعل مطاوع فَعَّل، فكما عدّى تفعل في نحو: تجرعته وتمليته، وتمزّزته، كذلك عدي تفاعل، فمما جاء من ذلك في الشعر قول ذي الرمة:
ومن جودة غفل بساط تحاسنت ... بها الوشي قرّات الرياح وخورها
«٤» ومن ذلك قول الآخر:
стр. 1999
تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطالع الدين الغريم
«١» وأنشد أبو عبيدة لأوفى بن مطر:
تخاطأت النبل أحشاءه ... وأخّر يومي فلم يعجل
«٢» قال هو في موضع أخطأت، وأنشد للأعشى:
ربّي كريم لا يكدّر نعمة ... وإذا تنوشد بالمهارق أنشدا
«٣» قال: هو في موضع نشد، أي: يسأل بالكتب، وهي المهارق، وأنشد لامرئ القيس:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تناساني إذا قمت سربالي
«٤» قال: يريد تنسيني. وقد قرأ غيرهم: (يتساقط). فمن قرأ كذلك أمكن أن يكون فاعله الهزّ، لأن قوله: هزي قد دل على الهزّ، فإذا كان كذلك جاز أن يضمره كما أضمر الكذب في قوله: من كذب كان شرا له، ويمكن أن يكون الجذع، أي: يساقط عليك الجذع، ويجوز في الفعل إذا أسند إلى الجذع وجهان: أحدهما أن الفعل أضيف إلى الجذع كما أضيف إلى النخلة برمتها، لأن الجذع معظمها. والآخر:
стр. 2000
أن يكون الجذع منفردا عن النخلة يسقط عليها، ويكون سقوط الرطب من الجذع آية لعيسى ﵇، ويصير سقوط الرطب من الجذع أسكن لنفسها وأشد إزالة لاهتمامها، وسقوط الرطب من الجذع منفردا عن النخل مثل رزقها الذي كان يأتيها في المحراب في قوله: كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا [آل عمران/ ٣٧] إلى قوله: قالت هو من عند الله [آل عمران/ ٣٧].
وقوله: رطبا في هذه الوجوه منصوب على أنه مفعول به، ويجوز في قوله: (تساقط عليك): أي تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ويكون انتصاب رطب على الحال، وجاز أن تُضمر الثمرة وإن لم يجر لها ذكر، لأن ذكر النخلة يدلّ عليها كما دلّ البرق على الرعد فيما ذكرناه فيما مر.
فأما الباء في قوله: هزي إليك بجذع النخلة، فتحتمل أمرين: أحدهما: أن تكون زائدة، كقولك: ألقى بيده، أي: ألقى يده، وقوله:
بواد يمان ينبت الشّثّ حوله ... وأسفله بالمرخ والشّبهان
«١» ونحو ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وهزي إليك بجذع النخلة أي: بهز جذع النخلة رطبا كما قال: